ربطة‭ ‬عنق‭ ‬صفراء

الجديد  مازن المعموري [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(116)]

تخطيط: توفيق حمدي
مشاهد الجزع

رتقت‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬بأخشاب‭ ‬صناديق‭ ‬الأسلحة‭ ‬الخضراء

وظروف‭ ‬الرصاص‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬في‭ ‬فمي‭ ‬منذ‭ ‬يوم‭ ‬البارحة

دون‭ ‬أن‭ ‬ألمس‭ ‬زناد‭ ‬البندقية

أحلف‭ ‬لكم

بأنني‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬من‭ ‬صفائح‭ ‬ملطخة‭ ‬بأنابيب‭ ‬النفط

وأشرب‭ ‬ما‭ ‬تذرفه‭ ‬عيون‭ ‬مسمّرة‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬المبكى

دون‭ ‬أن‭ ‬أطلب‭ ‬أيّ‭ ‬شيء

فقد‭ ‬غرسني‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬البيت

وقطفتني‭ ‬أفعى‭ ‬سوداء‭ ‬في‭ ‬حلم‭ ‬قديم‭.‬

***

تبحث‭ ‬السمكة‭ ‬عن‭ ‬جرح‭ ‬الخاتم‭ ‬الموصود‭ ‬في‭ ‬بطنها

تجر‭ ‬معها‭ ‬عتلات‭ ‬البنادق

تلمس‭ ‬الطين‭ ‬لتفتح‭ ‬بابا‭ ‬خلفها

الصياد‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬جرف‭ ‬النهر‭ ‬يقترض‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬سمكة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬جرح‭ ‬خاتم‭ ‬موصود

ويلمس‭ ‬طينة‭ ‬صدئت‭ ‬على‭ ‬الجرف‭.‬

***

في‭ ‬الانفجار‭ ‬الأخير

وجدت‭ ‬يدي‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬أغصان‭ ‬شجرة‭ ‬السدر

وقد‭ ‬حشر‭ ‬فيها‭ ‬طائر‭ ‬السنونو‭ ‬بيوضه‭ ‬المرقطة

فيما‭ ‬تقوست‭ ‬بعض‭ ‬الأوراق‭ ‬لترتشف‭ ‬رائحة‭ ‬العفن‭ ‬وأسراب‭ ‬النمل‭ ‬التي‭ ‬غزت‭ ‬جذع‭ ‬الشجرة‭ ‬المتورم‭ ‬بقطع‭ ‬البراغي‭ ‬واسطوانات‭ ‬الماكنة‭ ‬البلهاء‭.‬

‮ ‬

بيوض سوداء

بلا‭ ‬جسد‭ ‬أتكاسل‭ ‬عن‭ ‬المرور

بلا‭ ‬جسد‭ ‬أتوسّد‭ ‬حلمة‭ ‬ظلامك

ثم‭ ‬أقود‭ ‬خيطا‭ ‬من‭ ‬اصفرار‭ ‬السنابل‭ ‬حول‭ ‬غيمة‭.‬

***

فوق‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬اليد‭ ‬الممسوسة‭ ‬بالتوجس

فوق‭ ‬صخرة‭ ‬اليد‭ ‬المعتادة‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬الهواء‭ ‬الممتد

اليد‭ ‬تتكلم‭ ‬على‭ ‬الجدران

اليد‭ ‬فكرة‭ ‬الانفجار‭ ‬المنثور‭ ‬في‭ ‬الشارع‭.‬

***

تستلقي‭ ‬الذبابة‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬البارد‭ ‬للوحل

تستلقي‭ ‬البندقية‭ ‬على‭ ‬تجاويف‭ ‬الله

في‭ ‬القلعة‭ ‬المديدة‭ ‬لتراتيل‭ ‬الوهم

وتهدل‭ ‬العمائم‭ ‬على‭ ‬أكوام‭ ‬الحفاضات‭ ‬النسائية

مرمية‭ ‬بعبث‭ ‬غامر‭ ‬وسط‭ ‬الغرفة‭ ‬الشاسعة‭ ‬لنمو‭ ‬عشب‭ ‬الزواج‭ ‬المقدس

وبروز‭ ‬أظلاف‭ ‬اليعاسيب‭ ‬على‭ ‬شراشف‭ ‬المارة

أطفال‭ ‬يتدحرجون‭ ‬بقمصان‭ ‬مكتوب‭ ‬على‭ ‬ظهرها‭ ‬“سبايكر”

نساء‭ ‬يقدمن‭ ‬المشورة‭ ‬لفحص‭ ‬البكارة‭ ‬بعلب‭ ‬أميركية

تعاويذ‭ ‬وأسماء‭ ‬مبعثرة‭ ‬على‭ ‬الحيطان

الخوف‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ندبة‭ ‬في‭ ‬هواء‭ ‬المدن‭.‬

***

بحر‭ ‬آخر‭ ‬للقاء‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬الباص‭ ‬اليومي

ما‭ ‬تحمله‭ ‬تراتيل‭ ‬العجائز

يقدم‭ ‬لنا‭ ‬سلسلة‭ ‬متواصلة‭ ‬من‭ ‬القناعات‭ ‬بالحجاب‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬أعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬وما‭ ‬سأراه‭ ‬قريبا‭ ‬عند‭ ‬دكة‭ ‬الغياب

أسير‭ ‬مع‭ ‬الطائر‭ ‬الوحيد

وفي‭ ‬يدي‭ ‬تفاحة‭ ‬مقلمة‭ ‬بخطوط‭ ‬الغابات‭ ‬العنيدة‭ ‬وبروز‭ ‬أظلافي

في‭ ‬الغيوم

أرى‭ ‬تشقق‭ ‬أصابعي‭ ‬عند‭ ‬منعطف‭ ‬المرآة

لكنني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬غير‭ ‬جانب‭ ‬وحيد‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬يسيل‭ ‬على‭ ‬براز‭ ‬المائدة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لروح‭ ‬الشاعر‭.‬

سيارة إسعاف

البياض‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬الجثة‭ ‬الملقاة‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬الليلة‭ ‬الفائتة

بصيص‭ ‬الإنارة‭ ‬في‭ ‬ممر‭ ‬المستشفى‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬لمعان‭ ‬نظارات‭ ‬أبي‭ ‬المعلقة‭ ‬بمروحة‭ ‬السقف

صوت‭ ‬النعيق‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬قوقعة‭ ‬أمي‭ ‬النائمة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬الكراجات

مسارات‭ ‬النمل‭ ‬لا‭ ‬تنام‭ ‬أثناء‭ ‬الواجب‭.. ‬ما‭ ‬عداي

فلي‭ ‬ساق‭ ‬ثالثة‭.. ‬احتياط

ملفوفة‭ ‬ببقجة‭ ‬جدتي

صافرة‭ ‬الإسعاف‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬التنزه‭ ‬قرب‭ ‬انفجار‭ ‬قديم

لكنها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تناثر‭ ‬النوارس‭ ‬قرب‭ ‬جسر‭ ‬الحلة‭ ‬العتيق‭.‬

حذاء أشيب

في‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬رميت‭ ‬حذائي‭ ‬خلف‭ ‬البيت،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صرخ‭ ‬بوجهي‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬التعب

الصدفة‭ ‬وحدها‭ ‬من‭ ‬جعلتني‭ ‬أنتبه‭ ‬لوجود‭ ‬بعض‭ ‬الأعشاب‭ ‬تثقب‭ ‬وجهه‭ ‬المبتور

وبروز‭ ‬شعر‭ ‬أشيب‭ ‬من‭ ‬كعبه‭ ‬المتيبس‭.‬

***

الأشرطة‭ ‬المرمية‭ ‬بحضن‭ ‬جلده‭ ‬الأجرد

تتقيأ‭ ‬بعض‭ ‬ثلْمات‭ ‬الرصاص‭ ‬الصدئة

وهي‭ ‬ترصع‭ ‬سواده‭ ‬بكل‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تعلقت‭ ‬برقبة‭ ‬سلحفاة‭ ‬نائمة

خرجت‭ ‬توّا‭ ‬إلى‭ ‬الحديقة‭.‬

***

ما‭ ‬زلت‭ ‬أشمّ‭ ‬عفن‭ ‬قدمي‭ ‬واغتياظ‭ ‬أمي‭ ‬من‭ ‬رائحة‭ ‬الحرب

كلما‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬ربطة‭ ‬الحذاء‭ ‬الصفراء‭ ‬التي‭ ‬سرقتها‭ ‬من‭ ‬جندي‭ ‬انضباط‭.‬

سوق جميلة

طراطيش‭ ‬العربات‭ ‬المحمّلة‭ ‬بصناديق‭ ‬الطماطم‭ ‬وأكوام‭ ‬البطاطس

لفّتْ‭ ‬عباءات‭ ‬النساء‭ ‬بصور‭ ‬أطفال‭ ‬النايلون

وعيونهم‭ ‬مشدودة‭ ‬نحو‭ ‬السلال‭ ‬المحروقة‭ ‬وبقايا‭ ‬أوراق‭ ‬نقدية‭ ‬تحاول‭ ‬الفرار‭.‬

***

سيارات‭ ‬الحمل‭ ‬المليئة‭ ‬بالخضروات‭ ‬تركض‭ ‬بسيقان‭ ‬عرجاء

بعض‭ ‬الأصابع‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تشاهد‭ ‬حلبة‭ ‬الركض‭ ‬مسرعة‭ ‬للتمسك‭ ‬بآخر‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الأسيجة

المحلات‭ ‬المكتظة‭ ‬نزعت‭ ‬عباءاتها‭ ‬الممزقة

بانتظار‭ ‬هجير‭ ‬الشمس‭ ‬ليمشط‭ ‬الأعمدة‭ ‬والجدران

بــ‭)‬حلّال‭ ‬المشاكل).

***

فص‭ ‬العين‭ ‬الذي‭ ‬وجدته‭ ‬خلف‭ ‬دراجتي‭ ‬الهوائية

مازال‭ ‬يتحرك‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬فاصل‭ ‬إعلاني‭ ‬يتكرر‭.‬

***

امرأة‭ ‬عجوز‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬سبب

غير‭ ‬منطقي‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬السوق

رغم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الأشلاء‭ ‬الممزقة‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬تلبس‭ ‬الحزام‭ ‬الناسف‭ ‬لتبرر‭ ‬وجود‭ ‬الله‭.‬

مفخّخات

كل‭ ‬شيء‭ ‬جاهز‭ ‬للنوم

لحظة‭ ‬ربط‭ ‬الأسلاك

تشميع‭ ‬الأدمغة‭ ‬العراقية‭ ‬قبل‭ ‬الصراخ

رفع‭ ‬الشوارع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يمسها‭ ‬بلل‭ ‬الخوف

تأويل‭ ‬قدح‭ ‬من‭ ‬الغيمة

شفط‭ ‬لعاب‭ ‬الكائن‭ ‬الجالس‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬بانتظار‭ ‬الأرواح

تمديد‭ ‬حركة‭ ‬الاشمئزاز‭ ‬من‭ ‬الصورة

كل‭ ‬شيء‭ ‬جاهز

فخ

مخ

يد

رأس‭ ‬محروق

جوارب‭ ‬الله‭ ‬تسيل‭ ‬على‭ ‬أساور‭ ‬التراب

تلبس‭ ‬نعومة‭ ‬الدم‭ ‬والإسفلت

تختزل‭ ‬الألوان‭ ‬بالعمى‭ ‬وتورق‭ ‬إسفنجة‭ ‬الموت

ليس‭ ‬ما‭ ‬يتبقى‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬فعلا،‭ ‬بل‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تتركه‭ ‬أشنات‭ ‬الفكرة‭ ‬المدوية

في‭ ‬قيعان‭ ‬الأبدية

نزع‭ ‬النظارات‭ ‬من‭ ‬شفة‭ ‬القبلة‭ ‬الأخيرة

انتظار‭ ‬الازدحام‭ ‬القادم

التحديق‭ ‬بما‭ ‬يجلس‭ ‬خلف‭ ‬التراكم‭ ‬المر‭.‬


شاعر من العراق