لعنة‭ ‬الفراعنة

الجديد  كوليت بهنا [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(154)]

تخطيط: فيصل لعيبي
كنت قد عاهدت نفسي، منذ أن اعتلى الفرعون خوفو عرشه الإلهي، أن لا أشارك في أيّ نوع من أنواع احتفالاته التي يدعو إليها حاشيته والكهنة ووجهاء البلد في مناسبة أو من غير مناسبة‭.‬ حيث يرقصون ويشربون ويعربدون ويضاجعون النساء وهم يأكلون في كلّ احتفال ما يقرب من ربع خيرات البلاد التي يشقى ويكدّ الفلاحون لجنيها خلال عام كامل، وما يتبقى من فتات طعام، يرمى إلى الكلاب وعامة الشعب الذين ينتظرون هذه الاحتفالات بفارغ الصبر‭.‬ حيث يدعى هؤلاء العامة قسراً، لا للجلوس في صدر الاحتفال كما قد يعتقد البعض، بل لتنظيف الأوساخ المتراكمة التي يخلّفها أسيادهم، ومن بين هذه الأوساخ يعثرون بسهولة على بقايا طعام يكاد يفسد بعد سبعة أيام بلياليها مدّة كل حفل من احتفالات فرعوننا العظيم، خوفو‭.‬

وأنا؟

أنا لم أكن يوماَ من حاشية الفرعون، ولا من الكهنة، ولا من وجهاء البلاد، ولا حتى إنساناً عادياً من عامة الشعب‭.‬

أنا ابن عرس، أو هكذا كنت أشعر بنفسي وأنا أنزوي في غرفتي الطينية المتواضعة التي أتقاسمها مع دجاجتين وديك وثلاث بطات، وفراش على الأرض وبعض الأواني الفخارية المخصصة للطعام التي أصنعها بنفسي وأبيع بعضها، وأعيش من أثمانها البخسة ما يكفي قوتي اليومي، وشراء بعض الأقمشة التي تدثرني، وثمن بعض المواد اللازمة لمهنة الكتابة التي أزاولها بشكل مستقل، وهي مهنة رابحة واستثنائية للغاية ‭.‬

كيف تكون مهنتي رابحة واستثنائية وكيف أعيش في مثل هذه الفاقة التي وصفتها لكم؟

بالتأكيد‭.‬ لأن مهنة مثل رسام أو راقص أو نحّات، أو عازف موسيقى أو مغنّ أو صاحب موهبة خطابية، أو مصمّم أزياء أو حذَّاء أو طبّاخ أو شاعر أو كاتب مثلي، كلها مهنٌ كانت تلقى رواجاً كبيراَ في عصري، والعاملون بها يعتبرون من الوجهاء الذين يدعون إلى مثل تلك الاحتفالات التي أخبرتكم عنها، ويجنون جرّاء حضورهم وما يفعلونه لاحقاً، أموالاَ طائلة جعلتهم يأرقون كل ليلة وهم يفكرون أين يخبئون هذه الثروات، وكم عمراً إضافياً يحتاجون إليه كي يتمتعوا بما أنعمه عليهم فرعونهم العظيم‭.‬ ليس لأن الفرعون خوفو كان ملهَماً ومحباً وعاشقاً للفنون، ويدرك جيداً أهمية دور الفنون في بناء الحضارات العظيمة، لذلك شجعها بكل ما أوتي من سلطة ونفوذ، أو دعمها لسماحة في نفسه ودعم كل العاملين بها وأغدق عليهم كل تلك الأموال الطائلة كما قد يعتقد البعض‭.‬ بل لأن كل هذه المهن، أو بالأصح معظم العاملين بهذه المهن، كانوا مسخّرين بالكامل لخدمته وحده فقط، لا شريك له، وذلك برسم عشرات الآلاف من صوره، وتوزيعها على طول وعرض البلاد، وتعليقها قسرياً في صدور الدور الكثيرة، ونحت مئات الآلاف من تماثيله المصنوعة إما من حجر الغرانيت أو الطين المشوي والمطلي بألوان جذابة من المينا‭.‬ تماثيل تجسد فرعوننا العظيم ممتطياً حصانه، أو امرأته، أو شعبه ‭.‬ لا أقصد هنا معاني ذات دلالات أو نوايا سيئة كما يحلو للبعض أحياناً أن يفسر، بل حقاً وكثيراً ما كان خوفو يمتطي شعبه الأبيّ، كلما همس في أذنه أحد الكهنة رسالة حملها من أحد الآلهة في المعبد، أو أحس الفرعون بحاسته المتفرعنة السادسة أنّ الشعب يتململ لأمر ما‭.‬

حينها يأمر بتجهيز محمله الذهبي الذي يرفعه فوقه أربعة عبيد كأنهم الليل، ويقرر القيام بنزهة صباحية مفاجئة بين عامة الشعب، بعد أن يسبقه بعض مخبريه، ويشيعون أن الفرعون قادم لتفقد أحوال الشعب المسكين‭.‬ وقبل أن يصدق أفراد الشعب المسكين رواية المخبرين، يكون الفرعون قد صار بينهم، ليصابوا في كل مرة بصدمة عاطفية حادة، وتسود بينهم حالة هي مزيج من الإثارة والرعب، والحب والخشوع، فيتدافعون أمام محمله، يهلّلون له ويرفعون الأدعية إلى آلهة المعبد كي تحميه وتطيل عمره‭.‬ ويسجد، أو بشكل أدق، ينبطح بعضهم في هذه الحالة، فيما البعض الآخر غير واع بسبب حالات الإغماء التي تصيبهم لشدة التأثر‭.‬ من ثمة، وكمثل كل مرة، يقتربون من محمله يتلمّسونه ويتباركون به، ويحملون فرعونهم المحبوب على أكتافهم بعد أن تحنّن وأذِنَ لهم بإشارةٍ لعبيده السود‭.‬ وهذه هي بالضبط لحظة امتطاء الشعب التاريخية التي حدثتكم عنها، والتي لأجلها، ينشط النحّاتون والرسّامون والشعراء والكتّاب والمغنّون والموسيقيون والراقصون، كلّ منهم حسب اختصاصه، بتسجيل هذه الدقائق العظيمة‭.‬ دقائق غير عادية بالتأكيد من عمر خوفو، وعمر الشعب الذي تنسيه في كل مرة زيارة فرعونه المباركة سبب الزيارة أساساَ، وينسون أيضاَ أحوالهم المنسية ‭.‬

وأنا، ولسوء طالعي الذي قادني أكثر من مرة بالمصادفة لأتابع بأمّ و(أبو) عيني هذه الأوقات الصعبة من عمري، كنت أهرع وأختفي بسرعة قبل أن تلتقطني عين أحد المخبرين، التي لا تعجز عادة – كعين النسر – عن التقاط طريدة حقيرة غير موالية مثلي‭.‬ وأدخل بعدها في مزاج اكتئابي حادّ يزيدني انكفاءً على نفسي، وعزلةً معتمة في غرفتي الطينية المعتمة، أسجل ما رأيت قبل أن تمحوه الذاكرة المرهقة، ثم أتأمل الأوراق التي دوّنت عليها مرارتي بمرارة أشدّ، لأنني كنت عاجزاً دوماً عن أن أحتفظ بمثل هذه الأوراق، أو أن أخفيها، أو أن أوزعها بين شعبٍ ميؤوس منه‭.‬ فأكتفي مثل كل مرة بتمزيقها نتفاً، أبتلع بعضها كالسم، وأحرق بعضها، وأعجن ما يتبقى منها مع الطين الذي أصنع منه بعض أطباق الفخار الخاصة بي غير المخصصة للبيع، يحدوني أملٌ عظيم وأنا أفعل، أن تتحول هذه الفخاريات إلى لقىً أثرية بعد آلاف السنين من موتي، وتصل إلى يد أحفادي، فيكتشفون أسرارها المخفية داخل الطين العتيق بمساعدة أجهزة متطورة جداً لا شك أنهم سيخترعونها مستقبلاً، ويستفيدون من عِبَرِ ما جاء فيها، ليمنعوا أيّ فرعون جديد أن يمتطيهم‭.‬

الحديث عن مآثر الفرعون وما فعله وما كان ينوي أن يفعله، حديث يطول كثيراً كثيراً ويمتد إلى ما لا نهاية‭.‬ لكن يبدو أن للحديث دوماً نهاية‭.‬ إذ توقفت كل الكلمات فجأة ودون سابق إنذار، حين ساد صمت أسطوري عظيم في اللحظة التي أعلن فيها عن موت الفرعون المفاجئ‭.‬

مات خوفو؟

لا أصدق.

حقاً مات، وأصدق‭.‬

مات الخوفو الذي آمن الجميع، وأنا منهم، أنه منزّه عن الموت ‭.‬

مات نبع خوفي وعتمتي‭.‬

مات محرّض كراهيتي وقلمي‭.‬

مات فرعون يأسي وقنوطي‭.‬

مات سبب عزلتي وفاقتي وانزوائي‭.‬

مات المقدَّس الذي عشت ألعنه‭.‬

مات المقدَّس الذي عشت ألعنه‭.‬

مات وتسبّب في لحظة لم أفهمها بذرف دمعة من عيني‭.‬ دمعة لم أفهم سببها. لم أجد لها مبرراً‭.‬ لم أفهم سببها‭.‬ لم أفهم‭.‬

مات‭.‬

دمعةٌ تمنيت لو أفقأ العين التي سرّبتها‭.‬

دمعةٌ سالت مثل نهر من الحمم البركانية تحفر مجرى من العار فوق خدّي‭.‬

سالت مثل لعنة، مثل لعنة، مثل لعنة.

هي لعنة الفراعنة، تلاحقك مهما ابتعدت، وإلى الأبد‭.‬


كاتبة من سوريا