ثلاث‭ ‬قصص

الجديد  رشا عباس [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(56)]

لوحة: الطاهر بشرى
في‭ ‬المنزل‭ ‬وجدت‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الناس

ما الذي دفعني إلى موافقتكَ في كل ما حدث؟ في البداية كنا في قلب السيارة تحت المطر الكثيف الذي تشقه إنارة الطريق الخافتة‭.‬ قلتَ لي إنّ أخي نائمٌ وهو يقود السيارة، لم أكن قد انتبهت وحين نظرت إليه وجدته نائماً فعلاً خلف المقود‭.‬ أوقفتَ السيارة وأنزَلتهُ منها وأنا أراقبك، وضعتَهُ على الطريق ومددته هناك‭.‬ لم يستيقظ وبقي غافياً على الصورة التي وضعته بها ليبتل قميصه الأبيض بثوانٍ تحت المطر ملتصقاً بعظام صدره البارزة‭.‬ بدا لي وأنت تضعه على الرصيف، بتلك الثقة والتلقائية أنّ هذا هو التصرف البديهي في مثل هذه المواقف: أن يتم إخراج النائم خارج السيارة ويُمدد في الطريق ليتمكن الباقون من إكمال سيرهم‭.‬ حتى أنّني لم أذكر الموضوع أصلاً ونحن صامتان نقطع الطريق الموحشة في السيارة التي استلمتَ أنت قيادتها‭.‬ فقط خفق قلبي قليلاً إذ لمع ضوء الشارع على ورقة كبيرة خضراء لشجرة بدت غامقة ولامعة بفعل المطر‭.‬ في هذه الصورة وألوانها يدرك المرء جوهر الليل بشكل أوضح: العتمة والإحباط والمصائر المجهولة لأشخاص مثل أخي الأصغر الممدد وحده الآن نائماً في مكانٍ ما خلفنا‭.‬

في الصباح، كان ينبغي أن أذهب لأتفقده وأعرف ما جرى له‭.‬ كان من الواضح أين يجب أن أتوجه: سأهبط التلة المشمسة المرصوفة بحجر لأصل إلى مكان عمله‭.‬ بدا مكان العمل مختلفاً قليلاً، كان في قلبه فسحة تحوطها ستائر بيضاء بلاستيكية يجلس فيها الناس متلاصقين‭.‬ إنّي أراه بينهم هناك، شققت طريقي لأصل إلى المكان‭.‬ وصلت إليه‭.‬ كان جالساً بين الآخرين ولكن بلا ملابس سوى سروال داخلي قطني أبيض فقط يبدو عريضاً عليه كأنّه لشخص آخر‭.‬ تمكنت من الدخول بسهولة لم أتوقعها إلى الحجرة التي علمت فيما بعد أنّها سجن مؤقت أقيم هناك‭.‬ جلست بقربه وعندما فكرت بالموقف وحقيقته فعلاً ظننت أنّ قلبي سيتوقف حالاً من القهر، لا أعلم بعد إن كان يعرف أننّي السبب في وجوده هنا على هذا النحو، كنت أريد أن أعرف ماذا يتذكر تماماً عما جرى ليلة البارحة‭.‬ قال لي إنّه استيقظ ليجد نفسه في الشارع واقتادته الشرطة إلى هنا “طبعاً سرقولي محفظتي” قال بتسليم، ولم يأت على ذكر أيّ أوراق ثبوتية كانت معه في المحفظة‭.‬ أغمضت عيني ونجحت في تذكر محفظته تماماً كأنّي أراها الآن: كان يحمل فيها ثلاثة أوراق من ورقة العشرة آلاف ليرة لبنانية الصفراء وربما خمسة آلاف أيضاً، أمسكت يده البيضاء النحيلة كأيدي البنات وقلت له إنّني سأعطيه نقوداً أكثر مما سرق منه‭.‬ لقد كنت صادقة فعلاً فيما قلته إذ كان من الواضح بالنسبة إليّ أنني أستطيع أن أسرق وأقتل لأعطيه نقوداً بدل التي أضاعها‭.‬ كان ذلك جلياً للغاية‭.‬ خرجتُ لأعرف من أحدٍ ما كيف يمكنني أن أخرجه، سألت رجلا يجلس في مكتب أمام الحجرة كما لو أنّه يجلس في صدر قهوة يديرها‭.‬ دلّني على غرفة أخرى دخلت إليها وسألت رجل شرطة عما يمكنني فعله من أجل أخي، فقال لي إنّ علينا الانتظار أكثر ربما للغد‭.‬ خرجتُ من الغرفة لأتحدث مرة أخرى إليه لكنّ ازدحاماً من البشر كان قد احتل المسافة أمام غرفة السجن، مددت رأسي بين المتدافعين ولم أتمكن من رؤيته‭.‬

في المنزل وجدت الكثير من الناس، لم أكن أريد أن ألاطفهم بعد أن عدت مطرودة من السجن ولم أر أخي مرةً ثانية‭.‬ كانوا يمرحون في كل حجرة مع أطباقهم وأكوابهم، نظرت إلى باب الشرفة فوجدت أنّ الغسالة القديمة تسد بابها وقررت أن أزيحها لأخرج وآكل لوحدي هناك‭.‬ أزحتها وخرجت بفنجان قهوة لأشربه قبل الغداء وأرتاح قليلاً، خرج ورائي اثنان أو ثلاثة منهم‭.‬ كان ذلك مدعاة للضيق فعلاً، فقد أزحت الغسالة وخرجت كي آكل وأشرب وحدي فقط‭.‬ لم أستطع أن أتحمل ذلك فأنا يجب أن يكون لي الحق بأن أكون وحدي على الشرفة الآن، وجدت نفسي أصرخ وأشتم ورميت الفنجان على الأرض لينكسر وتركت الشرفة عائدة إلى الداخل وأنا أوبّخ نفسي قليلاً لأني تصرفت هكذا أمام الناس غير المذنبين فيما حدث لي ولأخي‭.‬

ثلاث‭ ‬أغنيات‭ ‬لجاورجيوس

“بسمِ الله‭..‬ ما شاءَ الله ‭..‬”* الذي ينتشلُ رمحه من قلبِ التنين ويرميه من فوق كتفي‭.‬ ميتاتك الثلاث قيلَ هي الآن ثلاث نثراتٍ من لحاء الجوز مرمية في أركان الدنيا، تقلّبها الريح تسعمئة عام حتى تجمعها في اللدّ‭.‬ يومَ تنتشل رمحك من قلب التنين وترمي به القمر‭.‬ تشقّه ليهبطَ على الأرض ثلاث ميتات أخيرة قضيتها عنّا قبلَ ذلك: السكاكين والحريق والمعصرة‭.‬

* * *

سيّدنا الذي ينام على القبة الخضراء مغمضاً عيناً واحدة‭.‬ له اثنان وثلاثون اسماً يغسلها شيخ بكّاء‭.‬ سيّدنا الذي يبُقى عيناً مفتوحة على خاطرِ الشيخ البكّاء خدام القبة‭.‬ نمرُّ وننفخ في أذنيه الأمنيات‭.‬ تختلط في نومه ليوزّع على كلّ منا أمنية الآخر في الصباح‭.‬ يوم تعثرت صدفةً باسم لك تحت القبة سألتكَ الحبّ‭.‬ بعدها بشهر وجدت طفلاً فيّ‭.‬ عرفتُ أن المرأة العاقر التي قصدتك في نفس يومي قد هربت من عند زوجها‭.‬ أعطيتني طفلها وأعطيتها حباً كان لي‭.‬ في القرية طفلٌ بلا حب ألقي في النهر‭.‬ والمرأة العاقر لم تنجب طفلاً لحبيبها‭.‬ نجلبُ لك مغطسَ شمسٍ لتفتح عينيك الاثنتين علينا يا سيّدنا‭.‬

***

“ما شاء الله‭..‬ الخير كلّه بيد الله”‭.‬ الذي ينتشلُ رمحهُ من ساقية الحبر ويرميه من فوق كتفي‭.‬ يومَ شقّ القمر ثلاثاً وسال الثلثُ الأول سكاكينَ فضّة عبرت صدر الجبل‭.‬ هربنا من القرية‭.‬ كنتُ معهم وقالوا سيجلبونه مع القادمين بعدنا‭.‬ جاءَ كل القادمين ولم يأت‭.‬ الذي ينتشلُ رمحهُ ويشقُّ الليلَ نصفين كتفاحة‭.‬ سيحملهُ إليَّ من بين السكاكين‭.‬ سيحملهُ قبل أن يسيل الثلث الثاني من القمر حريقاً يميت الأرض ثاني ميتةٍ قبل الزوال‭.‬

***

سيّدنا الذي ينامُ على القبّة الخضراء، يفتح عينيه الاثنتين إذا بكى خدّام القبة‭.‬ أربعون راية يحملها فرسان الموكب ألصقها بجدار القبّة‭.‬ أحدهم شتم الشيخ فبكى‭.‬ وعندما أرادوا الرحيل لم يقدر رجل منهم على انتشال رايته المسنودة إلى الجدار حتى طيّبوا خاطر الشيخ‭.‬ حملوها وذهبوا‭.‬ بنتٌ صغيرة ستقطع طريق السكاكين المغمدة في الأرض لتنفخ أمنيتي في أذنه: احملهُ إليّ، نجّه من حريقِ الغد‭.‬

***

“ما شاء الله‭..‬ لا يصرفُ السوءَ إلا الله‭..‬”‭.‬ الّذي ينتشلُ رمحهُ مِن طينِ الأرض ويرميه من فوق كتفي‭.‬ يومَ شقّ القمر ثلاثاً وسال الثلثُ الثاني حريقاً عبر البحيرة قبل أن يصل الأرض التي منها هربت‭.‬ يومَ تركتهُ فيها وقالوا لي إن القادمين سيجلبونه معهم‭.‬ لم يجلبكَ القادمون ولا حملكَ الذي شقّ القمر من فوق فرسه‭.‬ وسيّدنا النائم بعين مغمضة أعطى أمنيتي لامرأةٍ أخرى تلك التي خرج إليها رجلها من بين السكاكين وأبخرة الأرض‭.‬

* النصّ الغامق هو جزء من الدعاء الذي ينسب للإمام الخضر‭.‬

بوّابة‭ ‬على‭ ‬الساعة‭ ‬السابعة

لو عرفت الطريق إليها مجدداً، لكان كل شيء أفضل الآن‭.‬ ذهبت إليها يوماً ما ولكنّني أضعت طريقها طيلة ما تبقى من حياتي‭.‬

أذكر أنّ الطريق لم يكن سهلاً، كان عليّ أن أستقل القطار حتى محطة أخيرة ومن بعدها تابعت جر حقائبي مشياً على الأقدام لنصف ساعة حتى عثرت على نقطةٍ تتواجد بها مجموعة سيارات أجرة‭.‬ كان أحد سائقي سيارات الأجرة المصطفة بشكل نصف دائري في فسحةٍ صخرية غافياً في مقعده ولم يكن هناك أثر لبقية السائقين في السيارات الأخرى‭.‬ في المقعد الخلفي كان هناك شاب يقرأ كتاباً، قال لي الشاب: لا توقظه، لن ينطلق قبل أن تمتلئ السيارة‭.‬

انطلقت السيارة بعد دقائق، إذ تبيّن أنّ سعر الحجز بخس فحجزت مقعدين آخرين ليسرع السائق بالمغادرة‭.‬

باعتبار أنّ المواقع الإلكترونية لفنادق هذه البلدة، كانت كلّها معطّلة وغير محدّثة منذ عهود‭.‬ كل ما كان يمكنك العثور عليه هو بضع جمل ترحيبية، وجملة واحدة مقتضبة لوصف الخدمات التي يمكنك توقّعها “خدمة ممتازة”، لم يكن من الممكن حتى إجراء حجزٍ على هذه المواقع‭.‬

لم أكن بمزاجٍ جيّد لبدء محادثة مع السائق وسؤاله عن أفضل فندق للمبيت في هذه البلدة، لذلك طلبت أن أنزل في الساحة العامّة‭.‬ قبل أن أصل وعندما كان السائق يوصل الشاب إلى وجهته وجدت ما يشبه فندقاً في ذلك المكان‭.‬ اليافطة كانت أحرفاً مضاءة على البوابة “نزل ريكاردو”، فقررت استطلاع المكان‭.‬

لحسن الحظ، وكون الموسم الآن غير سياحي فقد تمكنت من حجز غرفةٍ بسرعة، سلمتني موظفة حمراء الشعر تضع كحلاً أسود ثقيلاً على عينيها بتكاسل مفتاحاً وقالت لي بلكنة إنجليزية غريبة إنّني لو قدمت بعد قليل فلم أكن لأجدها أو أجد أحداً‭.‬ لم تكن الغرفة سيئة، كانت فسيحة وقديمة الطراز وكانت هذه هي المرة الأولى منذ عهود التي أحظى فيها بسرير ذي ستائر‭.‬ لم يكن هناك أيّ أثرٍ لتلفاز، حاولت أن ألتقط على جهاز الهاتف المحمول أيّ شبكة ولم أفلح في ذلك‭.‬ في الواقع كانت الإشارة مفقودة بالكامل من الجهاز‭.‬ اتصلت برقم الاستقبال لأستفسر عن إمكانية الاتصال بشبكة الإنترنت ولم يردّ أحد‭.‬

عندما نزلت لم أجد أحداً في مكتب الاستقبال، عثرت فقط على سيّدة تدخّن على البار الخشبي الصغير‭.‬ حاولت أن آتي بموضوعٍ ما للحديث فقد كان المكان كلّه موحشاً الآن‭.‬ هزّت رأسها، قالت لي إنّ عليّ أن أصنع مشروباتي هنا بنفسي في البار أيضاً فلا وجود لأيّ موظفين في الفندق‭.‬ لم يبد هذا الأمر مطمئناً، نظرت إلى الخارج عبر زجاج الواجهة حيث كان الظلام قد بدأ يحلّ‭.‬ ماذا إن حدثت مشكلةٌ ما؟ السيّدة تبدو طريفة ولكن ربما لم يعجبها مظهري ويظهر أنّها غير راغبة بالتحدّث إليّ‭.‬ تفحّصت شاشة الهاتف لأعرف كم الساعة الآن‭.‬ وجدت أنّ الساعة غير ظاهرة ولم أفلح في ضبطها من إعدادات الجهاز‭.‬ سألتها عن الساعة، فاستدارت إليّ للمرة الأولى منذ بداية الحديث وتفحّصتني ملياً كأنّما لتعرف بأيّ صيغة طرحت هذا السؤال‭.‬ تساءلت عمّا إذا كنت أعرف من قبل ما هو الأمر المميز في هذه البلدة‭.‬ لم أعرف شيئاً كهذا في الحقيقة، قالت إنّها لم تر هنا طبيعةً مدهشة أو أماكن أثرية ممتعة ولكنّها مع ذلك تفضّل أن تأتي إلى هنا كلّما استطاعت‭.‬ “إنّها راحة كبيرة ألا يشعر المرء بعبء الوقت” قالت، فتذكّرت أنّني سمعت شيئاً مشابهاً عن المكان من قبل، ولكنّني ظننته وصفاً مجازياً مثل قول: “شاطئ يحملك إلى الفردوس من دون تذكرة” أو “استراحة جبلية تبعدك عن هموم الحياة اليومية”‭.‬ أخبرتني السيّدة بجدّية بالغة أنّ الأمر ليس مجازياً حقاً لذلك عليّ أن أكفّ عن التساؤل عن الساعة‭.‬

في الخارج لم يكن الأمر يختلف عن أيّ بلدة صغيرة أخرى، هناك حركة بسيطة في الطريق تشعر أنّها على وشك أن تختفي عندما يتأخر الوقت أكثر، كما علمت فيما بعد فهذا الأمر ليس متعلّقاً بالنوم مبكراً أو الخوف من اعتداءات محتملة في الشوارع ولكنّ الأهالي هنا يفضّلون قضاء الفترة الليلية في المنازل وإعداد وجبات مطهوة وحسب‭.‬ هل هم معتادون على أيّ نوعٍ من المخدّرات؟ ذلك هو ما أجابني عليه الشاب نفسه الذي صادفته في سيارة الأجرة التي أقلّتني إلى هنا “لا بدّ أنّك تعتبر نفسك أمام بلدةٍ جامحة غريبة الأطوار، ولكن في الحقيقة لا أحد هنا يكترث بتخدير نفسه حقاً إلا بعض من التجأوا إلى هنا منذ وقتٍ حديث”‭.‬ أشار بيده نحو امرأة شقراء في الخمسينات من عمرها ترتدي زياً أبيض ضيّقاً مصنوعاً من الجلد وهي مستندة إلى سورٍ من الأسلاك يطل على حديقة المبنى الذي خلفها‭.‬ كانت علامات الانتشاء ظاهرة عليها وهي تتحدث إلى مجموعة من الشبّان والشابات ذوي الشعور الملوّنة والمعاطف الجلدية ثم توقّفت عن الحديث وقررت الاضطجاع قليلاً على مرتبة حجرية في مدخل البناء‭.‬

“بعد قليلٍ من الوقت، ستكون حتى غير راغبةٍ بمزيد من الكوك” علّق الشاب وهو يسير بجانبي في الزقاق “رأيتُ ذلك كثيراً من قبل، يأتون هنا هرباً من إنهاك مصارعة الوقت‭..‬ يتمسّكون بعاداتٍ قديمة كهذه لبعض الوقت ثم ينسونها أيضاً”‭.‬

فهمتُ أنّ هذه المرأة كانت قبل عقود ممثلة سينمائية شهيرة، كانت رمزاً من رموز الحُسن في بلدها وحلماً لأيّ شاب، كانت صورها معلقة في كل مكان‭.‬ بعد أن بدأ جمالها يذوي أصيبت بالإحباط أمام كل تلك السيناريوهات الجديدة التي ترسل إليها لأول مرة لتقوم بدور الأمّ أو المدرّسة‭.‬ صبّت جام غضبها على المخرجين الجدد المفتقدين لأيّ حسٍ جمالي وأصبحت هذه المقابلات الغاضبة معها في الواقع تسليةً مفضلّة لدى الناس، كان من الممكن أن تجنّ لولا أن اهتدت إلى هذا المكان‭.‬

“ليست وحدها من وجد مكانه هُنا، الأشخاص الذين كانوا في ضيقٍ دائم بسبب عجلتهم هم أكثر مما تظنّ” قادني إلى تقاطع طرقٍ يفضي إلى زقاقٍ طويل آخر‭.‬ في الواقع، كان من الجيّد أنّني التقيتُ به مرّة أخرى بعد جولة السيّارة، لا أعرف كيف تجرّأتُ ولوّحت له بيدي شبه مستنجد عندما لمحته مرة أخرى هذا المساء عبر الواجهة الزجاجية لمكتبةٍ مضاءة كنت أنظر إليها معجباً بتصميمها الأليف‭.‬ هرع إليّ وسألني إذا كنت أحتاج إلى أيّ مساعدة هنا وأخبرته أنّ البلدة تبدو محبطة بعض الشيء وأوّد أن أحصل على نصائح لزيارة أماكن جيدة هنا‭.‬ كان لبقاً بما فيه الكفاية ليسير معي ويتبرّع لمرافقتي، وافقتُ على الفور وخصوصاً أنّه لم يبد منشغلاً بشيء‭.‬

السير في الزقاق الطويل الذي نعبره الآن كان يشبه السير في طريق مظلل بأشجار طويلة تنحني لتتقارب قممها من الجهتين، فسحة السماء من فوقنا كانت تبدو أصغر لتقارب الأبنية المتقابلة من الجهتين، كانت النوافذ تحمل أنواراً وردية اللون في أسفلها، أطلت امرأة بشعر أشقر طويل من نافذة وراقبتنا للحظات وهي تقضم من شيء ما بيدها دون اكتراث ثمّ عادت للداخل‭.‬ في نافذة قريبة من الشارع استطعت أنّ أرى مائدة مضاءة بالشموع فقط، بينما أطفئت أنوار المنزل كله ورجلاً مسناً يستمتع بتناول عشائه مرتدياً فانيلا داخلية بيضاء‭.‬ “لقد أصيب بعدّة جلطات قلبية من قبل” قال الشاب “لذلك يتشاجر على الدوام مع من يقطنون البناء المقابل طالباً منهم إطفاء أنوار غرفهم خلال الليل لأنّها تزعجه”‭.‬ كان من الغريب أن يختار هذا الرجل بوضعه الصحي أن يقطن في حي البغاء في البلدة، أجابني الشاب تواً عماً كنت أفكر فيه “يبدو لنا أنّه يجد شيئاً من البهجة هنا، ليس البهجة التي يبحث عنها رجل وحيد مثله لدى العاملات في الحي، لكن مزاج الزقاق يشعره ببعض الأنس كما يبدو” لم يكن الرجل من سكان البلدة الأصليين، بل من ضمن من لجأوا إليها أيضاً ليهرب من إرهاق العراك مع الزمن‭.‬ “البعض يظنّ أنّه مخبول وقيل إنّه كان يوماً ما طبيباً ناجحاً ولكنّه منع من ممارسة مهنته بسبب التجارب التي يقوم بها، ولكنّه يعمل بجدٍّ حقاً على مشروعه الذي بدأ منذ وقتٍ طويل، صناعة مثانة معدنية مزودة بجهاز تنقية يظن أنّها قادرة على أن تحل محل الطبيعية كحلٍّ نهائي لكل المشاكل البولية المزعجة والتي عانى هو نفسه طويلاً منها، المشكلة أنّه يتقدّم ببطء شديد في هذا المشروع، لذلك كان لا بدّ له من العمل عليه وهو متحرر من حساب الساعات التي تفصله عن النهاية‭.‬ لم يكن يريد أن يموت قبل أن يقدّم هذه المعجزة للبشرية‭.‬”

أمّا السبب الذي يجعل كلّ ذلك ممكناً وفق ما يرويه عجائز البلدة فقد كان أمامنا الآن مباشرة كما أخبرني مرافقي‭.‬ لم أر سوى مبنى عادي المظهر ومرتفع بعض الشيء عن بقية الأبنية‭.‬ تزعمُ الأسطورة أنّ البلدة كلّها واقعة في قلب ثغرةٍ واحدة في الحقل المغناطيسي للأرض، ومركز هذه الثغرة يقع أسفل هذا البناء بالتحديد‭.‬ ذلك سبّب خللاً في البعد الزمني‭.‬ على السطح هناك حجرة يتمثل فيها هذا الخلل بشكلٍ ظاهر، إذ أنّ دخول بوابتها سيودي بالمرء إلى بوابةٍ أخرى تنقله إلى السطح نفسه مجدداً، ولكن الوقت سيكون مختلفاً إذ سيكون المرء في هذه الحالة في المكان نفسه ولكن في الساعة السابعة مساء من اليوم السابق‭.‬ “لا داعي لأن يقلق أيّ أحد إذن من احتمال تأخره على أيّ موعد، أو تفكيره في مشروع يجب أن يتم تسليمه إذ بإمكانك دائماً أن تصل إلى هذا المبنى وتصعد حتى الطابق الأخير لتكسب يوماً إضافياً وتعود إلى البارحة” قال، ولكنّني في الحقيقة وجدت الأمر مروّعاً بعض الشيء “ولكن، في هذه الحالة وإذا استسلمت لنفسي فإنّني سأكرر الصعود واستخدام هذه البوّابة وهو ما سيجعلني عالقاً إلى الأبد في اليوم السابق”‭.‬ أكّد لي الشاب أنّ هذا لم يحصل منذ فترة طويلة‭.‬ استخدام الناس بإفراط لهذه الفجوة الزمنية أدّى إلى عدم اكتراث أحد بعبء الوقت بعد ذلك فلم يعد هناك من يحدد مواعيد ثابتة لفعل أيّ شيء أو يشعر بالضغط لإنجاز عمله في وقتٍ محدد ومن ثمّة لم يعد أحد حتى يكترث باقتناء أيّ ساعة‭.‬

سواء كان هذا المكان كما تقول الحكاية هو ثغرة في الزمن، أو كانت أسطورةً تمثل حلم النجاة من عبء العجلة فإنّني لا أستطيع حقاً أن أقاوم الرغبة في الصعود إلى الأعلى‭.‬ شكرتُ الشاب على مساعدته لي في تلك الجولة كلها وودعته متذرّعاً بالتعب وبضرورة العودة إلى الفندق، ولكنّني لم أعد إلا إلى مكانٍ واحد، أصعد درجات السلّم بسرعة وأنا أشعر بالإعياء كلما ارتفعت أكثر، كنت أشعر بثقلٍ واضح في الحركة وكانت معدتي تنقبض قليلاً‭.‬ الدوار ازداد حدّة مع قرب وصولي إلى سطح البناء وكنت على ثقة كاملة بأنّني أنفصل عن مركز استقطاب غير مرئي‭.‬ عبرت الحجرة ركضاً وأنا أرى البوابة الحديدية البيضاء التي في طرفها الآخر، المفتوحة على السطح نفسه من يوم البارحة‭..‬ وعدت نفسي أن أعود في عيد الميلاد إلى منزلي بعد أن أنجز عملي كلّه هنا، أن أكون عندها بصحبة عائلتي مجدداً‭.‬ عندما خرجت إلى الطرف الآخر كان كل الإعياء قد ذهب ولكنّ الشمس كانت قريبة جداً الآن من حيث أقف، متوّهجةً بلونٍ أحمر داكن‭.‬


كاتبة من سوريا

مقالات أخرى للكاتب:

  • تستطيع أن تدعوني مخمل