تجبير‭ ‬الشيخوخة‭ ‬بضلوع‭ ‬الشباب

الجديد  أحمد ضياء [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(120)]

لوحة: حسين جمعان
هجومٌ ناضج

وسط عملية جراحية

أعرض‭ ‬مفاتن‭ ‬الحربِ‭ ‬على‭ ‬أكثرِ‭ ‬من‭ ‬قاتلٍ

للمستوحشين،‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬اشتعالَ‭ ‬العمرِ‭ ‬بجرعةِ‭ ‬تابوتٍ‭ ‬جاف

أفتحُ‭ ‬طلباتَ‭ ‬المساكين‭ ‬وأحشو‭ ‬المخابزَ‭ ‬بها

أقلعُ

ابتلعُ

أواكبُ‭ ‬الركبَ

أذبحُ‭ ‬العقمَ‭ ‬من‭ ‬نسلِ‭ ‬الأورامِ‭ ‬ذات‭ ‬العرباتِ‭ ‬المتغنجة

تزعقُ‭ ‬المقابرُ‭ ‬من‭ ‬صالةِ‭ ‬العمليات

منسوجونَ‭ ‬برداءٍ‭ ‬يلتفُ‭ ‬على‭ ‬حفرةٍ‭ ‬تغرورقُ‭ ‬بالعصف

نجثمُ‭ ‬على‭ ‬سطحِ‭ ‬الجنازةِ‭ ‬ونورقُ‭ ‬الكفنَ‭ ‬بالدموع

نجلسُ‭ ‬وصهاريجٌ‭ ‬من‭ ‬العطفِ‭ ‬تنثالُ‭ ‬على‭ ‬رؤوسنا

هي‭ ‬الطيبةُ،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الجرحَ‭ ‬مسمارٌ‭ ‬سكنَ‭ ‬هوادجَ‭ ‬الفؤادِ

مزاليجٌ‭ ‬في‭ ‬أبوابِ‭ ‬صدغي‭ ‬تغلقُ‭ ‬لسانَها‭ ‬الشائخَ

يتقرفصُ‭ ‬وجعُ‭ ‬الطفلِ‭ ‬المهزومِ‭ ‬بشرائحِ‭ ‬ذكراه

كلبٌ‭ ‬يشمُّ‭.. ‬يتمسكُ‭ ‬بالسيارة،‭ ‬ينبحُ‭ ‬مولداً‭ ‬أرقاً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬يُدافع‭ ‬عنا‭ ‬ضد‭ ‬القتلِ‭.‬

يا‭ ‬أنت‭.. ‬الأجدى‭ ‬بي‭ ‬أن‭ ‬أتخذك‭ ‬أخاً،‭ ‬مرةً‭ ‬أصابني‭ ‬الخوف،‭ ‬كانت‭ ‬عطسته‭ ‬تلثغُ‭ ‬إبط‭ ‬الموت،‭ ‬يغسلُ‭ ‬انتحارنا‭ ‬بالصوتِ‭.‬

أزرارُ‭ ‬الحرية‭ ‬تمسكُ‭ ‬رقاب‭ ‬المبتدئين،‭ ‬انتحاراتنا‭ ‬تُزفُّ،‭ ‬خلايانا‭ ‬إبرٌ‭ ‬تشكُ‭ ‬الضيم،‭ ‬يرشيني‭ ‬الهرسُ‭ ‬في‭ ‬أحشاءِ‭ ‬دوائر‭ ‬تبتاعُ‭ ‬القصف‭.‬

شرائحٌ

للمدافنِ‭ ‬شاشةٌ‭ ‬توشوشُ‭ ‬في‭ ‬أُذنِ‭ ‬الميت

أدلقُ‭ ‬حسرتي‭ ‬في‭ ‬إناء‭ ‬وأرتدي‭ ‬عُري‭ ‬الأقدامِ

جرّةً‭ ‬مهشمةً‭ ‬يصيّرُني‭ ‬الانفجار‭ ‬وبمقاساتٍ‭ ‬متباعدة

انتحاريٌ‭ ‬يعصرُ‭ ‬وجهي‭ ‬بخرائب‭ ‬ذابلةٍ‭ ‬متسلحةٍ‭ ‬بالقتلى

واجمةٌ‭ ‬تلك‭ ‬العيونُ‭ ‬اللامعةُ‭ ‬بشيخوخةِ‭ ‬الغبار

باكينَ‭ ‬بحجمِ‭ ‬الدمِ‭ ‬المتهدل‭ ‬من‭ ‬ثنايا‭ ‬السياراتِ‭ ‬المنفجرة

لمَ‭ ‬لا‭ ‬نطفئُ‭ ‬صوت‭ ‬العدوى‭ ‬لينتقل‭ ‬المهرولون‭ ‬عبر‭ ‬أثيرِ‭ ‬التحول؟

أمضغُ‭ ‬الورقَ‭ ‬المنزلق‭ ‬من‭ ‬شجرِ‭ ‬الأماكن

أهرولُ‭ ‬كسرّةِ‭ ‬الشمس‭ ‬اللاهثة‭ ‬بشخيرِ‭ ‬أطفالكم

تدحرجتُ‭ ‬على‭ ‬عتبةِ‭ ‬القصف‭ ‬وجسدي‭ ‬مركبة‭ ‬باردة

تسورُ‭ ‬الخفافيشُ‭ ‬فتزفَّ‭ ‬موتانا‭ ‬بضمادِ‭ ‬العتمة

أحملُ‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬حقيبتي،‭ ‬أوزّعه‭ ‬بين‭ ‬جدائلي

أطلقهُ‭ ‬في‭ ‬فضاءٍ‭ ‬يلدُ‭ ‬الآفاق‭ ‬عتبة‭ ‬بابٍ‭ ‬تجوبُها‭ ‬الضحايا

تُهرَسُ‭ ‬الرؤوس‭ ‬بمساحيقَ‭ ‬تحتشدُ‭ ‬بفوهةِ‭ ‬القناص

تُخيطُني‭ ‬مُلابَساتُ‭ ‬الحادثِ‭ ‬إذ‭ ‬تتكلمُ‭ ‬بذراعي‭ ‬وقدمي‭ ‬المنزوعتين‭ ‬وتتركُ‭ ‬الجاني‭ ‬يتفرجُ‭ ‬على‭ ‬بدني‭ ‬المُقرم‭.‬

أوبّخ‭ ‬عيني‭ ‬أمنعها‭ ‬من‭ ‬التحرر

يدعسُ‭ ‬الموتُ‭ ‬أفواهنا‭ ‬بالكاتم

أرسلُ‭ ‬موجات‭ ‬رؤياها

أعشاشٌ‭ ‬بمشاجبَ‭ ‬تموءُ‭ ‬بصعقةِ‭ ‬عباءات‭ ‬توشوشُ‭ ‬فيَّ

أُجبرُ‭ ‬الشيخوخةَ‭ ‬بضلوعِ‭ ‬الشباب

تضمحلُ‭ ‬شظايا‭ ‬برادةَ‭ ‬الحديدِ‭ ‬الساقطة‭ ‬من‭ ‬تدهورها

وتلتئم‭ ‬في‭ ‬تذوّق‭ ‬أحبار‭ ‬أجسادنا‭.‬

أنا‭ ‬قاتلٌ‭ ‬لطيف

ضلوعي‭ ‬غاراتٌ‭ ‬ناشفةٌ‭ ‬من‭ ‬القذيفةِ‭.‬

أسلاكُ‭ ‬الكهرباءِ‭ ‬تطبخُنا

تفرغُ‭ ‬شحناتها

تفركُ

تقرعُ

تصيخُ‭ ‬الغضب،‭ ‬تكوّم‭ ‬قبعة‭ ‬الماء‭ ‬بأرجوحةِ‭ ‬المغسلِ‭.‬

‮ ‬في خنادقِ الحرب

لا‭ ‬تتكئُ‭ ‬المسالخُ‭ ‬عند‭ ‬أصيصِ‭ ‬التربة

لألاّ‭ ‬يتسخُ‭ ‬فتقُ‭ ‬الانتحاري‭.‬

***

بعد‭ ‬أن‭ ‬تقيأتنا‭ ‬الحروبُ‭ ‬متنفرزة

جاءت‭ ‬المفخخات‭ ‬تعيد‭ ‬أمجادها

على‭ ‬خصر‭ ‬الرماد‭.‬

***

تنامُ‭ ‬الرصاصة‭ ‬مبلطةٌ‭ ‬رأسي‭ ‬بمعجونِ‭ ‬البارود

باتت‭ ‬البطانياتُ‭ ‬كيساً‭ ‬تستعمل‭ ‬لحمل‭ ‬الجثث‭.‬

***

في‭ ‬خندقِ‭ ‬الحرب‭ ‬النسّاجون‭ ‬للدخان

تترقرق‭ ‬في‭ ‬عيونهم‭ ‬التجاعيدُ‭.‬

***

بائتٌ‭ ‬سروالي‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬جبالٍ

تلمع‭ ‬جسدي‭ ‬التائه،

جسدي‭ ‬ورقة‭ ‬يتكسرُ‭ ‬بالماء‭.‬

***

تبصق‭ ‬البيوتُ‭ ‬تفخيخها

بعد‭ ‬رفسها‭ ‬ببسطال‭ ‬يتزحلقُ‭ ‬في‭ ‬حنجرة‭ ‬الأرض‭.‬

***

بلاعيم‭ ‬الوقت‭ ‬تتصارعُ‭ ‬تروّجُ‭ ‬ازدراءها

تتأكسدُ‭ ‬متمطيةً

تنفجرُ‭ ‬كسكينٍ‭ ‬بيد‭ ‬النهار‭.‬

***

يطمرُ‭ ‬الجنديُّ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬هروبه‭ ‬المبقع‭ ‬برسائل‭ ‬حبيبته

يستلذ‭ ‬الغاطسُ‭ ‬بتخمة‭ ‬دمي‭ ‬المتدفق‭ ‬في‭ ‬البركة

يسيرُ‭ ‬بقذائفه

عودنا‭ ‬على‭ ‬لملمة‭ ‬أجزائنا‭ ‬بمجرف‭ ‬منفانا‭.‬

***

حبلى‭ ‬المدافعُ‭ ‬ببشائرِ‭ ‬أطفالٍ‭ ‬مخضبة‭ ‬بهمجية‭ ‬السقوط‭.‬

نخافُ‭ ‬خدشَ‭ ‬العطش

نرقبُ‭ ‬مشاعرهُ

وهو‭ ‬يدكُّ‭ ‬أجوافنا‭ ‬ببراءة‭ ‬طفلٍ

نبشَ‭ ‬القذائف‭ ‬المبللة‭ ‬من‭ ‬عيون‭ ‬أمه‭.‬

***

غير‭ ‬مكترثٍ‭ ‬لذراعي‭ ‬النازفة‭ ‬كنتُ‭ ‬بين‭ ‬القتلى‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬مكعبات‭ ‬لحم‭ ‬أخي‭.‬

لا‭ ‬سبيلَ‭ ‬للصراخِ

جلُّ‭ ‬ما‭ ‬أرغب‭ ‬به‭ ‬موتٌ‭ ‬بلا‭ ‬شظية‭.‬

***

سلالمُ‭ ‬السراديب‭ ‬رثةٌ‭ ‬تعجُ‭ ‬بعفن‭ ‬الموتى‭ ‬وطنينُ‭ ‬جذامِ‭ ‬الأقبية‭.‬

العظامُ‭ ‬تستغيثُ‭ ‬انكشاط‭ ‬قوتها،

الميتُ‭ ‬يا‭ ‬ولدي

رقبة‭ ‬طائر‭ ‬يطقطقُ‭ ‬في‭ ‬مستودع‭ ‬الصيد‭.‬

***

أولدنا‭ ‬مسوخاً؟

في‭ ‬مقبرةِ‭ ‬الغرباءِ‭ ‬الجثثُ‭ ‬لها‭ ‬طعمٌ‭ ‬آخر

بثورُها‭ ‬وطنٌ‭ ‬يهرشُ‭ ‬هلوسته‭ ‬في‭ ‬ظفائرِ‭ ‬الحرب

لهبُ‭ ‬دمائِها‭ ‬يثغو‭ ‬بعلبٍ‭ ‬أفريزية

ماعت‭ ‬حلوقهم

جراء‭ ‬وضعها‭ ‬على‭ ‬أثاف‭ ‬تكرعُ‭ ‬أنفاسَ‭ ‬الجلاد‭.‬

‮ ‬

أفريزٌ للأجسادِ المتقطعة

شريطُ‭ ‬الفيديو‭ ‬يسدلُ‭ ‬كآبتي

جثةً‭ ‬عبر‭ ‬شاحناتٍ

تشدُ‭ ‬ذخيرة‭ ‬الامتعاضِ

أحرثُ‭ ‬عيني‭ ‬بمياهٍ‭ ‬تدخّنُ

أشلاءَ‭ ‬الرصاص

أسحبُ‭ ‬نعاسي‭ ‬وأتأمل

أوداجاً‭ ‬تعربدُ‭ ‬مخاضاتها‭.‬

أغرفُ‭ ‬بفصّيَّ‭ ‬دماء

القتلى،‭ ‬أرفعُ‭ ‬قبّعاتهم‭ ‬المدبوغةَ‭ ‬بالقناصِ

هكذا‭ ‬أخبرني‭ ‬الجنديُ‭ ‬وهو‭ ‬يخلعُ‭ ‬جزمتَهُ‭ ‬المتمرغلةَ‭ ‬بالأنين‭.‬

‮ ‬

برادُ قتلى

وملاعبٌ خماسيةٌ في رأسي

في‭ ‬الثلاجةِ،‭ ‬عتمة‭ ‬المقابر‭/ ‬رائحة‭ ‬العواء‭/ ‬المشرحة‭/ ‬السكاكين‭/ ‬لحوم‭ ‬متناثرة

فيها‭ ‬كلُ‭ ‬المساكين‭ ‬المنكبين‭ ‬على‭ ‬نافذتين‭ ‬من‭ ‬ملاهي‭ ‬الأطفال

لم‭ ‬تترك‭ ‬لنا‭ ‬بذاراً‭ ‬ننهلُ‭ ‬منه

كل‭ ‬أجنحتها‭ ‬دموع‭ ‬بلاستيكية‭ ‬تنكسر‭ ‬على‭ ‬ضفتينِ‭ ‬من‭ ‬العبوات

لم‭ ‬تترك‭ ‬ربّاً‭ ‬إلا‭ ‬وغازلته‭ ‬بأنفاسها‭ ‬ورائحة‭ ‬عرقها‭ ‬المتخثرة

في‭ ‬الثلاجة،‭ ‬ملابس‭ ‬أخي‭/ ‬شرشفُ‭ ‬المستشفى‭/ ‬سديةٌ‭ ‬عتيقة‭/ ‬لعبٌ‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الموتى

حيث‭ ‬الغبارُ‭ ‬المتطيّرُ‭ ‬من‭ ‬الدمِ‭.‬

فيها‭ ‬أركانٌ‭ ‬مسيجةٌ‭/ ‬قسمٌ‭ ‬متخصصٌ‭ ‬بالانفجاراتِ‭/ ‬قاعاتٌ‭ ‬تنحرُ‭ ‬شفرات‭ ‬البارحةِ،‭ ‬هي‭ ‬أفكارٌ‭ ‬جامحةٌ‭ ‬هي‭ ‬قطارٌ‭ ‬باردٌ‭ ‬أشعثٌ‭ ‬يتواردُ‭ ‬كنارٍ‭ ‬أنامُ‭ ‬بصلافة‭ ‬في‭ ‬أحداقها‭.‬

جسدي‭ ‬زلقٌ‭ ‬ينفلتُ‭ ‬من‭ ‬قبضةِ‭ ‬حائطٍ‭ ‬ملتهبٍ،‭ ‬يهرعُ‭ ‬راكضاً‭ ‬نحو‭ ‬خلاصةِ‭/ ‬يسحبُني‭ ‬القاتلُ‭ ‬بحزامةِ‭ ‬بعبوتيهِ‭ ‬الناسفتينِ‭ ‬بسياراته‭ ‬المفخخة‭ ‬نحو‭ ‬برجينِ‭ ‬منصهرين‭ ‬من‭ ‬الحياة‭.‬


شاعر من العراق