مارتن لانغفورد: قصائد‭ ‬وشذرات

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(148)]

تخطيط: إبراهيم الصلحي
أسبابُ‭ ‬الشِّعر

مَنْ‭ ‬ذَا‭ ‬يَكُونُ‭ ‬صَبِيَّاً‭ ‬وَسِيمَاً‭ ‬إذَنْ؟

مَنْ‭ ‬ذَا‭ ‬يَكُونُ‭ ‬صَبِيَّاً‭ ‬وَسِيمَاً‭ ‬إذَنْ؟

مرحباً‭! ‬الآن،‭ ‬بصوتٍ‭ ‬مسموعٍ‭ ‬موثوقٍ‭ ‬فيه‭ ‬بِمَقْدُوري‭ ‬أنْ‭ ‬أتكلَّم‭!‬

قرعُ‭ ‬طبلٍ،‭ ‬وانتفاخُ‭ ‬شراعٍ‭ ‬ضَخْمٍ‭: ‬انزلاقٌ،‭ ‬وامتلاءٌ‭ ‬بعطرِ‭ ‬أرواحٍ‭ ‬رهيفة‭.‬

مُعْتَقِدَاً

‬أنَّ‭ ‬التَّعبيرَ

مُواجهةٌ؛

كي‭ ‬تدخلَ‭ ‬في‭ ‬سلاسةٍ‭ ‬رخوةٍ‭ ‬–‭ ‬بتعجُّلٍ،

ومن‭ ‬دون‭ ‬صلاحياتٍ‮…‬

لِتُنقِذَ‭ ‬اللَّحظة،

ولِتُشيِّدَ‭ ‬سُدُوداً‭ ‬وخزَّاناتٍ‭ ‬بالزَّخارف‭ ‬والنُّقَط؛

مَسارٌ‭ ‬مهنيٌّ

وقد‭ ‬انزلق‭ ‬إلى‭ ‬زخمٍ‭ ‬دفَّاقٍ‭ ‬ودوافعَ‭ ‬نَشِطَة‮…‬

لِطَردِ‭ ‬الأرواح‭ ‬الشِّريرة‭ ‬من‭ ‬أَحْلَكِ‭ ‬الشَّوارعِ‭ ‬سَوَاداً؛

لأنَّ‭ ‬الكَلِماتِ

حقلُ‭ ‬مُشاركةٍ‭ ‬واشتباك؛

كي‭ ‬تُفكِّرَ،‭ ‬حُرَّاً‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬الأمر،

في‭ ‬أقنعة‭ ‬المَرْءِ‭ ‬الواضحة‮…‬

كي‭ ‬تُحوِّل‭ ‬المعنى‭ ‬إلى‭ ‬موسيقى؛

كي‭ ‬تطرحَ‭ ‬العالمَ

على‭ ‬حُشَاشِة‭ ‬القلبِ‭ ‬المُعتمةِ،‭ ‬مُتَلَبِّدة‭ ‬الحسِّ؛

كي‭ ‬تُموضِعَ،‭ ‬وتعيدَ‭ ‬مَوْضَعَةَ‭ ‬الـ”هِمْلِكْ”‭ ‬كإسعاف‭ ‬أوَّلي‭ ‬للاختناق؛

لأجلِ‭ ‬مُتْعَةِ‭ ‬التَّسميةِ‭ ‬القديمة

الطُّفولية‭ ‬السَّاذجة؛

لِترسُمَ،‭ ‬على‭ ‬الرِّمال،‭ ‬نقاطَ‭ ‬ارتكاز،‭ ‬أقطاباً؛

لِتُحدِّقَ‭ ‬بإمعانٍ،‭ ‬لا‭ ‬لتُفَكِّرَ،‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬الجانبين؛

لتستخلصَ‭ ‬الخفَّة‭ ‬وتثيرها‭:‬

لترقصَ‭ ‬رأساً‭ ‬وقلباً‭ ‬كحيوانٍ‭ ‬واحدٍ

‬على‭ ‬مَدَارِ‭ ‬الهَوَاءْ‮…‬

‬لِتَشْهَدَ؛‭ ‬لِتكونَ‭ ‬وفيَّاً؛

لِتُشيَّدَ،‭ ‬مِنْ‭ ‬صَمِيمِ‭ ‬القَلْبِ،‭ ‬فُسَحاً‭ ‬منبسطةً‭ ‬وفضاءاتٍ؛

لتَتَوحَّد،‭ ‬مع‭ ‬القارئ،

في‭ ‬ثنائيَّاتٍ‭ ‬حميميَّةِ،‭ ‬وفيَّةٍ‭ ‬ومُخْلِصَة؛

لِتُبْصِرَ‭ ‬ما‭ ‬كُنتَ‭ ‬قَدْ‭ ‬كتبتَ؛

‬لِتصْرُخَ؛

ولِتَقْذِفَ‭ ‬في‭ ‬البئرِ‭ ‬الحِجَارْ‭.‬

31 آب (أغسطس) 2015،‭ ‬براتسلافا

‮ ‬

الرُّؤوس

‮رأسٌ‭ ‬فوق‭ ‬رأسٍ،

مِثْلَ‭ ‬مُلْصَقِ‭ ‬فيلمٍ‭ ‬قديم،

يَتَسَلَّقُون،‭ ‬بِزَخَمِ‭ ‬تَوَقِهِمُ‭ ‬المُوجِعِ‭ -‬

ما‭ ‬لا‭ ‬يتناهى‭ ‬من‭ ‬عُلِوٍ‭ ‬صَاعِدْ،

راسِمِينَ‭ ‬شارتهم،

قبلَ‭ ‬أنْ‭ ‬تَنْقُبَ‭ ‬بعضُ‭ ‬مَخَالب‭ ‬أُخرى‭ ‬جمجمتهم‭:‬

الإستالينيون،‭ ‬الجنرالاتُ،‭ ‬البُدَلُ،

الجهاتُ‭ ‬الفاعلة،‭ ‬بأفواهٍ‭ ‬يسيلُ‭ ‬منها‭ ‬الدَّمُ؛

الأولادُ،‭ ‬انطلقوا

بمفاصلَ‭ ‬مَكدومةٍ‭ ‬وقصباتٍ‭ ‬وسيقان؛

واحدٌ،‭ ‬وربما‭ ‬ثمانيةٌ،‭ ‬مَنْ‭ ‬نظرَ‭ ‬طامحاً‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى،

وبه‭ ‬حاجةٌ‭ ‬غريبةٌ‭ ‬للإرضاء‮…‬

مِثَلَ‭ ‬تيارِ‭ ‬نعومةٍ‭ ‬رَخِيمٍ،‭ ‬يُحَوِّرُ‭ ‬الينابيعَ‭ ‬وفُوَّهاتِ‭ ‬الآبار‭:‬

رأسٌ‭ ‬فوقَ‭ ‬رأسٍ،

لِكَسْبِ‭ ‬عُلُوٍّ‭ ‬وسُمُوقِ‭ ‬قَامَةٍ،

لبسطِ‭ ‬اليدِ‭ ‬على‭ ‬التَّاج‭:‬

عظامٌ‭ ‬تقطرُ‭ ‬حيثُ‭ ‬تَعْثُرُ‭ ‬–

أَهِلَّةُ‭ ‬كُثْبَانٍ‭ ‬رَمْلِيَّةٍ،‭ ‬وانجرافاتُ‭ ‬مَهَبِّ‭ ‬جَمَاجم‭ ‬عظيم‭.‬

نُتَفُ‭ ‬مَرْثَاةٍ‭ ‬مُخْتَلَسةٍ

مُنْخُولةٍ‭ ‬من‭ ‬رقائقَ‭ ‬هشَّةٍ‭ ‬–‮ ‬‭ ‬تلالٌ‭ ‬ظليلةٌ‭:‬

أغاني‭ ‬أثمانِ‭ ‬النَّصْرِ؛

نَصْرِ‭ ‬الضَّوءِ‭ ‬من‭ ‬دُونِ‭ ‬سَلَامْ‭.‬

1 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا

المَطَرُ‭ ‬البطيء

تخطيط: إبراهيم الصلحي

المَطَرُ‭ ‬البطيءُ

هاطلاً‭ ‬مع‭ ‬غَبَاشة‭ ‬غَسَقِه‭ ‬وعتمته

بمقدوره‭ ‬أنْ‭ ‬يكونَ‭ ‬عارياً

كأيِّ‭ ‬سؤالٍ‭ ‬قديم‭.‬

ما‭ ‬“تشيللو”‭ ‬التَّنهُّدِ‭ ‬هذا،

هذا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حَاجةَ‭ ‬لَهُ‭ ‬بنا،

‮هذا‭ ‬الذي‭ ‬مِنهُ‭ ‬صُنِعْنَا،

هذا‭ ‬الذي‭ ‬يحيا‭ ‬كالدَّمِ؟

الأَشْجَارُ‭ ‬تهتزُّ‭ ‬وتَسْعُلُ‭ ‬مثلَ‭ ‬وحُوشٍ‭ ‬بَكْمَاءْ‭.‬

ستائرُ‭ ‬العتمةِ‭ ‬المسكونةِ‭ ‬بالضَّباب

تكتسحُ‭ ‬منحنيات‭ ‬الأرض‭.‬

الدُّنيويُّ‭ ‬الزَّمانيُّ‮ ‬صارَ‭ ‬شَفَّافاً‭ ‬كالنُّجوم،

والكُراتُ‭ ‬النَّاعمةُ‭ ‬انزلقتْ‭ ‬في‭:‬

حَمِيمِيَّةٍ‭ ‬وَدُودٍ،‭ ‬تَبَاعُدٍ‭ ‬بَلِيدٍ،

‭‬رافضةً‭ ‬كُلَّ‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬ذاتٌ‭ ‬–

‮هذه‭ ‬هي‭ ‬العذوبةُ‭ ‬التي‭ ‬تَسَرَّبت‭ ‬مِنْ‭ ‬خلل‭ ‬غبارنا

وكأنَّمَا‭ ‬نَحْنُ‭ ‬قد‭ ‬كُنَّا‭ ‬الجفاف‭.‬

1 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


حكايةُ‭ ‬المخلُوق

‮ ‬ذاتّ‭ ‬مرَّةٍ،

كان‭ ‬ثمَّةَ‭ ‬حاجَةٍ

صَارت‭ ‬صَعْبَةَ‭ ‬الإشباعِ‭.‬

في‭ ‬قَعْرِ‭ ‬هُوَّةٍ‭ ‬بلا‭ ‬قَاعٍ،

الوحُوشُ

التهمتِ‭ ‬بعضَها‭ ‬بعضاً

مِنْ‭ ‬زَمنٍ‭ ‬سَحِيقٍ‭ ‬لا‭ ‬يُتَذَكَّرُ‭.‬

عُيونُ‭ ‬الأخْطبُوطِ‭ ‬سَبْخَاءُ‭ ‬مَرعُوبَةٌ‭.‬

النَّمِرُ‭ ‬المُرقَّطُ‭ ‬يُؤَرْجِحُ‭ ‬رأسَهُ

في‭ ‬دِفْءِ‭ ‬قُرمُزيَّة‭ ‬أضْلاعِهِ‭.‬

النُّسورُ

تُحلِّقُ‭ ‬بحَمَاسةٍ‭ ‬وحرصٍ

من‭ ‬أجلِ‭ ‬الجُثث‭.‬

لا‭ ‬أحدَ‭ ‬منهم‭ ‬فكَّر‭ ‬في‭ ‬الجمال‭.‬

أو‭ ‬العَدْلِ‭.‬

أو‭ ‬مُعَاناة‭ ‬العذاب‭.‬

للملايين‭ ‬والملايين‭ ‬من‭ ‬السِّنين‭.‬

وَلَكِنْ‭ ‬بعدَ‭ ‬ذلكَ‭ -‬

ومِنْ‭ ‬دُونِ‭ ‬سوابقَ‭ -‬

واحدٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬بينهم‭ ‬قَدْ‭ ‬فَعَلْ‭.‬

مُخَلوقٌ‭ ‬واحدٌ

تعلَّمَ

قَولَ‭ ‬الخَيَارات‭.‬

واكتشفَ‭ ‬أنَّها‭ ‬في‭ ‬عَوزٍ

إلى‭ ‬أحْيَازِها‭ ‬اليوميَّة

خَاليةً‭ ‬مِنْ‭ ‬دماءٍ‭ ‬جديدةٍ‭.‬

إنَّها‭ ‬تشَوَّقت

إلى‭ ‬مجتمعاتٍ‭ ‬كانت‭ ‬مُشَيَّدةٍ‭ ‬مُنَظَّمة‭:‬

فيها‭ ‬كانَ‭ ‬يُمْنَعُ‭ ‬الألمُ،

وتُحَرَّمُ‭ ‬عَشْوَائِيَّةُ‭ ‬الأفعالِ‭ ‬والوقائع،

وتُحْظَرُ‭ ‬جميع‭ ‬الخُطَط‭ ‬والمؤامرات‭ ‬غير‭ ‬المُناسبة‭.‬

إنَّها‭ ‬قد‭ ‬تعذَّبت‭ ‬وأُنْهِكَتْ

من‭ ‬مَسالك‭ ‬الكوكب‭ ‬الأرضيِّ‮ ‬‭ ‬وسُبُله‭ ‬–

هذا‭ ‬الذي‭ ‬وَدَّتِ‭ ‬التَّحديقَ‭ ‬مَلِيَّاً‭ ‬في‭ ‬عُيُونِ‭ ‬حُبِّه،

لِتُشَكَّلَ‭ ‬أدِلَّةً‭ ‬وبراهينَ‭ ‬مُسْتَمرَّةً‭ ‬وباقية‭.‬

أنْ‭ ‬تتهادى‭ ‬في‭ ‬الشَّارع

في‭ ‬جَدِيلةِ‭ ‬معنى‭ ‬دافِئٍ،

لِتُشِاهِدَ‭ ‬ألعاباً‭ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬أحدٌ‭ ‬قد‭ ‬ماتَ‭ ‬فيها‭.‬

أمَّا‭ ‬اللُّحومُ‭ ‬فقد‭ ‬صُنِعَتْ‭ ‬من‭:‬

كانَ‭ ‬الجَسَدُ‭ ‬مَوقِعَ‭ ‬الجريمة،

لطريقته‭ ‬في‭ ‬التَّفكير‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬تتقاسمهُ،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،

مع‭ ‬الضِّباعِ‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬الحَبَارِ‭ ‬الرَّخَويِّ؟

كانت‭ ‬تُحبُّ‭ ‬شِراءَ‭ ‬الأشياء‭ ‬–

تناولَ‭ ‬طعامَ‭ ‬العَشاءِ‭ ‬مع‭ ‬صديقاتها‭ ‬–

ركوبَ‭ ‬الحافلاتِ‭ ‬سَعْيَاً‭ ‬لاحتساء‭ ‬نبيذ‭.‬

أنْ‭ ‬تجلسَ،‭ ‬بنفسها،

مع‭ ‬جرْس‭ ‬الكلمات‭ ‬ورَجْعِ‭ ‬أَصْدَائها‭.‬

لتقصَّ‭ ‬على‭ ‬نَفْسِهَا‭ ‬حِكَايَاتِ‭ ‬الإسهابِ‭ ‬في‭ ‬التَّوسُّعات‭.‬

مَلذَّاتٌ‭ ‬كثيرةٌ‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭:‬

كانت‭ ‬خائفةً‭ ‬–

مِنَ‭ ‬العالم،

مِنَ‭ ‬الأشياءِ

التي‭ ‬تَصَوَّرَتْهَا‭.‬

تخيَّل،

إنْ‭ ‬راقكَ‭ ‬الأمرُ‭ ‬وصَحَّ‭ ‬التَّعبير،

مَخْلُوقاً

شَرَعَ‭ ‬في‭ ‬التَّحدُّثِ‭ ‬مَعَ‭ ‬الآخَرينَ،‭ ‬ومَعْ‭ ‬نَفْسِهِ‭.‬

1 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


‮ ‬السَّفر‭ ‬مع‭ ‬الطُّيور

‮ ‬أذهبُ‭ ‬لمُشاهدة‭ ‬“السَّفر‭ ‬مع‭ ‬الطُّيور”‭.‬

ودائماً‭ ‬ما‭ ‬أثارني

تفرُّسُ‭ ‬الطُّيور‭ ‬المحكومُ‭ ‬بنظامٍ‭ ‬لا‭ ‬تَعُوزُهُ‭ ‬الدِّقة‭.‬

حينَ‭ ‬تصلُ‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬الطُّيور‭ ‬للتَّوجِّه‭ ‬صَوبَ‭ ‬صَوبٍ‭ ‬آخر،

فإنَّها‭ ‬تُسلمُ‭ ‬النَّفْسَ‭ ‬لما‭ ‬يتوجَّبُ‭ ‬عليها‭ ‬إنجازهُ‭:‬

الاندفاعُ‭ ‬على‭ ‬طَريقِ‭ ‬رياحٍ‭ ‬مُعاكسة؛

الاستراحةُ‭ ‬في‭ ‬خنادق‭ ‬شمالِ‭ ‬البلاد،‭ ‬في‭ ‬طواحين‭ ‬تياراتٍ‭ ‬سَودَاء‭.‬

إنَّها‭ ‬تتابعُ‭ ‬مُراقبةَ‭ ‬أسرابَ‭ ‬الكَراكر‭ ‬في‭ ‬المسارات؛

تندفعُ‭ ‬تشقُّ‭ ‬طريقها‭ ‬باطّرادٍ،‭ ‬وبذلكَ‭ ‬الصَّبرِ،‭ ‬وبخفقٍ‭ ‬عنيدْ‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يُمكنُ‭ ‬أنْ‭ ‬يفْضُلَ‭ ‬عيشَ‭ ‬حياةِ‭ ‬الغرائزِ؟‮ ‬

وأنْ‭ ‬تَهبَ‭ ‬النَّفسَ‭ ‬للأفضليَّة،‭ ‬والشَّهوة،‮ ‬والمهارة‭ ‬في‭ ‬الحرب؟

وأنْ‭ ‬تَمضي،‭ ‬مثلَ‭ ‬الطُّيور،‭ ‬في‭ ‬رحلةٍ‭ ‬مِحْوَرُهَا‭ ‬الكَتِف‭ ‬–

لحمل‭ ‬بعض‭ ‬المَراكب‭ ‬ذات‭ ‬القَيْدوم‭ ‬القضيبيّ‭ ‬على‭ ‬رحلاتٍ‭ ‬بلا‭ ‬ملْحٍ

لأجلِ‭ ‬افتراسٍ،‭ ‬أو‭ ‬صُعُودٍ‭ ‬وراثِيٍّ؟

وأنْ‭ ‬تَضْحَكَ،‭ ‬بصحبة‭ ‬واحدٍ‭ ‬مِنَ‭ ‬الرِّفاقِ،‭ ‬بإشفاق،

لِتَعرفَ‭ ‬أنَّكَ‭ ‬قويٌّ‭ ‬بدماءِ‭ ‬الّذينَ‭ ‬سَقَطوا؛

لملء‭ ‬رئتيْ‭ ‬امرئٍ‭ ‬بهواءِ‭ ‬مرتبةٍ‭ ‬ذات‭ ‬مَقام؟

وفق‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يزالُ‭ ‬بعضُ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬يعيشون‭.‬

غيرَ‭ ‬أنَّ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬المسؤولةِ‭ ‬تَحْمِلُ‭ ‬عِبْئَنَا‭ ‬الآن‭.‬

ما‭ ‬إنْ‭ ‬فَكَّرنا‭ ‬في‭ ‬أنْ‭ ‬نسألَ‭ ‬“لماذا؟”،‭ ‬وشرعنا‭ ‬في‭ ‬مُقاربة‭ ‬المُعادلات‭:‬

هَوتْ‭ ‬على‭ ‬قلوبنا‭ ‬ظلالُ‭ ‬التَّعقيب‭ ‬والنَّقد‭ ‬–

ولكنَّ‭ ‬اليقظةَ،‭ ‬المُفْعَمةَ‭ ‬بأسبابٍ‭ ‬طالتْ‭ ‬مواجهتها،

تأخذُنا‭ ‬بقوَّةٍ،

صَوبَ‭ ‬الحبِّ‭.‬

2 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا
‮ ‬الكُتابُ

‮ ‬خلفَ‭ ‬المعبدِ‭ ‬في‭ ‬غَسَقٍ‭ ‬يحتشدون،

ويرفعونَ‭ ‬الدُّعاءَ‭ ‬بأنْ‭ ‬يكُونُوا‭ ‬طُهَراءَ،‭ ‬ومنَ‭ ‬الله‭ ‬مُفَضَّلِين‭.‬

إنَّهم‭ ‬يستسلمونَ‭ ‬إلى‭ ‬بُرودة‭ ‬حُجْرةِ‭ ‬النُّسَّاخ‭.‬

يدخُلونَ‭ ‬خُلواتِ‭ ‬التَّوحُّدِ‭ ‬في‭ ‬الغُرفِ‭ ‬المكسُّوَّة‭ ‬جُدْرانها‭ ‬بالورق‭.‬

وفي‭ ‬إذعانٍ‭ ‬عُبوديٍّ‭ ‬لاستعبادِ‭ ‬الوشاية‭ ‬الرَّهيبة‭ ‬حول‭ ‬“ما‭ ‬هي‭ ‬القضيَّةُ؟”،

سَيُدَوِّنُونَ‭ ‬عِباراتها‭:‬

هُنَا‭ ‬إنْسَانٌ‭ ‬تتلألأُ‭ ‬عَيْنُهُ،‭ ‬وهُنَا‭ ‬ضَحِيَّة‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الأثرُ‮ ‬‭ ‬الذي‭ ‬يُمكنُ‭ ‬للشَّظايا‭ ‬أنْ‭ ‬توقعهُ‭ ‬على‭ ‬العَظْم‭.‬

سوفَ‭ ‬يقولون‭: ‬تفحَّصَ‭ ‬بعنايةٍ‭ ‬هذا‭ ‬الوقتَ‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الأيَّام

بلا‭ ‬شجَاعةٍ،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬اعتناءٍ‭ ‬بالآخر‭.‬

وسَوفَ‭ ‬يَقُولُونَ‭: ‬اصْغِ،‭ ‬اصْغِ،

هذا‭ ‬إنْسَانٌ‭ ‬وهو‭ ‬يَسْقُطُ‭.‬

وهذه‭ ‬هي‭ ‬البنتُ‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬لأجلها‭ ‬عُشَّاقٌ‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬المصيرُ‭ ‬التَّعِسُ‭ ‬للإنسانِ‭ ‬الذي‭ ‬تكلَّمَ‭.‬

ومهما‭ ‬يكُنْ،‭ ‬المجرَّاتُ‭ ‬عجلةُ‭ ‬الماضي،

الأرضُ‭ ‬وضَّاءةٌ‭ ‬وفي‭ ‬ليلها‭ ‬تُضيءُ‭.‬

الكُتَّابُ‭ ‬يَدْخلونَ‭ ‬مَدائنَ‭ ‬أَنْفُسِهم،

مع‭ ‬كُتبهم‭ ‬ومُشَاكَسَاتِهِمْ،‭ ‬وطَرَائِقِهِم‭ ‬الهَزليَّة‭ ‬الغَريبة‭.‬

إنَّهم‭ ‬يَعْرِفُونَ‭ ‬أنَّه‭ ‬لا‭ ‬يُمكنُكَ،‭ ‬فقط،‭ ‬أنْ‭ ‬تُسمِّي‭ ‬الأخَطاءَ،

وأنْ‭ ‬تتركَ‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬حاله‭.‬

إنَّهم‭ ‬يبحثونَ‭ ‬عن‭ ‬الأماكن‭ ‬والفضاءات

التي‭ ‬يُمكن‭ ‬للنَّاس‭ ‬أنْ‭ ‬يدخلوها‭ ‬معاً‭.‬

إنَّهم‭ ‬يعتقدونَ‭ ‬أنَّ‭ ‬لموسيقى‭ ‬الكلمات

أنْ‭ ‬تُفضي،‭ ‬مُواربةً،‭ ‬إلى‭ ‬الضَّوء‭.‬

وسَنَةً‭ ‬في‭ ‬إثْرِ‭ ‬سَنَةٍ،‭ ‬يستنطقونَ‭ ‬ولائمَ‭ ‬الحيواناتِ‭ ‬آكلة‭ ‬اللُّحوم‭.‬

بشمولٍ‭ ‬مُتَعَمِّقٍ،‭ ‬وفَوريَّةٍ‭ ‬نَشطةٍ،‭ ‬ومقترحات‭:‬

بآملٍ،‭ ‬ولكنْ‭ ‬ليسَ‭ ‬بأملٍ‭ ‬مَوثُوق‭ ‬فيه؛

يُدْركونَ‭ ‬أنَّ‭ ‬ثمَّة‭ ‬طَريقةً‭ ‬لتَخَيُّلِ‭ ‬دَمَاثَةٍ‭.‬

2أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


حلم‭: ‬البئر

“ثمَّة‭ ‬أملٌ،‭ ‬ولكنْ‭ ‬ليس‭ ‬لنا”‭ ‬–‭ ‬كافكا

الآن،‭ ‬يَنْسَرِبُ‭ ‬الماءُ‭ ‬جارياً‭ ‬من‭ ‬تحتهم‭.‬

صافٍ،‭ ‬يُطهِّرُ‭ ‬الأرضَ،‭ ‬ولكنْ‭ ‬هُنا،

في‭ ‬نقَّالة‭ ‬العَذَابِ‭ ‬وقمَامَتِهِ،‭ ‬يَخْفُتُ‭ ‬ضوءُ‭ ‬القَمرِ

فوقَ‭ ‬الصُّخور‭ ‬المُحْتَرقَةِ،‭ ‬وسَنانير‭ ‬اللُّحوم‭ ‬وخطَّافاتها،

وقد‭ ‬تكدَّستْ‭ ‬إربُ‭ ‬الأجسادِ‭ ‬جذوراً‭ ‬عاريةً‭ ‬في‭ ‬بئرٍ‭.‬

تخيَّلْتُهُم،‭ ‬يدورونَ‭ ‬حولَ‭ ‬مُنْعَطفٍ‭ ‬ويضِلُّون،‭ ‬في‭ ‬كآبةٍ‭ ‬أبعدَ‭ ‬من‭ ‬مَوتٍ‭ ‬–

كما‭ ‬لو‭ ‬أنَّ‭ ‬بإمكانهم‭ ‬إلزامَ‭ ‬أصحابهم؛

أنْ‭ ‬يواصلوا‭ ‬الصُّعودَ‮ ‬‭ ‬صوبَ‭ ‬كُلِّ‭ ‬ما‭ ‬يُبرقُ

في‭ ‬جلدهم‭ ‬الرُّخاميِّ‭ ‬المُتَحَجِّر‭. ‬كما‭ ‬لو

أنَّهم‭ ‬يستطيعونَ‭ ‬الصُّعودَ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬شَفَةِ‭ ‬مَوتهم‭ ‬المُطْلقة؛

يتعقَّبونَ‭ ‬أيادٍ‭ ‬كالدُّموع،‭ ‬تحتَ‭ ‬وجوه‭ ‬مَنْ‭ ‬أُحَبُّوا‭.‬

ولكنَّهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعونَ‭. ‬فليس‭ ‬لهم‭ ‬أَيَادٍ‭ ‬أو‭ ‬عُيُون‭.‬

لا‭ ‬أحدَ‭ ‬سيُخْرِجُهم‭ ‬الآنَ

من‭ ‬بئرِ‭ ‬جِيناتِ‭ ‬الدَّم‭ ‬–‭ ‬ثُمَّ‭ ‬يمشي‭ ‬معهم،

مثلاً،‭ ‬على‭ ‬جانبِ‭ ‬الغَدِير‭ ‬في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬رعَويٍّ‭ ‬–

باتجاه‭ ‬مُنحدراتِ‭ ‬الابتداعِ‭ ‬الحَذِرَة؛

يردُّ‭ ‬قُبْلاتهم‭ ‬بألوان‭ ‬مُبَرْقَشَةٍ‭ ‬من‭ ‬بقعِ‭ ‬الظِّلال

حيثُ‭ ‬الحرِّيةُ‭ ‬طَبْعُ‭ ‬الأقوياء‭.‬

بَقِيَتْ‭ ‬مَسَافةٌ‭ ‬قَصِيرةٌ‭ ‬لِيَجْتَازُوهَا‭.‬

ولكنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬يُمْكِنُهَم‭ ‬فِعْلَهُ

لا‭ ‬يعدو‭ ‬تقطيرَ‭ ‬أملٍ‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭.‬

كانت‭ ‬تِيمُور‭ ‬الشَّرقية‭ ‬مُستعمرةً‭ ‬بُرتُغاليةً‭ ‬استولى‭ ‬عليها‭ ‬الإندونيسيون‭. ‬أمَّا‭ ‬التِيمُوريون‭ ‬فقد‭ ‬أرادوا‭ ‬بلدهم‭ ‬مُستَقلَّاً‭.‬ وفي‭ ‬العام‭ ‬1999،‭ ‬شكَّل‭ ‬الجيشُ‭ ‬الإندونيسي‭ ‬ميليشيات‭ ‬وزودها‭ ‬بالتدريب‭ ‬بغية‭ ‬عرقلة‭ ‬التصويت‭ ‬الذي‭ ‬ترعاه‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بشأن‭ ‬الاستقلال‭. ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬القُرى،‭ ‬قطَّع‭ ‬أفرادٌ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الميليشيات‭ ‬أجساد‭ ‬القرويين‭ ‬إرباً‭ ‬إرباً‭ ‬بالسَّواطير‭ ‬وألقوا‭ ‬بهذه‭ ‬الإرب‭ ‬في‭ ‬البئر‭. ‬وقد‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬الحادثةُ‭ ‬وأمثالها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إرسال‭ ‬قواتٍ‭ ‬كافية‭ ‬لضمان‭ ‬إمكانية‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬نزيهة،‭ ‬ربَّما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر‭ ‬أنْ‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هذه‭ ‬الوفيات‭. ‬أما‭ ‬أنا،‭ ‬فقد‭ ‬حلمتُ‭ ‬أنَّني‭ ‬كُنتُ‭ ‬في‭ ‬البئر،‭ ‬مع‭ ‬القرويين،‭ ‬وأنَّهم‭ ‬كانوا،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬ويُحاولون‭ ‬شقَّ‭ ‬طريقَ‭ ‬عَودتهم‭ ‬إلى‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭.‬

4 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


‮ ‬إلى‭ ‬الألمان

تخطيط: إبراهيم الصلحي

‮ ‬لأنَّ‭ ‬الإنكليز‭ ‬والرُّومان‭ ‬والفرنسيين

أنشأوا،‭ ‬أيضاً،‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬على‭ ‬جُثَثِ‭ ‬العبيد؛

ولأنَّ‭ ‬الصِّينيين،‭ ‬والرُّوس،‭ ‬والخمِير

قتلوا‭ ‬ملايينهم‭ ‬أيضاً؛

ولأنَّ‭ ‬الأسبانَ،‭ ‬والمَغَولَ،‭ ‬والزُّولو

قد‭ ‬تقدَّموا،‭ ‬أيضاً،

عبر‭ ‬أقواس‭ ‬الكوكب‭ ‬الأرضيِّ

كجنديِّ‭ ‬النَّمل؛

ولأنَّ‭ ‬الهُنودَ‭ ‬لم‭ ‬يهتموا‭ ‬بفقراء‭ ‬النَّاس

سواء‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إنْ‭ ‬هم‭ ‬عاشَوا‭ ‬أو‭ ‬ماتوا؛

ولأنَّ‭ ‬العربَ‭ ‬كما‭ ‬الأتراكَ‭ ‬كما‭ ‬اليابانيينَ،

قد‭ ‬حَلمُوا‭ ‬أيضاً‭ ‬بكواكبَ‭ ‬مُتجانسة‭ ‬في‭ ‬الطَّبع‭ ‬وفي‭ ‬الرُّوح

حيثُ‭ ‬يَعُودُ‭ ‬إليهم‭ ‬كلُّ‭ ‬قرار؛

ولأنَّ‭ ‬الأميركيين،‭ ‬والأستراليين،‭ ‬والجاويين،

قد‭ ‬تَلَمَّسوا‭ ‬الحاجةَ‭ ‬إلى‭ ‬مجالٍ‭ ‬حيويٍّ‭ ‬–

لأنَّ‭ ‬بلداً‭ ‬لم‭ ‬تتوافر،‭ ‬قط،‭ ‬على‭ ‬طريقٍ‭ ‬متحضِّر

يحملها‭ ‬صوبَ‭ ‬فضاءاتٍ‭ ‬متحضِّرة‭ ‬–

‮ ‬‭ ‬لم‭ ‬يَعُدْ‭ ‬ثمَّة‭ ‬من‭ ‬جَدوى‭ ‬قط

للإبقاء‭ ‬على‭ ‬دائرة‭ ‬الصَّمت‭.‬

لَمْ‭ ‬يَكُنْ‭ ‬مُغتفراً‭ ‬ما‭ ‬فعلتموهُ‭ ‬–

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬فعلناهُ‭ ‬جميعاً‭ ‬ليس‭ ‬مُغتَفراً‭ ‬كذلك‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬لهُ‭ ‬أنْ‭ ‬يُنْسَى‭ ‬أبداً‭.‬

لعلَّ‭ ‬أحَدَاً‭ ‬لا‭ ‬يَنْسى

أنَّ‭ ‬العالمَ‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬العدلُ‭ ‬مُمْكِنُ‭ ‬الوُجُودِ‭ ‬–

اللُّطفُ‭ ‬مُتَاحٌ‭ ‬–‭ ‬يَتَدَفَّقُ‭ ‬فائضاً‭ ‬عَبرَ‭ ‬حُفَرِ‭ ‬المَوتَى‭.‬

وحتَّى‭ ‬في‭ ‬الصَّباحَاتِ‮ ‬الأمْثل،‭ ‬مُطْلَقةِ‭ ‬الحُسْنِ،

تَتَكَدَّرُ‭ ‬حاشيةُ‭ ‬الماضي‭ ‬بوميضِ‭ ‬الصَّرخات‭.‬

لنْ‭ ‬يَكُفُّوا،

حتَّى‭ ‬يُدْعَونَ‭ ‬إلى‭ ‬الانضمام‭ ‬إلينا‭.‬

فَلْنَجْلِسْ‭ ‬مَعَاً،

كَأَبْنَاءِ‭ ‬عُمُومَةٍ‭ ‬لا‭ ‬نَزَالُ‭ ‬مَكْدُومِينَ‭ ‬بِجَرَائِمِنَا‭.‬

ودَعُوا‭ ‬الموتى‭ ‬يجيئون‭ ‬ليكونوا‭ ‬هناكَ‭ ‬أيضاً‭.‬

ودَعُونَا‭ ‬نُصْغِي

ليس‭ ‬إلى‭ ‬فاغنر‭ -‬

الذي‭ ‬لَدَيهِ‭ ‬كَانَت‭ ‬كُلْفَةُ‭ ‬الجَمَالِ‭ ‬مَوتَاً‭.‬

ولا‭ ‬إلى‭ ‬برامز‭ ‬–

الذي‭ ‬لَدَيه‭ ‬كانَ‭ ‬جمالُ‭ ‬المَوتَى‭ ‬مَحْتُوماً‭ -‬

ولَكِنْ‭ ‬لتأذنوا‭ ‬لنا‭ ‬بِتَمْجِيدِ

كُلٍّ‭ ‬مِنْ‭ ‬نَضْحِ‭ ‬الجُثثِ

وأَنْصَافِ‭ ‬حِكَايَاتِ‭ ‬الأَحْيَاءِ

لِتَعَذُّرِهما على‭ ‬الحلِّ‭ ‬أو‭ ‬التَّذويب‭ ‬–

لا‭ ‬تَمْدِيَةَ‭ ‬مُجَرَّداتِ‭ ‬الإرادة‭ ‬المُنْتَصَرة،‭ ‬ولا‭ ‬ترسيخَ‭ ‬الأحزانِ‭ ‬والمَرَارَات‭.‬

دَعُونَا‭ ‬نُثَمِّنُ‭ ‬اللَّامُنْتَهيَ؛‭ ‬غيرَ‭ ‬النَّاجز،‭ ‬المُقِتَضَبَ‭ ‬الوَجِيزْ‭.‬

كنتُ،‭ ‬في‭ ‬هَذِه‭ ‬القصيدة،‭ ‬أُحَاولُ‭ ‬الإلماحَ‭ ‬إلى‭ ‬أنَّه‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬انتصارية‭ ‬فاغنر،‭ ‬أو‭ ‬جاهزية‭ ‬برامز‮ ‬‭ ‬للُحزن،‭ ‬هُما‭ ‬المِزاجُ‭ ‬السَّائدُ،‭ ‬‮ ‬فسوف‭ ‬لن‭ ‬يكونَ‭ ‬بمقدورنا‭ ‬أنْ‭ ‬نُمجِّدَ‭ ‬الحياةَ‭ ‬والعيشَ‭ ‬أو‭ ‬أنْ‭ ‬نُقَدِّرَهُما‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬للتَّخلُّصِ‭ ‬من‭ ‬غرائزِ‭ ‬إشعالِ‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تحكمُ،‭ ‬بين‭ ‬وقتٍ‭ ‬وآخر،‭ ‬جميع‭ ‬البلدان؛‭ ‬فثمَّة‭ ‬علاقةٌ‭ ‬بين‭ ‬الكمال‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬إليه‭ ‬كلٌّ‭ ‬من‭ ‬فاغنر‭ ‬وبرامز (جمال النصر، وجمال الحزن)، وبين‭ ‬الطُّرق‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬المُحاربون‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬أيضاً،‭ ‬إلى‭ ‬الكمال،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين‭.‬‮ ‬وحتَّى‭ ‬اللَّحظة‭ ‬التي‭ ‬نقبلُ‭ ‬فيها‭ ‬راهنيَّة‭ ‬العالم،‭ ‬ووقتيَّته،‭ ‬ونُقْصَانِهِ،‭ ‬سَنَسْتَمرُّ‭ ‬في‭ ‬فرضِ‭ ‬رغبتنا‭ ‬في‭ ‬الكمال‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

5 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


آري

‮ ‬آري‭ ‬يَرْكُضً

في‭ ‬اللَّيل،‭ ‬لئلا‭ ‬يَضِرِبهُ‭ ‬المَحَلِّيون‭.‬

جانباً،‭ ‬للبقاءِ‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الثُّلوم‭.‬

إنَّه‭ ‬يجري،‭ ‬لأنَّ‭ ‬كُلَّ‭ ‬ناسِهِ

بلا‭ ‬أرضٍ‭ ‬يَمْلِكُونها،‭ ‬ومُبَعْثَرُونَ‭ -‬

أو‭ ‬مُتَنَاثِرونَ‭ ‬ومَجْزُوعُونَ‭ ‬–‮ ‬أو‭ ‬مَجَانين‭ ‬ومَرْضَى‭.‬

رئتاهُ‭ ‬تُحَافظانِ‭ ‬على‭ ‬وتيرةِ‭ ‬تنفُّسٍ‭ ‬جَيِّدةٍ،

ولكنَّ‭ ‬قَدَمَيهِ‭ ‬مجروحتانِ‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬خَطِرٍ‭.‬

لا‭ ‬يَهُمُّ‭.‬

سَوفَ‭ ‬يَمشي‭ ‬في‭ ‬المُدِنْ‭.‬

إنَّهُ‭ ‬يجري‭ ‬لأنَّهم

سَيأذَنُونَ‭ ‬لهُ‭ ‬بالعملِ‭ ‬كطبيبٍ‭.‬

إنَّهُ‭ ‬يَرْكُضُ

لأنَّهُ‭ ‬يَلْبِسُ‭ ‬رِداءَ‭ ‬الدِّببة‭.‬

قد‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬الأفلام

أنَّ‭ ‬هُنَاكَ‭ ‬أراضٍ‭ ‬لا‭ ‬شَيءَ‭ ‬يَمْلأُهَا‭ ‬سِوى‭ ‬المُدُنْ‭.‬

وهو‭ ‬يَعْلَمُ‭ ‬أنَّ‭ ‬“مَجْلِسَ‭ ‬الأحياز‭ ‬والفَضَاءاتِ”

يعتني‭ ‬بِكُم‭ ‬هُناك‭.‬

سَيَرْكُضُ‭ ‬صَوبَ‭ ‬غُبار‭ ‬الشَّاحِنَاتِ‭ ‬الجَليِّ

ليستجلي‭ ‬أخبارَ‭ ‬رِحْلَتِهِ‭.‬

سَيَهْزأونَ‭ ‬مِنْ‭ ‬أَسْئِلَتهِ،‭ ‬وسَيَكْذِبونَ،

ولكنَّ‭ ‬آلهته‭ ‬سيقرأون‭ ‬جيِّداً‭.‬

سَيَسْتَعِيرُ‮ ‬مِطْيَةً‭ ‬إلى‭ ‬وادي‭ ‬النِّيران‭.‬

سَيَصْطَادُ‭ ‬بشبكةِ‭ ‬الجَرِّ‭ ‬عَبرَ‭ ‬الدُّخانِ

معَ‭ ‬المُقْعَدِينَ‭ ‬الذينَ‭ ‬لا‭ ‬تَحْتَاجُهُمُ‭ ‬الأرضُ،

وسَيُطاردُ‭ ‬أبا‭ ‬مِنْجَلٍ‭ ‬وغُرابْ‭.‬

غير‭ ‬أنَّهُ‭ ‬سَيَكُونُ‭ ‬هُناكَ‭ ‬حينَ‭ ‬يَطْلُبُ‭ ‬رجالٌ‭ ‬من‭ ‬العبَّاراتِ

نظراتِ‭ ‬التَّفحُّصِ‭ ‬الدَّقيقِ،‭ ‬وما‭ ‬بعدَ‭ ‬الأولاد‭.‬

سَيُنَفِّذُ‭ ‬كلَّ‭ ‬أمرٍ‭ ‬حَسْبَ‭ ‬ما‭ ‬يَأْمُرُونَ،‭ ‬مِنَ‭ ‬البِدْءِ‭ ‬حَتَّى‭ ‬المُنْتَهَى‭.‬

وَكَي‭ ‬يُلَبِّي‭ ‬حَاجَاتِهِمْ،

سَيُعَلِّمونهُ‭ ‬كيفية‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬حالٍ‭ ‬إلى‭ ‬حالْ‭.‬

وسَيَتَمَرَّنُ‭ ‬على‭ ‬الكَلامِ‭ ‬ليُمَارسَ‭ ‬كلامهُ

وسَيُحِيلُ‭ ‬نَفْسَهُ‭ ‬ضَئِيلاً‭ ‬مِثلَ‭ ‬شَبَحْ‭.‬

سيَجثُمُ‭ ‬في‭ ‬عَتْمَةِ‭ ‬المُحَرِّكَات

وفي‭ ‬صَفْعِ‭ ‬مَالِحِ‭ ‬الماء‭.‬

وَسَيَصْعَدُ‭ ‬إلى‭ ‬الشَّاطئِ

عبرَ‭ ‬أحْوَاضِ‭ ‬بناء‭ ‬السُّفُن‭ ‬هَاتِهِ‭ ‬–

لأنَّ‭ ‬هناكَ‭ ‬أُنَاسَاً‭ ‬في‭ ‬مُدُنٍ

يُمْكِنُ‭ ‬لِلْمَرءِ‭ ‬أنْ‭ ‬يَثِقَ‭ ‬فِيهِمْ‭.‬

اطَّلعتُ‭ ‬على‭ ‬خَبرٍ‭ ‬يتعلَّقُ‭ ‬بولدٍ‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬أفريقيا‭ ‬كانَ‭ ‬يَرْكُضُ‭ ‬صَوبَ‭ ‬أوروبا،‭ ‬فَمَنحتهُ‭ ‬قصَّةً‭ ‬خَلْفيَّةً‭.‬

أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


أجْنِحَةُ‭ ‬الرَّفْرَافْ

‮ ‬لِنَتًذَكَّرَهَا‭ ‬جَمِيعَاً؛

فَجَمِيعُهَا‭ ‬هُوَ‭ ‬الحَرْبُ‭ ‬نَفْسُهَا‭.‬

ولِنَفَرِدَ‭ ‬أَجْنِحَتَنَا‭ ‬فَوْقَهَا‭ ‬–

‬طَائِرُ‭ ‬الرَّفْرَافِ‭ ‬يُومِضُ

فَوقَ‭ ‬أًولئِكَ

‬الذينَ‭ ‬ماتوا

في‭ ‬ضَفْرِ‭ ‬المَسَاحَاتِ‭ ‬–

الحُرُوبُ‭ ‬بينَ‭ ‬الغَرَائزِ‭ ‬والكَلِمَاتِ؛

بينَ‭ ‬الإيماءاتِ‭ ‬والجِينَات‭.‬

الشُّعوبُ‭ ‬التي‭ ‬تَلاشَتْ‭ ‬كالغيُوم،‭ ‬في‭ ‬السَّنوات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬–

الشُّعوبُ‭ ‬التي‭ ‬هُزِمتْ‭ ‬قَبَائِلُهَا،‭ ‬التي‭ ‬حُدُودها‭ ‬الظلُّ‭ ‬والرِّيحُ‭.‬

تِلكَ‭ ‬التي‭ ‬اسْتَراحَتْ‭ ‬في‭ ‬السَّنوات‭ ‬العِجَافِ‭ -‬

لأنها‭ ‬كَدَّتْ‭ ‬ما‭ ‬وسِعَها‭ ‬الكدُّ‭ ‬في‭ ‬السَّنواتِ‭ ‬السِّمان‭.‬

تِلكَ‭ ‬التي‭ ‬اقتيدتْ‭ ‬مُصَفَّدةً‭ ‬بالسَّلاسلِ‭ ‬إلى‭ ‬زوايا‭ ‬الجَفَافِ‭.‬

دَعُونَا‭ ‬نَكْسُو‭ ‬عِظَامَ‭ ‬أبنائها‭ ‬بريشِ‭ ‬قِصَصِنا،

ونُكَشكِش‭ ‬الهَواءَ‭ ‬الذي‭ ‬تَنَفَّسُوهُ‭ ‬مَرَّةً‭ ‬بريشاتِ‭ ‬مَراوحِ‭ ‬الحُزْن‭ ‬الأزرق‮…‬

الشُّعوبُ‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬طعاماً‭ ‬للآلهة‭.‬

أو‭ ‬التي‭ ‬مَاتَتْ‭ ‬في‭ ‬حَلَبة‭ ‬سِبَاقِ‭ ‬الحُرُوبْ‭.‬

لأنَّها‭ ‬كانتْ‭ ‬شَجَرةَ‭ ‬سُلَاَلةٍ‭. ‬أو‭ ‬نفاياتٍ‭ ‬وسَقْطَ‭ ‬مَتَاعْ‭.‬

لأنَّها‭ ‬كانتْ‭ ‬مَقْطَعاً‭ ‬في‭ ‬نصٍّ‭ ‬تَطَلَّبَ‭ ‬خُسْرَانَها‭ ‬وضَيَاعَهَا‭.‬

إنَّما‭ ‬هي،‭ ‬كُلُّهَا،‭ ‬المَعْرَكةُ‭ ‬نَفْسَها‭.‬

التَّجَانُسَاتُ‭ ‬المَريِرةُ‭ ‬نَفسُهَا‭:‬

عُشْبُ‭ ‬التَّعثُّرِ‭ ‬والسُّقوط‭ ‬نَفْسُهُ‭ ‬–‭ ‬والْمِشْكَالُ‭ ‬المَشْهَديُّ–‭ ‬واضْطِرابُ‭ ‬الأُسُس‭.‬

تلكَ‭ ‬الشُّعُوبُ‭ ‬التي‭ ‬صَارتْ‭ ‬مُتْعِبةً‭ ‬وغيرَ‭ ‬مُتَوافِقَةٍ‭ ‬–

التي‭ ‬أُخِذَتْ‭ ‬عَلَى‭ ‬الجَانب‭ ‬الخَطأ‭ ‬من‭ ‬المُطالبات‭ ‬ووفْقَهُ‭ ‬عُومِلَتْ‭.‬

الشُّعُوبُ‭ ‬التي‭ ‬اقْتَلعَتْهَا‭ ‬من‭ ‬حُقُولِهَا‭ ‬نُمُولُ‭ ‬نابليون؛

نُمُولُ‭ ‬جِينْكِيز،‭ ‬أو‭ ‬نُمُولُ‭ ‬أكْبَر‭.‬

الشُّعُوبُ‭ ‬التي‭ ‬سَجَدتْ‭ ‬للعَدَسَة‭ ‬وجَثتْ‭.‬

أو‭ ‬تلكَ‭ ‬التي‭ ‬اسْتَلْقَتْ‭ ‬ونَامَتْ،‭ ‬للطَّائراتِ‭ ‬مِنْ‭ ‬دُونِ‭ ‬طَيَّار‭.‬

كُلُّ‭ ‬الأولادِ‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يَكُونُوا‭ ‬مِنَ‭ ‬النَّوع‭ ‬الصَّائب‭.‬

وكُلُّ‭ ‬النِّساءِ‭ ‬اللَّواتي‭ ‬كُنَّ‭.‬

كُلُّ‭ ‬ذلكَ‭ ‬حَرْبٌ‭ ‬واحِدَةٌ‭.‬

أنْ‭ ‬نَبْتَكِرَ‭ ‬أنْفُسنا‭ ‬بَشَرَاً؛

أنْ‭ ‬نَصُوغَ‭ ‬أنْفُسَنَا‭ ‬على‭ ‬نَحْوٍ‭ ‬أبْعَدَ‭ ‬مِمَّا‭ ‬نَحْنُ‭ ‬عَلِيه‭.‬

دَعُونَا‭ ‬نَلُفُّهم‭ ‬بِلَازُودِ‭ ‬أَجْنِحَتِنَا‭.‬

أَولئِكَ‭ ‬الذين‭ ‬هَزَمَتْهُمْ‭ ‬قِرَاءَاتُهُم‭.‬

أُولَئِكَ‭ ‬الذين‭ ‬لَعِبَتْ‭ ‬كَلِمَاتُهُم‭ ‬ضِدَّهمْ‭.‬

الذين‭ ‬مَاتُوا‭ ‬مِنْ‭ ‬أَجْلِ‭ ‬حُرِّياتِهِم‭.‬

الذينَ‭ ‬ماتوا‭ ‬من‭ ‬جَرَّاء‭ ‬أهوالٍ‭ ‬كالحُرِّية

تجاوزت‭ ‬أعباؤها‭ ‬طاقة‭ ‬التَّحمُّل‭.‬

دَعُونَا‭ ‬نَمسَّهُم‭ ‬ونُمَسِّدهم

ببريقِ‭ ‬انتباهنا‭ ‬–

بُنْدُقِيَّةُ‭ ‬اللَّمعانِ‭ ‬والبَرِيقِ‭ ‬الطَّويلةُ‭ ‬هذه،‭ ‬هي‭ ‬حُزْنُنَا‭ ‬والأسى‭ -‬

هذا‭ ‬الانْسِكَابُ‭ ‬الوَجِيزُ‭ ‬للمَاء‭ ‬والضَّوء

هو‭ ‬الذي‭ ‬مِنْهُ‭ ‬نَبدأُ‭.‬

6 أيلول (سبتمبر)، 2015 براتسلافا


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا