ألحانُ‭ ‬السرعة

الجديد  نجلاء عثمان التوم [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(72)]

لوحة: أسامة دياب
استدرَك‭: ‬نقَض‭ ‬تدبيرَه،‭ ‬أحيا‭ ‬نقصانَه،‭ ‬مع‭ ‬انغمارٍ‭ ‬في‭ ‬التفصيل،‮ ‬يَلحق‭ ‬بأسنانِه‭ ‬ما‭ ‬فاته‭ ‬من‭ ‬ذاتِه‭. ‬لأنّ‭ ‬المعرفة‭ ‬عضلة‭ ‬داخليّة،‭ ‬والإدراك‭ ‬شعوبها،‭ ‬فهي‭ ‬تخصّ‭ ‬الجسم‭ ‬بالتحامها‭ ‬فيه‭ ‬دون‭ ‬تدّعي‭ ‬تمثيلَ‭ ‬هذه‭ ‬الشّعوب‭. ‬الإدراك‭ ‬لا‭ ‬يَقبَل‭ ‬التّمثيل‭ ‬والتوسّط،‭ ‬ومع‭ ‬تعدّده‭ ‬الشّديد‭ ‬وكثافته؛‭ ‬يصير‭ ‬منزلةً‭ ‬كاملةً‭ ‬سديدةً‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬نقائض‭ ‬تتّسق‭ ‬بدقّة‭ ‬فائقة‭ ‬مع‭ ‬عصمة‭ ‬الدّحض‭. ‬استدرَك‭ ‬أي‭ ‬انحرَف‭ ‬باتجاهِ‭ ‬الصّحيح،‭ ‬لكنّه‭ ‬انحرافٌ‭ ‬على‭ ‬أيّة‭ ‬حال‭. ‬ويقتضي‭ ‬الانحرافُ‭ ‬جادّةً،‭ ‬ولكنْ‭ ‬أحياناً‭ ‬يتحرّك‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬مُستمسكاً‭ ‬بطلاقته‭ ‬ومُتحرّراً‭ ‬من‭ ‬معناه‭.

‬الاستدراك‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬عودة‭ ‬أو‭ ‬لحُوق،‭ ‬الاستدراك‭ ‬المتحرّر‭ ‬بنَاءٌ‭ ‬جديدٌ‭ ‬خاضعٌ‭ ‬للإحاطة‭ ‬والإطاحة‭ ‬والقفزة‭. ‬استدرَك‭ ‬يعني‭ ‬بَنى‭ ‬مستعمِلاً‭ ‬الهشيم؛‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬ركام،‭ ‬إنّه‭ ‬مادة‭ ‬ركضيّة‭ ‬تكاد‭ ‬تطّابَق‭ ‬مع‭ ‬هندستها،‭ ‬مادّة‭ ‬عارفة‭ ‬واصلة‭ ‬من‭ ‬الشّعور‭ ‬الأصليّ‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬التّجربة‭. ‬يَقوم‭ ‬هذا‭ ‬الصّرْح‭ ‬على‭ ‬مَيزة‭ ‬الكبَد،‭ ‬كبَد‭ ‬الرّحم،‭ ‬مُطلِقاً‭ ‬عنفوانه‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬صاحبه‭ ‬إليه،‭ ‬نظرة‭ ‬المجدّد‭ ‬وليس‭ ‬الآبق‭. ‬الاستدراك‭ ‬مغامَرة،‭ ‬فهو‭ ‬مشدودٌ‭ ‬بين‭ ‬النّفي‭ ‬والثَبَات،‭ ‬لكن‭ ‬جوهره‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬السّلامة‭ ‬والنّجاة‭ ‬في‭ ‬الخطر‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الخطر‭. ‬ليس‭ ‬ثمّة‭ ‬مسافة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء،‭ ‬وهي‭ ‬سلسلة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬التحقّقات‭ ‬المتقاطعة‭ ‬المتخاصبة‭. ‬

الخطر‭ ‬أصْلُ‭ ‬النّجاة،‭ ‬الفزع‭ ‬أصْلُ‭ ‬الأمن،‭ ‬الجسد‭ ‬أصْلُ‭ ‬القبر‭. ‬لا‭ ‬يترافع‭ ‬شيءٌ‭ ‬عن‭ ‬شيء،‭ ‬يحيط‭ ‬شيءٌ‭ ‬بكثيفِ‭ ‬شيءٍ‭ ‬في‭ ‬لحظةٍ‭ ‬معيّنة‭. ‬يتحقّق‭ ‬الإشباع،‭ ‬أيْ‭ ‬يبدأ‭ ‬الجوعُ‭ ‬لحظتَه،‭ ‬فيتحرّر‭ ‬المحيطُ‭ ‬من‭ ‬عِلْمه؛‭ ‬والمحاطُ‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كثافته،‭ ‬ثمّ‭ ‬يتبادلان‭ ‬الأدوار‭. ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬تصديق‭ ‬المستغيث؛‭ ‬فهو‭ ‬آمِنٌ‭ ‬ممّا‭ ‬يستغيث‭ ‬منه،‭ ‬ولا‭ ‬تُصدِّقْ‭ ‬أيّ‭ ‬تطرُّفٍ،‭ ‬خاصةً‭ ‬تطرُّف‭ ‬الجثث،‭ ‬فكلّ‭ ‬ذلك‭ ‬محاوَرات‭ ‬وتنقيب‭ ‬في‭ ‬العصمة‭. ‬لا‭ ‬تكترث‭ ‬للملهوف،‭ ‬وإيّاك‭ ‬ومساعدته‭ ‬على‭ ‬الهرب،‭ ‬فبذلك‭ ‬تَنفقدُ‭ ‬نطاقات‭ ‬معرفتِه،‭ ‬وتُضاعُ‭ ‬معظم‭ ‬مَعْقوريّته‭. ‬‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬ثمّة‭ ‬هَدْرٌ‭ ‬أبداً،‭ ‬فحتى‭ ‬ذلك‭ ‬صيرورة،‭ ‬تَلتحِمُ‭ ‬في‭ ‬تدخُلاتك‭ ‬مع‭ ‬صيرورتك‭ ‬أنت‭ ‬أيّها‭ ‬المنقِذ‭. ‬ربّما‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬استدراكُكَ‭ ‬أنتَ‭ ‬وليس‭ ‬مَن‭ ‬تُغيث‭.‬

المستدرِك‭ ‬غشاءٌ،‭ ‬إنّه‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تعرُّض‭. ‬مَنبُوضٌ‭ ‬حرٌّ‭ ‬من‭ ‬البوصلة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الاتّجاه‭ ‬نفسه‭. ‬يَخرج‭ ‬هذا‭ ‬العاري‭ ‬المستعرِي‭ ‬في‭ ‬المغمُوض،‭ ‬مكانُ‭ ‬التّخرّج‭ ‬من‭ ‬الإشباق،‭ ‬حيث‭ ‬يَفتقِرُ‭ ‬هي‭ ‬الرّبّ‭. ‬المعْقل‭ ‬انزلاقٌ‭ ‬مستمرّ،‭ ‬الخروج‭ ‬تطوّرٌ‭ ‬باتّجاه‭ ‬مادّته‭ ‬الخام،‭ ‬حتى‭ ‬أنّ‭ ‬الخطوةَ‭ ‬تُضطرُّ‭ ‬إلى‭ ‬خلقِ‭ ‬المشْي،‭ ‬ويُضطرُّ‭ ‬المشْيُ‭ ‬إلى‭ ‬خلقِ‭ ‬الإصغاء،‭ ‬والإصغاءُ‭ ‬يَخلقُ‭ ‬اللّحظة‭ ‬التي‭ ‬تَخلقُ‭ ‬الخذلان‭. ‬كلُّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬اسْتَعِرْ،‭ ‬حِدْ،‭ ‬انْجُمْ‭. ‬الجحيم‭ ‬نقرة‭ ‬واحدة‭ ‬خفيفة‭ ‬على‭ ‬الرِّقّة‭ ‬الصّحيحة‭. ‬والرِّقّة‭ ‬الصّحيحة‭ ‬ليست‭ ‬موضعاً‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬بل‭ ‬المغادَرة‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬موضع،‭ ‬صدى‭ ‬نداءٍ‭ ‬لم‭ ‬يُطلِقه‭ ‬أحد‭. ‬باختصار؛‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬رِقّة‭ ‬صحيحة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬مَفروغِها،‭ ‬إشارة‭ ‬محْدِقة‭ ‬بلا‭ ‬مُشَارٍ‭ ‬إليه‭ ‬مَضْمُون‭.‬

المستدرِك‭ ‬هالك‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مَعمَعة‭ ‬الغشاء،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الخطر‭. ‬لذلك‭ ‬العاري‭ ‬حُظوة؛‭ ‬لأنه،‭ ‬وإنْ‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬أصله‭ ‬جوعٌ،‭ ‬إلا‭ ‬أنّه،‭ ‬وبمجرّد‭ ‬تَوجّهه‭ ‬إلى‭ ‬عُرْيه،‭ ‬يَفقِد‭ ‬تعريفه،‭ ‬يصبح‭ ‬المنزلة‭ ‬بين‭ ‬خطرين؛‭ ‬لأنه‭ ‬يَقْبَل‭ ‬الخطر‭ ‬بل‭ ‬ويَمتطِيه‭ ‬مع‭ ‬أجنحةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الخطر‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التعرُّض‭. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬المستدرِك‭ ‬غنيمة‭ ‬ذاته،‭ ‬وخروجه‭ ‬كلّه‭ ‬على‭ ‬مصيريّته‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬النّقطة‭ ‬الإحداثيّة‭ ‬العُليا‭ ‬لنبضة‭ ‬واحدة؛‭ ‬النّبضة‭ ‬حركة‭ ‬ثنائيّة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬السّكون‭ ‬احتياجَها‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭. ‬ليس‭ ‬ثمّة‭ ‬نبضة‭ ‬من‭ ‬وصَال‭ ‬واحد،‭ ‬النّبضة‭ ‬وَصْلٌ‭ ‬وقَطْع‭. ‬يَخرُج‭ ‬المستدرِك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الضدّيّة،‭ ‬وتكون‭ ‬حرَكتُه‭ ‬دائماً‭ ‬ناقصةً‭ ‬إذا‭ ‬استوَتْ‭ ‬على‭ ‬الأمل‭ ‬وَحدَه‭. ‬أمّا‭ ‬الخروج‭ ‬فكلّه‭ ‬حدوثٌ‭ ‬فتقِيٌّ،‭ ‬ذبذبةٌ‭ ‬في‭ ‬ضَنْك‭ ‬الغشاء‭ ‬تَسمحُ‭ ‬بتنفّس‭ ‬الإمكان،‭ ‬بملامَسة‭ ‬الالتهاب‭ ‬دون‭ ‬تَعلُّم‭ ‬أيّ‭ ‬مناعة‭ ‬ضدّه‭.‬

الاستدراك‭ ‬تعويلٌ‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الجهل،‭ ‬المستدرِك‭ ‬عارفٌ‭ ‬استدراكَهُ،‭ ‬لكنّه‭ ‬يَجهَل‭ ‬مكانَ،‭ ‬أيّانَ،‭ ‬كيانَ،‭ ‬صيرورته‭. ‬المستدرِك‭ ‬خليّة‭ ‬معيّنة؛‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬أيّ‭ ‬خليّة،‭ ‬في‭ ‬منقار‭ ‬فرخ‭ ‬الطّائر،‭ ‬خليّة‭ ‬انقلابيّة،‭ ‬تُقرِّر،‭ ‬خليّةٌ‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬التّنفيذ،‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬النّقْر،‭ ‬هذه‭ ‬المتعة‭ ‬الغامضة؛‭ ‬منقارٌ‭ ‬صغيرٌ‭ ‬يتدرّب‭ ‬على‭ ‬الانتحار،‭ ‬يَنقرُ‭ ‬يَنقرُ‭ ‬ما‭ ‬نَظنّه‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬جدارَ‭ ‬بيضةٍ،‭ ‬ويُوقِنُه‭ ‬صاحبُه،‭ ‬من‭ ‬حنان‭ ‬تلك‭ ‬العتمة،‭ ‬حدوداً‭ ‬للكون،‭ ‬رُبوبيّة‭ ‬عاصمة،‭ ‬قُبّةَ‭ ‬سماءٍ‭ ‬بُنّـيّة‭ ‬يتماثل‭ ‬فيها‭ ‬الأفق،‭ ‬أفقٌ‭ ‬عضويٌّ‭ ‬مَهْطُول‭. ‬يَنقرُ‭ ‬الطّائر‭ ‬كَونَهُ،‭ ‬يَنقرُ‭ ‬حَرفيّاً‭ ‬حُدودَهُ،‭ ‬يَنقَضّ‭ ‬على‭ ‬سلامته؛‭ ‬لأنّه،‭ ‬إن‭ ‬لَم‭ ‬يَخرُج‭ ‬الآنَ،‭ ‬الآنَ،‭ ‬يَهلك‭ ‬في‭ ‬حنانه‭ ‬ذاك‭.‬

لكن،‭ ‬لماذا‭ ‬يَخرُج؟،‭ ‬ما‭ ‬الخروج؟،‭ ‬ومن‭ ‬يكون‭ ‬إنْ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬المغْمُوض‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬الرّطب؟‭. ‬النّداء،‭ ‬فقط‭ ‬النّداء،‭ ‬الفرخ‭ ‬الجاهل‭ ‬ذو‭ ‬المستدرَكات‭ ‬مطلوبٌ‭ ‬لصيرورةٍ‭ ‬ما،‭ ‬مطلوبٌ‭ ‬للخَفْق،‭ ‬التّحليق،‭ ‬الأفق‭ ‬المسفوح،‭ ‬كرَم‭ ‬التّدويم‭. ‬المنظورُ‭ ‬باشقٌ‭ ‬يدحرُ‭ ‬الماضيَ‭ ‬الأرضيّ‭. ‬مطلوبٌ‭ ‬للطّلاقة،‭ ‬وسلامة‭ ‬ما‭ ‬يَكنزه‭ ‬الجناح،‭ ‬قُدرَته،‭ ‬وَعْيُ‭ ‬الإمكان‭ ‬في‭ ‬تحوّله‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭. ‬الحتميّ،‭ ‬الحتميُّ‭ ‬القَارُّ‭ ‬في‭ ‬النّخاع‭. ‬تنجح‭ ‬الخليّة‭ ‬المعيّنة،‭ ‬كلّ‭ ‬خليّة،‭ ‬في‭ ‬صُنع‭ ‬الصّيرورة‭.‬

الجدار‭ ‬الرّقيق،‭ ‬يا‭ ‬لسُمْكِه‭ ‬الأشَدّ،‭ ‬بدأ‭ ‬يتضعضع،‭ ‬الخليّة‭ ‬تُستثار،‭ ‬كُنْ‭ ‬كُنْكُنْ،‭ ‬تُشارِك‭ ‬في‭ ‬النّقر؛‭ ‬صِرْ‭ ‬صِرْصِرْ،‭ ‬تُشارِك‭ ‬في‭ ‬الهَدْم؛‭ ‬بُحْ‭ ‬بُحْبُحْ‭. ‬يتكشّف‭ ‬السّرّ،‭ ‬إذا‭ ‬السّماءُ‭ ‬انشقّت،‭ ‬الأفق‭ ‬يرتخي،‭ ‬تهدّلت‭ ‬النّجوم،‭ ‬سال‭ ‬الكون‭ ‬قطرةً‭ ‬قطرة،‭ ‬خرَج‭ ‬من‭ ‬كونه،‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الكون،‭ ‬السّماءُ‭ ‬المرهَقةُ‭ ‬سماءُ‭ ‬البيضةِ‭ ‬تَركع،‭ ‬ها‭ ‬هو‭ ‬المنقار،‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬نار،‭ ‬تلك‭ ‬الخليّة،‭ ‬تلك‭ ‬الكلّ،‭ ‬الحَادِي‭ ‬يُخبِر،‭ ‬حياة‭ ‬حياة،‭ ‬أرى‭ ‬حياةً،‭ ‬حياة‭. ‬ويَخرُج‭ ‬منقارٌ‭ ‬ورديٌّ‭ ‬في‭ ‬غفلة‭ ‬رَقِيبِي،‭ ‬يَخرُج‭ ‬حرفيّاً،‭ ‬لكنّه‭ ‬يَدخُل‭ ‬حرفيّاً‭. ‬استدرَك‭ ‬الطّائرُ،‭ ‬استدرَك،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬أصله،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬بَعْد،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الصّفر،‭ ‬البداية‭ ‬التي‭ ‬تُوجَد‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بَعْد‭. ‬هكذا‭ ‬يستدرِك‭ ‬الجنين‭ ‬صيرورته‭ ‬المقبِلَة،‭ ‬مُستقبِلاً‭ ‬كلّ‭ ‬إمكانه‭ ‬في‭ ‬الجهل‭ ‬به‭. ‬هكذا‭ ‬يَستدرِك‭ ‬المحتضَرُ‭ ‬صيرورتَه‭ ‬المقبِلَة،‭ ‬مودّعاً‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬كانَه‭ ‬في‭ ‬الجهل‭ ‬به،‭ ‬وَجِلاً‭ ‬من‭ ‬جهله‭ ‬الجديد‭. ‬الحياة‭ ‬خروج،‭ ‬الخروج‭ ‬دخول،‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬لَحْد‭. ‬الموت‭ ‬تحقيقٌ‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬الموت‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬صيرورة‭ ‬الإدراك‭ ‬والجهل‭ ‬والاستدرَاك‭.‬

لكن،‭ ‬أين‭ ‬تذهب‭ ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬الخبرة؟‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬المستودَع‭ ‬المجهول؟‭. ‬الفِطرَة؟‭. ‬تُولَد‭ ‬الجثّة‭ ‬وخريطتُها‭ ‬في‭ ‬يَدِها؟‭. ‬الخبرة‭ ‬لا‭ ‬تذهب،‭ ‬الخبرة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬التموضع،‭ ‬الخبرة‭ ‬لا‭ ‬تَسمَح‭ ‬بالمكان،‭ ‬الخبرة‭ ‬ليست‭ ‬مَنتُوجاً‭ ‬يُخزّن‭ ‬في‭ ‬اللاوَعي،‭ ‬الخبرة‭ ‬لا‭ ‬تَقبَل‭ ‬الخريطة،‭ ‬الخبرة‭ ‬ليست‭ ‬رصيداً،‭ ‬الخبرة‭ ‬ليست‭ ‬التّجربة؛‭ ‬الخبرة‭ ‬هي‭ ‬الاستمرار،‭ ‬القُدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬الاستمرار‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬شِدّته‭ ‬يَستنزِفُ‭ ‬كلّ‭ ‬خبرةٍ‭ ‬وكلّ‭ ‬تجربة،‭ ‬الخبرة‭ ‬هي‭ ‬الفَناء‭ ‬في‭ ‬الاستمرار،‭ ‬أن‭ ‬يَنسَى‭ ‬الكائنُ‭ ‬أنّه‭ ‬مستمرّ،‭ ‬يَنسَى‭ ‬الكونُ‭ ‬استمراريّتَه،‭ ‬استمرارٌ‭ ‬مستمرّ،‭ ‬اكتساحٌ‭ ‬للثبات،‭ ‬اكتساحٌ‭ ‬للحدث،‭ ‬تقويضٌ‭ ‬للمعنى،‭ ‬إفقارُ‭ ‬الكنز،‭ ‬قوّةٌ‭ ‬شرهةٌ‭ ‬تأكل‭ ‬المستقبَل‭ ‬وتَلدُه‭ ‬في‭ ‬لحظتها،‭ ‬انهمارٌ‭ ‬في‭ ‬الصّيرورة،‭ ‬تقدّمٌ‭ ‬تقدّمٌتقدّم،‭ ‬نَفْيٌ‭ ‬للاتّجاهات،‭ ‬نفيٌ‭ ‬للتّقدّم،‭ ‬نفيٌ‭ ‬للحدود،‭ ‬اشتراطٌ‭ ‬أعمى،‭ ‬تحقّقٌ‭ ‬أعمى،‭ ‬قبُولٌ‭ ‬كلّيٌّ،‭ ‬نهَمٌ‭ ‬نهَمٌنهَم‭. ‬ليس‭ ‬ثمّة‭ ‬قدَرٌ،‭ ‬لكنْ‭ ‬كثيرٌ‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬المصائر،‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬التّعافي،‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬الكثرَة‭. ‬يَسقُط‭ ‬شيءٌ،‭ ‬لكن‭ ‬كيف‭ ‬يَسقُط؟‭. ‬الأبعادُ‭ ‬انتفتْ‭. ‬حرَكةٌ‭ ‬كليّةٌ،‭ ‬كلٌّ‭ ‬مَضمُوم،‭ ‬الحرَكة‭ ‬تُحقِّقُ‭ ‬الممكِن،‭ ‬والممكِن‭ ‬يُحقِّقُ‭ ‬الحرَكة،‭ ‬تَعاضُدٌ‭ ‬خارج‭ ‬البُلوغ،‭ ‬خارج‭ ‬الوُصول،‭ ‬خارج‭ ‬الإشباع،‭ ‬خارج‭ ‬الجُوع‭ ‬نفسه،‭ ‬خارج‭ ‬الأخلاق،‭ ‬خارج‭ ‬الرّحمة،‭ ‬وخارج‭ ‬الإيمان‭.‬

الاستدراك،‭ ‬في‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬صيرورته،‭ ‬ردّة،‭ ‬كُفْران،‭ ‬ليس‭ ‬بما‭ ‬نكَصَ‭ ‬عنه‭ ‬المستدرِكُ‭ ‬من‭ ‬غفلةٍ،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬استَدرَك‭ ‬من‭ ‬هَوْل‭. ‬مُنقلِباً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬رآهُ‭ ‬حقيقتَهُ؛‭ ‬يفرّ‭ ‬المستدرِك‭ ‬منها،‭ ‬فيستقرّ‭ ‬إلى‭ ‬تَحوّله‭. ‬لكنّه،‭ ‬إذْ‭ ‬يتوَجّه‭ ‬بقلبه‭ ‬كلّه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬احترَقَهُ‭ ‬كحقيقته،‭ ‬يكفُر‭ ‬بهذه‭ ‬أيضاً‭. ‬ليس‭ ‬‮«‬لأنّه»؛‭ ‬فالمستدرِك‭ ‬لا‭ ‬يَملك‭ ‬قُدرة‭ ‬‮«‬لأنّ‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يَملك‭ ‬قدرة‭ ‬‮«‬ليس‮»‬‭. ‬المستدرِك‭ ‬مَملُوكٌ‭ ‬مُنتهِب‭. ‬بل‭ ‬لأنّ‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬المنوَّرة‭ ‬بالوجد‭ ‬والحرائق‭ ‬تنقلب‭ ‬عليه،‭ ‬تعصف‭ ‬به،‭ ‬تُرْدِيه‭ ‬في‭ ‬رحابتها‭ ‬وتَفتِكُ‭ ‬بعُثوره‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬ولادة‭ ‬المستدرِك‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يَعتنِق‭. ‬في‭ ‬تضييعه‭ ‬ما‭ ‬يَعرفُ‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يَعرف‭. ‬في‭ ‬خسرانه‭ ‬إيمانَه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬كُفرِه‭. ‬لأنّ‭ ‬حقيقتَه‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تنكشف‭ ‬له‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تتوقّف‭ ‬عن‭ ‬التّحوّل‭ ‬والانصِيرَار‭ ‬والتّشتّت،‭ ‬غير‭ ‬عابئةٍ‭ ‬بعُثوره‭ ‬ولا‭ ‬عُثوره‭ ‬عليها‭. ‬في‭ ‬غفلته‭ ‬الجزلة‭ ‬يَدخل‭ ‬المستدرِك‭ ‬حقلَ‭ ‬حقيقته‭ ‬مُصدّقاً‭ ‬بها،‭ ‬فَرِحاً‭ ‬به،‭ ‬آملاً‭ ‬في‭ ‬الشُّكور،‭ ‬وكريماً‭ ‬بالتّسبيح‭. ‬لكنْ‭ ‬ما‭ ‬أسرع‭ ‬ما‭ ‬يُغدَر‭ ‬به،‭ ‬فهو‭ ‬سحيق‭. ‬ما‭ ‬أشهى‭ ‬اطمئنانه‭ ‬رَطبَاً‭ ‬طيّـباً‭ ‬حين‭ ‬يُؤكل‭ ‬في‭ ‬مُلتهَب‭ ‬الصّيرورة‭. ‬أجمِلْ‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬خذلان‭ ‬يَهتف‭ ‬الخَسفَ‭ ‬الخَسف‭. ‬ما‭ ‬أندَى‭ ‬قرُوحَه‭ ‬وهي‭ ‬تهذي‭ ‬البغتةَ‭ ‬البغتَة‭. ‬يُؤخَذ‭ ‬هذا‭ ‬التائبُ،‭ ‬ويُضرَب‭ ‬بحديد‭ ‬غشاوته،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يَرتدّ‭ ‬عن‭ ‬استدراكه‭ ‬ويَكفر‭ ‬به‭. ‬يُؤتَى‭ ‬به‭ ‬مُصفّداً‭ ‬بخيالات‭ ‬الأمل‭ ‬وسلاسل‭ ‬الفرَح‭ ‬الذي‭ ‬استباحَه‭ ‬دون‭ ‬حَقّ،‭ ‬ويُصلَب‭ ‬في‭ ‬القُدرة‭. ‬أوّل‭ ‬ما‭ ‬يهرب‭ ‬منه،‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬يخون،‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬يعوي‭ ‬مستطلِعاً‭ ‬أفقَ‭ ‬العذاب‭ ‬الدّاني،‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬يَهلك‭ ‬منه؛‭ ‬أوصال‭ ‬يأسه‭. ‬يُفتَك‭ ‬بيأس‭ ‬المستدرِك‭ ‬أوّلاً،‭ ‬ولا‭ ‬يُمَكّن‭ ‬من‭ ‬أمله،‭ ‬فيُحرَم‭ ‬من‭ ‬الرّكون‭.‬

ثمّ‭ ‬تُعرَض‭ ‬عليه‭ ‬استغاثاتُه‭ ‬التي‭ ‬سيستغيثها‭ ‬توّاً،‭ ‬تُعرَض‭ ‬عليه‭ ‬توسّلاته‭ ‬وانتحاباته‭ ‬كلّها،‭ ‬ويُبلَّغ‭ ‬بكلّ‭ ‬انهيار‭ ‬وكلّ‭ ‬ضعضعة‭ ‬هو‭ ‬مستقبِلُها،‭ ‬ثمّ‭ ‬يقول‭ ‬له‭ ‬حُرّاسه‭: ‬انظرْ‭ ‬هباءَك؛‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬لَم‭ ‬يُنجِك‭. ‬تتنادى‭ ‬هرُوبَاته،‭ ‬تتكاتف‭ ‬لَبِناتُه‭ ‬على‭ ‬الهجر،‭ ‬ويُترَك‭ ‬بلا‭ ‬مصير‭. ‬يقول‭ ‬له‭ ‬لامَصِيرُه‭: ‬أنا‭ ‬مثلك،‭ ‬مستدرِك‭ ‬غافل‭. ‬أنت‭ ‬هالكٌ،‭ ‬وأنا‭ ‬غير‭ ‬جدير‭. ‬يا‭ ‬جاهليّتي،‭ ‬هل‭ ‬ترَاني‭ ‬أغتني‭ ‬بك‭ ‬أو‭ ‬أزكَى؟،‭ ‬هل‭ ‬تراني‭ ‬أفرَح‭ ‬لتوكيدي‭ ‬بك؟،‭ ‬أنت‭ ‬خُسرَاني،‭ ‬لكنّي‭ ‬بلا‭ ‬مَقتلٍ‭ ‬أُوْتَى‭ ‬منه‭ ‬وبلا‭ ‬جَوهرٍ‭ ‬يُمتحَن‭. ‬أنا‭ ‬فقري‭ ‬يا‭ ‬فقرك،‭ ‬وما‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬عقول‭ ‬حرماني‭ ‬لا‭ ‬تفيدك،‭ ‬معرفتي‭ ‬لازمة،‭ ‬معنيّة‭ ‬في‭ ‬فقري‭ ‬بالتّعيين،‭ ‬ولا‭ ‬تقول‭ ‬لي،‭ ‬فكيف‭ ‬أقول‭ ‬لك؟‭. ‬ثم‭ ‬يُسقَط‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬عُرْي‭ ‬الإماطة،‭ ‬تقول‭ ‬له‭: ‬ليتكَ‭ ‬أبقيتَ‭ ‬على‭ ‬شيء؛‭ ‬لكُنّا‭ ‬وَجدنا‭ ‬ثقباً‭ ‬يحميك‭ ‬من‭ ‬تَنفّس‭ ‬الفلك‭. ‬انظرْ‭ ‬انظرْ؛‭ ‬هذا‭ ‬السّديم‭ ‬فرائصُك،‭ ‬انظرْ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬جَفنيك‭ ‬وصار‭ ‬من‭ ‬العذاب‭ ‬ربّاً‭ ‬فاجراً‭. ‬تنسلخ‭ ‬منك‭ ‬كلّ‭ ‬عزيمةٍ،‭ ‬ويُخترَق‭ ‬ندمُك‭ ‬فلا‭ ‬يَعُود‭ ‬ملكك‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التّجريد‭.‬

يُجرّد‭ ‬المستدرِك‭ ‬من‭ ‬احتطابه،‭ ‬مخزون‭ ‬روحيّته،‭ ‬لا‭ ‬غَلّة‭ ‬لا‭ ‬غلالة،‭ ‬تُنهَب‭ ‬حواسيّته،‭ ‬يُستباح‭ ‬شغَفه،‭ ‬ولا‭ ‬يُترَك‭ ‬منه‭ ‬شيء‭. ‬حينها،‭ ‬في‭ ‬سَمْت‭ ‬عدمه،‭ ‬أسيراً‭ ‬مَنسيّاً‭ ‬في‭ ‬الضّراوة،‭ ‬بلا‭ ‬حَوْلٍ‭ ‬يَحُول‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬قوّةٍ‭ ‬تُقِيمُه،‭ ‬يَدخُل‭ ‬إلى‭ ‬فقره‭ ‬الكلّيّ،‭ ‬ويتناظران‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يفنى‭ ‬كلّ‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬الآخر‭.‬

‮ ‬ثُمّ‭ ‬رُبّما‭. ‬الترجيح‭ ‬طفل‭. ‬‮«‬ثُمّ‮»‬‭ ‬جريمة‭. ‬الزّمن‭ ‬جريمة‭. ‬‮«‬رُبّما‮»‬‭ ‬بُهتان‭. ‬يتحقّق‭ ‬قانون‭ ‬الصّيرورة،‭ ‬بلا‭ ‬وَجَلٍ‭ ‬وبلا‭ ‬عجالة‭. ‬يأخُذ،‭ ‬بلا‭ ‬أثرٍ‭ ‬من‭ ‬شفقةٍ‭ ‬ولا‭ ‬اهتمامٍ،‭ ‬ذلك‭ ‬الصّفرَ‭ ‬العظيمَ،‭ ‬تلك‭ ‬الكثافةَ‭ ‬المفْرَغة،‭ ‬ذلك‭ ‬الجهلَ‭ ‬الأصليَّ،‭ ‬ذلك‭ ‬الطرُوبَ،‭ ‬مُوْدِعاً‭ ‬فيه‭ ‬كُنْهَ‭ ‬المعرفة‭ ‬الأصليّة،‭ ‬ويَنظرُه‭. ‬هي‭ ‬نظرةٌ،‭ ‬نظرةٌ‭ ‬واحدةٌ،‭ ‬نظرةُ‭ ‬الكون‭. ‬نظرةٌ‭ ‬لا‭ ‬يَنظرها‭ ‬العطّاء‭ ‬للمسكين،‭ ‬ولا‭ ‬يُحسنها‭ ‬الخالق‭ ‬في‭ ‬خلقه‭. ‬‭ ‬نظرةٌ‭ ‬لا‭ ‬تُقْبل‭ ‬ولا‭ ‬تُهدى‭. ‬نظرة‭ ‬الندّ‭ ‬للندّ‭. ‬نظرة‭ ‬المستحِقّ‭ ‬للحَقّ‭. ‬نظرة‭ ‬البغتة‭ ‬للمأخُوذ‭. ‬نظرة‭ ‬الاتّساع‭ ‬للرّحب‭. ‬هي‭ ‬نظرة،‭ ‬تُطلق‭ ‬سراح‭ ‬الصّيرورة‭ ‬ولا‭ ‬تملكها‭. ‬ينتفي‭ ‬العدل،‭ ‬والإحسان‭ ‬يتقوّض‭. ‬يأخذ‭ ‬المنصرِمُ‭ ‬مَجراه‭. ‬في‭ ‬حرب‭ ‬المطلَق؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬غنائم‭ ‬ولا‭ ‬ضحايا،‭ ‬يستوي‭ ‬الأتون‭. ‬الصّيرورة‭ ‬أكلٌ‭. ‬الصّيرورة‭ ‬تَنزيه‭.

تخطيط: حسين جمعان

الاستدراك،‭ ‬كما‭ ‬أسلَف‭ ‬لامَصِير،‭ ‬موضع‭ ‬الحرمان‭. ‬في‭ ‬هَرْقِه‭ ‬وُجودَه،‭ ‬تحت‭ ‬عضلة‭ ‬الحقيقة،‭ ‬يَعرِف‭ ‬المستدرِك‭ ‬أنّ‭ ‬المسافة‭ ‬بينه‭ ‬وذاتيّته،‭ ‬أي‭ ‬حرمانه،‭ ‬ضرورته‭ ‬الأصيلة‭. ‬لأنّ‭ ‬المستدرِك‭ ‬مهصورٌ‭ ‬بين‭ ‬صِفره‭ ‬الأُمّ‭ ‬وإشراقاته‭ ‬الأُمّ،‭ ‬مُحتَدماً‭ ‬فيهما‭ ‬احتدام‭ ‬العمى‭ ‬في‭ ‬البصيرة،‭ ‬يستشعِر‭ ‬عليه‭ ‬الانسلاخَ‭ ‬من‭ ‬عينه،‭ ‬والركضَ‭ ‬في‭ ‬مَدى‭ ‬قَبْل‭-‬نظرته‭ ‬حتّى‭ ‬تحصُل‭ ‬تلك‭ ‬النّظرة‭. ‬لأنّ‭ ‬النّظرةَ‭ ‬تقتضي‭ ‬الوَصْلَ‭ ‬والوَصْلَ‭ ‬الهربَ،‭ ‬وإلّا،‭ ‬فهو‭ ‬التحامٌ‭ ‬في‭ ‬الموصُولِ‭ ‬ينتفِي‭ ‬معه‭ ‬مَطلوبُ‭ ‬النّظرة‭. ‬ينسَلِخ‭ ‬المستدرِك‭ ‬والداً‭ ‬رحِم‭ ‬إدراكه،‭ ‬ممهِّداً‭ ‬جِذْعَه،‭ ‬واضعاً‭ ‬حرابَه‭ ‬في‭ ‬لامتناوَل،‭ ‬يهيّء‭ ‬صفرَه‭ ‬للعطب‭.‬

عندما‭ ‬يَحصُل‭ ‬على‭ ‬مسافته،‭ ‬ويُقِيم‭ ‬أركان‭ ‬حرمانه،‭ ‬يَضرب‭ ‬المستدرِك‭ ‬نظرتَه‭ ‬فيه،‭ ‬ويَسمح‭ ‬بالرّيح‭ ‬والزّلازل،‭ ‬كما‭ ‬يَسمح‭ ‬بالغفلة،‭ ‬اللّمَسان،‭ ‬التّذلّل‭ ‬والإسلام‭. ‬هكذا‭ ‬يغترب‭ ‬عن‭ ‬سلامته‭ ‬كي‭ ‬ينالها‭. ‬زاهداً‭ ‬لا‭ ‬أحرص‭ ‬منه،‭ ‬كلّما‭ ‬أوغل‭ ‬في‭ ‬صيرورته‭ ‬الجديدة‭ ‬شسعت‭ ‬طويّته‭ ‬وابتعد‭ ‬عن‭ ‬حرم‭ ‬ذاته‭. ‬المستدرِك‭ ‬فَطِيم‭. ‬هذا‭ ‬الفِصَال‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬النّموّ،‭ ‬ففي‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬حقيقته‭ ‬وذاته‭ ‬ينضَح‭ ‬المستدرِك‭ ‬مَواعينَه،‭ ‬وينشغل‭ ‬بالموران‭ ‬وبالأبنية‭. ‬وفي‭ ‬شُغله‭ ‬ذاك‭ ‬لا‭ ‬يَبرَح‭ ‬حرمانَه‭ ‬قيْد‭ ‬أنمُلَة،‭ ‬بل‭ ‬يتأبّنه‭ ‬من‭ ‬داخله‭ ‬تأبُّن‭ ‬الجنين‭ ‬صوت‭ ‬أمّه‭. ‬ويتحرّك‭ ‬في‭ ‬حرمانه‭ ‬بالحَقّ،‭ ‬حقّانيّة‭ ‬النّطفة‭ ‬في‭ ‬مراعي‭ ‬الرّحِم،‭ ‬حيث‭ ‬يَرعَاه،‭ ‬ويُغذّيه‭ ‬بالأسرار،‭ ‬ويَمنحه‭ ‬الفزع‭ ‬اللازم‭. ‬يَسري‭ ‬المستدرِك‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬ينشغل‭ ‬فيها،‭ ‬يتحجّج‭ ‬بعلومها،‭ ‬ويقترع‭ ‬ضلالاتها‭. ‬لكنْ،‭ ‬متى‭ ‬اشتدّت‭ ‬عليه‭ ‬شهادته،‭ ‬واستحكمت‭ ‬حكمته،‭ ‬فزِعَ‭ ‬إلى‭ ‬مسافته‭ ‬تلك،‭ ‬فزِعَ‭ ‬إلى‭ ‬حرمانه‭ ‬الأمّ،‭ ‬طالباً‭ ‬الغَمْر‭.‬

الحرمان‭ ‬هو‭ ‬الحَجّ،‭ ‬هو‭ ‬الحجيج،‭ ‬وكعبة‭ ‬النّظر‭. ‬ليس‭ ‬ثمّة‭ ‬نارٌ‭ ‬ولا‭ ‬جنّةٌ‭ ‬أكمَلُ‭ ‬من‭ ‬نيرانه‭ ‬وجنانه‭. ‬يَعتوِر‭ ‬الحرمانُ‭ ‬الشّيءَ،‭ ‬يصهره،‭ ‬ويَخرُج‭ ‬به‭ ‬كنزاً‭ ‬لقشوره،‭ ‬ولُبّه‭ ‬مسالك‭ ‬في‭ ‬المدّخَر‭. ‬ويغادر‭ ‬الحرمان‭ ‬الكيان،‭ ‬الكيان‭ ‬الرّاضي‭ ‬بنظرته‭ ‬السّاكنة،‭ ‬مُهرولاً‭ ‬من‭ ‬شُبهة‭ ‬الأمن؛‭ ‬طاعون‭ ‬طاعون،‭ ‬يفرّ‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬المطمئنّ‭. ‬أنْ‭ ‬تُحرَم‭ ‬من‭ ‬الشّيء،‭ ‬أن‭ ‬تحُوزَه‭ ‬إلى‭ ‬الأبد؛‭ ‬يُغذّي‭ ‬الحرمانُ‭ ‬الحاجةَ،‭ ‬ويَضمَن،‭ ‬متى‭ ‬أهَلّت،‭ ‬قياماتِها‭ ‬وصُورَها‭ ‬الجديدة‭. ‬لأنّ‭ ‬الحرمان‭ ‬أخذها‭ ‬من‭ ‬الضّروريّ‭ ‬إلى‭ ‬مجمرة‭ ‬الضّرورة،‭ ‬مُسبغاً‭ ‬عليها‭ ‬مَصيرَها‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬تفلّتَت‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬التّلبيَة‭. ‬تتحوّل‭ ‬الحاجة‭ ‬من‭ ‬مَطلوبٍ‭ ‬إلى‭ ‬مُطالِب،‭ ‬تترقرق‭ ‬في‭ ‬الإلحاح،‭ ‬وتأخذ،‭ ‬من‭ ‬التّهافت،‭ ‬بقوّة‭ ‬الوَجد،‭ ‬أضعافَ‭ ‬ما‭ ‬ضنّت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬قوّة‭ ‬المنع‭.‬

يَظنّ‭ ‬المستدرِك،‭ ‬بعثوره‭ ‬على‭ ‬لُقيَته،‭ ‬أنّه‭ ‬كان‭ ‬أضاعها،‭ ‬وأنّ‭ ‬عثورَه‭ ‬أبدَلَ‭ ‬فقرَه‭ ‬غِنىً‭. ‬والحَاصِلْ‭ ‬أنّ‭ ‬المستدرِك‭ ‬لمْ‭ ‬يَفقِد‭ ‬من‭ ‬كنزه‭ ‬التَّكْتَح،‭ ‬ولم‭ ‬يغادر‭ ‬ضُلوعَه‭ ‬في‭ ‬تَربيَـتِه‭ ‬والانهمارِ‭ ‬فيه‭. ‬لكنّه‭ ‬يُؤخَذ‭ ‬بعِزّة‭ ‬التّربية‭ ‬حتى‭ ‬يَصيرَ‭ ‬موضوعَها‭. ‬يَشتغِل‭ ‬الكنز‭ ‬على‭ ‬طويّة‭ ‬صاحبه،‭ ‬يَجترحُ‭ ‬فيها،‭ ‬يُغِيرُ‭ ‬عليها،‭ ‬ويتناوبها‭ ‬مع‭ ‬الكَلَل‭ ‬والإنهاك،‭ ‬ممتحِناً‭ ‬اليقينَ‭ ‬في‭ ‬عزّته‭ ‬والكليمَ‭ ‬في‭ ‬كلمته‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬التربية‭ ‬يتغيّر‭ ‬المكنوز،‭ ‬ويتغيّر‭ ‬الكنّاز،‭ ‬وينصرف‭ ‬كلٌّ‭ ‬إلى‭ ‬جَنّتِه؛‭ ‬فُجورِه‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬صاحبه‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المفارَقة‭ ‬المنهمرة،‭ ‬تُشحَذ‭ ‬الحواسّ،‭ ‬تشتعل‭ ‬الرّئة‭ ‬بالعلوم،‭ ‬يتقطّر‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬أصالته،‭ ‬ويُجاهد‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أصيلاً‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المتّفق‭ ‬عليها،‭ ‬هذه‭ ‬الغيمة‭ ‬الظنّـيّة،‭ ‬هذه‭ ‬النّكايَةً‭ ‬في‭ ‬العدل‭ ‬وفي‭ ‬الصّحيح،‭ ‬يتعاظم‭ ‬الفجور‭ ‬في‭ ‬المغالبة،‭ ‬يستوحش‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬من‭ ‬الوحش،‭ ‬يَنأى،‭ ‬يتفرّط،‭ ‬يَنفَرط،‭ ‬يلتهب،‭ ‬ويلتاع‭. ‬لكنْ‭ ‬كلّ‭ ‬تلك‭ ‬معاوَنة‭. ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬شُمول‭. ‬يَدخُل‭ ‬في‭ ‬الكنز‭ ‬تَجدّده‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬القنّاص،‭ ‬يَدخُل‭ ‬في‭ ‬الكنّاز‭ ‬تهيُّـبُه‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬المقتل‭.‬

لا‭ ‬يستجيب‭ ‬الكنز‭ ‬إلا‭ ‬لصرخة‭ ‬اليائس‭ ‬فيه،‭ ‬لا‭ ‬يهتمّ‭ ‬ولا‭ ‬يلتفت‭ ‬إلا‭ ‬لإدماع‭ ‬كُفرِه،‭ ‬لا‭ ‬يتوافد‭ ‬الكنز‭ ‬على‭ ‬كانزه‭ ‬إلا‭ ‬وهذيانه‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬من‭ ‬شدّة‭ ‬البرَاح،‭ ‬وجدتُنِي‭ ‬وجدتُنِي‭. ‬عندها‭ ‬يَستَرِدّ‭ ‬ما‭ ‬أغدقه‭ ‬كلّ‭ ‬منهما‭ ‬على‭ ‬الآخر،‭ ‬خلقاً‭ ‬جديداً،‭ ‬مُنمنَمات‭ ‬السّحيق،‭ ‬تَقول‭ ‬تَقول،‭ ‬كلماتٌ‭ ‬تُولوِل،‭ ‬العُمران‭ ‬والمنسَأة‭ ‬والقنوط،‭ ‬المكتحِل‭ ‬والمحروم،‭ ‬الدّولة‭ ‬والإدالة،‭ ‬العُثور‭ ‬والمعْثُور‭. ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬الاستدراك‭ ‬يلتفتان‭ ‬إلى‭ ‬جثّة‭ ‬الطّوية،‭ ‬أرض‭ ‬المعركة؛‭ ‬أضابير‭ ‬لحميّة،‭ ‬المكتسِحَاتالمؤرشَفة،‭ ‬مكاتَبات‭ ‬شؤون‭ ‬الأسَر،‭ ‬الحدقة‭ ‬المنهوبة،‭ ‬المنكب‭ ‬أرتالاً‭ ‬أرتالاً،‭ ‬النّكوص‭ ‬والمَنّ‭ ‬والأذى،‭ ‬مخلوقات‭ ‬الويل‭ ‬الصَّديق،‭ ‬الحدقة‭ ‬المنهوبة،‭ ‬الحدقة‭.‬

المستدرِك‭ ‬تخليده‭ ‬حُزنيّته‭. ‬مع‭ ‬تقلّبه‭ ‬في‭ ‬الأحوال‭ ‬والآجال،‭ ‬يحتفظ‭ ‬في‭ ‬قطعةٍ‭ ‬من‭ ‬سَحيقه‭ ‬بحزنه‭ ‬الأوّل‭. ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬تَغنّيه‭ ‬الأمَلَ‭ ‬لا‭ ‬يقنط‭ ‬ضحى‭ ‬مسرّاته‭ ‬الحُزنيّة،‭ ‬عارفاً‭ ‬الأمَلَ‭ ‬هو‭ ‬التّغنّي‭ ‬به،‭ ‬دُوْبَاي‭ ‬فاقع‭ ‬يَستلذّ‭. ‬المستدرِك‭ ‬في‭ ‬تَعْليَةٍ‭ ‬مستمرّةٍ،‭ ‬فهو‭ ‬حزين،‭ ‬يتناوش‭ ‬كلمته‭ ‬ويَخونُها،‭ ‬في‭ ‬مُكوسِه‭ ‬تلك،‭ ‬التي‭ ‬يستجلِبُها‭ ‬من‭ ‬ذاته‭ ‬ويهرقها‭ ‬فيها،‭ ‬يدفع‭ ‬بالتناقض؛‭ ‬مُنتحِلاً‭ ‬أصالته‭ ‬ومُتأصّلاً‭ ‬في‭ ‬النّحْل‭. ‬مُتأصّلاً‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬ينطوي‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬الطّارئ‭ ‬والمنتهَك‭ ‬المسرور‭. ‬إنّه‭ ‬ينمو،‭ ‬ينمو‭ ‬قبل‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬يحويه،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬يَدحض‭ ‬نُموّه‭ ‬ليسمح‭ ‬بذلك‭ ‬الفراغ؛‭ ‬المستدرِك‭ ‬شهوة‭ ‬باقية‭ ‬للمَحو‭. ‬إنّه‭ ‬فراغه،‭ ‬وفي‭ ‬مَحوه‭ ‬ذاته‭ ‬يتنفّس‭ ‬المواضيع‭ ‬التي‭ ‬تتناثر‭ ‬منه‭. ‬كَمْ‭ ‬جديدة‭!‬،‭ ‬كَمْ‭ ‬نشارة‭ ‬الخفّة،‭ ‬كَمْ‭ ‬فقاقيع‭ ‬الحكمة‭ ‬التي‭ ‬جِلدَتُه‭ ‬الآن،‭ ‬فقاقيع‭ ‬ولا‭ ‬أجمل‭. ‬يسبح‭ ‬المتشظّي‭ ‬في‭ ‬شظيّته،‭ ‬يتجدّد‭ ‬في‭ ‬التفاصيل،‭ ‬يتهارَب‭ ‬في‭ ‬تخَمُّجَات‭ ‬نجميّة،‭ ‬من‭ ‬جسده‭ ‬يَستولِد‭ ‬العفن‭ ‬الذي‭ ‬مُدّعيَاً‭ ‬النبوّة‭ ‬يَدخُل‭ ‬في‭ ‬نيرﭬَـانا‭ ‬التّرياق،‭ ‬ويتسمّم‭ ‬فيه‭.‬

هذه‭ ‬أعضاء‭ ‬هرَبت،‭ ‬كيف‭ ‬اللّحاق‭ ‬بها،‭ ‬كيف‭ ‬يَعثر‭ ‬عليها،‭ ‬كيف‭ ‬يُخضعها،‭ ‬لكنّ‭ ‬الأعضاء‭ ‬التحاقكَ‭ ‬الهرَب‭. ‬تاركاً‭ ‬فراغك‭ ‬المقِيم،‭ ‬مُشتَعلاً‭ ‬في‭ ‬فراغٍ‭ ‬آخَر‭. ‬أيّ‭ ‬مُنقلَبٍ‭ ‬يَنقلِبون،‭ ‬لا‭ ‬يُهِمّ،‭ ‬لا‭ ‬يَنسَى‭ ‬المستدرِك‭ ‬هوامشه،‭ ‬السّهوب‭ ‬يتشارَح‭ ‬فيها‭ ‬وذاته،‭ ‬ويُناقِض‭ ‬فيها‭ ‬بجِلده‭ ‬ما‭ ‬يَكتبه‭ ‬بجِلده‭. ‬الهوامش‭ ‬مخادِعة،‭ ‬مثل‭ ‬كلّ‭ ‬سلحفاة‭ ‬تَحمل‭ ‬زنزانة‭ ‬عظمِيّة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬لَحمها‭ ‬الحُرّ‭. ‬الهوامش‭ ‬تبريح،‭ ‬لأنّها‭ ‬الفَتْك‭. ‬يقف‭ ‬الهامش‭ ‬مُتخفّياً‭ ‬مثل‭ ‬ثور‭ ‬أهوج‭ ‬في‭ ‬كلمة،‭ ‬حرف،‭ ‬هلال،‭ ‬مَهيض،‭ ‬منبع‭. ‬حين‭ ‬يتقاعس‭ ‬المتن،‭ ‬غفلةً‭ ‬مقصودةً،‭ ‬يتهرّج‭ ‬الهامش‭ ‬ويتمرّج‭. ‬يا‭ ‬للفضيحة‭!‬،‭ ‬المستدرِك‭ ‬كامل‭!‬،‭ ‬مريض‭ ‬يتداوى‭ ‬من‭ ‬الصّحّة،‭ ‬صحيح‭ ‬يتهدّل‭ ‬في‭ ‬المغَص‭. ‬المستدرِك‭ ‬مُتفرّعٌ،‭ ‬مَفروعٌ،‭ ‬مُفرعٌ‭ ‬بالفروع،‭ ‬مُتولّدٌ‭ ‬فيها،‭ ‬تعريشة‭ ‬من‭ ‬العضلات‭ ‬المكشوفة،‭ ‬تعريشة‭ ‬من‭ ‬العصمة‭. ‬البَلُوم‭ ‬في‭ ‬فَرْعُو‭ ‬غَنّى،‭ ‬الأزل‭ ‬مغشيّاً‭ ‬عليه‭.‬

‮ ‬ها‭ ‬هي‭ ‬كلمةٌ‭ ‬للتّوّ‭. ‬كلمة‭ ‬سحريّة‭ ‬لا‭ ‬تدلّ‭. ‬فارغة‭. ‬كلمةٌ‭ ‬للدّحض،‭ ‬بلا‭ ‬مُسمّى،‭ ‬بلا‭ ‬مفتاح،‭ ‬بلا‭ ‬صوت‭. ‬كلمةٌ‭ ‬عاتق‭. ‬لا‭ ‬تَمنح‭ ‬ذاتَها،‭ ‬غَفْلَـذَاتٍ،‭ ‬بل‭ ‬تَرشح‭ ‬في‭ ‬فقرها،‭ ‬وتَفيض‭ ‬فيها‭. ‬إنّها‭ ‬اللّغة،‭ ‬إنّها‭ ‬اللّحن،‭ ‬هي‭ ‬الحنجرة،‭ ‬بل‭ ‬رئة‭ ‬الحنجرة‭. ‬كلمةٌ‭ ‬لخيانة‭ ‬الكلام،‭ ‬فيها‭ ‬يتبدّد‭. ‬تَماثلَت‭ ‬في‭ ‬استدراك‭ ‬الحُزن،‭ ‬واستأذنت‭ ‬هَدمَها،‭ ‬أي‭ ‬نَعَم‭ ‬خليل‭ ‬إسماعين،‭ ‬أي‭ ‬نعم‭ ‬المسموم‭ ‬المطير‭ ‬في‭ ‬ﭬـيتنام‭ ‬صوته‭. ‬بعض‭ ‬الأغاني‭ ‬استعذاب،‭ ‬بعضها‭ ‬عذاب،‭ ‬لكن‭ ‬أبقَاها‭ ‬الهادمة‭. ‬النّاقضة‭ ‬الغازلة‭ ‬النّاقضة‭ ‬الهادمة‭. ‬يَشرَع‭ ‬أبوقطاطي‭ ‬في‭ ‬البُنيَان،‭ ‬ناجي‭ ‬والبنّاؤون‭ ‬يَعرفون‭ ‬تلك‭ ‬الاختلاجة‭.‬

طينة‭ ‬الأماني‭ ‬العَذبة‭ ‬تحت‭ ‬تهدّجاتالعَوِيش،‭ ‬يُناشدها‭ ‬ربّها،‭ ‬يُناشدها‭ ‬شاعرها،‭ ‬يُناشدها‭ ‬الطُّلَب‭ ‬الأفنان،‭ ‬يُناشدها‭ ‬الخَليل‭ ‬في‭ ‬جَلَدِ‭ ‬العارفِ‭ ‬تضييعَها‭. ‬الأماني‭ ‬العَذبة،‭ ‬العزيزة،‭ ‬العَزباء،‭ ‬العاوية‭. ‬خارج‭ ‬القُدرة‭. ‬وكيف‭ ‬يَنالها‭ ‬وهي‭ ‬مَنزلة‭ ‬من‭ ‬مَنازل‭ ‬حرمانه‭ ‬إيّاها‭. ‬إنّه‭ ‬الاستدراك،‭ ‬استدراك‭ ‬الطّفل‭. ‬الأماني‭ ‬العَذبة‭ ‬تتراقص‭ ‬حِيَالي،‭ ‬يا‭ ‬صوتَك‭ ‬يَخُون،‭ ‬يا‭ ‬يَكفر‭ ‬بالوعد‭. ‬صوتك،‭ ‬مغدوراً،‭ ‬مُنقّىً‭ ‬بالهَول،‭ ‬يتغنّي‭ ‬السّعادةَ،‭ ‬ليفتكَ‭ ‬بها‭: ‬هي‭ ‬النّفْس‭ ‬ما‭ ‬حمّلْتَها‭ ‬تتحمّل‭. ‬يتورّط‭ ‬الطُّلْبَة‭ ‬في‭ ‬مَعمعة‭ ‬التعويل،‭ ‬بُكْرَة‭ ‬يا‭ ‬قلبي،‭ ‬لعلّ‭ ‬الحياة‭ ‬لعلّها،‭ ‬يتذوّق‭ ‬بحيلته‭ ‬النازعة‭ ‬للنقاء‭ ‬شهقةَ‭ ‬العَدل‭. ‬لكنْ،‭ ‬آهٍ‭ ‬يا‭ ‬خليلي،‭ ‬ما‭ ‬أسرَعَ‭ ‬ما‭ ‬تَستدرِك‭. ‬يَستدرِك‭ ‬يَستدرِك،‭ ‬بصوته‭ ‬المحض،‭ ‬يتغرّس‭ ‬في‭ ‬الألم‭.‬

ينفجر‭ ‬خليل‭ ‬الحُزن،‭ ‬يحرث‭ ‬قلْبيّته،‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬يقع‭ ‬فيما‭ ‬يُخيّل‭ ‬للسّامع‭ ‬أنّ‭ ‬شاتلاً‭ ‬للحبور‭ ‬يَسعى‭. ‬الأماني‭ ‬العَذبة،‭ ‬يا‭ ‬سلام‭ ‬غُنْيَة‭ ‬ظريفة‭. ‬ألمْ‭ ‬ترَ‭ ‬كيف‭ ‬فعَل‭ ‬ربّك‭ ‬يَستدرِك‭ ‬طينتَه‭ ‬المسقيّة‭ ‬بالعذاب،‭ ‬ثم‭ ‬يَكفر‭ ‬يَكفر‭ ‬بالأمل‭: ‬الأمانيْ‭ ‬العَذبةْ‭ ‬تِتْـرَاقصْ؛‭ ‬لا‭ ‬أصدّقها‭ ‬لا‭ ‬أصدّقها،‭ ‬يقول‭ ‬صوتك‭. ‬حِيَالِي‭ ‬حِيَالِيحِيَالِي،‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الكلمة‭ ‬ابن‭ ‬آوى،‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬مَسْطَرِين‭ ‬البرق،‭ ‬الهامش‭ ‬اللّعين،‭ ‬حِيَالِي‭ ‬أي‭ ‬المسافة،‭ ‬حِيَالِي‭ ‬أو‭ ‬أشدّ‭ ‬قسوة،‭ ‬حِيَالِي‭ ‬أي‭ ‬مَسرَى‭ ‬أملي،‭ ‬والأمل‭ ‬لا‭ ‬يَحوز‭ ‬لا‭ ‬يَتّصل‭. ‬حِيَالِي‭ ‬أي‭ ‬حرماني‭.‬

الأمانيْ‭ ‬العَذبةْ‭ ‬تِتْـرَاقصْ‭ ‬حرماني‭. ‬حُلمِي‭ ‬بُكْرَة،‭ ‬ليس‭ ‬ثمّة‭ ‬بُكْرَة،‭ ‬يقول‭ ‬صوتك‭. ‬بُكرَة‭ ‬تِتْحَقّقْ‭ ‬أمَاني،‭ ‬والفُؤَادْ‭ ‬يِرْتاحْ‭ ‬ويِتبَسَّمْ‭ ‬زَمَاني‭!‬،‭ ‬على‭ ‬منُو‭ ‬يا‭ ‬خِلَّة؟،‭ ‬يا‭ ‬العارف‭ ‬الصّبّ،‭ ‬يا‭ ‬الأمل‭ ‬المقروح،‭ ‬يا‭ ‬مُضاعاً‭ ‬في‭ ‬العريض‭ ‬المحض‭. ‬والسّعاااااااااااااااااادة‭. ‬السّعااااااااااااادة،‭ ‬تهطل‭ ‬مثل‭ ‬صرخة،‭ ‬مثل‭ ‬مَقتل،‭ ‬داميةً‭ ‬دامية‭. ‬هل‭ ‬ثمّة‭ ‬فَتْك،‭ ‬أشدّ‭ ‬من‭ ‬خليلي،‭ ‬بجَالُوصِ‭ ‬أمانيه؟‭. ‬هل‭ ‬ثمّة‭ ‬نقْضٌ‭ ‬أندى‭ ‬لبنْيَة‭ ‬الغيبوبة؟‭. ‬هل‭ ‬ثمّة‭ ‬رَدْعٌ‭ ‬أشدّ‭ ‬من‭ ‬السّعاااااااااااااااااااادة‭. ‬التهامٌ‭ ‬صِرْفٌ‭. ‬لا‭ ‬حيلولة‭ ‬لا‭ ‬تصريف‭. ‬الأماني‭ ‬انزلاقٌ‭ ‬في‭ ‬تخمة‭ ‬الحرمان،‭ ‬تَزلّفٌ‭ ‬للأرق،‭ ‬إرواء‭ ‬غبطة‭ ‬اليأس،‭ ‬استدعاءٌ‭ ‬مباشرٌمباشرٌ‭ ‬للعدم،‭ ‬استدراكٌ‭ ‬للضّرورة،‭ ‬لُزُومُ‭ ‬اللازم،‭ ‬صليبٌ‭ ‬منصوبٌ‭ ‬لمناصَفة‭ ‬الأمل‭. ‬استدراكٌ‭ ‬عنفوانيٌّ‭. ‬خليل‭ ‬إسماعين‭ ‬في‭ ‬الدّرَك‭ ‬الأعلى،‭ ‬في‭ ‬جنّة‭ ‬الحرمان،‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬يَجوز‭.‬

المستدرِك‭ ‬أمّيٌّ،‭ ‬على‭ ‬كَفاف‭ ‬الإشارة،‭ ‬غير‭ ‬مَعنيّ‭ ‬بالإفصاح‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحُريّة‭ ‬يَقتنص‭ ‬اللّغة‭ ‬اقتناصَهُ‭ ‬الهوامّ،‭ ‬والأعضاءُ‭ ‬تتناهَد‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬قُدرته،‭ ‬يتصفّحها‭ ‬في‭ ‬غرَابةٍ‭ ‬لا‭ ‬يُقايضها‭ ‬إلا‭ ‬نسيانه‭ ‬إيّاها‭. ‬كلّ‭ ‬مفرَدة‭ ‬طائر،‭ ‬طائرٌ‭ ‬منفردٌ،‭ ‬كلّ‭ ‬طائرٍ‭ ‬مفردة،‭ ‬مفردة‭ ‬تطير‭. ‬في‭ ‬تحديقه‭ ‬الأمّيّ‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬السّربَ،‭ ‬بل‭ ‬حركةَ‭ ‬السّرب،‭ ‬ولكنْ‭ ‬إذْ‭ ‬يحدّقُ‭ ‬يَفقِدُ‭ ‬السّربَ‭ ‬والحركةَ‭ ‬ويرى‭ ‬الجناح،‭ ‬الجناح‭ ‬فقط‭. ‬الجناح‭ ‬الذي‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬الفضاء،‭ ‬الجناح‭ ‬الذي‭ ‬يطوي‭ ‬وينطوي،‭ ‬الجناح‭ ‬الذي‭ ‬يَحجب‭ ‬الطّائر،‭ ‬يَحجب‭ ‬الطيران،‭ ‬يَحجب‭ ‬الفضاء،‭ ‬ويتناسل‭ ‬في‭ ‬النّبض،‭ ‬داخلاً‭ ‬عين‭ ‬المستدرِك،‭ ‬عين‭ ‬المجاعة،‭ ‬عين‭ ‬الإعصار،‭ ‬بئرٌ‭ ‬تتوالد‭ ‬في‭ ‬بئريّتِها‭ ‬وتتّسع‭ ‬في‭ ‬جوعها‭. ‬بئرٌ‭ ‬مسطّحة،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬اللّغة،‭ ‬تَستَزرِع‭ ‬السّرعةَ‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تَنبُت‭ ‬في‭ ‬المسافة‭ ‬والزّمن،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التّنوّع،‭ ‬الانحرافات،‭ ‬الطّوارئ،‭ ‬المنمنَمات،‭ ‬التخريج،‭ ‬الصُّدْفة،‭ ‬التّردّدات،‭ ‬التّردُد،‭ ‬الأمراض،‭ ‬البراكيِن،‭ ‬الانتحارات‭ ‬المثقوبة،‭ ‬الفُلول،‭ ‬وكلّ‭ ‬إزاحةٍ،‭ ‬ضِدٍّ،‭ ‬واقتلاع‭. ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تندرج‭ ‬السّرعة‭ ‬في‭ ‬النّسيان؛‭ ‬لأنّ‭ ‬السّرعة‭ ‬سرطان‭ ‬الثابت،‭ ‬والنّسيان‭ ‬فجواته‭ ‬التي‭ ‬تهبّ‭ ‬منها‭ ‬سرعته‭.‬

النّسيان‭ ‬بئرٌ‭ ‬حسّاسةٌ‭ ‬للحسّ،‭ ‬أبجديّةٌ‭ ‬مُعقدّةٌ‭ ‬من‭ ‬حَرْفٍ‭ ‬مُمتدٍّ‭ ‬هو‭ ‬نظرة‭ ‬اللامنظور‭ ‬إلى‭ ‬عالمِ‭ ‬عينِ‭ ‬المستدرِك‭. ‬النّسيان‭ ‬ذكاءٌ‭ ‬يتحقّق‭ ‬فيه‭ ‬المغْفَل‭ ‬في‭ ‬الإغفال،‭ ‬سُقيَا‭ ‬تتحفّظ‭ ‬على‭ ‬شعوب‭ ‬المستدرَكات‭. ‬النّسيانُ‭ ‬قنطرَةُ‭ ‬الشأنِ‭ ‬يَعبرُها‭ ‬بين‭ ‬فجوره‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬المستدرِك‭ ‬وفجوره‭ ‬في‭ ‬غفلته‭. ‬هو‭ ‬صِفرٌ‭ ‬تهبّ‭ ‬من‭ ‬كنوزه‭ ‬ألحانُ‭ ‬السّرعة‭. ‬النّسيان‭ ‬لحظةٌ‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬السّرعة،‭ ‬لحظةٌ‭ ‬أحفوريّة‭. ‬أيّ‭ ‬عين‭ ‬المستدرِك،‭ ‬عين‭ ‬المجاعة،‭ ‬عين‭ ‬الإعصار،‭ ‬بئرُ‭: ‬ها‭ ‬أقبَل‭ ‬جناحٌ‭ ‬دون‭ ‬طائره،‭ ‬ها‭ ‬تدويمٌ‭ ‬يحتجّ‭ ‬بلا‭ ‬جناحه،‭ ‬هو‭ ‬الفضاء‭ ‬مُبقَّعٌ‭ ‬بحمار‭ ‬الوحش،‭ ‬هو‭ ‬السّرب‭ ‬خارج‭ ‬حركته،‭ ‬انفطام‭ ‬النّظرة‭ ‬من‭ ‬المنظور‭ ‬ومن‭ ‬النّظر،‭ ‬كلُّ‭ ‬شأنٍ‭ ‬شأنُه،‭ ‬تلبيةٌ‭ ‬في‭ ‬المحض،‭ ‬نقاءٌ‭ ‬في‭ ‬الشّظف،‭ ‬عضلةٌ‭ ‬حُرّةٌ‭ ‬من‭ ‬الإعمال؛‭ ‬يَصرخ‭ ‬المستدرِك‭ ‬لقيَته،‭ ‬لكنّ‭ ‬صراخَه‭ ‬انْبَتَّ،‭ ‬الصّرخة‭ ‬هاجرت‭ ‬من‭ ‬الصّوت‭. ‬الصّرخة‭ ‬نشءٌ‭ ‬جديدٌ‭ ‬مُحتدم‭. ‬الصّرخة‭ ‬دَمٌ‭ ‬تَسرِي‭ ‬في‭ ‬حَلماته‭ ‬صخرة‭ ‬البهاء‭ ‬الجاهل‭ ‬أَنْ‭ ‬حانَت‭ ‬البئرُ،‭ ‬حانَ‭ ‬فُرَاقْ‭ ‬الطِّرِيْفِي،‭ ‬حانَت‭ ‬اللّغةُ‭ ‬القديمةُ،‭ ‬حانَت‭ ‬الخيانةُ‭ ‬الجديدةُ،‭ ‬حانَت‭ ‬فؤوسُ‭ ‬الخيالِ،‭ ‬حانَت‭ ‬شجرةُ‭ ‬الفأسِ،‭ ‬حانَ‭ ‬ترميمُ‭ ‬المطلَقِ،‭ ‬حانَ‭ ‬المترمِّـمون‭.‬

الكون‭ ‬الذي‭ ‬يتحرّك‭ ‬فيه‭ ‬المستدرِك‭ ‬هو‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬لغاتِه‭ ‬المنسيّة‭. ‬كلمةٌ‭ ‬استعادَها‭ ‬حين‭ ‬قفز‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬قَطُّ‭ ‬آملاً‭ ‬فيها،‭ ‬لكنّها‭ ‬التحَمت‭ ‬فيه‭ ‬وصارت‭ ‬كيانَهُ‭ ‬القافز‭. ‬ذلك‭ ‬الالتحام‭ ‬ليس‭ ‬هديّة،‭ ‬إنّه‭ ‬انتحارُ‭ ‬الكلمة،‭ ‬التحاقها‭ ‬بانتحارات‭ ‬المستدرِك،‭ ‬قفزتها‭ ‬فيه‭ ‬لتَصيرَ‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬كلِمتَها‭. ‬تَمنح‭ ‬الكلمةُ‭ ‬ذاتَها‭ ‬لصيرورة‭ ‬برّيّة،‭ ‬وتتحرّك‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مجالاتٍ‭ ‬تَسمح‭ ‬بتخصيبها‭. ‬ها‭ ‬هي‭ ‬كلمةٌ‭ ‬تنادي‭ ‬صيرورتها،‭ ‬ها‭ ‬هو‭ ‬غشاءٌ‭ ‬يُغوِي‭ ‬بنَصْله،‭ ‬ثمّ‭ ‬يأكله‭. ‬لكلّ‭ ‬حيٍّ‭ ‬كلمةٌ‭ ‬تخصّه،‭ ‬تتوالد‭ ‬حوله‭ ‬وتطنّ‭ ‬في‭ ‬غيبوباته‭.‬

كلمةٌ‭ ‬قديمةٌ،‭ ‬مُهترئةٌ،‭ ‬جاثمةٌ‭ ‬في‭ ‬المواصلات‭ ‬حتى‭ ‬أنّ‭ ‬الكلّ‭ ‬يعرفها،‭ ‬يتناوشها،‭ ‬ويتندّر‭ ‬بها‭. ‬لكنّها‭ ‬نَقْشٌ‭ ‬لا‭ ‬يفضّه‭ ‬إلا‭ ‬تشرّدُ‭ ‬مأهولِه‭ ‬وانهياراتُه‭. ‬لذلك‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬كلمة،‭ ‬وهي‭ ‬بالأخصّ‭ ‬ليست‭ ‬قديمة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عنصرٌ‭ ‬منظورٌ‭ ‬في‭ ‬عمى‭ ‬الكيمياء،‭ ‬أو‭ ‬طعنةٌ‭ ‬تَنسَخ‭ ‬ذبذباتها‭ ‬في‭ ‬حرير‭ ‬الدّم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يَحدث‭ ‬الحَريرُ‭ ‬في‭ ‬الدّم‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬القفزة‭ ‬التي‭ ‬تَلِد‭ ‬لغتها،‭ ‬أو‭ ‬تستدرِك‭ ‬نقشها،‭ ‬التّخاطب‭ ‬الفعّال‭ ‬بين‭ ‬انتحارين‭ ‬متعاكسين،‭ ‬لغة‭ ‬الشّخص‭ ‬المستعادة‭ ‬من‭ ‬مستعمرات‭ ‬التّواصل،‭ ‬صوت‭ ‬الغشاء،‭ ‬الصّوت‭ ‬المرِح‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬أنقاض‭ ‬السّوائل،‭ ‬الصّوت‭ ‬المكتوم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُدرَك‭ ‬إلا‭ ‬كرائحة،‭ ‬انبعاثٌ‭ ‬فِينيقٌ‭ ‬مكانُهُ‭ ‬رعشةٌ‭ ‬متناهيةٌ‭ ‬شرهةٌ‭ ‬متناهيةٌ‭ ‬حرَكةٌ‭ ‬متناهيةٌ‭ ‬في‭ ‬عضلة‭ ‬الذّاكرة.‭ ‬


شاعرة من السودان مقيمة في ستوكهولم