ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬آثأولاش

الجديد  حميد عبد القادر [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(48)]

لوحة: حسين جمعان
“في عام الجوع تسمن الكلاب”

مثل شعبي

اليوم مثل الأمس، اكتظت المقبرة بمن تبقى من أهل قرية آثأولاش‭.‬

وقفوا متعبين على تلة جرداء، تحت سماء رصاصية، وطفقوا ينتظرون أن يوارى جميع الموتى التراب، لتختفي رائحة الموت‭..‬ انتظروا طويلا، ولم تنته مراسيم الدفن‭.‬ كانت تتم ببطء‭.‬ لم تعد سواعد الرجال تقوى على ردم مزيد من الموتى في قبور واسعة‭.‬ اقترح بعضهم حفر قبور ضيقة، حتى تتسع المقبرة للموتى اللاحقين‭..‬ اعترض آخرون على الفكرة‭..‬ ورددوا قائلين “سنعذب موتانا”‭..‬ لكنهم سرعان ما أذعنوا وحفروا القبور الضيقة‭.‬

منذ بضعة أسابيع، وهم يأتون إلى هنا لحفر القبور في أرض جرداء، لم تروها الأمطار منذ سنوات عديدة‭.‬ ومن كثرة ما حفروا تعبوا، فوهنت قواهم، وشحبت وجوههم، وتجعدت تقاسميهم بشكل يوحي فعلا بأن القرية انتشر فيها مرض قاتل‭.‬

II

لما انتهى الحفارون من حفر آخر قبر، قال شيخ عجوز هزيل الجسم، يروّح عن وجهه الأسمر بمنديل أبيض أسود من كثرة الأوساخ التي علقت به:

_ يبدو أننا سنعود إلى الحي‭.‬ إنه آخر ميت‭.‬

رد عليه رجل أقل منه سنا، كان يجلس على صخرة تحت شجرة فقدت أوراقها:

_ لكننا سنعود غدا لدفن موتى آخرين‭.‬

قال هذا، فساد الصمت مجددا، ولم يعد يسمع سوى لطقطقة الطبيعة وهي تحترق بأشعة الشمس وتكتوي بنارها‭.‬

مرت ساعتان على عملية الدفن‭.‬ وقرأ مقرئ ما تيسر من كتاب الإله، بصوت متعب، وكان العرق يتصبب من جبينه‭.‬ ترحّم الجميع على الموتى، وتوسلوا من الله أن تتساقط الأمطار حتى ترتوي الأرض، وتنبت رزقا، لتنتهي المجاعة‭.‬ قالوا آمين بقلب خاشع، فانصرفوا عائدين إلى بيوتهم راجلين تحت سماء توسطتها أشعة الشمس‭.‬

III

عندما وصلوا إلى مدخل الحي عائدين من المقبرة، هرعت إليهم النسوة وأخبرنهم بما جرى‭.‬

_ مصيبة أخرى، قالت امرأة ما تزال تحتفظ ببعض جمالها‭.‬

انقبض قلب الرجال‭.‬ صمتوا‭.‬ وظلوا واجمين في أماكنهم‭.‬

_ ماذا؟ تجرأ أحدهم على السؤال‭.‬

قالت المرأة ذاتها، وقد خارت قواها:

_ ماتت نصف المواشي‭.‬

لم يستطع الرجال تحمّل هول ما جرى‭.‬ مصيبة أخرى حلت بهم‭.‬ موت المواشي يعني نهايتهم جميعا‭.‬ تجلدوا، وأظهروا بعضا من الشجاعة أمام النساء، فهم يعرفون أن النسوة يدركن من تجلدهم أن الأمل باق‭.‬ وحينما يظهرون الخوف، يرتعبن، وينتابهن الشك‭.‬

IV

عند منتصف النهار، توجه الناس إلى جامع طرف القرية‭.‬ صلوا صلاة الاستسقاء‭.‬ ثم وقف إمام هزيل الجسم، قصير القامة، نبتت بثور على وجهه الأسمر، وراح يخطب صائحا:

_ كثر النفاق، وانتشرت المعاصي‭.‬ الرذيلة غلبتكم، والشر أضحى دربكم‭.‬ عودوا إلى الله، وإلا انتهيتم على بكرة أبيكم‭.‬

اقشعرت أبدان المصلين، وطأطأوا رؤوسهم‭.‬ فأردف الإمام:

_ لا تتركوا عقاب الله يستمر‭.‬

استرسل الإمام في خطبة طويلة، وقد بح صوته، وتحدث عن الأقوام الضالة، وكيف انقرضت، واضمحلت‭.‬ وبين الفينة والأخرى كان يرتشف الماء من طست نحاسي وضعه جانبا، فتخيم لحظة صمت على الجامع، سرعان ما يكسره بصوته المبحوح، فيقول:

_ العودة إلى الله أم الفناء‭..‬ عليكم أن تختاروا‭.‬

V

بعد صلاة الجمعة، سار أهل القرية وسط جثث القطط الملقاة على قارعة الطريق، واستنشقوا هواء غلبت عليه رائحة الجثث المتعفنة، وعقدوا اجتماعا في مقهى الثورة‭.‬

قال الطيب الطاهر:

_ نراسل الباب العالي ثانية، ونطلب منه أن يرسل المساعدات‭.‬

تذمر عمران البولانجي من كلامه، وقال ساخطا:

_ لا فائدة ترجى من السلطان، لقد تركنا لأمرنا‭.‬

مسح العرق المتصبب من جبينه، وأردف قائلا:

_ لم يعد سيد البحر كما كان‭.‬ والغنائم لم تعد تصل‭.‬

VI

وفي الليل اجتمع قطاع الطرق النازحون من أعالي الجبال عند حمودة الأعور في بيته الواقع على مصب النهر الجاف، وناقشوا مصيرهم‭.‬ وقال بوحا آث يلوز:

_ لم نعد نجد شيئا نسرقه‭.‬ سنموت جوعا لو استمر الحال هكذا‭.‬

نهض شيحة بن والو من مجلسه على حصير من الديس، وقال:

_ علينا بالهجرة إلى المحروسة، فهناك الموت لم ينتشر بعدُ‭.‬

انقسم اللصوص إلى مناصر لاقتراحشيحة بن والو، ورافض له‭.‬ فتعالت الأصوات، وعم الضجيج، فصاح حمودة الأعور قائلا، وقد انبعث الشرر من عينه الوحيدة:

_ لن نذهب إلى المحروسة، الانكشاريون هناك ما زالوا أسيادا، سيعدموننا عن بكرة أبينا‭.‬ سنبقى هنا، ولن نموت‭.‬ سيموت الجميع إلا نحن‭.‬

صمت برهة، ثم أردف:

_ سنصبح أسياد البلدة، أعدكم بذلك‭.‬

وقف شيحة بن والو، وقال:

_ ومما سوف نقتات‭.‬

حدق فيه حمودة الأعور مليا، وصاح قائلا:

سنأكل أي شيء، ولن نموت جوعا‭.‬

VI

وفي يوم الجمعة الموالي، خطب الإمام ذو الصوت المبحوح في الناس قائلا:

_ سنحارب من أجل الحق، وسيسقط المطر‭.‬

وفي الغد حزم أمتعته وصعد إلى الجبل، رفقة أتباعه‭.‬

8

اجتمع اللصوص وقطاع الطرق في بيت زعيمهم كالعادة، وقال شيحة بن والو:

_ لقد قامت الحرب، فمن سنناصر؟

ورد حمودة الأعور:

_ كلاهما معا‭..‬ الباب العالي، والمحاربون في الجبال‭.‬

فقال بوحا آث يلوز:

_نجعل الحرب تستمر أكثر، ونحقق رغبتنا في السيادة‭.‬

_ كيف ذلك، سأله حمودة الأعور بإعجاب:

_نترك لحانا تنمو طويلة، ونبيع الأسلحة لأتباع الإمام، ونبعث تقارير مفصلة للباب العالي عن تحركاتهم‭.‬

راقت الفكرة لحمودة الأعور، ابتسم، وقال:

_ هكذا نتصرف‭.‬

وكان قراره مسموعا مطاعا، فهو زعيم الجماعة‭.‬

9

وفي الغد صعد مزيد من أهل القرية إلى الجبل، وأعلنوا الجهاد ضد الباب العالي‭.‬ وسمّوا بالخوارج‭.‬

وبعد أسبوع أهدى أهل البوادي الإمام حمارا أشهب فلزم ركوبه حتى اشتهر به‭.‬ وسميت ثورته بثورة صاحب الحمار‭.‬ وقيل إن أتباعه يشربون الدم بدل الماء، ويأكلون لحم الجنود الانكشاريين نيئا، فراحت تنبعث منهم رائحة نتنة‭.‬ فذاع صيتهم، وبلغ بلاد الشمال، لكن الطقس ظل على حاله، فلم تمطر السماء، ولم يغير الله الأحوال‭.‬

10

بعد شهر من قيام الحرب، فر أعيان القرية إلى بلاد الثلج، ولحق بهم المتعلمون، والأطباء والمهندسون، والصحافيون، وعازفو الآلات الموسيقية، والممثلون المسرحيون، والكتاب، والطباخون الماهرون، وكل أصحاب الحرف القديمة التي توارثوها أبا عن جد، منذ أن غادرت عائلاتهم الأندلس فرارا من محاكم التفتيش المسيحية واستقروا في البلدة سنة 1492‭..‬ كل هؤلاء رحلوا، ولم يبق في القرية سوى الفقراء، وقد تحصنوا في بيوتهم بحثا عن الأمان‭.‬

أما الحاكم ممثل السلطان الأكبر، فقد اختفى بقصره بالمحروسة، وأحاطه بجنده، فانشغل بالحرب ضد صاحب الحمار‭.‬ أما اللصوص وقطاع الطرق فبقوا يجتمعون كل ليلة، ويقررون مصيرهم‭.‬ واستمرت المجاعة في حصد الأرواح‭.‬ وفي كل يوم يذهب الناس للمقبرة لدفن موتاهم‭.‬

11

حل فصل الشتاء، وساءت الأوضاع كثيرا، ولم تمطر‭.‬ بقيت الشمس لافحة، تلقي مزيدا من الخراب، واشتدت المجاعة‭.‬ والحرب لم تتوقف، ووصلت بر المحروسة عند باب الحاكم الأكبر، فذعر السلطان في الباب العالي، وأرسل جنده‭.‬ وقضى عشرون ألفا من الناس‭.‬ بعضهم ماتوا جوعا، وآخرون قتلهم صاحب الحمار‭.‬

وذات يوم أصيب حمودة الأعور بمرض ألزمه الفراش‭.‬ نحف جسمه، وفقد بأسه، وأضحى يبدو كالجثة الهامدة، وقال شيحة بن والو:

_ سيموت لو بقي على جوعه‭.‬

وفي اليوم الموالي مات حمودة الأعور، ودفن في مكان بعيد‭.‬

12

بعد أسبوع اجتمع اللصوص وقطاع الطرق، وعينوا شيحة بن والو زعيما لهم‭.‬ اعترض بوحا بن يلوز عليه، وأخرج سكينه، فهدد الزعيم الجديد‭.‬ اندفع شيحة بن والو من مكانه، ونشبت معركة بينهما، وانتهت بموت بوحا بن يلوز‭.‬ غرس شيحة بن والو سكينه في قلبه، وألقى بجثته إلى النهر الجاف، فعاد إلى مجلسه، مكان حمودة الأعور، على صخرة عالية قرب شجرة فقدت أغصانها، وقال بصوته الأجش:

_ سنأكل الجيفة ولن نموت‭.‬


روائي من الجزائر

مقالات أخرى للكاتب:

  • الجنس في الرواية الجزائرية