فاطمة‭ ‬التي‭ ‬عاشت

الجديد  سعاد خبية [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(79)]

لوحة: رندا مداح
عقيقتان كعيني طائر صغير، تتابعان حركة الضوء والضجيج فتفتحان وتغلقان كنجمتي صبح أعيتهما مهمة التنوير، وجسد ضئيل يلفه قطن البداية، يسوّر أحد ذراعيها رباط ورقي يحمل اسم عائلتها، ملامح وعلامات كانت تمثل بطاقة شخصية لمولودة بقيت وحيدة في حاضنتها عندما كان الرحيل يلبس أقدام الجميع خوفا من مصير مرعب قد ينالهم، ومدينتهم كانت على موعد مع معركة حسم دامية، عيون الطفلة تتلفت حائرة وهي تسمع همهمات المغادرين وتطرح عبر نظراتها استفسارات لا متناهية من قبيل “ماذا يحدث؟ وماذا عني؟ “فتسمع صرختها قوية رغم كل ما يترجمه جسدها الضئيل من ضعف وإنهاك، يوم واحد فقط هو كل ما سجلته رحلة حياتها لتصبح مضطرة على خوض غمار رحلتها في الدفاع عن وجودها وقد وجدت نفسها وحيدة تعيش في ظرف الحرب والتهجير وأجواء الاقتحامات وقد غاب الجميع‭.‬

الحاضنة

في الشهر العاشر من عام 2012 وعلى أرض تسكنها الثورة والرغبة بالانعتاق كان ثمة مخاضان يجريان في آن معا في بقعة واحدة‭..‬ فهنا كانت هديل “أم المولودة” تصرخ من آلام مخاضها الذي استبق موعده بثلاثة أشهر ونصف جراء العوامل النفسية والعصبية التي كانت تعيشها في أجواء الحرب، وها هي تضطر للسير في شوارع المدينة يدافعها مولود يريد أن يخرج ليعرف ماذا يجري؟ الطريق إلى المشفى كان طويلا، تحاصر مركبتهم المفجوعة من الخوف في الشوارع المقفرة من البشر أمطار سوداء من القذائف والصواريخ، الوجهة مشفى “حمدان” حيث يعبق المكان بقصص الموت والحياة والثورة بكل ما حملته من ألم وأمل وتفاصيل وبطولات مرتاديه من الثائرين ومن العاملين فيه، وخلف أبوابها أطياف لشبان ورجال يزرعون شوارع المدينة وبأيديهم أسلحتهم البسيطة، كانوا يؤمنون بأنهم قادرون على خلع أنياب الوحش وطرده بعيدا، لتنتهي المدينة من شروره و”تتحرر” وبذا يُختصر أمامهم طريق الموت نحو الحياة، وبين هنا “الولّادة ” وهناك “المعركة” كانت تفنى هامات وتولد نجمة‭..‬

في لحظة فارقة وصعبة ولدت الطفلة دون أن تتم شهرها السابع في بطن أمها، المشفى دون كهرباء! لامشكلة‭..‬ فقد تم تشغيل “الحاضنة” ببطاريات الشحن لتمنح الصغيرة فرصة الحياة داخلها، عشر ساعات في “نعيم” إمكانية البقاء في الحاضنة انتهت مع انتهاء مهلة التهديد الذي أرسلته قوات الأمن والجيش بنسف المشفى بمن فيه إذا لم يسلم المسلحون المدافعون عن المدينة أنفسهم وسلاحهم ويخروا صاغرين تحت مقصلة الموت، صاروخ أيقظ ارتعاش الركب وحفزها للحركة دافعا بالجميع نحو المغادرة، الكادر الطبي، المرضى والجرحى النازفون والمصابون الراقدون في قسم العناية المركزة، الكل حمل جرحه وهمّ بالتمسك بحبل الحياة الذي يستله ذراع الموت‭.‬

المشفى تُفرّغ والقصف يشتد أكثر فأكثر ليستهدف الطابق الأخير منها والأبنية المحيطة بها، الجدران والنوافذ تصطك وتتهاوى، لم يبق هناك من أحد، وحدها تلك الطفلة تُنسى في قسم “الحواضن” ومع آخر طبيب يغادر المشفى كانت الطائرة تزرع حمولتها في سماء المنطقة بشكل أكثف وأكثر رعبا فيشتعل محيطها بالانفجاريات، تلمع ومضة في رأس الطبيب الهارب ماذا عن قسم الحواضن؟ وماذا عن مولودة الأمس؟

قدما الطبيب تدفعانه للإسراع في الجري عله ينجو، وصرخة من داخله تطالبه بالتحري لعل روحا صغيرة بقيت هناك ينازعها الموت وحيدة عاجزة‭..‬ هل يعود؟

يوقظه نداء من بعيد “أسرع السيارة ستنطلق لم يعد ثمة من وقت فمعنا جرحى ينزفون”، يُطرق برهة‭..‬ ودون تردد يستدير عائدا نحو بوابة المشفى، ألسنة اللهب تأكل الطابق العلوي، يأخذ طريقه مباشرة نحو قسم الحواضن حيث لا زالت البطارية التي تغذي حاضنتين تُشغل أحدهما الطفلة تعمل، يدلف بتهور شديد داخل الغرفة، الطفلة لا تزال تتحرك في سريرها الصغير وعيناها مفتوحان حتى بدت له تضحك مستبشرة شاكرة فيخطفها ويجري‭.‬

لم يبق في المدينة في تلك الفترة سوى عدد قليل جدا من السكان معظمهم يتأهب للرحيل ليلحق بنصف مليون وأكثر سبقوهم إلى حيث الموت أقل، شوارع فارغة لا تكاد تلمح فيها طيفا لبشر، فقد كانت تجربة الأهالي في اقتحام المدينة السابق مريرة، وذكريات القتل والذبح التي مارسها “جيش الوطن” دون رحمة ماثلة في ذاكرتهم القريبة، نزوح جماعي لم يستثن الأطباء والكوادر الطبية التي توزعت على نقاط ميدانية بدائية مبعثرة أو هامت نازحة كغيرها من السكان، لا صوت في الشوارع سوى همهمات بعض المسلحين هنا وهناك يتفقدون من بقي من الأهالي لحثهم على الرحيل خوفا على حياتهم ‭.‬

كتلة حية تتحرك بين يدي الطبيب تنتزعه من سطوة الموت التي تحيط بتلك المدينة في كل اتجاه، لا مقومات لديه ليبقيها حية ماذا يفعل؟ هاهي أسرة تغادر على عجل يحملون بعض الأدوات والأغطية ويركضون باتجاه مركبة مفتوحة من الخلف تنتظرهم، ينزل الطبيب من سيارة المشفى المغادرة ويركض نحو امرأة تقود أولادها على عجل، “هل تأخذين هذه الطفلة معك فلا أهل يستلموها فالكل غادر ولربما استشهدوا، اسم عائلتها مدون على سوار بمعصمها”، يسير خطوة نحو الخلف “عمرها يوم واحد فقط تحتاج إلى الرضاعة والدفء” يستدرك “لا لا بل تحتاج فورا إلى حاضنة” ويمضي‭..‬ كانت تلك كل الكلمات التي اختصر فيها الطبيب قصتها، القذائف تتهاوى وصوت الرصاص يستصرخ “حيّا على الموت” تحملها المرأة دون نقاش وتمضي السيارة في طريقها‭.‬

عينان مفتوحان ترقبان ما يجري دون فهم، وجسد نحيل لا يصل وزنه حد الكيلوغرام الواحد يلتصق جلده الرقيق ببعضه محدثا تسلخات حادة، أطراف بالكاد تتحرك، وشفاه جافة، تتجاوز السيارة السماء النازفة موتا فوق تلك المدينة لتصل قرية خارجها، ترقب المرأة عيني الطفلة وهما تغربان كشمس آخر النهار لتعاودا الإشراق الخافت، تطلق الصوت هذه الصغيرة تحتاج فورا إلى طبيب، ماذا نفعل بها؟ لا جواب، صيدلية البلدة الصغيرة المجاورة أمامهم، تنزل المرأة وهي تحمل بين ذراعيها الطفلة تشرح القصة لصاحب المكان، يصدمها بالجواب فليس لديها المزيد من الأعصاب لتحمل أيّ ضغوط أخرى “ليس هناك طبيب أطفال هنا، المستوصف مغلق منذ أيام ولا يوجد حواضن فيه بالأصل”، ويكرر “عليك إيصالها إلى دمشق هناك فقط يمكن لها أن تعيش”، تزفر المرأة بينما عقلها معلق بابنها البكر الذي رفض المغادرة وأصر على البقاء للقتال دون بيته‭.‬

الحواجز تقطع كل الطرق المؤدية إلى دمشق حتى العصافير لا يمكنها أن تصل هناك فكيف بهذه العائلة ومعها شابان يافعان سيكونان فريسة سهلة للاعتقال الفوري أو الإعدام الميداني أمام أمهما فهما من أبناء هذه المدينة المغضوب على بشرها وحجرها، تصمت المرأة تحمل علبة الحليب ككنز وتغادر نحو تجمع للنازحين ضمن مدرسة شبه مدمرة‭.‬

سبعون أو ثمانون ما بين طفل وامرأة ورجل من نازحي مدينة دوما جلهم أقرباء يضمهم فناء مدرسة مغلق، من الصعب تذكر تلك الفتاة وحاجتها للحاضنة في جحيم تلك اللحظات وكل عائلة تحاول لملمة أفرادها والاطمئنان عن كونها لم تنس أحدا منهم وتحاول التواصل لتجمع الباقين وتتأكد من أنهم لازالوا على قيد النزوح، وحدهما عينا تلك الطفلة كانتا تطرحان الأسئلة بصمت وماذا عني؟ هل عليّ أن أغادر؟ هل لي أهل أو مكان؟‭..‬ ست ساعات منذ أن غادرت الحاضنة حتى اللحظة، بضع قطرات من الماء المحلى بالسكر سقطت في فمها فقط، الهواء ضاغط والأنفاس خانقة من العدد الكبير والإغلاق، برد تشرين الممزوج بالحرب والموت السهل يفتك بالجميع، المرأة تحضنها بخوف يغلفه قلق شديد واضطراب يرسمه غياب بكرها، تنظر في عيني الطفلة التي يتجمهر حولها عدد من الأطفال النازحين مندهشين من حجمها الضئيل، تنازع طفلة صغيرة المرأة في حمل تلك “المولودة” ظنا منها أنها لعبة صغيرة، فيما يبدو بأن الموت بدأ يتسلل ليدب أنيابه في روحها ويستلها، أغمضت عينيها وبدأ زبد رغوي يخرج من فمها بعد أن أعطتها بضع نقاط من الحليب ‭.‬

تحاول المرأة جهدها أن تدفئ الجسد الضئيل ولكن دون جدوى، قطرات الحليب التي تحاول ضخها عبر أنبوب صغير داخل فمها تصطدمان بحاجز ما لتعيد الصغيرة تقيأها خارج فمها، تتلوى، شفتاها تزرقّان والصفرة تجتاح وجهها كلما كررت المرأة محاولة مدها ببعض السوائل، تصرخ شابة وتبكي إلى جوارها‭..‬ ماتت، يتجمهر الجميع بوجوم وترقب حول كرة اللحم الصغيرة الملفوفة المغمورة بالقماش وعيون الأطفال تجمد، ينتبه الجميع لتصبح هي المركز، تحاول المرأة انتزاع الطفلة من بين كومة القماش لعلها تتنفس، لا زال جسدها ملفوفا بالقطن، تضع يدها على قلبها؟ تصرخ‭..‬ لا زالت حية هناك نبض، يبحلق الصغار بعيون اعتادت أن ترتعد ففي هذه اللحظات سيواجهون من يخافون ومن يهربون من براثنه وهو يفتك بتلك الصغيرة أمامهم ويتعرفون إليه وهو ينازعها حياتها‭..‬ إنه الموت في معركته مع الحياة ‭.‬

تتدخل امرأة أخرى وتمسح محيط أنفها بقطنة بللتها بالكحول، تفتح “الخدّيجة” عينيها كشعاع يتدفق بالثناء، تمسح – هدى – اليافعة ابنة العائلة التي جاءت بالصغيرة دموعها وتصرخ لازالت حية‭..‬ تغالب دموعها من جديد وتتمتم “يا رب ما تموت‭..‬ يا رب تعيش وتلاقي أهلها”، تنقسم الآراء والمواقف وتزداد حرارة المكان والمواقف وتغدو الطفلة هي القضية العامة، وركنها حيث مددت كبتلة ذابلة بات أشبه بالمزار، وأصوات حولها تتمتم “دعوها تموت فترتاح نحن بالأصل ليش لسا عايشين بهالوضع التعس؟ لن تعيش حتى الصباح تحتاج حاضنة‭..‬ أهلها استشهدوا وبقيت وحيدة‭..‬ هل من مرضعة هنا؟ حليب الأم يحييها‭..‬ دفئوا جسدها‭..‬ غبرة الموت على وجهها دعوها تمت بسلام‭..‬ تحتاج طبيب‭..‬ جو المكان سيقتلها‭..‬ لا حل سوى نقلها إلى مشفى في دمشق” كانت تلك الكلمات تشعل المكان القريب منها ‭.‬

انتابت المرأة التي جاءت بها موجة غضب وكأن أفعى لسعتها من عينها‭..‬ هو التوتر الذي يسيطر عليها وشعور بخطر شديد يتهدد ابنها، رمت بالطفلة وقالت خذوها هي مشروع ميت لماذا لم يحضر حتى الآن؟ تتساءل دون تحديد المعني غير أنه من المؤكد ابنها ‭.‬

ماتت الطفلة وعادت أكثر من عشر مرات خلال الليل، فيما قامت إحدى النساء النازحات في ذات المكان بنقلها إلى غرفة جانبية فارغة علها تستطيع العناية بها، “جميلة هربت من براثن الوحش، هل نتركها للموت” تسأل المرأة نفسها وهي تحملها؟ تلامس وجنتيها الرقيقتين برؤوس أصابعها وتخاطبها وهي تبكي‭..‬ لا تموتي لو بقيت صامدة حتى الصباح أعدك بأني سأوصلك بنفسي إلى المشفى وستعيشين لأنك قوية”‭..‬ ومع أول خيوط الصباح كانت الصغيرة لا تزال تجاهد بين يديها من أجل الحياة وكلاهما على الطريق المؤدي إلى دمشق بعد أن ساعدها الحظ على الاتصال بإحدى صديقاتها في دمشق والتي تعهدت بتأمين حاضنة طبية للصغيرة، الكل ينظر للمرأة التي شاركتها ليلتها ووعدتها بنقلها إلى دمشق في هذا الجو من الرعب والحواجز على أنها مجنونة ولربما شجاعة ولكن كان تعليق الجميع يذهب للخيار الأول! بدأ الكل يلاحقها بالسؤال:

- كيف ستغادرين واسمك معمم على الحواجز؟ ستعتقلين هذا انتحار‭.‬

كانت تلك المرأة إحدى المتهمات بطلب الحرية في “مملكة بشار الأسد”، أغلقت باب السيارة وبدأت العجلات تطوي المسافات حتى بلغت الحاجز العسكري الأول‭.‬

رجل يقود السيارة وشاب مرافق وسيدة تحمل وليدها الحديث بين يديها، مشهد طبيعي يدقق العناصر في بطاقة السائق والمرافق ليسا مطلوبين، فيما النفساء “المفترضة” تحمل وليدتها غير عابئة بشيء آخر وتتلوى من تبعات الولادة، يفتش العناصر السيارة يرمقها الضابط بنظرة متفحصة وبتهكم يقول لها ” لسا بدكم أولاد؟ ما كفاكم إنجاب إرهابيين جدد؟ ومع اللامبالاة وعدم الاكتراث والإيحاء بالألم الذي تبديه يكتفي بالسخرية منها دون طلب البطاقة الشخصية ويتركهم يغادرون، الطفلة تزرقّ شفاهها من جديد، أكثر من ستة عشرة ساعة مضت وهذه الصغيرة دون تغذية وهي تغط في موت مؤقت ومن ثمّة تعود، عدة حواجز مروا عليها كانت العناية الإلهية ترافقهم حتى وصلوا المكان المعتمد‭.‬

حنان وأمها – اللتان تم الاتصال بهما لغرض المساعدة -تنتظران على الطرف الآخر هناك في دمشق دون معرفة تامة بالتفاصيل، فجميع الاتصالات كانت مقطوعة عن المنطقة المحيطة بدمشق وقد استطاعت السيدة التي نقلتها تأمين الاتصال بهما عبر هاتف أرضي لإحدى الدوائر الحكومية التي دخلتها خلسة الليلة الماضية بمساعدة أحد أصدقائها، بضع كلمات هي كل ما قالته السيدة لصديقاتها عندما سلمتها لهما “تحتاج حاضنة لتعيش، إنها بطلة، أهلها ضائعون ولربما أنهم استشهدوا، هي قوية وتريد الحياة تنازع الموت منذ البارحة ولا تستلم له،عليكم بإنقاذها فهي أمل يجب أن يحيا وقضية ينتظر النازحون هناك أن يكسبوها”‭.‬

رحلة صعبة كانت تنتظر الصغيرة في مشافي دمشق التي ترفض استقبال أيّ من أهالي المدن “الثائرة ” المغضوب عليهم حتى تتمكن من الحصول على “بيت لاستنبات حياة لها”، تحمل السيدتان الصغيرة وتتوجهان نحو إحدى المشافي، الصغيرة تحتضر هكذا لاح لهما فلم تعد تفتح عينيها، صدمة أولى نالتهما حين رفضت المشفى الأولى استقبالها دون أوراق رسمية، تحكي أم حنان – السيدة الخمسينية- القصة للطبيبة التي تتأثر بشدة بها وبكون الطفلة قاومت ليومين الموت حتى وصلت إليهم وبأن والديها لربما استشهدا وتركاها وحيدة‭..‬ تؤكد الطبيبة بأنها تتمنى المساعدة غير أن تبعات ذلك قد تكون مدمرة على مشفاها وتساعدهم بإرسال الطفلة إلى مشفى أخرى، ومن مشفى إلى أخرى ومن طبيب إلى طبيب تجدان أخيرا من يجرؤ على إحياء الصغير في حاضنة مشفاه، يقول لهم الطبيب بأن قلب الصغيرة ورئتيها غير مكتملين وبأن جسدها بدأ يجف بشكل كبير وبأنها تحتاج إلى علاج فوري ومكلف وإلى حاضنة‭.‬

تتسربل الحياة في عروقها وقد جمعت الصغيرة حولها الكثير من فاعلي الخير ومحبي الحياة لم تكن مجرد مولودة، كانت ابنة المدينة الثائرة وابنة الحلم الذي لن يُقبل أن يموت وابنة شهيدين مفترضين، وابنة الحياة التي تمسكت بها حتى قبضت على شرايينها،

المعارك لا تزال مستمرة في مدينتها ومواكب الراحلين لازالت تُسّير قوافلها فوق أديم أرض ثائرة تتوق للخلاص وحلم تعب أنهكه الانتظار والوعد والوعيد، وصرخة سمعتها حنان عبر الهاتف من الجهة الأخرى “ليست يتيمة، وجدنا والدي الصغيرة‭..‬”، عبارة اختصرت رحلة البحث عن ذويها فقد كان الجميع يظن بأن أم الطفلة وأباها استشهدا إثر قصف سيارتهما أثناء مغادرة المشفى في الليلة السابقة لإفراغ المشفى، ما يقرب من العشرين يوما وأم الطفلة وأباها هائمان على وجهيهما في مناطق النزوح لا يعرفان شيئا عن مصير تلك الصغيرة‭..‬ حتى وصل إليهما الخبر الذي قرأه شخص ما على إحدى الصفحات الإنترنت، يحكي قصة الطفلة ويسرد مراحل رحلتها ومن أين بدأت ويسأل عن أهلها، كان ذلك كل ما تحتاج إليه لتصل أخيرا إليها، وتحملها بين ذراعيها وتعطيها اسما‭..‬ فاطمة‭..‬

عيون فاطمة مرايا واقع بائس والأنابيب الطبية التي زرعت في أنفها ورئتيها كانت شرايين الحياة ودفاعاتها في مواجهة أنياب الموت، نقطة نقطة كانت تأكل وتشرب وتكبر المهم لا تزال حية، مئات آلاف من سكان منطقتها يهيمون على وجوههم من النازحين، بعضهم يفترش المعامل وآخرون المدارس والمشافي المدمرة وبيوت دون أسقف ومحال تجارية بلا حمامات أو مطابخ فقط جدران وأبواب كلها تحولت إلى مأوى للنازحين وحلم بالعودة إلى مدينة بلا موت يراود الجميع، لم يكن حال عائلة فاطمة مختلفا ومع ذلك عادت وأمها لتشاركا الجميع ذلك الضنك ‭.‬

تفككت الحواجز العسكرية التابعة لجيش الأسد في داخل الغوطة الشرقية وهرب عناصرها نحو الخارج وأعلنت دوما والغوطة الشرقية منطقة محررة‭..‬ تحررت الأرض وبقيت السماء مصيدة للحياة تزخر برعود الطائرات والصواريخ، وبينما عاد النازحون إلى بيوتهم وقد نزل عن كواهلهم عبء رؤية جنود النظام بينهم وقعت الغوطة بأسرها في مصيدة الحصار والفوضى الكل سجين بعد أن أطبق الهم بمخالبه على الأهالي وبدأ يغرز أنياب الجوع والمرض والحسرة في أجسادهم، جُنت فوهات البنادق التي حررت المدينة، واستنفرت دون اتزان، ومع غياب مؤسسات الدولة التي دمرها القصف وهروب كوادرها تقوّض القضاء وارتهنت المحاكم، وتربع الخوف من جديد سيدا وابتُلعت الكلمات‭.‬

لم تكد فاطمة تتعرف رائحة أباها وتتعلم المناغاة بلفظ اسمه حتى أكله غياب الأمن، اختطف والد الصغيرة وغاب له كل أثر لربما قتل أو اعتقل أو لعله خطف لا جواب‭..‬ البعض قال اعتقله جيش بشار على أحد الحواجز حين كان يحاول الخروج من سجن الحصار عبر أحد حواجز النظام لتأمين خبز بيته وحليب طفلته‭.‬ وآخرون ينكرون ويقولون ابتلعته أشباح المدينة كما ابتلعت غيره عندما غاب الرقيب، فقدت فاطمة “ابنة الحياة” والدها منذ عام ونصف دون أن يمنحها صفة اليتيمة بشكل مؤكد كما منح عشرات الآلاف من أطفال سوريا غيرها ‭.‬

داخل أسوار الحصار تعيش الطفلة فاطمة اليوم وهي تتزين بوردة عمرها الثالثة دون أن تتمها بعد، وحيدة مع أمٍّ يسكنها الانتظار والترقب، تجوعان وتعريان وتحلمان، ومع إشراقة كل شمس تفتح المدينة السجينة نافذتها لتطل منها على وجه فاطمة وتعيد شحن إيمانها بأن الحياة إرادة مهما ضاقت فرصة العيش، وبأن المخاض لا بد أن ينتهي بولادة، عاشت فاطمة بينما لا زالت المدينة تبحث بين مفردات الموت عن أسباب الحياة‭.‬


كاتبة من سوريا مقيمة في مصر