يحدث‭ ‬في‭ ‬الإسطبل‭ ‬الملكي

إلى روح علي حسين الرشيد التكريتي

الجديد  جمعة اللامي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(40)]

لوحة: فيصل لعيبي
كان صوت المؤذن في ذلك الفجر الذي وقع في أحد أيام شهر آذار، يصل إليَّ من مسجد غير بعيد عن إسطبلات الحرس الملكي، بينما كان حارس شاب يرتدي بدلة عسكرية خضراء، يواصل فحص ماسورة بندقية (البور سعيد)، أمام ثلاثة جنود حفاة ومن دون أغطية رأس‭.‬ كان الجنود شبابا أيضا، يتحركون كما لو أنهم هائمون في بيداء، بينما كان الحارس الثاني يشرب سيكارته الأخيرة في هذه الساعة من فجر يوم الحادي والثلاثين من شهر آذار سنة 1963‭.‬ كان الشابان يبدوان بهيئة طالبين جامعيين، يضع كل واحد منهما على عضده اليمنى تلك الشارة الخضراء التي تميزهما عن الجنود النظاميين‭.‬

وكان هناك جندي آخر اسمه جمعة اللامي يتابع حركة طابور الجنود الثلاثة الذي أخذ يقترب من محبسه الانفرادي في الغرفة رقم ـ 13 في الإسطبل الملكي، عبر كوّة صغيرة في باب محبسه‭.‬ أنا لا أعترض على قيام والدة ذلك الجندي بتسمية ابنها الوحيد (وهو وحيد فعلا) باسم يشبه اسمي (أنا الولد الوحيد لأمي أيضا)، فأنا أحمل هذا الاسم أيضا، منذ منتصف العقد الرابع من القرن العشرين‭.‬ لكنني في يوم أعتبره مشهودا في حياتي، وحتى في مسيرتي الأدبية لاحقا، تسمّيت باسم جديد يشبه اسمي‭.‬ تسلّمت الورقة الشريفة الزرقاء الرقيقة برقة وفرح، ثم دسستها في قفا ياقة سترتي العسكرية بعد أن طويتها، عبر جرح رقيق وصغير، لا يفطن إليه سوى الذي تعوّد أن يكون قلبه صندوقا للأسرار‭.‬

حسنا، سأسرد الآن ـ باختصار شديد ـ لِمَ قبلت باسمي الجديد (وهو يناظر اسمي المسجل بدائرة الأحوال المدنية بمدينة العمارة تماما، كما أخبرتكم قبل لحظات)، عندما كنت في حضرة المقاتل السابق في الجيش العراقي: أبو علي حسن الماجدي، في ذلك اليوم الذي صادف النصف من شعبان‭.‬ دخلت في بستان النخيل الذي يحرس بيتنا الكبير بمحلة الماجدية، وجريت خببا إلى القلعة الطينية المهجورة (كان الناس يسمونها قلعة السيد عاشور) التي كانت مخبئي المفضل في سنوات طفولتي حين كنت أخلو إلى نفسي بعدما يعود والدي إلى منزلنا من المطحنة الوحيدة في الجانب الآخر من المدينة؛ وهناك وجدت الماجدي ينتظرني‭..‬ “هذا يوم تعميدك”‭..‬ ثم قبلني بين عينيّ‭.‬ كنت شابا دون السن القانونية لحمل لقب “رفيق”‭.‬ كان الاسم الجديد الذي يناظر اسمي الحقيقي من اختراعي أنا، وهو لا يزال ينام آمنا في أرباض ذاكرتي‭.‬

ــ “اعترف‭..‬ اسمك الحزبي؟”‭.‬

رفع المقدم داود الجنابي، عصاه في وجهي كأنه لا يريد أن يصدقني: “كل الجنود اعترفوا بأسمائهم الحزبية”‭.‬ رفعت رأسي، “هذا هو اسمي الحزبي”‭.‬ قلت للمقدم الذي كان ماهرا جدا في الرفس وتوجيه حربته العمياء نحوي‭.‬ وكنت أرى جسدي مطعونا بعشرات السناكي، يجري فوق أرض معشوشبة زرقاء، عبر النافذة المستطيلة في مكتب ضابط استخبارات الفرقة المدرعة الرابعة بمعسكر الحبانية،

وفي الأرباض غير البعيدة، عند منابت السور الكونكريتي للإسطبل الملكي، خلف الجنود الشبان الثلاثة والحارسين الشابين، كانت تبدو أشباح أضواء زرق أخذت تتكسر على العشب الأسود، عندما استدار الحارس الأول متوجها صوب غرفتي، وتوقف أمام باب الغرفة رقم 14‭.‬

عدت إلى زاويتي التي أتابع منها حركة فأرين أبيضين صغيرين في أرجاء الحجرة، وسط ضوء أحمر خافت يرسل به مصباح كهربائي يتدلى من سقف الغرفة الواطئ والكالح، بينما استقر الجنود الثلاثة داخل الغرفة المجاورة‭.‬ عرفت ذلك من الصمت الذي أعقب توقف صوت ارتطام أحذية الحارسين الشابين بأرضية الحجرة التي كانت تستخدم ورشة لترميم أحذية جنود لواء الحرس الملكي‭.‬

وعندما توقف صوت المؤذن، سمعت ضوضاء سحب أقسام بندقيتين نصف أوتوماتيكيتين، وكان صوت أحد الجنود الثلاثة يتوسل “أنا الأول”‭.‬

“ابن القـ…”؛ أخذ أحد الحارسين (وكان اسمه قتيبة) يضحك منتشيا بعد إطلاق شتيمته، بينما كان رفيقه الثاني (وكان اسمه عمرو) يسخر منه “لَكْ قتيبه، مُوْ قَـ… وِحْدَة وبَسْ‭.‬ بابا هاي تعادلْ كلّجيَّهْ بحالها”‭..‬ سباب‭..‬ ولم يكن ثمة أي سباب في تنور النار الطويل الذي كان يستخدمه جنود الجنرال تشان كاي تشيك في قتل الشيوعيين الصينيين‭.‬ عادت إلى خاطري حكاية التنور الطويل التي سجلها أندريه مالرو في رواية (جيل القدر)، حين كان الرفيقان الصينيان، في ظلام لا نهاية له سبق عملية شَيّهما؛ كانا شابين يتسابقان فيما بينهما ليفتدي أحدهما رفيقه الآخر‭.‬

“الله يرحم والديك، أنا الأول”، تناهى إلى سمعي صوت جندي من خلف الجدار‭.‬ أطلق الحارس عمرو مرة أخرى صلية شتائم بصوت عال، بينما كان الجندي الثالث يستعطف الحارسين الشابين “بحق النبي عليكم، أنا الأول، لا “محمد” ولا “محمود”‭..‬ أنا المسؤول‭..‬ اسمي جمعة اللامي”‭.‬

عندما اقتادوني من زنزانة عسكرية في معسكر الحبانية، ووضعوني في هذه الغرفة التي كانت معدة لتستخدم صالونا لتزيين ضباط الحرس الملكي، كان هذا المشهد يتكرر مع صوت المؤذن الذي يدعو لصلاة الصبح‭.‬ ولم يكن ثمة صلاة‭.‬ في “قصر النهاية”، كان الطلبة الجامعيون الذين انتظموا في تشكيلات الحرس القومي، يفضلون الاستماع إلى أغاني أم كلثوم، في أثناء حفلات التعذيب، أو عند عمليات القتل‭.‬ إني أتذكر ذلك الآن‭..‬ أتذكر‭..‬ كان نحو ألف من الطلبة والجنود والحرفيين والشعراء والمدرسين والصحفيين والأطباء، يحشرون في غرف وقاعات هذا المعسكر الذي كان أغلبه مخصصا كزرائب لخيول “لواء الحرس الملكي ـ سابقا”، وجرى تحويله على عجل إلى معسكر اعتقال، بعد أربعة أيام على نجاح حركة 8 شباط، ليكون مكتب تحقيق خاص بالشيوعيين‭.‬

عاد صوت المؤذن ينادي “حي على الصلاة”، بينما انطلقت ثلاث رصاصات في الغرفة المجاورة‭..‬ هرب الفأران الأبيضان الصغيران من خلال الفتحة الضيقة في الزاوية اليمنى للجدار الملتصق بجدار يشبهه في الغرفة المجاورة‭.‬

وهذا ما حدث كذلك مع حلول فجر أمس‭.‬ كانت البداية ثلاث إطلاقات، ثم ثلاثا أخرى، ثم ثلاثا للمرة الثالثة‭.‬ والآن في هذا الظلام الأزرق انطلقت الصلية الثانية، وتبعتها الرشقة الثالثة، وكان صوت محمد ومحمود وجمعة اللامي يتردد متوسلا في الحجرة رقم 14: “أنا الأول، أنا الأول، أنا الأول”‭.‬

ولا يزال صوت مؤذن آخر ينطلق من مسجد جديد غير بعيد عن “ملعب الكشافة” يتردد داعيا لصلاة الصبح، مختلطا بصوت النزيل الجديد في الغرفة رقم 13، بمعسكر آخر في بغداد‭.‬

ويا لها من مصادفة، فاسمه الأول يشبه اسمي الأول ولقبه يشبه لقبي‭.‬

بغداد ـ 1969

‭ ‬الحرب

كانت بدور ذات السنوات الثلاث مستمرة في البكاء، حين قبضت المرأة بكفيها الاثنتين اللتين تزين أصابعهما محابس من فضة وورشن، على قطعة اللحم الحار بين فخذيها‭.‬ أحسّت أميرة أن عددا مهولا من السكاكين العمياء تُشَرِّح حوضها، فصرخت “علي، أدركني يا علي”‭.‬

ضمَّ علي ابنته الثانية الباكية أيضا إلى حضنه، وأدنى فمها من صدر والدتها‭.‬ تشمّمت سعاد صدر أمها بعينيها المغمضتين، واجتذبتها رائحة حليب رائب من ثدي أمها الأيسر‭.‬ “قَرِّبها مِنّي أكثر”‭.‬ قالت أميرة متوسلة، بينما كانت تغطس في بحيرة من عرق ووجع وأمل‭.‬

كان علي بن تراب أوقف عربته الخشبية التي يجرها حماره الوحيد، بجوار ساتر ترابي على يمين الشارع الأغبر، حين كان يقود عربته العجوز فوق آثار عجلات ناقلات الجند الروسية المتجهة نحو ديزفول والشوش‭.‬ “علي،‭..‬ بعرضك يا علي”‭.‬ كانت أميرة، تنادي للمرة الثانية، فعاد زوجها يضم ابنته الثانية إلى حضنه: “ما تْخافي‭..‬ أنا وَيّاك”‭.‬

حدث هذا عند منتصف ليلة النصف من شعبان، وكان علي الصبّي قد أنهى الكلمات الأخيرة من صلاته، واستغرق في سِنَةٍ من نوم شاهد من خلالها الراية الحمراء التي كان يراها في أحلامه، تخترق فضاء البشن في ليل فضي لم يشهد له شبيها من قبل‭.‬ وكان كوخه الوحيد في الطرف الشمالي للسلف، يواجه النجم القطبي، على حافة “كود الصَّبَّة”، كما تعوّد أن يسكن أجداده المندائيون منذ دهور سحيقة‭.‬ والناحية الآن بعيدة، والدنيا ليل بهيم، والحرب تسير على عجلات في كل الدروب‭.‬ لكنْ لا خيار آخر أمامه الآن، فإما أن يغادر كوخه ومعه عائلته إلى هناك حيث القابلة المأذونة، أو تموت أميرة بما تحمل‭.‬ ارتدى ما صادفه من ملابسه المعتادة، وحمل سعاد ذات السنة الواحدة في سلتها، وقاد بدور ذات السنوات الثلاث نحو عربته الشائخة‭.‬

وأخذت العربة العجوز تهتز على درب وعر ومترب ومظلم، وصوت أميرة ينادي: “علي، علي”‭.‬ كان علي الصّبّي يشجع حماره الشائخ على المشي بأقصى ما يستطيع في هذا الليل البهيم، فأخذ الحيوان العجوز يطلق زفيرا مسموعا، شبيها بنخير بعير يتم ذبحه الآن من رقبته بسيف أعمى‭.‬ “إن شاء الله، نُوْصَلْ”‭.‬ طمأن علي أميرة‭.‬

“علي، مرَوّتك يا علي”‭.‬ وعلا صوت الأُم للمرة الرابعة أو العاشرة‭.‬ كانت تردد: “علي، علي، يا علي”، تحت هذه القبة الظلماء، اللهم إلا من أصداء أصوات مدفعية ثقيلة مصدرها الجانب الآخر من الجبهة‭.‬

وحده في الظلمة، إلا من طفلتيه وزوجته وعربته، توجه علي بن تراب نحو النجم القطبي وتمتم بكلمات لم يسمعها سوى النجم الأحمر، فشاهد كوكبا يسقط من بُعْدٍ سحيق كأنه يتوجه نحو عربته‭.‬

ــ “بَعْدنا ما وَصلْنا، يا علي ؟”‭.‬

ــ “وَصَلنا‭..‬ والله وصَلْنا”‭.‬

أخذ الكوكب ينشطر الآن إلى عدد لا يحصى من النجوم والأقمار والشهب، فتحول ليل برية اليشن، إلى نور فضي باهر، وحينها صرخت أميرة: “علي، أدركني، يا علي”‭.‬ ثم كفَّت عن الحركة‭.‬


كاتب من العراق مقيم في الإمارات

مقالات أخرى للكاتب:

  • الزرقاء دنيازاد