‬شعر‭ ‬تونسي

الجديد  [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(125)]

لوحة: حسين جمعان
‭‬لكل‭ ‬شاعر‭ ‬قصيدة

‮‬جماعة ما تحت السور هي الحركة الأدبية الأبرز في تاريخ الأدب التونسي، كونها، مطلع القرن العشرين، ثلة من أبرز المثقفين والكتاب والفنانين التونسيين، من الذين كانوا قبل الحرب العالمية الثانية يرتادون “مقهى تحت السور” بالحي الشعبي المحاذي لـباب سويقة بالعاصمة التونسية‭.‬ وقد مكّنت هذه الحركة النخبة في عهد الحماية بمختلف توجهاتها الفكرية من أدباء، شعراء، موسيقيين، فنانين، كوميديين من الالتقاء والتحاور في مختلف المواضيع‭.‬

سنين طوال مرت بعد الاستقلال شهد فيها الأدب التونسي غياب الحركات والتيارات الأدبية عن الساحة ما عدا بعض المجهودات الفردية في الكتابة والتأليف، لتأتي فيما بعد حركة الطليعة ببياناتها التي كانت أعلى من سقف المنجز الإبداعي ولتليها حركة التسعينيين التي حاولت أن تفتح أفقا جديدا أمام الأدب التونسي، لكنها هي الأخرى انفرط عقدها، وسيطرت عليها السلطة القائمة كما فعلت من قبل مع من سبقها، وجعلتها مجرد دار للحزب الحاكم المنحل، وبقي منها إلى اليوم فقط بعض تجارب فردية في معترك الكتابة‭.‬

ما قبل الثورة كان هناك حراك شبابي يطمح إلى تغيير المشهد الأدبي التونسي والثورة على ما أصابه من تكلس وخمول، ولم ينتظم عقد هذا الحراك، الذي طرح على نفسه تجريب النص قبل الخوض في التبيان والتبيين له، إلا بعد الثورة، حيث سمح فضاء الحريات الذي أفرزته الثورة وسقوط النظام السياسي الممتدة عروقه من قبل في أبسط أشكال الثقافة والتعبير الثقافي بالظهور أخيرا والتأسيس لنصوصه تحت ضوء الشمس لا في ظلمة الغرف المقفلة‭.‬

أصوات شعرية مختلفة، قادت الساحة الشعرية والأدبية في تونس، ربما أسماء “جديدة” لا يكفيها لتبيان ملامحها، هذه الأصوات الشعرية طرحت على نفسها بدائل جمالية ونصّية للخروج بالشعر التونسي إلى عوالم أخرى، حيث لذّة المجهول والتجريب‭.‬ الحركة الشعرية الجديدة في تونس أحيت الحراك الشعري التونسي الذي أمسى أكثر التصاقا بأرضه وأكثر تطلعا إلى التجديد في النص لا أرض له غير النص، أرض لا ثبات ولا استكانة فيها لا شكلا ولا مضمونا، وفي هذا الملف سنتحدث عن هذه الحركة التي انبثقت عنها حركة أخرى سميت بـ”حركة نص” كجزء من الحراك الشعري التونسي الذي يضم أسماء عديدة مثل: يوسف خديم الله، سفيان رجب، صبري الرحموني، خالد الهداجي، زياد عبدالقادر، صلاح بن عياد، أمامة الزاير، السيد التّوي، شفيق طارقي، أنور اليزيدي، نزار الحميدي، صابر العبسي، وليد تليلي، جميل عمامي،⊇ محمد العربي، أشرف القرقني، عبدالعزيز الهاشمي، محمد ناصر المولهي، فريد سعيداني، وليد أحمد الفرشيشي‭..‬ وغيرهم ‭.‬

قلم التحرير

نحن‭ ‬غجر‭ ‬النص

عبد الفتاح بن حمودة

تميمة كما يقول رولان بارت، ففي صباح غامض “تفتحت تلك الوردة في غبارها القديم” -كما يقول الشاعر حسب الشيخ جعفر- ليلتها ونحن نمسح القذى عن عيوننا، لم نصدق لسعة البرق ولم نصدق أحدا. خشينا أن تُحبس أنفاسنا أعواما ونحن نصرخ في النزع الأخير أقدامنا أدماها الحصى والجبل قرب أصابعنا، وقبل أن نغمض عيوننا مرّ جنرالات الموت على آلاف الجثث القديمة المتفحمة من أثر البنزين والكبريت.. لقد مروا عليها مثلما يمرّون على أوراق النعناع. وكان الموت يسعل لإخافتنا بشاربيه الطويلين.. ثم لا شيء آخر الوردة تصفّق فيها أعشاش الريح ويداها الحمراوان تصطكان مثل أسنان البرق. الوردة تعثر على شعرها الأسود لأول مرّة وفرسان الموت يمرون في خيلاء .

في النص، في حركته الداخلية الممضة العاتية، الحصى يتساقط من كل الجهات، في الطرقات وفوق الأشجار.. والأغصان تتمزق بفعل الحصى. وفي خضمّ ذلك تتلوى أصابع الشعراء مثل ثعابين جميلة وتتشابك مثل قوس قزح مقطوع.

دوما ثمة بنادق قنص وكلاب مدرّبة على الروائح وجنود ببدلاتهم الكاكية، حيث تقف عصا الكتابة مثل أفعى في يوم قائظ.

في الغابة لاشيء يفيد أن للنيران بطنا كبيرا، وأن لحاء الشجر يفيد اللون الأزرق .

نحن إذن ضيوف الغابة.. عشاءاتنا من لبن الماعز وأغطيتنا من وبر النُّوق وهتافات النسيان وقهقهات البرق في ضلوعنا.

الشاعر التونسي عبدالفتاح بن حمودة

نحن أبناء النّصّ/ الكلب...

تؤلمنا المسافة القصيرة ما بين الشعر وسيرة الأمكنة.

تؤلمنا القمصان الرثة للآخرين ليلا ونهارا، حيث يكون النبيذ أقرب إلى أرواحنا من صلاة.. النبيذ فعل الصلاة.

يؤلمنا وهْمُ الشيوخ والحراس وكهنة المعابد في الحكمة. يؤلمنا صراخ الأطفال حول ثريد أعراس الشعر الخاوية على موائد اللئام لسنا أيتاما، ولا شيء يخيفنا: لا البيت ولا الطريق! نحن الطريق!

لذلك أحذيتنا مثقوبة مشاؤون باستمرار مثل أخينا “آرثور رمبو”، دوما وسراويلنا ممزقة.

نعرف أهازيج البدو والرعاة وحداء الإبل، نعرف الأغنيات

السكرى والتلال والينابيع والقلال على ظهور العذارى !

نحب نبيذ النص ونحبّ سلال الذّهب مثل أصداف لامعة، والنجوم تمائمُ أرواحنا نجعلها صلبانا فوق صدوركم مثل معلّقة شكر !

عندما ينزّ العرق من بين أصابعنا نسبّ جلالة العالم بصوت مرتفع مادّين للمارة ألسنتنا الحمراء.

ثم نبصق على الرمل مُنزلين سراويلنا شماتة في الريح لأنها

تخجل من عوراتنا !

نحن لا نبدأ إلا من البحر !من البحر أولا أيها الرفاق.. يا توائم النجوم والأيائل !

ندخن سجائرنا التي هي بطعم الصنوبر بشراهة ونتقن الكلماتِ القذرة .

تعودنا أن نقرأ الشعر في البراري والحقول خلافا لأولئك الذين لا يقرؤون اللّيل إلا من الخارج ..

ها هي الآلة التي نكشط بها الحجارة !

لا بد لنا من منازل لها جدران عالية.

لا بد لنا من أسوار شائكة تحيط بمنازلنا.

لا بد لنا من حدائق.

لا بد لنا من غرف للنوم في منازلنا.

لا بد لغرف النوم من سماوات بيض وألسنة شمعدانات ولهب

خيزران.

لا بد لنا من غرف أخرى لمعرفة الله وطنين ذباب الأرض.

وأكثر من ذلك أيضا، لا بدّ لنا من غرف للسعال.

لا بدّ لنا من شرفات لنبصق منها على العالم.

في “حركة نص”، القصيدة مسمار تعلقون عليه معاطفكم وقلوبكم وأرواحكم!

لذلك لا وقت لنا لإلقاء اللوم على أوّل القرن.

النص غابة ونحن فؤوسها!

لا بد من العودة إلى الشعر حيث الفكرة أمضى من السيف

والمعنى أبلغ من جميع استراتيجيات القراءة.

عندما يصفق الشعر بداخلنا تصطفق ريح وراء الأبواب منادية شجر الغابات. لذلك تروننا باستمرار محتفلين بالمطر والبرق.

نحن غجرُ النص !

‬أَكتبُ عن النجم

‬صبري الرحموني

الشاعر التونسي صبري الرحموني

أَكتبُ‭ ‬عن‭ ‬النجمةِ‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬النهارِ‭ ‬لأن‭ ‬غيابها‭ ‬ذابح‭.‬

أكتبُ‭ ‬عن‭ ‬الشَّمس‭ ‬في‭ ‬العتمةِ‭ ‬لأن‭ ‬غيابها‭ ‬مخيف‭.‬

و‬بين‭ ‬الحشودِ‭ ‬أكتبُ‭ ‬عن‭ ‬خطوتي‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬قريتي‭..‬

الغيابُ‭ ‬قَفْرٌ‭ ‬موحشٌ‭ ‬و‭ ‬ضبعٌ‭ ‬ينهشُ‭ ‬رسغي

و‬غرابٌ‭ ‬ينتظر‭ ‬بقيتي‭..‬

أكتبُ‭ ‬كي‭ ‬أَصِلَ‭ ‬شيخا‭ ‬بطفولته

ونظرةً‭ ‬بنظرةٍ

وصيحةً‭ ‬بأُذُنٍ

البارحة‭ ‬كَتَبْتُ‭ ‬جَمَلاً‭ ‬كي‭ ‬يحملني‭ ‬“إليها”

لكنني‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬عودتي

اضْطَرَرْتُ‭ ‬لِحَمْلِهِ‭ ‬على‭ ‬كتفيَّ

فيما‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬طوال‭ ‬اللّيل‭ ‬يَلْعَقُ‭ ‬وجهي

بلسانه‭ ‬السميك‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬أنام‭.‬

حلول شاعر

‬عبد العزيز الهاشمي

لقد‭ ‬مرّت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيّام‭..‬

مازلنا‭ ‬نضع‭ ‬على‭ ‬المعدة‭ ‬كتبًا

فوق‭ ‬الأغطية‭ ‬كتبًا

تحت‭ ‬الفراش‭ ‬كتبا

بجانب‭ ‬الطّاولة‭ ‬كتبا

في‭ ‬الشّباك‭ ‬وقرب‭ ‬الباب‭ ‬كتبا

وعلى‭ ‬جسر‭ ‬موسيقى‭ ‬الرّحباني

‮ ‬كان‭ ‬يقرأ

قلت‭ ‬له‭:‬

أنا‭ ‬جائع‭ ‬هل‭ ‬سنأكل‭ ‬كتبا؟

أخرج‭ ‬من‭ ‬جيبه‭ ‬بحرًا،

ومن‭ ‬رأسه‭ ‬شبكةً

ثمّ‭ ‬قال‭:‬

اصطد‭ ‬لنفسك‭ ‬قصيدةً‭!‬

عامل النّظافة اللّيليّ

وليد تليلي

الشاعر التونسي وليد تليلي

أنا‭ ‬عامل‭ ‬النّظافة‭ ‬اللّيليّ

الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬أحد

أمّي‭ ‬أرملةٌ‭ ‬حزينة

تبكي‭ ‬طوال‭ ‬اللّيل‭ ‬مع‭ ‬إخوتي‭ ‬الصّغار

وأبي‭ ‬كان‭ ‬إسكافيّا

يرتق‭ ‬كلّ‭ ‬أحذية‭ ‬المدينة

ثمً‭ ‬يعود‭ ‬آخر‭ ‬اليوم‭ ‬حافيًا

إلى‭ ‬كوخنا‭ ‬الصّغير‭.‬

كلّ‭ ‬مساء

أجلس‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬المقهى‭ ‬الفقير

أضع‭ ‬صورة‭ ‬أبي‭ ‬الوحيدة‭ ‬على‭ ‬الكرسيّ‭ ‬المقابل

وأطلبُ‭ ‬له‭ ‬شايًا‭ ‬بالنّعناع

ثمّ‭ ‬أتلهّى‭ ‬بمراقبة‭ ‬الإسفلت‭ ‬المُحفّر

حيث‭ ‬يتعثّر‭ ‬المارّة‭ ‬عادةً

في‭ ‬طريق‭ ‬عودتهم‭ ‬من‭ ‬حظائر‭ ‬البناء

ومصانع‭ ‬الصّابون‭ ‬البعيدة‭.‬

ها‭ ‬أنتم‭ ‬تعرفون‭ ‬الآن

كلّ‭ ‬ليلة

ألفّ‭ ‬كشكولي‭ ‬حول‭ ‬عنقي

وأخرج‭ ‬مع‭ ‬عمّال‭ ‬النّظافة‭ ‬الأبرياء

لأجوب‭ ‬الشّوارع‭ ‬الباردة

وأنظّف‭ ‬حُفر‭ ‬الإسفلت‭ ‬من‭ ‬عثراتكم‭ ‬المضحكة

لعلّني‭ ‬أجد‭ ‬مسمارا‭ ‬صغيرًا

سقط‭ ‬من‭ ‬أحذيتكم‭ ‬اللاّمعة

فقط

مسمارا‭ ‬صغيرا

كي‭ ‬أعلّق‭ ‬صورة‭ ‬أبي‭ !‬

أغنية من “كوباني”

خالد الهداجي

‮ ‬فوق‭ ‬أعالي‭ ‬الجبال

ترقص‭ ‬الفتاة‭ ‬الجميلة

الفتاة‭ ‬ذات‭ ‬العينين‭ ‬الخضراوين‭..‬

الوطن‭ ‬هو‭ ‬الجبل‭ ‬والريح‭ ‬والأشجار

هو‭ ‬رائحة‭ ‬المطر‭ ‬وقطرات‭ ‬الندى‭ ‬على‭ ‬العشب

الوطن‭ ‬حلم‭ ‬أخضر‭ ‬ومستحيل‭ ‬كعينيها‭..‬

فوق‭ ‬أعالي‭ ‬الجبال

ترقص‭ ‬الفتاة‭ ‬وتغني‭:‬

أيها‭ ‬البرابرة‭ ‬يا‭ ‬جنود‭ ‬الظلام‭ ‬لن‭ ‬تأخذوا‭ ‬شبرا‭ ‬من‭ ‬جسدي‭..‬

على‭ ‬سفح‭ ‬“كوباني”

تتحول‭ ‬البندقية‭ ‬بين‭ ‬يديها‭ ‬إلى‭ ‬قيثارة‭ ‬تعزف‭ ‬لحن‭ ‬الحياة‭..‬

فوق‭ ‬أعالي‭ ‬الجبال

تغني‭ ‬الكرديّات‭: ‬خذوا‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬واتركوا‭ ‬لنا‭ ‬المجد‭..‬

“كوباني”‭ ‬ورائحة‭ ‬العشب‭ ‬على‭ ‬الجبل‭.‬

طفل

أنور اليزيدي

الشاعر التونسي أنور اليزيدي

‬بنى‭ ‬مربّعا‭ ‬عاليا‭ ‬وكبيرا،

هذه‭ ‬جدران‭.‬

قسّم‭ ‬المربّع‭ ‬الكبير‭ ‬إلى‭ ‬مربّعات‭ ‬صغيرة،

هذه‭ ‬غرف‭.‬

فتح‭ ‬في‭ ‬الجدران‭ ‬ممرّات‭ ‬كبيرة،

هذه‭ ‬أبواب‭.‬

فتح‭ ‬في‭ ‬الجدران‭ ‬ثقوبا‭ ‬كبيرة،

هذه‭ ‬نوافذ‭.‬

ملأ‭ ‬المربّعات‭ ‬بأشياء‭ ‬جميلة،

هذا‭ ‬أثاث‭.‬

له‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬يسمّيه‭ ‬منزلا‭.‬

كان‭ ‬يصرخ‭ ‬في‭ ‬أقدام‭ ‬المارّة‭ ‬“أن‭ ‬ابتعدي‭ ‬عن‭ ‬بيتي‭ ‬أيّتها‭ ‬الأقدام‭ ‬المتوحّشة”‭.‬

أحاط‭ ‬منزله‭ ‬الجديد‭ ‬بمربّع‭ ‬آخر‭ ‬عال،

هذا‭ ‬سور‭.‬

سمّى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬المنزل‭ ‬والسّور‭ ‬حديقة‭.‬

نبتت‭ ‬أشجار‭ ‬وأزهار‭.‬

جاءت‭ ‬موجة‭ ‬عالية‭ ‬ومحت‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،

فبكى‭ ‬الطّفل‭ ‬كثيرا‭ ‬كعادته‭.‬

اللّصّ

تخطيط: حسين جمعان

السيد التّوي

اللّص‭ ‬الذي‭ ‬مرّ‭ ‬من‭ ‬هنا

سرق‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون

عاريا‭ ‬كان‭ ‬ينطّ‭ ‬من‮ ‬‭ ‬تلّة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى

إذ‭ ‬فركت‭ ‬الشجرة‭ ‬عينيها‭ ‬لم‭ ‬تر‭ ‬غير‭ ‬خيط‭ ‬أخضر‭ ‬طويل‭ ‬يصل‭ ‬جذعها‭ ‬بالأفق‭ ‬المدوّر

وهي‭ ‬تنحني‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬ما

فاجأتها‭ ‬قهقهات‭ ‬شامتة

قهقهات‭ ‬أشجار‭ ‬اللوز‭ ‬الحاقدة‭.‬

‬كلب يشرب

سفيان رجب

هذه‭ ‬البركة‭ ‬الساخنة‭ ‬هي‭ ‬أنا

بعد‭ ‬أن‭ ‬ذبت‭ ‬في‭ ‬محارق‭ ‬الخرائط‭ ‬والكتب‭!‬

هذه‭ ‬الطيور‭ ‬البرمائية‭ ‬في‭ ‬أحلامي‭ ‬المشلولة

بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬أجنحتها

فوق‭ ‬الأسرّة‭ ‬والأرصفة‭!‬

هذا‭ ‬الكلب‭ ‬الهزيل‭ ‬الّذي‭ ‬يأتي‭ ‬ليشرب

هو‭ ‬ملل‭ ‬السنوات‭ ‬الطّويلة

الّتي‭ ‬قضّيتها‭ ‬دون‭ ‬عمل

أشدّ‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬المقهى

بسلسلة‭ ‬الخطوات‭ ‬البطيئة

حاملا‭ ‬على‭ ‬ظهري‭ ‬قمرا‭ ‬آفلا

جلبته‭ ‬من‭ ‬سماء‭ ‬قريتي‭ ‬البعيدة

ليكون‭ ‬دليل‭ ‬عودتي‭ ‬إليها‭ ‬يوما‭ ‬ما‭!‬

هذا‭ ‬اللهاث‭ ‬الأزرق‭..‬

هو‭ ‬تحنيط‭ ‬للحظة‭ ‬طائشة

من‭ ‬عمر‭ ‬يتعفّن

في‭ ‬الجزء‭ ‬الّذي‭ ‬فتح‭ ‬من‭ ‬علبة‭ ‬الزّمن‭!‬

مرآة

‬صابر العبسي

الشاعر التونسي صابر العبسي

البِركة‭ ‬بين‭ ‬شُجيرات‭ ‬النّبق‭ ‬البرّيّ

منذ‭ ‬غسلتِ

مسامّكِ

وجهكِ

قرطكِ

نهدكِ

شعركِ‭ ‬فيها

كلّ‭ ‬صبايا‭ ‬القرية‭ ‬من‭ ‬عبق

يمشين‭ ‬على‭ ‬بيْض‭ ‬الحجل‭.‬

ما‭ ‬إن‭ ‬يعبرْن‭ ‬بجانبها

ما‭ ‬إن‭ ‬يُبصرْن‭ ‬ملامحهنّ‭ ‬بها

يُصبحن‭ ‬فراشاتٍ‭.‬

العاديّون

‬أشرف القرقني

العاديّون‭ ‬استوقفوا‭ ‬فكرتي‭ ‬في‭ ‬زقاق‭ ‬مظلم،

لم‭ ‬أحلم‭ ‬بكتابته‭ ‬بَعْدُ

لم‭ ‬أكن‭ ‬جاهزا‭ ‬للحوار‭ ‬المفاجئ‭ ‬كي‭ ‬ألفّها‭ ‬بتمائم‭ ‬معجونة‭ ‬بالفراش‭..‬

لذلك‭ ‬رأيتهم‭ ‬يجرّونها‭ ‬كبغيّ‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الشارع‭ ‬المجروح‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬حدّتها

ولالتباس‭ ‬المشهد‭ ‬كانوا‭ ‬يضحكون‭ ‬لصراخ‭ ‬متقطّع

كأزيز‭ ‬أسرّتنا‭ ‬القديمة،‭ ‬ظنّا‭ ‬منهم‭ ‬أنّها‭ ‬تتألّم

“ههههه”‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فكرتي‭ ‬تتألّم،

‮ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تضحك‭ ‬كبغيّ‭ ‬فازت‭ ‬للتّوّ‭ ‬بجسد‭ ‬بريء‭ ‬وهشّ‭.‬

عندما‭ ‬كان‭ ‬الشّارع‭ ‬يصرخ‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬حدّتها‭ ‬وهي‭ ‬تخمش‭ ‬وجهه

قالت‭ ‬لهم‭ ‬فكرتي‭ ‬والسيّد‭ ‬نيتشه‭ ‬يتحلّل‭ ‬في‭ ‬دخانها‭ ‬وبين‭ ‬أعضائها‭ ‬السرّيّة‭ :‬

”‭ ‬إيه‭ ! ‬أيّتها‭ ‬الرّسوم‭ ‬التّخطيطيّة‭ ‬وأشباه‭ ‬المشاريع‭ ‬الطبيعيّة‭ ‬الفاشلة”‭!‬

بورتريه

أمامة الزاير

لم‭ ‬يكن‭ ‬معطفه‭ ‬الطويل‭ ‬الأسود‭ ‬مأزقا‭ ‬أسلوبيّا

لم‭ ‬تكن‭ ‬قبعته‭ "غمّا‭ ‬كاتدرائيا" ‬لسوينكا

أظفاره‭ ‬الطويلة‭ ‬أصوات‭ ‬مشاغبة‭ ‬لنابوكوف‭..‬

متى‭ ‬حَثَثْتَ‭ ‬الخطو‭ ‬إلى‭ ‬وشوشة‭ ‬الجدار‭ ‬الخامس؟

متى‭ ‬ارتجلت‭ ‬ألواحا‭ ‬عشرا،

مزامير‭ ‬امرأة‭ ‬تحت‭ ‬الجسر‭ ‬تخفي‭ ‬طمثها‭ ‬عن‭ ‬وسواسك؟

الجسر‭ ‬شِباك‭ ‬الدَّقائِق‭ ‬تلتهم‭ ‬عمرنا

الجسر‭ ‬نقطة‭ ‬آخر‭ ‬السّطر

الجسر‭ ‬ضحكة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬السابعة‭‬

هذي‭ ‬عصاه‭ ‬يهشّ‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬الأرنب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نتحدّث‭ ‬عنه

الأرنب‭ ‬يركض‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الأنف،

أنفه‭ ‬الدّقيق‭ ‬شجرة‭..‬

‭)‬الأرنب‭ ‬المغبون‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭ ‬يحمل‭ ‬حقيبته‭ ‬ويمضي‭ ‬بعيدا)..

ينظر‭ ‬إلى‭ ‬ساعته‭..‬

لمْ‭ ‬أفهم‭ ‬لمَ‭ ‬العجلة؟

لمْ‭ ‬أفهم‭ ‬تأخّر‭ ‬عن‭ ‬ماذا؟

الشاعرة التونسية أمامة الزاير

‭***‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬سوى‭ "‬أليس"

"أليس"‭ ‬دخلت‭..‬

‭"‬أليس"‭ ‬خرجت‭..‬

‭"‬أليس"‭ ‬البطلة

الأرنب‭ ‬الأنيق‭ ‬كومبارس‭ ‬الحكاية‭..‬

الأرنب‭ ‬المغبون‭ ‬أمعاؤنا‭ ‬الخاوية

الأرنب‭ ‬المغبون‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تحكه‭ ‬قصص‭ ‬الأطفال

الأرنب‭ ‬المغبون‭ ‬غفلت‭ ‬عنه‭ ‬الجدّة‭ ‬في‭ ‬صرّة‭ ‬قرب‭ ‬الكانون‭.‬

كان‭ ‬الركح‭ ‬كمنْجة‭ ‬هادرة

أضواؤه‭ ‬تنحني‭ ‬لوجهه‭ ‬الشاحب‭ ‬مثل‭ ‬استعارة‭ ‬لعوب

الساحر‭ ‬لم‭ ‬يخشَ‭ ‬شيئا

كان‭ ‬يتوق‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬هزلي‭ ‬مع‭ ‬الأرنب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭!‬

مساميرُ

محمد‭ ‬العربي

المساميرُ‭ ‬الصدئة

تلك‭ ‬المرشوقة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬العالم

لا‭ ‬تتخلّى‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬الأشياء

الصور‭ ‬الحائطيّة،‭ ‬عقارب‭ ‬الوقت،‭ ‬الألوان‭ ‬والأحذية

كلّها‭ ‬مشدودة‭ ‬بمساميرَ

في‭ ‬الحديقة‭ ‬أيضا

مساميرُ‭ ‬تشدّ‭ ‬الكلب‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬البيت‭ ‬ليحرسه

في‭ ‬غرفتي‮…‬‭.‬

حيث‭ ‬أضع‭ ‬رأسي‭ ‬على‭ ‬كتب‭ ‬تمجّد‭ ‬الغبار

مساميرُ‭ ‬أخرى

آه‭ ‬أيّتها‭ ‬الحياة‭ ‬الصّدئة

اتركي‭ ‬لنا‭ ‬جدارا‭ ‬واحدا

لم‭ ‬تثقبه‭ ‬المسامير‭ ‬‮…‬

عودة

جميل عمامي

‮أنت‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬البيتِ‭ ‬بيتِك

تحت‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬عليها

تتحسّس‭ ‬المفتاح‭ ‬متّكئا‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬هرم

الباب‭ ‬مفتوح‭ ‬تدفعه‭ ‬قليلا‭ ‬كي‭ ‬يتنحّى‭ ‬عن‭ ‬هبوطك

ذلك‭ ‬فأل‭ ‬حسن‭ ‬تقول‭ ‬في‭ ‬سرك

تجترّ‭ ‬خيالاتك‭ ‬التي‭ ‬خمنت‭ ‬للتوّ‭ ‬وأنت‭ ‬عائد‭ ‬في‭ ‬الطريق

إلى‭ ‬البيت‭ ‬بيتك‭ ‬بالوكالة‭.‬

وأنت‭ ‬تمر‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ "محلات‭ ‬البيتزا" ‬و"السمك‭ ‬المشوي"

وحانة‭ "الأنس" ‬وصهيل‭ ‬النابليّات‭ ‬الشقر‭ "والبحر‭ ‬القربب"

ترى‭ ‬الشارع‭ ‬الممتد‭ ‬حولك‭ ‬إلى‭ ‬مالا‭ ‬نهاية‭ ‬وتسعل

هل‭ ‬تدخل‭ ‬‮…‬؟

هل‭ ‬تنزل‭ ‬الدرجات‭ ‬وتترك‭ ‬عند‭ ‬الباب‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الحياة؟

تعترضك‭ ‬عند‭ ‬أسفل‭ ‬درجة‭ ‬عشر‭ ‬قوارير‭ ‬خضر‭ ‬خاويات

تلقي‭ ‬التحية‭ ‬مرغما‮…‬‭ ‬وتمضي‭ ‬إلى‭ ‬ليلك‭ ‬اليابس

بأصابعَ‭ ‬منزوعةِ‭ ‬الذكريات‭ ‬تستلّ‭ ‬سيجارة‭ ‬نائمة‭ ‬في‭ ‬الدرج

تضئ‭ ‬بها‭ ‬كونك‭.‬

ممدّدا‭ ‬فوق‭ ‬السرير‭ ‬تستعيد‭ ‬حديثك‭ ‬مع‭ ‬شاعرين‭ ‬صديقين

كنت‭ ‬التقيت‭ ‬بهما‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ "ليسكال" ‬قرب‭ ‬المحطة

عن‭ ‬الذكريات‭ ‬والأصدقاء‭ ‬البعدين‭ ‬وعادات‭ ‬ليل‭ ‬العواصم‭.‬

تسخر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬المجد

وتدخل‭ ‬القبر‭ ‬قبرك‭.‬

مذبحة الرّكح الصّغير

عبد الفتاح بن حمودة

‮لم‭ ‬أفكّر‭ ‬بالهروب‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬ماي‭ ‬السّكران

ولم‭ ‬تسقط‭ ‬قطرة‭ ‬ملح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬عيني

بينما‭ ‬صبايا‭ ‬يدخّنّ‭ ‬سنواتهنّ‭ ‬مع‭ ‬الحشّاشين‭..‬

ماذا‭ ‬سأفعل‭ ‬بالمئات‭ ‬الخمس‭ ‬في‭ ‬خاصرتي‭!‬؟

لم‭ ‬تسقط‭ ‬دمعة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬عينيّ

ولم‭ ‬أهرب‭ ‬خَشية‭ ‬تفّاح‭ ‬الفضيحة

لم‭ ‬أخرج‭ ‬مسرعا‭ ‬من‭ ‬مقهى‭ ‬“الرّكح‭ ‬الصّغير”

بل‭ ‬ذوّبت‭ ‬قطعتيْ‭ ‬سكر‭ ‬في‭ ‬قهوةٍ‭ ‬مرّة

كلماتُ‭ ‬النّادلة‭ ‬كانت‭ ‬كإبر‭ ‬النّحل‭ ‬فوق‭ ‬عنقي‭ ‬الأملس

وأنا‭ ‬أتهدّل‭ ‬مثل‭ ‬أغنيات‭ ‬“شارل‭ ‬أزنافور”

ماذا‭ ‬سأفعل‭ ‬بالمئات‭ ‬الخمس‭ ‬في‭ ‬خاصرتي‭!‬؟

بأصابعَ‭ ‬هدّها‭ ‬الجوع

بلطخات‭ ‬موسيقى‭ ‬في‭ ‬مساء‭ ‬أطلسيّ

بجنون‭ ‬النّادلة‭ ‬وابتسامة‭ ‬شفتيها‭ ‬الحاقدتين

وبمياه‭ ‬“شارل‭ ‬أزنافور”‭ ‬التي‭ ‬تنزّ‭ ‬من‭ ‬قميصي

(في‭ ‬آخر‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬بئر‭ ‬الفضيحة

لم‭ ‬أتبيّن‭ ‬ملامح‭ ‬صبايا‭ ‬وحشّاشين

يخرجون‭ ‬مولولين‭ ‬من‭ ‬قفصي‭ ‬الصدري)..

لم‭ ‬أصدّق‭ ‬أحدًا‭ ‬يومها‭..‬

حتّى‭ ‬الرّجل‭ ‬الذي‭ ‬سدّد‭ ‬ثمن‭ ‬قهوتي‭..‬

لم‭ ‬أصدّق‭ ‬شيئا‭ ‬يومها‭ ..‬

أنّني‭ ‬كنت‭ ‬مثل‭ ‬طحالبَ‭ ‬معجونةٍ‭ ‬بالرّمل‭!‬

الجرذان

نزار الحميدي

الشاعر التونسي نزار الحميدي

‮في‭ ‬النّهاية

ستقود‭ ‬الطّرق‭ ‬الوعرة‭ ‬الوعول‭ ‬إلى‭ ‬قمّة‭ ‬الجبل‭.‬

الوعول‭ ‬تنطح‭ ‬القمر‭.‬

في‭ ‬النّهاية

سينام‭ ‬النّسر‭ ‬في‭ ‬عشّه‭ ‬العلويّ‭.‬

النّسر‭ ‬فوق‭ ‬عالمه‭.‬

نحن‭ ‬الحمقى

سنظلّ‭ ‬نحفر‭ ‬الخنادق،

ونراقب‭ ‬حركة‭ ‬الجرذان‭.‬

حذاء “فان غـوغ”

صلاح بن عيّاد

ألبس‭ ‬حذاء‭ "فان‭ ‬غوغ" ‬المفرد

أرحل‭ ‬في‭ ‬الزَّيتيّ‭ ‬اللاّصق

أجرّ‭ ‬خيطيه‭ ‬الأسودين‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬اللّوحة

حذاء‭ "فان‭ ‬غوغ" ‬يلامس‭ ‬الطّريق‭ ‬الآن

الطّريق‭ ‬اليابسة‭ ‬والطّويلة

على‭ ‬مرأى‭ ‬اللّحيّ‭ ‬الحمراء‭ ‬فوق‭ ‬الأرصفة

أحدّق‭ ‬في‭ ‬نظرتين‭ ‬متدحرجتيْن

من‭ ‬أعلى‭ ‬اللّوحة

أجرّ‭ ‬الخيطين‭ ‬إلى‭ ‬المنتهى

حذاء‭ "فان‭ ‬غوغ" ‬تآكل‭ ‬الآن

يتذكّر‭ ‬ركنه‭ ‬الزيتيّ‭ ‬المريح

أمضي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬إسكافيّ‭ ‬جائع

يستند‭ ‬إلى‭ ‬شجرة‭.‬

الإسكافيّ‭ ‬المحدّق‭ ‬في‭ ‬قلق‭ ‬الذّباب

لن‭ ‬يفهم‭ ‬الإسكافيّ‭ ‬خيطيّ

لن‭ ‬يفهم‭ ‬بأيّ‭ ‬المسامير‭ ‬يُلصق‭ ‬“ذاك”‭ ‬بـ”ذاك”

لن‭ ‬تكفي‭ ‬الألوان

لن‭ ‬تكفي‭ ‬فرشاتي

لحلّ‭ ‬عقدة‭ ‬الخيطين

لا‭ ‬شيء‭ ‬يكفي‭ ‬لاسترداد

عمق‭ ‬الحذاء‭ ‬في‭ ‬ركنه‭ ‬الزّيتي

أنا‭ ‬في‭ ‬الطّريق‭ ‬أحمل‭ ‬الحذاء

‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬اللوحة‭.‬

النّصّ حزين

شفيق طارقي

الشاعر التونسي شفيق طارقي

النّصّ‭ ‬حزين‭ ‬جدّا

لم‭ ‬يفقد‭ ‬أعضاءه‭ ‬في‭ ‬معركة

لم‭ ‬يتوقّف‭ ‬نبضه‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬إنعاش

النّصّ‭ ‬حزين

لم‭ ‬يخطئ‭ ‬رسم‭ ‬الهمزة‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬المغلق

لم‭ ‬يسرق‭ ‬هاتفه‭ ‬الخلويّ‭ ‬في‭ ‬زحمة‭ ‬الميترو

ولكنّ‭ ‬النّصّ‭ ‬حزين

لم‭ ‬يخسر‭ ‬إرث‭ ‬قبيلته‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬حظّ

لم‭ ‬يخلع‭ ‬عن‭ ‬كرسيّ‭ ‬إمارته

لم‭ ‬ينس‭ ‬علبة‭ ‬كبريته‭ ‬في‭ ‬البيت

ولكنّ‭ ‬النّصّ‭ ‬حزين

لم‭ ‬يسهُ‭ ‬البتّة‭ ‬عن‭ ‬تقبيل‭ ‬حبيبة‭ ‬قلبه‭ ‬في‭ ‬بهو‭ ‬المكتبة‭ ‬الوطنيّة

لم‭ ‬يقتل‭ ‬أحدا‭ ‬بعد‭ ‬الثّورة‭..‬

النّصّ‭ ‬حزين‭ ‬وكفى‭..‬

النّصّ‭ ‬حزين‭.‬

ترقّب

عبد الواحد السويح

‬أعددتُ‭ ‬كلَّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬للشّتاءِ

المطريّات

المعطف

لباسَ‭ ‬الصّوفِ

أعددتُ‭ ‬كلَّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬للشّتاءِ

حتّى‭ ‬الحطبَ‭ ‬جلبتُهُ

سقفَ‭ ‬البيتِ‭ ‬رمّمته

كلَّ‭ ‬شيءٍ

وها‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬انتظارِ‭ ‬الشّتاءِ

متى‭ ‬يأتي؟

مرّ‭ ‬صيفانِ

ولمْ‭ ‬يأتِ‭ ‬الشّتاء‭!‬

شبحُ شفارتزفالد

Specter von Schwarzwald

زياد عبدالقادر

الشاعر التونسي زياد عبدالقادر

ضيّقٌ‭ ‬جدّا‭ ‬مسلكُ‭ ‬الغابة‭ ‬السّوداءِ‭ ‬وناعم

كجوربٍ‭ ‬من‭ ‬حرير‭ ‬أسودٍ‭.‬

المسلكُ‭ ‬باردٌ‭ ‬كأن‭ ‬آلاف‭ ‬النّواعير‭ ‬تدورُ‭ ‬في‭ ‬جوفهِ

وتمدّهُ‭ ‬بالهواءِ‭ ‬المثلّج،

ضجّة‭ ‬العصافير‭ ‬تُسمع‭ ‬من‭ ‬بعيدٍ‭ ‬هديرَ‭ ‬محرّك‭ ‬بقوّة‭ ‬ألفيْ‭ ‬حصانٍ‭.‬

في‭ ‬الغابة‭ ‬السّوداء‭ ‬لا‭ ‬شيءَ‭ ‬ممّا‭ ‬تراهُ‭ ‬يظلّ‭ ‬على‭ ‬حاله‭ :‬

هنا‭ ‬قد‭ ‬يسبح‭ ‬الذّئبُ‭ ‬مثل‭ ‬فراشة‭ ‬في‭ ‬الهواءِ‭.‬

قد‭ ‬يقطع‭ ‬ثعلبٌ‭ ‬عنكَ‭ ‬الطّريق‭. ‬قد‭ ‬يناديك‭ ‬باسمكَ

ويدعوك‭ ‬إلى‭ ‬عشاء‭ ‬فاخر‭ ‬في‭ ‬جُحرهِ‭.‬

حمارُ‭ ‬الوحش‭ ‬قد‭ ‬يصبحُ‭ ‬زوجَ‭ ‬بطّ‭ ‬يخوّض‭ ‬في‭ ‬بِرْكة‭ ‬الماءِ

والفهدُ‭ ‬سلّةً‭ ‬مملوءةً‭ ‬بالهدايا‭.‬

أنت‭ ‬نفسكَ‭ ‬قد‭ ‬تصير‭ ‬أرنبا‭ ‬أو‭ ‬غرابا،

قد‭ ‬تصادف‭ ‬حزنكَ‭ ‬جالسًا‭ ‬تحت‭ ‬شُجيْرة

أو‭ ‬قافزا‭ ‬بين‭ ‬السّناجب‭ ‬الحمراءِ‭ ‬مدحْرجًا‭ ‬بيديهِ‭ ‬الرهيفتين

حبّةَ‭ ‬فستق‭ ‬إلى‭ ‬أعالي‭ ‬سروةٍ‭.‬

‮ ‬‭***‬

أوّل‭ ‬كانون‭ ‬الثّاني‭. ‬أجلس‭ ‬خلف‭ ‬نافذتي

لأنسج‭ ‬الأوهامَ‭.‬

عروقي‭ ‬معرّاة‭ ‬كأسلاك‭ ‬راديو،

يدي‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬جليدٍ‭.‬

ثمّة‭ ‬من‭ ‬سيدخل‭ ‬غابتي‭. ‬لن‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬خلده

أن‭ ‬شيخا‭ ‬عاطلا‭ ‬يحرّك‭ ‬من‭ ‬بعيدٍ‭ ‬خيطهُ‭.‬

لن‭ ‬يصدّق‭ ‬أن‭ ‬طريقه‭ ‬محض‭ ‬رسم‭ ‬فوق‭ ‬لوح‭ ‬من‭ ‬زجاج‭.‬

يبلغني‭ ‬صوت‭ ‬لهاثهِ‭ ‬وهو‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬واضحا،

دقّة‭ ‬قلبه‭ ‬وهو‭ ‬يركض‭ ‬يائسا‭ ‬وسْط‭ ‬متاهة‭.‬

أمجّ‭ ‬سيجارة‭ "مارلبورو" ‬أطبع‭ ‬في‭ ‬الزّجاج‭ ‬دخانها‭.‬

أمرّر‭ ‬سبّابتي‭ ‬بين‭ ‬الشُّجيْراتِ‭ ‬التي‭ ‬كنتُ‭ ‬رسمتُها

وأفتح‭ ‬مسلكا‭..‬

أنا‭ ‬شبحُ‭ ‬شفارتزفالد،‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬نافذتي‭ ‬أنسج‭ ‬غابة‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها،

أمدّ‭ ‬خيطا‭ ‬من‭ ‬دخان‭ ‬وأزحف‭ ‬كالعنكبوت‭ ‬نحو‭ ‬فريستي‭.‬

هكذا‭ ‬ألهو‭ ‬بسيجارتي،‭ ‬سعيدا‭ ‬بدخانها

دخانِها‭ ‬الأبيضِ

دخانِها‭ ‬الأسودِ‭.‬

كَتُومَةٌ‭ ‬هي‭ ‬كراسينا‭ ‬وأزهارنا‭ ‬وعصافيرنا

حتى‭ ‬أمطارنا‭ ‬تأتي‭ ‬بغتة

‮ ‬تتمرّغ‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مثل‭ ‬مهرة‭ ‬وتمضي

تاركة‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬النّجوم‭ ‬تتثاءب‭ ‬في‭ ‬السّماء

‮ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬خدرها‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭..‬

كفّ‭ ‬عن‭ ‬الثّرثرة‭ ‬أيّها‭ ‬الصّديق‭ ‬“شيركو”

لا‭ ‬تكن‭ ‬غامضا‭ ‬مثل‭ ‬‮"‬إيكاروس‮"‬‭ ‬وهو‭ ‬يسقسق‭ ‬لوردته

لا‭ ‬تكن‭ ‬مثل‭ ‬السيّد‭ ‬التّويْ‭ ‬يُجنّ‭ ‬مع‭ ‬أوّل‭ ‬قطرة‭ ‬مطر

كن‭ ‬مثل‭ ‬كرسيّ‭ ‬حقيقي‭ ‬يطير‭ ‬بأربعة‭ ‬أجنحة‭ ‬وظلّه‭ ‬راسخ‭ ‬في‭ ‬الأرض‮…‬

لستُ ظِلاًّ لأحدٍ

يوسف خديم الله

تخطيط: حسين جمعان

‮شمسٌ،

أخونُ‭ ‬النّهارَ

مع‭ ‬أيّ‭ ‬نجمةٍ‭ ‬عالقةٍ

في‭ ‬قيلولةٍ‭.‬

قمرٌ‭ ‬زاهدٌ،

لا‭ ‬تحرّكهُ‭ ‬كبوةُ‭ ‬عاشقٍ‭.‬

أحيانًا‭ ‬،

أُشرقُ‭ ‬منَ‭ ‬الغرْبِ‭.‬

و‬دائمًا،

من‭ ‬لطخَةِ‭ ‬كلمةٍ

على‭ ‬جدارٍ‭ ‬ذهنيٍّ‭..‬

لستُ‭ ‬صديقًا،‭ ‬لي‭:‬

مجانًا،

أشِي‭ ‬بأفكارِي‭ ‬إلى‭ ‬الدّولةِ‭.‬

في‭ ‬جيْبي،

أسْتمنِي‭ ‬ترفًا

يترقرقُ‭.‬

و‭ ‬بلِا‭ ‬ماءٍ،

أحلِقُ‭ ‬رأسي‭ ‬مِن‭ ‬الدّاخلِ‭.‬

أنا‭ ‬لسْتُ‭.‬

فلتعْلُ‭ ‬منْ‭ ‬دوني‭ ‬جدُرانُ

وليُفتحْ‭ ‬بابٌ‭.‬

أنا‭ ‬لستُ‭.‬

أدخلُ،

كمن‭ ‬يخرجُ‭ ‬منهُ

إليهِ‭.‬

‭.‬وكاملاً‭.‬

أنا‭ ‬لستُ‭.‬

فقط‭:‬

من‭ ‬اللّيلِ‭ ‬أضئُ

وأُتّهَمُ‭ ‬باللّيلِ،

ناقصًا‭.‬

قبْر

محمد ناصر المولهي

الشاعر التونسي محمد ناصر المولهي

‮ ‬‭ما‭ ‬إن‭ ‬أنتهي‭ ‬ستولد‭ ‬أنت

إن‭ ‬جاؤوا‭ ‬بي‭ ‬إليك

في‭ ‬كيس‭ ‬أبيض‭ ‬ورائحة‭ ‬حزينة

إن‭ ‬مددوني‭ ‬بعناية‭ ‬في‭ ‬بطنك

وأقفلوك‭ ‬جيّدا

أتعدني‭ ‬أنك‭ ‬لن‭ ‬تفتح‭ ‬حضنك‭ ‬أبدا؟

أتعدني‭ ‬بأنك‭ ‬لن‭ ‬تجعلني‭ ‬غبارا

وتحافظ‭ ‬على‭ ‬الأثلام‭ ‬في‭ ‬عظامي؟

كن‭ ‬هادئا‭ ‬رجاء

وهم‭ ‬يحفرونك‭ ‬ويسوّون‭ ‬جانبيك‭ ‬بعجالة

كن‭ ‬جافا‭ ‬ووحيدا

سآتيك‭ ‬في‭ ‬موكب‭ ‬صغير

لكن‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تعذرني

إن‭ ‬غرقت‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬مالحة

أو‭ ‬تفتّتُ‭ ‬في‭ ‬الجو

وغدوت‭ ‬رمادا

أو‭ ‬ضاعت‭ ‬جثّتي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما

فلا‭ ‬ذنب‭ ‬لي‭ ‬عندها‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تولد‭ ‬أنت

ولم‭ ‬تتكئ‭ ‬تحت‭ ‬ظل‭ ‬شجرة

هازئا‭ ‬من‭ ‬الشمس‭.‬


شاعر من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • خصوبة‭ ‬الكلاب‭ ‬العقيمة