الزقزقة‭ ‬تملأ‭ ‬الحقل‭ ‬المجاور

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(64)]

تخطيط: حسين جمعان
المياه باردة يا صديقي

بعد‭ ‬أن‭ ‬نسينا‭ ‬أن‭ ‬للميت‭ ‬وجها،‭ ‬صرنا‭ ‬نبحث‭ ‬عمن‭ ‬يشبهه‭. ‬ولأن‭ ‬الميت‭ ‬لا‭ ‬يتذكر‭ ‬طقسه‭ ‬اليومي،‭ ‬سيقال‭ ‬إنها‭ ‬يده‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الوسادة‭. ‬سيقال‭ ‬أيضا‭ ‬إن‭ ‬إصبعا‭ ‬منه‭ ‬يرتفع‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬النباتات‭ ‬عند‭ ‬النافذة‭. ‬شيء‭ ‬من‭ ‬نومه‭ ‬يذكّر‭ ‬بالمياه‭ ‬الباردة‭. ‬سكين‭ ‬على‭ ‬المنضدة‭ ‬وشفتان‭ ‬من‭ ‬بصل‭ ‬ونصف‭ ‬ليمونة‭ ‬ستجعل‭ ‬منه‭ ‬مائدة‭ ‬لحوار‭ ‬متأنّ‭. ‬له‭ ‬ما‭ ‬يشبهه،‭ ‬من‭ ‬يتشبّه‭ ‬به،‭ ‬من‭ ‬يجاريه‭ ‬في‭ ‬الغياب،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬ينفرد‭ ‬بموته‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬أحدا‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬تذكّر‭ ‬به‭ ‬تظل‭ ‬باردة‭.‬

‮ يدان عزيزتان

على‭ ‬الصخرة‭ ‬الوحيدة‭ ‬فراشة‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬وأنا

على‭ ‬جناحي‭ ‬الفراشة‭ ‬صخرة‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬وأنا

على‭ ‬تلك‭ ‬الصخرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬قنديل

في‭ ‬الضوء‭ ‬القليل‭ ‬هناك‭ ‬يدان‭. ‬يدان‭ ‬من‭ ‬ورق‭ ‬أخضر‭. ‬من‭ ‬ورق‭ ‬لا‭ ‬ينام‭. ‬متعبا‭ ‬من‭ ‬ضجري‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬زورقا‭ ‬سينزلق‭ ‬بي‭ ‬إلى‭ ‬الهاوية‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬لحظة‭ ‬ليتركني‭ ‬وحيدا،‭ ‬أفكر‭ ‬بالندم،‭ ‬بالجار‭ ‬الذي‭ ‬يلصق‭ ‬صورة‭ ‬امرأة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬شقته،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬أمه‭. ‬“لم‭ ‬يعد‭ ‬لنا‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬ننسى”‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يختفي‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

صليتُ

‬من‭ ‬أجله،‭ ‬وقد‭ ‬أحزنني‭ ‬ترابه‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬طبائعه‭ ‬وقد‭ ‬أوحى‭ ‬لملائكة‭ ‬بريدي‭ ‬بالنوم‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رائحته‭ ‬وقد‭ ‬امتزجت‭ ‬بطعامي‭ ‬صليتُ‭. ‬الزقزقة‭ ‬على‭ ‬الزجاج‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬عصفور‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬المجاور‭.‬‮ ‬

‮ ‬أكثر من أنثى

‬تحت‭ ‬القناع،‭ ‬في‭ ‬ذروتها،‭ ‬بعد‭ ‬قيامة‭ ‬زهرتها،‭ ‬على‭ ‬اليمين‭ ‬من‭ ‬رملها،‭ ‬في‭ ‬لمعة‭ ‬عشبها،‭ ‬الساعة‭ ‬الرمادية‭ ‬لفجر‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬ركبتها‭. ‬مثل‭ ‬كتاب‭ ‬تضعني‭ ‬في‭ ‬الحقيبة‭.‬

‬الأخت البريئة

‮‬مشيتها‭ ‬تعزز‭ ‬ثقتي‭ ‬بالنهار‭. ‬الإبرة‭ ‬التي‭ ‬تتسلل‭ ‬من‭ ‬الثوب،‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬تبلل‭ ‬يد‭ ‬الخياط،‭ ‬البريئة‭ ‬من‭ ‬خيالها،‭ ‬العارية‭ ‬مثل‭ ‬غصتها،‭ ‬المستلهَمة‭ ‬مثل‭ ‬ثعلب‭ ‬نسي‭ ‬مكره‭. ‬في‭ ‬علبتها‭ ‬دمية‭ ‬وفي‭ ‬فمها‭ ‬طفل‭. ‬“ألم‭ ‬يعد‭ ‬الغراب؟”‭ ‬تساءلت‭ ‬وهي‭ ‬تعيد‭ ‬الإبرة‭ ‬إلى‭ ‬الثوب‭ ‬وتمسح‭ ‬يد‭ ‬الخياط‭ ‬بزيت‭ ‬قبلتها‭.‬

جارتي الحلوة

‬“حافية‭ ‬لأنّي‭ ‬شيوعية”‭ ‬يضحك‭ ‬الأطفال‭. ‬“مجنونة‭ ‬لأنّي‭ ‬شيوعية”‭ ‬تمسك‭ ‬موظفة‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بيدها‭ ‬وتنظر‭ ‬إلى‭ ‬عينيها‭ ‬العميقتين‭. ‬“شيوعية‭ ‬لأنّي‭ ‬هنا”‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬حقيبتها‭ ‬خارطة‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق‭ ‬وتفرشها‭ ‬على‭ ‬العشب‭ ‬ثم‭ ‬تضع‭ ‬إصبعها‭ ‬على‭ ‬موضع‭ ‬فيها‭. ‬ولدت‭ ‬جارتي‭ ‬هناك‭ ‬وحُملت‭ ‬صغيرة‭ ‬بين‭ ‬البضائع‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬ليلي‭.‬

‮‬على الخط

الميت‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أقربائي‭. ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬المدعوين‭ ‬فشعرت‭ ‬برغبة‭ ‬في‭ ‬الإصغاء‭. ‬أنا‭ ‬ميت‭ ‬آخر‭ ‬ولي‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭. ‬على‭ ‬الجدار‭ ‬صورتي‭. ‬ولا‭ ‬جدار‭ ‬في‭ ‬المقبرة‭. ‬هناك‭ ‬الهواء‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬صبواته‭: ‬ضربة‭ ‬الأنثى‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخطئ‭ ‬هدفها‭. ‬لقد‭ ‬كنت‭ ‬ميتا‭ ‬وحسبت‭ ‬المدعوين‭ ‬من‭ ‬أقربائي‭.‬

‮ ‬معنى الظلم

‮فكرتي‭ ‬عن‭ ‬الرصيف‭ ‬المقابل‭ ‬سيئة‭. ‬هناك‭ ‬قتلة‭ ‬وعاهرات‭ ‬وباعة‭ ‬جوازات‭ ‬مزوّرة‭ ‬ومندوبو‭ ‬الشيطان‭ ‬وكتاب‭ ‬روايات‭ ‬رائجة‭ ‬وخونة‭ ‬أنيقون‭ ‬وطباخات‭ ‬مطرودات‭ ‬بسبب‭ ‬شغفهن‭ ‬بالتوابل‭ ‬الهندية‭ ‬الحارة‭ ‬وسماسرة‭ ‬عقارات‭ ‬مسروقة‭ ‬وباعة‭ ‬مايوهات‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬وأئمة‭ ‬جوامع‭ ‬لم‭ ‬تبن‭ ‬بعد‭ ‬ومتسلقو‭ ‬سلالم‭ ‬وهمية‭ ‬وعابرات‭ ‬سبيل‭ ‬صرن‭ ‬بسبب‭ ‬الحظ‭ ‬العاثر‭ ‬أيقونات‭ ‬محلية‭. ‬غير‭ ‬أنني‭ ‬حين‭ ‬عبرت‭ ‬الشارع‭ ‬ونظرت‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬إلى‭ ‬الرصيف‭ ‬المقابل،‭ ‬الرصيف‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أقف‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬لحظات،‭ ‬لم‭ ‬أر‭ ‬شيئا‭. ‬لحظتها‭ ‬عرفت‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬الظلم‭.‬

‮‬من أجل الكلاسيكيات الحزينة

‮‬الأب‭ ‬حزين‭. ‬الكنيسة‭ ‬صارت‭ ‬مقهى‭. ‬أمين‭ ‬المكتبة‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬بورخس‭ ‬نفسه‭ ‬يتعذب‭. ‬المكتبة‭ ‬صارت‭ ‬متحفا‭. ‬بيتي‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬بغداد‭. ‬ماذا‭ ‬دهاه؟‭ ‬إنه‭ ‬فارغ‭. ‬حطب‭ ‬الجيران‭ ‬في‭ ‬الموقد‭ ‬وكلامهم‭ ‬في‭ ‬فمي‭. ‬لقاء‭ ‬متخيل‭. ‬في‭ ‬الحديقة،‭ ‬في‭ ‬أوكسفورد،‭ ‬جلست‭ ‬على‭ ‬الأريكة‭ ‬أحلم‭ ‬مدافعا‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مستقلا‭ ‬عني‭.‬

‮‬يضحك المطر

‮كوخ‭ ‬بنيته‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬للا‭ ‬أحد‭. ‬يشبهني‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أني‭ ‬كنت‭ ‬أغيضه‭. ‬لخشبه‭ ‬الرطب‭ ‬رائحة‭. ‬يضحك‭ ‬المطر‭. ‬هل‭ ‬قلت‭ ‬سرا؟‭ ‬الكوخ‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬كان‭ ‬يبتسم‭ ‬بحياء‭. ‬يبدو‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬أخطأت‭ ‬في‭ ‬الوصف‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الرائحة‭ ‬إلا‭ ‬ضيفا‭ ‬مؤقتا‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الكوخ‭ ‬أكثر‭ ‬ضيقا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يستقبل‭ ‬شخصا‭ ‬له‭ ‬رائحة‭. ‬لذلك‭ ‬اكتفى‭ ‬بالرائحة‭ ‬وطردني‭.‬

‮غربة قدمي

‮‬لقدمي‭ ‬اليسرى‭ ‬حذاء‭ ‬وصفها‭ ‬الطبيب‭ ‬لتعينها‭ ‬على‭ ‬المشي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كُسرت‭. ‬تصل‭ ‬تلك‭ ‬الحذاء‭ ‬إلى‭ ‬الركبة‭. ‬ضحكت‭ ‬طفلة‭ ‬حين‭ ‬رأتها‭ ‬وأشارت‭ ‬إليها‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أزعجني‭. ‬قدمي‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬شعرت‭ ‬بالاستياء‭. ‬لم‭ ‬أغفر‭ ‬للطفلة‭ ‬ضحكتها‭. ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أدافع‭ ‬عن‭ ‬منظر‭ ‬قدمي‭ ‬الغريب‭. ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أنسى‭ ‬أنني‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬قدمي‭ ‬سليمة‭ ‬كنت‭ ‬غريبا‭ ‬أيضا‭.‬

‮‬الكائنات البطيئة

‮‬أمشي‭ ‬لأن‭ ‬الطبيبة‭ ‬أوصتني‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬أركض‭. ‬هناك‭ ‬كائنات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬لا‭ ‬تركض‭ ‬بل‭ ‬تكتفي‭ ‬بالمشي‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬استثناءً‭ ‬إذاً‭. ‬لكنّ‭ ‬غزالا‭ ‬طائشا‭ ‬أفسد‭ ‬تلك‭ ‬النظرية‭. ‬لقد‭ ‬مرّ‭ ‬بي‭ ‬مسرعا،‭ ‬تتبعه‭ ‬أنثاه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يلتفتا‭ ‬إليّ‭. ‬اخترقاني‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬شبحا‭. ‬ألهذا‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬الكائنات‭ ‬المسرعة‭ ‬الكائنات‭ ‬البطيئة؟‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اختفيا،‭ ‬أقصد‭ ‬الغزال‭ ‬وأنثاه،‭ ‬تأكدت‭ ‬من‭ ‬أنهما‭ ‬لن‭ ‬يذهبا‭ ‬إلى‭ ‬الجنة‭.‬

‮‬غرام

‮‬من‭ ‬أجل‭ ‬الغزل‭. ‬رسمت‭ ‬مدخنة‭ ‬لبيت‭ ‬لا‭ ‬نوافذ‭ ‬فيه‭. ‬ألقيت‭ ‬حطبا‭ ‬في‭ ‬موقد‭ ‬لا‭ ‬نار‭ ‬فيه‭. ‬جلست‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬هزاز‭ ‬وفي‭ ‬يدي‭ ‬غليون‭ ‬وصرت‭ ‬أتأمل‭ ‬الشمس‭. ‬كان‭ ‬لها‭ ‬عينان،‭ ‬وأنف‭ ‬وشفتان‭. ‬كان‭ ‬شعرها‭ ‬يضرب‭ ‬بهوائه‭ ‬قلبي‭ ‬وكنت‭ ‬أتوجع‭ ‬من‭ ‬الغرام‭.‬

‮في مديح الأذن

‮في‭ ‬المنعطف‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬شارعا‭ ‬طوليا‭ ‬بشارع‭ ‬عرضي‭ ‬التقيت‭ ‬موسيقيا‭ ‬عجوزا‭. ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ألقى‭ ‬كمنجته‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬وكان‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أوتار‭ ‬تلك‭ ‬الكمنجة‭ ‬تهتزّ‭ ‬حين‭ ‬وصلت‭. ‬سألته‭ ‬“هل‭ ‬كنت‭ ‬تعزف؟”‭ ‬رفع‭ ‬رأسه‭ ‬ونظر‭ ‬إليّ‭ ‬بإشفاق‭. ‬قال‭ ‬“خدعتك‭ ‬أذنك”‭ ‬حين‭ ‬أمسكت‭ ‬بأذني‭ ‬صار‭ ‬الموسيقيّ‭ ‬يضحك‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ ‬“بما‭ ‬أنك‭ ‬تذكرت‭ ‬أن‭ ‬لك‭ ‬أذنين‭ ‬فإنك‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الموسيقى”‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يمسك‭ ‬بكمنجته‭ ‬صار‭ ‬يحرك‭ ‬يده‭ ‬فيما‭ ‬صارت‭ ‬الكمنجة‭ ‬تطلق‭ ‬أنغاما‭.‬

‮بستاني مجنون

تخطيط: حسين جمعان

“ربتي”‭ ‬قلتُ‭ ‬“وحيدتي”‭ ‬قلتُ‭ ‬وأنا‭ ‬أربت‭ ‬بيدي‭ ‬على‭ ‬الزهرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنظر‭ ‬إليّ‭ ‬في‭ ‬استغراب‭. ‬لقد‭ ‬مشيت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمتار،‭ ‬هي‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬نافذة‭ ‬غرفتي‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أنظر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬وتلك‭ ‬الزهرة‭. ‬وهي‭ ‬مسافة‭ ‬لم‭ ‬يمشها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬سوى‭ ‬البستاني‭ ‬المعني‭ ‬برعاية‭ ‬النباتات‭. ‬“بستاني‭ ‬جديد‭ ‬مجنون،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬جنونه‭ ‬يروق‭ ‬لي”‭ ‬سمعت‭ ‬الزهرة‭ ‬تهمس‭ ‬لجارتها‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬إليّ‭ ‬بعينين‭ ‬حذرتين‭.‬

‮جرس لبقرة خفية

‮“سنة‭ ‬واحدة‭ ‬وأعود”‭ ‬قلت‭ ‬لأمي‭. ‬بعد‭ ‬عشرين سنة‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الهاتف‭ ‬“ألم‭ ‬تنته‭ ‬تلك‭ ‬السنة؟”‭ ‬صمتُّ‭. ‬كنت‭ ‬خجلا‭ ‬لأني‭ ‬أخلفت‭ ‬وعدي‭. ‬سمعتها‭ ‬تقول‭ ‬“لا‭ ‬بأس‭ ‬سأضيف‭ ‬عليها‭ ‬سنة‭ ‬أخرى،‭ ‬ربما‭ ‬تساعدني‭ ‬الملائكة‭ ‬على‭ ‬تحمّلها”‭ ‬لا‭ ‬تدري‭ ‬أمي‭ ‬أنها‭ ‬وضعت‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬جرسا‭ ‬فيما‭ ‬ذهبت‭ ‬بالبقرة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬خفي‭.‬

‮عينا الخالة

‮قرصتني‭ ‬من‭ ‬وجنتي‭ ‬ومرّت‭. ‬العابرة‭ ‬تشبه‭ ‬خالتي‭. ‬كنت‭ ‬وحيدا‭ ‬وأنا‭ ‬أغني‭. ‬كان‭ ‬الجسر‭ ‬تحت‭ ‬قدمي‭ ‬تنصت‭ ‬إليّ‭ ‬أخشابه‭. ‬كنت‭ ‬سعيدا‭ ‬بل‭ ‬ومسحورا‭ ‬بسعادتي‭. ‬ستراني‭ ‬العابرة‭ ‬أتأمّلها‭ ‬من‭ ‬الخلف‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تلتفت‭ ‬إليّ‭. ‬“لأننا‭ ‬التقينا‭ ‬من‭ ‬قبل”‭ ‬تقول‭. ‬لم‭ ‬أفهم‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬استدارت‭ ‬إليّ‭ ‬وضربت‭ ‬قلبي‭ ‬بغمزة‭ ‬من‭ ‬عينيها‭.‬

‮كنتُ نائما أنتظر

‮‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬القطار‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬بثوان‭. ‬كانت‭ ‬نشوتي‭ ‬لا‭ ‬توصف‭ ‬حين‭ ‬جلست‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬وغفوت‭. ‬بعد‭ ‬قرن،‭ ‬قرنين‭ ‬شعرت‭ ‬بيد‭ ‬ناعمة‭ ‬تلمس‭ ‬كتفي‭. ‬رأيت‭ ‬نورا‭ ‬ينبعث‭ ‬من‭ ‬عينين‭ ‬وسمعت‭ ‬صوت‭ ‬موظفة‭ ‬المحطة‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬“لقد‭ ‬مرت‭ ‬قطارات‭ ‬عديدة‭ ‬وأنت‭ ‬نائم‭ ‬على‭ ‬مصطبة‭ ‬الانتظار‭. ‬أخشى‭ ‬أن‭ ‬يفوتك‭ ‬قطارك”‭.‬

‮مواء

“سأموت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬أكتبها”‭ ‬كنتُ‭ ‬أحدّثها‭ ‬عن‭ ‬القصيدة‭ ‬وكانت‭ ‬على‭ ‬السرير‭ ‬تموء‭ ‬مثل‭ ‬قطة‭. ‬قبل‭ ‬الفجر‭ ‬بساعتين‭ ‬وكانت‭ ‬صديقتي‭ ‬نائمة‭ ‬هبطت‭ ‬القصيدة‭ ‬على‭ ‬الورق‭. ‬كانت‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭. ‬في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬طلبت‭ ‬صديقتي‭ ‬منّي‭ ‬أن‭ ‬أقرأ‭ ‬لها‭ ‬القصيدة‭ ‬فصرت‭ ‬أموء‭ ‬مثل‭ ‬قطة‭.‬

‮‬فأس الحطّاب

‮‬بلدي،‭ ‬بهيمتي‭ ‬ويدي‭ ‬تحطّ‭ ‬مثل‭ ‬فراشة‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬خضراء‭. ‬خضراء‭ ‬قبل‭ ‬الخريف‭ ‬وصفراء‭ ‬بعده‭. ‬سأقول‭: ‬استأذن‭ ‬الباب‭ ‬لألقي‭ ‬بالمفتاح‭ ‬من‭ ‬النافذة‭. ‬سأقول‭: ‬العريشة‭ ‬قبل‭ ‬العنب‭ ‬لأن‭ ‬العنب‭ ‬صار‭ ‬يُسكر‭ ‬العصافير‭ ‬ولأن‭ ‬العصافير‭ ‬بللت‭ ‬أجنحتها‭ ‬بماء‭ ‬النار‭. ‬سأقول‭: ‬البرية‭ ‬فالجمل‭ ‬منهمك‭ ‬في‭ ‬اقتراح‭ ‬فكرته‭ ‬عن‭ ‬ماض‭ ‬يقتفي‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬المتاهة‭. ‬لكم‭ ‬راودتني‭ ‬الأحلام‭ ‬وأهلكت‭ ‬ضميري‭. ‬الحافة‭ ‬لا‭ ‬تخيف‭ ‬لذلك‭ ‬مشيت‭ ‬إليها‭. ‬وها‭ ‬هي‭ ‬خطواتي‭ ‬تتساقط‭ ‬مثل‭ ‬نغمات‭ ‬بيانو‭.‬

حجر‭ ‬يتأسى‭ ‬لاختفاء‭ ‬حجر‭ ‬سبقه‭ ‬إلى‭ ‬التشظي‭. ‬تحت‭ ‬فأس‭ ‬الحطاب‭ ‬تئن‭ ‬الجذور‭.‬

هيأة طائر

‮‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مساء‭ ‬كرخيا‭ ‬صار‭ ‬يرافقني‭ ‬أينما‭ ‬أذهب‭. ‬الجناح‭ ‬على‭ ‬الجناح‭ ‬وشمس‭ ‬الضحى‭ ‬تترفق‭ ‬بالمياه‭. ‬أدخل‭ ‬مع‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬مطعما‭ ‬للسمك‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬رصيف‭ ‬الميناء‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬فأجده‭ ‬جالسا‭ ‬في‭ ‬انتظاري‭. ‬يهمس‭ ‬ذلك‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬أذني‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يسمعه‭ ‬صديقي‭ ‬“ألا‭ ‬تتذكر‭ ‬باعة‭ ‬السمك‭ ‬في‭ ‬الشواكة؟”‭ ‬كانت‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬العربات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حية‭ ‬فيما‭ ‬الثلج‭ ‬يصعق‭ ‬أصابعنا‭. ‬كنا‭ ‬نبكي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تلك‭ ‬الأسماك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنظر‭ ‬إلينا‭ ‬بعيون‭ ‬صافية‭. ‬أفكر‭ ‬بعري‭ ‬مارلين‭. ‬امرأة‭ ‬ميتة‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬العسل‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬عروقها‭. ‬“هي‭ ‬الأخرى‭ ‬سمكة”‭ ‬ستقول‭ ‬لي‭ ‬فأجيبك‭ ‬“ولكنها‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬المياه”‭.‬

الموت‭ ‬يطبق‭ ‬جناحا‭ ‬على‭ ‬جناح‭ ‬ويتخيل‭ ‬هيأة‭ ‬طائر‭. ‬عشبة‭ ‬زرقاء‭ ‬تشق‭ ‬قلبي‭. ‬‮ ‬

‮للبلد

‮‬وللبلد‭ ‬الميت‭ ‬قدمان‭ ‬حين‭ ‬ينوي‭ ‬الهروب‭. ‬له‭ ‬عينان‭ ‬حين‭ ‬يهوى‭ ‬النعاس‭. ‬وله‭ ‬كتفان‭ ‬إذ‭ ‬تحطّ‭ ‬الطيور‭. ‬له‭ ‬فم‭ ‬بئر‭. ‬وله‭ ‬فضاء‭ ‬للكسل‭. ‬ما‭ ‬تسقط‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬من‭ ‬حبة‭ ‬إلا‭ ‬لكي‭ ‬تلتقطها‭ ‬القبّرات‭. ‬لذلك‭ ‬فقد‭ ‬هوت‭ ‬سماء‭ ‬من‭ ‬الوحوش‭ ‬الصغيرة‭ ‬حين‭ ‬هوى‭. ‬بلد‭ ‬يطلع‭ ‬من‭ ‬الجرة‭. ‬له‭ ‬ما‭ ‬للثعبان‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬الطريق‭.‬

للبلد‭ ‬الميت‭ ‬جناحان‭ ‬يظلان‭ ‬يخفقان‭ ‬على‭ ‬قبره‭ ‬مثل‭ ‬رايتين‭.‬

‮ذئاب وشياه

‮‬لا‭ ‬تخترع‭ ‬الذئاب‭ ‬شياها‭ ‬لتفترسها‭. ‬حين‭ ‬تجوع‭ ‬الذئاب‭ ‬تذهب‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬أحلام‭ ‬شياه‭ ‬خائفة‭. ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬أشبه‭ ‬بالفضيحة‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬كذلك‭ ‬دائما‭. ‬أحيانا‭ ‬تفلت‭ ‬شاة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العقاب‭ ‬الذاتي‭ ‬حين‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لأحلامها‭ ‬في‭ ‬النجاة‭ ‬وترود‭ ‬دروب‭ ‬الغابة‭ ‬ببسالة‭. ‬حينها‭ ‬تفرك‭ ‬الذئاب‭ ‬عيونها‭ ‬غير‭ ‬مصدقة‭. ‬معجزة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬تهب‭ ‬حياة‭ ‬الشاة‭ ‬معنى‭. ‬وهو‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستثني‭ ‬أحدا‭ ‬من‭ ‬نعمته‭: ‬الذئاب‭ ‬والشياه‭ ‬معا‭.‬

في‭ ‬المكان‭ ‬الخطر‭ ‬تطلع‭ ‬أفكار‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬مدعاة‭ ‬للطمأنينة‭.‬

أثر من إصبع

‮‬ضربة‭ ‬مستفهمة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬صديقا‭ ‬مفقودا‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬من‭ ‬حولك‭. ‬لا‭ ‬تلتفت‭ ‬بل‭ ‬امض‭ ‬قدما‭. ‬صدقني‭ ‬أن‭ ‬الخط‭ ‬المستقيم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬أقصر‭ ‬الطرق‭. ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬تخشى‭ ‬شقاء‭ ‬الحقيقة‭ ‬فما‭ ‬عليك‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تستدير‭ ‬راجعا‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬هربت‭ ‬منه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الندم‭ ‬على‭ ‬لقاء‭ ‬غامض‭ ‬بصديق‭ ‬سيلتهم‭ ‬ساعات‭ ‬أرقك‭ ‬الطويلة‭. ‬ما‭ ‬عليك‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬بقدميك‭ ‬اللتين‭ ‬صارتا‭ ‬تنبشان‭ ‬التراب‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬زقزقة‭ ‬أطلقها‭ ‬عصفور‭ ‬ميت‭.‬

أثر‭ ‬من‭ ‬إصبع‭ ‬على‭ ‬الشفة‭ ‬يكفي‭ ‬لقياس‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭.‬

‮مثل ميت

‮كنتُ‭ ‬أعمى‭. ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬العصا‭ ‬لإرشادي‭. ‬ظننته‭ ‬نهرا،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يضرب‭ ‬أذني‭ ‬بالفراشات‭. ‬ظننته‭ ‬حقلا،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يتسلل‭ ‬بتوابله‭ ‬إلى‭ ‬أنفي‭. ‬ظننته‭ ‬بيتا،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬كلما‭ ‬مددت‭ ‬يدي‭ ‬لمست‭ ‬جدارا‭ ‬منه‭. ‬ظننته‭ ‬غابة‭ ‬وقد‭ ‬اكتسبت‭ ‬عاداته‭ ‬في‭ ‬السعة والغموض‭. ‬ظننه‭ ‬سريرا‭ ‬فارتميت‭ ‬عليه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬مثل‭ ‬ميت‭.‬

‮الذين يشبهوننا

‮للذين‭ ‬يشبهوننا‭ ‬بيوت‭ ‬يعودون‭ ‬إليها‭. ‬هناك‭ ‬قطارات‭ ‬يقفون‭ ‬في‭ ‬انتظارها‭ ‬وحين‭ ‬يصعدون‭ ‬إليها‭ ‬يعرفون‭ ‬متى‭ ‬يهبطون‭ ‬منها‭. ‬لديهم‭ ‬كتب‭ ‬لا‭ ‬يتركونها‭ ‬في‭ ‬القطارات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬بل‭ ‬يحملونها‭ ‬إلى‭ ‬غرف‭ ‬النوم‭. ‬لديهم‭ ‬وسائد،‭ ‬حين‭ ‬يضعون‭ ‬رؤوسهم‭ ‬عليها‭ ‬يتعرف‭ ‬ريشها‭ ‬على‭ ‬أحلامهم‭. ‬خطواتهم‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬وقعها‭ ‬حين‭ ‬ينتقلون‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬فراغهم‭ ‬يخرجون‭ ‬للتسوق‭ ‬وهم‭ ‬يتطلعون‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬صغيرة‭ ‬كتبت‭ ‬عليها‭ ‬لائحة‭ ‬المشتريات‭. ‬يبتسمون‭ ‬وهم‭ ‬يفكّرون‭ ‬بجلسات‭ ‬الغداء‭ ‬قرب‭ ‬المدفأة‭.‬

الذين‭ ‬يشبهوننا‭ ‬يمرّون‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يلتفتوا‭ ‬إلينا‭.‬‮


شاعر من العراق مقيم في لندن