ما‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬الشعر؟‭ ‬

الجديد  وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(56)]

للأسف، في اعتقادي أن الشعر ليس مؤهلًا لمخاطبة اللحظات الراهنة‭.‬ الشعر ليس خطاب عاقل يعظ مجنونًا، ولا عارفًا يخاطب جاهلًا، ولا شيخًا يوجه مريديه، ولا خطاب معلم يُرشد تلاميذه‭.‬ إنه خطاب الخيال، خطاب الإيمان بالقدرة على صنع مستقبل يخلو من فساد اللحظة‭.‬

الشعر كالماء، يشاكس الجبال بتؤدة وصبر في هدوء الواثق بانتصاره، يعرف أنه سوف يتركها ملساء ناعمة‭.‬ الشعر ليس أداة ثورة، الشعر أداة تغيير، ليس أداة تعبئة، إنما أداة تحرير‭.‬

ما الذي يفعله الشعر، هذا الناسكُ الذي يبني بتؤدة وهدوء نفوس البشر، أمام لحظة راهنة تتوالى فيها الصور الناطقة بالدم واللحم والخديعة والخيانة والفساد؟ أن يرفع صوته؟ إذن لتحوّل إلى خطابة جوفاء‭.‬ أن يلعن ويسب ويشتم؟ إذن لصار خطبة جمعة تستنزل اللعنات على الطغاة وهي ممولة من أحدهم‭.‬ أن يصطف في صف جهة ضد أخرى؟ هو بالأساس مصطف في جهة الإنسان المطلق، فأيّ جهة أرقى من تلك لكي يتحول إليها من أجل اللحظة الراهنة!

هل يبدو الشعر عاجزًا؟

ليس عجزًا، وظيفة الشعر أن يستبقي الأمل، أن يستميت في غزل الحلم، أن يصنع صورته الموازية لصورة اللحم والدم المنتهكين بيد الغدر، التي تُبث الآن على الهواء وتتداولها الصحف والإذاعات فتثير بعض الفزع وقليلًا من الأسى ثم تدخل في دائرة الاعتياد‭.‬

على الشعر أن يقتل هذا الاعتياد، أن يصنع من صورة اللحم والدم صورته التي تبقى ولا تكتفي بالصدمة ولا تستجدي مشاعر الخوف والهلع، إنما تبني أرواح ونفوس البشر أملًا في عالم أفضل‭.‬

هل يبدو الشعر عاجزًا!

منذ كم ألف سنة يكتب الشعراء أشعارهم، يسقط ما يسقط منها ويسافر ما يسافر في نفوس البشر، كم قصيدة وكم نصا وكم كلمة دارت بخلد شاعر فصاغها أملًا في مستقبل خال من فساد لحظته الراهنة؟ ثم تكررت اللحظات الراهنة ولم تتوقف إجلالًا للشعر، لم تتوقف إجلالًا لنصوص الآلهة، لم تتوقف إجلالًا لدمعات أمهات ولا لدماء أطفال، لم تتوقف لنزيف شيخ أثقلته السنون، لم تتوقف لعويل طفلة طمرها التراب، فهل تتوقف اللحظة الراهنة لأجل خاطر الشعر!

ماذا لو اجتمع شعراء العالم كلهم وصاغوا قصيدة وصرخوا بها مجتمعين في وجه اللحظة الراهنة!

الشعر كشف وانتهاك، يقتنص اللحظة ويصنع صورته، هل يشبه في ذلك المصور الذي يفضل التقاط الصورة على مدّ يد المساعدة لطفل ينتظره طير جارح؟ هل كانت الصورة أهم أم الطفل؟ هل يمكن أن نلتقط الصورة ونساعد الطفل في آن! لنا أن نتساءل ولا ننتظر الإجابة، على شخص ما أن يسجّل صورة للحظة الراهنة، ليس لأجلنا، فنحن ضحايا تلك اللحظة، نبوء بذنبها، إنما لأجل القادمين، على شخص ما أن يكون شاهدًا على فساد اللحظة، لا لمحاكمتها الآن، فهي أقوى منه ومن محكمته، إنما لأجل القادمين في لحظة نأمل أن تكون أشد رحمة وعدلًا وإنسانية‭.‬ لذا على الشعر أن يسجل صورته، عليها أن تكون حادة وباترة وقاطعة ومعبّأة بما في اللحظة من فساد وقتل وخراب وانهيار للقيم، فقط عليه أن يبقى منحازًا للإنسانية، لكنه لا يخاطب الآن ولا يقدر، إنها لحظة الإيقاع الفاجر التي تبتلع كل إيقاع يأمل في مناطحتها، إنما يسجل شهادته لمن يمكنه أن يلتقط أنفاسه من حضور اللحظة الراهنة وسط ضجيج القتل والسفك والخيانة، ودائمًا للقادمين ممن يراهن عليهم الشعرُ في اللحظات المقبلة‭.‬


شاعر من مصر مقيم في الإمارات