الولادة‭ ‬والعراء

الجديد  سمارة‭ ‬حسنين [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(94)]

لوحة: فيصل لعيبي
صرخت‭ ‬هناء

لم يصل خيالها يوماً، ليصور لها أن لحظة ولادة أمومتها الأولى، ستكون خيالية مؤلمة مفرحة بذات الدرجة، بتلك الطريقة والمكان والزمان‭.‬

كان العتم يبتلع كل ما يحيط بذاك المكان النائي، البعيد بضع أمتار عن أماكن نزول القذائف، التي أحرقت أحلام الجميع وأمان الجميع‭.‬

أكثر من خمس عشرة أسرة من أقربائها كانوا يجتمعون هناك، نزحوا هرباً من موت أحاط بكل تفاصيل حياتهم، كعائلة مغضوب عليها أمنيا من قبل النظام، آثروا العيش بمكان لم يكن يوما مُعدّا للسكن، معمل صناعي بمنطقة صناعية نائية، حاولوا أن يوفروا فيه الحد الأدنى من الحياة، بأمل ألا يطول تشتتهم وعذابهم، بكل ما جمعوه من صبر وإيمان وقدرة على التكيف والتحمل‭.‬

هناك تحديدا‭.‬ كانت تنسج حكاية الخلاص في نفس الفتية “هناء “‭.‬

في كل يوم كان يكبر جنينها بداخلها كانت تشعر بأن الفجر يقترب أكثر، بالرغم من انعدام أيّ بقعة أمل في صورة الظرف المحيط بعالمها‭.‬

كان يكفيها كلما شعرت أن الخوف والموت بدآ يحومان في المكان، أن تحتضن ذاتها وتخاطب طفلها القادم لتخفف عنه ما يمكن أن يسمعه، وتعده بأن غده سيكون أجمل، وأن ما يصله بشعورها أحيانا ما هو إلا سحابة فوضى ستتبعثر، وعدته أن تنير له العمر شموساً، أرادته أن يأتي ليكون هو عالمها، وعدته ووعدته واكتفت بفكرة وجوده وهكذا تحملت واستمرت‭.‬

إلى أن حان الموعد بفجائية لم تكن متوقعة يومها: كهرباء مقطوعة في كل المنطقة، لا صوت يعلو فوق صوت الموت والنار، اضطراب يسود الوجوه والقلوب، وصلوات وأدعية وآيات قران تتعالى لعلها تكسر جنون تلك الساعات‭.‬

فجأة، صرخت هناء، كسرت كل أصوات الموت بصوت تلك الحياة القادمة‭.‬

لا طبيب ولا مجال لأن تصل لأيّ نقطة طبية، وقناص متعطش للموت يسيطر على كل الطرقات‭.‬

إصرار كبير رسم على كل الوجوه، وكأن قدوم هذه الروح تحدّ لوقت الموت الراهن ولكل من أراد إخراس صوت الحياة‭.‬

الجميع بالانتظار‭.‬

الأم، الجدة، العمات، وكل نساء العائلة حاولوا ببساطة خبرتهم أن يساعدوا هناء كما حاولت أن تساعد نفسها وجنينها‭.‬

زوجها وأبوها، إخوتها وأعمامها، الأطفال، الكل بالانتظار‭.‬

ثلاث ساعات، نسي الجميع في أثنائها أصوات الدمار‭.‬

سُمعت صوت الصرخة الأولى، لتكون كصرخة خلاص النفس من شرور النفس وفوضى الأيام‭.‬

ضحكات وبكاء ودعاء كلها اختلطت بأصوات الجميع… ليناديها الجميع ويباركوا اسمها “أمل”‭.‬ بالرغم من كل المعوقات والمخاطر ولدت أمل‭.‬

أيّ حياة بعثتها في نفوس اضطربت بفوضى اليأس؟

وكأنها رسالة من السماء جاءت لتشق صمت النفوس ومرارة الإحباط، لتقول للجميع “لا تقنطوا”‭.‬

رحلة‭ ‬استمارة

أشعل سيجارته وبدأ بحرقها، وابتلاع أذى دخانها، وكأنما يحرق بها وجع وطن سكنه وأهداه حروقاً وآلاما لن تندمل بتبديل وقت المكان والزمان‭.‬

بطابور طويل يعج بالسوريين يقف هو الآن، منتظرا دوره الآتي من مجهول، ليعربش لقب “لاجئ” ع سنين عمره ‭.‬

شموخ وكبرياء يرسمان هالته، لكن ذبول عينيه واصفرار الربيع على شفتيه يوحيان أنه قد تجاوز زمن شبابه بدهر كامل، بالرغم من أن سنينه الخمسة والعشرين لم تكتمل بعد‭.‬

نودي اسمه على الباب ليقول له الحارس وعلى وجهه ابتسامة بلهاء: تفضل لقد سعينا لتعجيل موعدك بسبب حالتك ‭.‬

لم تتغير معالم وجه الشاب بل ع العكس ازدادت قسوة وغضباً أذابت ابتسامة الحاجب الغريب عن وجعه بالرغم من لسانه العربي‭.‬

لم يستعجل الدخول بل تباطأت خطواته ليمج أنفاس سيجارته المتبقية، ويرمي بها على أرض بلد لم تكن يوما له، واستبدلها بعكاز خشبي، وأخذ يمشي مستنداً بها راسما بخطواته حكاية وطن‭.‬

وصل لطاولة “المقابلة” استمارة طلب لجوئه بين يدي الموظف، ليعاود التبسم بوجهه، وهو يفتح استمارته بذات درجة الغباء وبذات الضحكة التي رسمها حارس الباب ‭.‬

وكأنهما كانا يعتقدان أنهما يهديانه وطناً جديدا، لم يكونا مدركين أنهما يزينان له الموت ذبحاً بقسم حدود عمره وأحلامه بمنفاه وغربته القادمة‭.‬

قال الموظف: هذه استمارتك‭.‬

أجاب: نعم‭.‬

طلب صورتين وجواز سفره الذي أصبح إثباته الوحيد بأنه موجود على هذه الأرض‭.‬

وبدأت رحلة الاستمارة‭.‬ ومع كل سؤال كانت تفتح حكاية وجع:

اسمك، عمرك، مدينتك، عنوانك، دينك، طائفتك؟

أثقلته هذه الكلمة، لماذا للأمم المتحدة أن تميز طائفته؟ لماذا كل هذا التأجيج المباشر وغير المباشر ‭.‬

وعبقت ذاكرته لحظتها بكلمات صديقه “علي” الذي قال له يوماً قبل استشهاده: “يريدون محو الهدف، وسيلعبون بورقة اختلافنا يا “أحمد”‭.‬

دمعت عيناه‭..‬ وابتلع وجعه مرة أخرى وصمت‭.‬

واصل الموظف أسئلته: أعزب؟ أرمل؟ متزوج؟ مطلق؟

عاود الصمت‭..‬ لكن هذه المرة مترافقاً بدموع مزججة ملأت عينيه وأجاب: “عشقتها كوطن لكنها الآن شهيدة” فماذا أكون بنظر الأمم المتحدة؟!

صمت الموظف، لم يفهم عمق كلماته وأعاد السؤال‭.‬

فأجاب: سجلني أعزب عمر وأرمل قلب ‭.‬

تابع أسئلته‭.‬

-هل لديك أحد من أقاربك من الدرجة الأولى في سوريا؟

-نعم أمي وأخوتي‭.‬

-ما عناوينهم؟

-لا عنوان، أخي مجهول المكان والزمان لا نعرف عنه شيئا، وأمي وأختي وأخي من نزوح إلى نزوح ولا أعرف أين هم الآن فما من وسيلة اتصال معهم‭.‬

-هل لك أحد خارج سوريا؟

-لا‭.‬

-توقف الموظف ونظر إلى قدم الشاب المقطوعة وقال له: من يساعدك‭.‬

أجاب: وحده “الله” ساعدني أن أصمد حتى الآن‭.‬

كل سؤال كان يضاف كان يضيف بصمة ألم سوري ‭.‬

-هل اعتقلت؟

-نعم‭.‬

-كيف كانت المعاملة؟

-ضحك الشاب ضحكة كبرياء وألم وقال له “خمس نجوم” انظر إلى جسدي كيف اعتنوا به‭.‬

-لماذا غادرت سوريا؟

بسبب‭..‬

لم يكمل الإجابة، قال له كل ما ذكرته يوضح لماذا تركت سوريا، ويا لندمي على ما فعلت!

ضحك الموظف بسخرية وقال: أتريد العودة الآن، أيعقل أن تناقش هكذا خيار؟

أجاب الشاب أموت واندفن بأرضي وتحت ركام بيتي، ولا أعطي فرصة لمن يسكت ع موت كل أهل بلدي بأن يقول لقد فضلت عليك وهو لا يفعل أكثر من تسجيلي بسجلاته ‭.‬

سحب استمارته بنزق لم يفهمه الموظف ومزقها قطعة قطعة ومضى بغضب‭.‬ خرج ولم يدر أيّ مصير جديد ينتظره، ليوقفه سوري آخر تجاوزه بعمر يساوي اثنين من عمره وقال له: لماذا فعلت هذا؟

نحن بمركب وسط البحر كل الخيارات مفتوحة الآن يا ولدي، حاول أن تسيطر على غضبك يا بني، لعلك الآن مزقت فرصة للحياة‭.‬

صمت قليلا، ثم مسك يدي الرجل وقال: عمي بما أن خيارتنا مفتوحة دع لي حق الاختيار، وأنت لك ذات الحق، وبالوقت وحده سينكشف لنا أيّ مجهول كان أكثر صواباً‭..‬ ومضى نحو مجهول مازال مبهما للجميع تاركاً كل خيار مفتوح ومغلق في أعينهم ‭.‬


كاتبة‭ ‬من‭ ‬سوريا