في‭ ‬الكهف

الجديد  عمر علوي ناسنا [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(131)]

لوحة: إبراهيم الصلحي
كنت أعيش هناك لوحدي في ذلك التجويف الصخري العميق، لم أكن أحتاج بذل أيّ جهد للتمويه للحفاظ عليه كان مكانه لا يثير أي فضول، بل كنت أحيانا أترك سترتي التي صنعتها من جلد الحيوان تجف هناك في مدخله دون أن أهاب عينا متلصصة، وحدي اصطدت ذلك الحيوان وحدي سلخته ووحدي صنعت كل شيء، راقبتهم مدة دون أن يشعروا بي وتعلمت لوحدي كل شيء‭.‬ في ذلك اليوم المطير رأيتها تحث خطاها متحاشية أحجار الوادي مستندة لعصاها المعوجة، لا أعرف لماذا لم يسعها البحث عن عصا مستقيمة ما أكثر العصي هناك حيث يوجد صف من أشجار الصفصاف‭.‬ خطر لي أن أناديها لكني خشيت أن تعرف هذا المكان، وترددت كثيرا قبل أن ألوّح لها في النهاية رافعا صوتي بالصياح‭.‬

نظرت إليّ متحدية قطرات المطر التي ترش وجهها بقوة، وجعلت تتشبث بالصخور ورؤوس الأعشاب البرية التي تكسو الجبل حتى صارت أمامي في وضعها المنحني وكأنها ما تزال تتسلق الجبل، نظرنا لبعضنا طويلا، دارت حولي للحظة واشتمت سترتي ودنت بأنفها تشمني وأمكنني حينها أن أشمها أيضا، سحبتها من يدها، نعم سحبتها ولم تعترض بل سبقتني وصارت تسحبني نحو التجويف الصخري العميق، تكورنا على بعضنا، تداخلنا، اشتبكنا كما أغصان شجيرات الوادي، تداخلت رائحتانا، سرى الدفء في جسدينا معا، وأحسسنا بأن الاحتكاك يبهجنا معا، نزعنا لباسينا الجلديين، افترشناهما، ولبسنا بعضنا، كانت تصيح وكنت أمهمه، كانت تمهمه وأصيح، ضحكنا من الأوضاع التي يصنعها جسدنا المتداخلان، الحائران، اللاعبان، الممطران، ثم استرخينا معا متعانقين، تحت سماء صافية يصنعها سقف الكهف، كأن المطر كف عن السقوط؟ لا‭..‬ حين أخرجت رأسي هاجمتني زخات المطر المتلاحقة‭.‬

عدت لأفترش لباسي الجلدي، لكنها مرة أخرى أفسدت كل شيء، فتحت فمها وقالت:

الوقت متأخر ينبغي أن أغادر بسرعة قبل أن يكتشفوا غيابي‭.‬ ارتدت ملابسها الداخلية بسرعة وفستانها المشجر وساعتها الأنيقة وطفقت تفتش بلهوجة عن حذائها الأحمر ذي الكعب العالي الرفيع، وجدته أخيرا أسفل الستارة، فتحت النافذة وأطلت برأسها متفحصة الشارع الذي يشق صفا من العمارات المتزاحمة، لم تقبلني، بل فرت بسرعة، سرعة مذهلة حتى أني بقيت واقفا مذهولا لا أعرف إن كان ممكنا بعد أن أغلق النافذة اللعينة أن أجد مكان السرير الخشبي اللامع لباسي الجلدي، انطفأ كل شيء، أوقفت المطر وقصدت الحمام وقرفصت أسفل مياه الدش مستسلما للموت‭.‬


كاتب من المغرب