مراوغة‭ ‬الذات‭ ‬ومصارحة‭ ‬القلم

فضلاً عن الذي يكتنف رواية السيرة الذاتية من إشكاليات تتعلق بمدى حرية المناخ الجامع للرواية والقارئ، وبتطابق ذات التلفظ مع روح الملفوظ من خلال الضمير الشخصي للمتكلم، ومواءمة تحولات الخاص مع تحولات الواقع عبر المتخيل السردي، فإن السيرة الذاتية ما زالت تتحرك في مجال حائر من ناحية التصنيف الأدبي‭.‬ إن أهم ما يميز الكتابة السيرذاتية، كما تؤكد الباحثة إليزابيث بروس؛ “في نطاق التصوّر المرجعي الذي تستند إليه هو ارتباط كل من المؤلف والقارئ فيها بجملة من الضوابط والشروط التي هي عموماً من قبل الواجبات والحقوق فمن واجب المؤلف أن يقول الحق طبقاً لالتزامه في العقد وأن يكون صادقاً أميناً فيما يروي على نفسه ومن حق القارئ أن يخضع في أقواله واعترافاته تبعاً لذلك إلى الاختيار والتثبيت‭.‬ “وهذا ينطبق عليه مبدأ باختين في تصوّره لخصائص التركيب البيوغرافي على مستوى الموضوع حيث “ينبئ عن لحظات نموذجية وجوهرية من كل حياة بشرية فبرغم أن سيرة البطل هي موضوع الرواية، فإن صورته هو نفسه تكون خالية من أيّ صورة حقيقية: فحياة البطل تتغيَّر وتتطوّر في حين يظل هو ثابتاً”‭.‬ (ميخائيل باختين: الخطاب الروائي ترجمة/ محمد برادة، المركز العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1994)‭.‬

الجديد  هاني حجاج [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(16)]

لوحة: إسماعيل الرفاعي
لذلك يأخذ مفهوم السيرة الذاتية عدة مصطلحات مختلفة، فهي (السيرة الذاتية الروائية) حسب يمنى العبد، أو (رواية السيرة الذاتية) حسب جابر عصفور، وعند طرف ثالث هي (السيرة الروائية)، أو (رواية السيرة) التي يعرّفها باسكال بأنها تلك الرواية التي تتمركز حول التجارب التي تشكل الشخصية وتبلورها وليست مجرد رواية تتخلق حول تجربة حقيقية متفردة وبارزة‭.‬ لكن أقدم تعريف للسيرة الذاتية في الأدب العربي وصفه د‭.‬ يحيى إبراهيم في كتابه “الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث” عام 1975 وقد عرّف المصطلح بـ”الترجمة الذاتية المصوغة في قالب روائي وهي التي تتوافر فيها الشروط الفنية لها من حيث أن المؤلف يكشف عن الغاية من وراء كتابة ترجمة ذاتية في هذا الإطار من القالب الروائي، إنها ترجمة ذاتية يصوّر من خلالها حياته وتجربته ويختار ضمير المتكلم أداة فنية للتعبير عن تجربته، كما يلجأ إلى طرائق السرد المباشرة لرواية الأحداث في تعاقبها دون أن تتوسع في التقنية الروائية‭.‬ بحيث تجمع به عن الحقيقة”‭.‬ ويرى الباحث ممدوح فراج النابي في كتابه “رواية السيرة الذاتية” (سلسلة كتابات نقدية العدد 200، الهيئة العامة لقصور الثقافة) أن أهم هذه التعريفات هو تعريف لوجون الذي أخذ عنه معظم النقاد، حيث المصطلح يطلق من وجهة نظره على كل النصوص التخيلية التي يمكن أن تكون للقارئ فيها دوافع ليعقد انطلاقاً من التشابهات التي يعتقد أنه اكتشفها وأن هناك تطابقاً بين المؤلف والشخصية في حين أن المؤلف اختار أن ينكر هذا التطابق، أو على الأقل اختار ألا يؤكده‭.‬ “تعريف لوجون كما هو واضح، ينصرف كلية إلى القارئ”، والكلام لفرج النابي، “في ظل وجود التشابهات التي يمكن أن يكتشفها بين المؤلف والشخصية، وبذلك يعلي من شأن القارئ، الذي وضع من أجله مواثيق عقد القراءة، التي يلتزم الكُتَّاب بالإقرار بوجودها دون الإغضاء منها”‭.‬ وقد آثر الباحث أن يرجئ تعريف لوجون ليؤكد مدى انعكاس تعريفه على معظم التعريفات السابقة، التي جاءت مادتها الأساسية متكئة على عنصرين أساسيين هما عنصر التخييل، وعنصر الميثاق وهما خلاصة تعريف لوجون‭.‬ فيقول الروائي خيري شلبي “السيرة الذاتية لا بد أن تكون اعترافات صادقة بحيث يضع الكاتب ماضيه كله ووقائع حياته على المشرحة، يحلل مواقفه في الحياة، ليأخذ منها العبرة والعظة من أخطائه قبل أخطاء الآخرين، وعليه ألا يحاول تجميل نفسه حتى يصدقه القارئ، وحين ينتهي الكاتب من سيرته الذاتية ويرى أن نجاحه كان مبنيًا على أسس الكفاءة يستريح لذلك، أما إذا كان نجاحه مبنيًا على طرق غير شرعية فإنه بذلك يكون قد قام بعملية تطهير خادعة”‭.‬ ويضيف “إن أهم ما يميز أدب السيرة الذاتية أنه يعلّم الصدق في مواجهة النفس، وللأسف هذا ما يفتقر إليه كثير من المبدعين العرب حين يشرعون في كتابة سيرهم الذاتية، فعندما كتب أبو حامد الغزالي سيرته «المنقذ من الضلال» لم يكتب وقائع من حياته، وعندما كتب توفيق الحكيم «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر» كان ينقصهما القدر الأكبر من الصراحة والموضوعية‭.‬ وأعلن شلبي أن طه حسين كان أكثر صراحة وتجردًا من الآخرين حينما كتب رواية «الأيام»، يليه كتاب «سبعون» لميخائيل نعيمة الذي عرض فيه خبرته الذاتية، وتجاربه في المهجر وسنوات الكفاح مع جبران خليل جبران، كذلك يعتبر كتاب “أوراق العمر” للويس عوض كتابًا متقدمًا في السيرة الذاتية، و«حملة تفتيش» للطيفة الزيات وسيرة المؤرخ رؤوف نظمي وعصمت سيف الدولة‭.‬

ينجح كاتب السيرة الذاتية في عمله عندما يخرج بالنص من دائرة الواقع إلى فضاء التخييل‭.‬ أما “الترجمة الذاتية”، فستظل دوما غير مؤهلة على الإطلاق لتقوم بدلا عن “السيرة الذاتية” أو لتحل محلها وتقدم ذات أغراضها، ذلك لأن كاتب السيرة الذاتية مجبور على أن يعكس للقراء وجه حياته الشخصية بأدقّ تفاصيلها وثناياها، قدر الإمكان طبعا، على مائدة التعبير الأدبي شفافة السطح، مع العلم بأن السيرة الذاتية تهدف إلى الاشتمال على جزء من حياة صاحبها، إذ يتعذر عليها أن تحيط بسائر ما مضى من حياته الشخصية، وراويها مطالب بالاقتراب أكثر من ذاته عن طريق العرض والشرح والوصف والتفسير والتحليل والتعليق، بل والنقد أيضا، وجميع هذه الأفعال الخطابية يجب أن يمارسها بإسهاب وليس باقتضاب، وإن كان من غير الهيّن على الإطلاق أن يتخذ الكاتب من ذاته وذاكرته موضوعا لحكاية مقروءة‭.‬ د‭.‬ عبدالفتاح أفكوح يقول”إن جميع النماذج التي نستطيع أن نعثر عليها دون عناء في العديد من الكتابات تكشف بجلاء عن مظاهر الخلل على مستوى الاصطلاح، وعن مدى الخلط الحاصل في الذهنية الأدبية والنقدية العربية، وإذا كان أكثر الباحثين الدارسين في مجال أدب السيرة الذاتية قد نظروا إلى مسألة الخلط بين لفظي ‘السيرة’ و’الترجمة’ وكأنها قضية مسلّم بها، ووقفوا منها موقف الحياد السلبي، فإننا نجد من النقاد من آثروا توظيف لفظ ‘السيرة’ عند تحدثهم عن تاريخ الفرد المسهب، واستعملوا لفظ ‘الترجمة’ عند تناولهم بالحديث التاريخ الموجز للفرد، كما نلمس عند بعضهم قدرا من الحذر في تعاملهم مع الاصطلاحين معا، وعيا منهم بأن ثمة تمايزا بينا وفرقا جليا بينهم”‭.‬ إن المعاجم العربية القديمة لم تتخذ لفظ “الترجمة” مرادفا للفظ “السيرة”، في حين عمدت المعاجم الحديثة، بما فيها المعاصرة، إلى توظيفهما مترادفين وبنفس المعنى، أما القول بأن الذي فصل قديما بين مفهوميهما وحمولتهما الاصطلاحية هو مجرد توظيف اعتباطي حسبما يرى ماهر حسن فهمي، ومحمد عبدالغني حسن، على سبيل المثال، فهو استنتاج نرده على أصحابه، لأن التمييز بين الاصطلاحين لم يأت دون مراعاة الحمولة الدلالية لكل مصطلح على حدة، أو دون قصد و غاية؛ بل إن ثمة فوارق بينة ومحددة بين لفظي “الترجمة” و”السيرة”، تتجاوز منطق الاستعمال الاعتباطي أو ما جرت عليه العادة، وهي فوارق تم إغفالها من قبل معظم الباحثين ونقاد أدب السيرة الذاتية‭.‬ وإذا كانت هذه المسألة الاصطلاحية في الوقت الراهن قد تبدو لأول وهلة قضية جزئية متجاوزة، فإننا نعتقد، على العكس من ذلك تماما، بأنها مسألة تستدعي إعادة النظر والمراجعة، والظاهر أن العرب المسلمين القدماء قد حسموا في هذا الأمر، وذلك عندما استقر رأيهم على ضرورة التمييز بين مفهوم “السيرة” وما تعنيه “الترجمة”، أو بالأحرى بين لفظي “السيرة” و”الترجمة”، سواء كانا للذات أم للغير، مع أن المتقدمين من أهل الأدب والنقد العربي الإسلامي، لم يكونوا يلحقون صفة “الذاتية” أو “الموضوعية” بهذين الاصطلاحين‭.‬ صحيح أن لفظ “الترجمة” لم يعرف بمعنى أو بمفهوم “المختصر من حياة الفرد” إلا عند المؤلفين المتأخرين، لكنه لم يكن يدل عند القدماء من الأدباء والنقاد العرب المسلمين على “السيرة الذاتية”، أو “السيرة الموضوعية/الغيرية”، وإنما قصدوا به “الترجمة الذاتية”، وعنوا به من جهة ثانية “الترجمة الموضوعية/الغيرية”، وذلك باعتبار من يقوم بعملية الترجمة بطبيعة الحال‭.‬ وحتى نبرهن بقسط من الملاحظة والاستنتاج على ما نعتقده في شأن تمايز وتباين لفظي “السيرة” و”الترجمة” لغة واصطلاحا، نقول: إن انتقال دلالة لفظ “الترجمة” مجازا من أصل معناها، الذي ارتبط قديما بعالم التأليف والآثار الأدبية وغيرها، إلى معنى التعريف بالأعلام، مع احتفاظ اللفظ الدال طبعا بمدلولاته الأصلية، هو التحول الذي يفيدنا في تمييز حد “الترجمة” عن حد “السيرة”، باعتبار أن مدار الحد الأول (حد الترجمة) هو الاختصار أو الإيجاز، بخلاف مدار الحد الثاني (حد السيرة) وهو الإسهاب‭.‬

لوحة: إسماعيل الرفاعي

عندما تقرأ “أصداء السيرة الذاتية” لنجيب محفوظ لن تجد تفاصيل حياتية توثيقية، ولن يفرق العمل كثيراً في محتواه إذا تغيّر عنوانه، لكن بطل وأبطال العمل هم أصحاب الصوت الحقيقي لا شخص الكاتب، وهو ما جعل لوجون يحدد ميثاق رواية السيرة الذاتية؛ وهو إلغاء التماثل بين اسم المؤلف على الغلاف واسم بطل الرواية في النص إقراراً بالطابع التخييلي للحكاية كأن يذكر في عنوان فرعي أن الكتاب رواية‭.‬ وهناك وضعيات كثيرة لهذه العلاقة منها أن يستخدم الكاتب تجاربه الخاصة لتكون عماد العمل مثل طفولة ديكنز التي كانت الهيكل الرئيس لديفيد كوبرفيلد، وكانت كل شيء تقريباً في الرواية التي حملت اسم بطل غيره، أوليفر تويست‭.‬ على نفس النهج كتب نجيب محفوظ “حكايات حارتنا” و”أصداء السيرة الذاتية”، وتظهر في العملين مشاهد من الطفولة والصبا والشباب يسردها المؤلف بضمير المتكلم ودون أسماء مستعارة‭.‬ كما توجد حالة ميثاق السيرذاتي (Pact Auto Bio) من الدرجة صفر حيث يكتنف العمل أعلى قدر من الغموض، فالكتاب لا يحمل جنسا محددا (سيرة أو رواية) وطريقة السرد تنتقل من الوصف القصصي إلى دقة المذكرات اليومية كما أن الشخصية لا اسم لها، وبالتالي يتحوّل الأمر إلى سلاح ذي حدين، فهو إما شبكة متينة واسعة المجال أو مسألة مبهمة متروكة للقارئ وحريته في أن يتعامل مع عقدة القراءة التي يرتئيها حسب أيديولوجيته ومعرفته المسبقة بالكاتب والمثال الأوضح على ذلك هو كتاب شارل لويس فيليب “الأم والطفل”، ونوع آخر يتمثل في سيرة ذاتية صريحة أو نصف صريحة تحمل ضمير المتكلم دون أن يكون للشخصية اسم في المحكي بالضرورة، لكن المؤلف يعلن عن وجوده ضمناً أو ينفيه مثل كتاب “يا عيني عليك” أو “حضن العمر” أو “مشيناها خطى”، ودون أن يعلن المؤلف عن نفسه داخل النص، يكفي أن تطالع الغلاف لتعرف اسم البطل الحقيقي للعمل‭.‬ وأخيراً هناك النص الواضح الذي يظهر فيه البطل بنفس اسم الكاتب، فمثلاً تشير عفاف السيد إلى اسمها بصراحة في “قميص وردي فارغ”، بطلة الرواية اسمها عفاف عبدالمتعال السيد، ورضوى هي بطلة رواية “أطياف” لرضوى عاشور‭.‬ الجزء الثالث من الأيام لطه حسين حمل اسم “مذكرات طه حسين” رغم أن الاسم لم يذكر بشكل مباشر قبل ذلك، بل إنه لم يظهر في الجزء الثالث إلا بشكل عابر عندما يناديه الممتحن بقوله “مسيو حسين”‭.‬ هذا التماثل أربك النقاد وجعلهم يختلفون في تصنيف الأيام‭.‬

وقد يعمد المؤلف إلى إعطاء أبطال سيرته أسماء مغايرة لأغراض عديدة تبدأ من الرغبة في التحدث بصدق دون عقبات نفسية خاصة وتمر بالإيهام الفني الذي يجعل القارئ يعيش قصة من وحي الخيال دون إحباط الواقع أو كما تصيب عبارة “حدث بالفعل” مشاهد الفيلم بخيبة أمل إذ لا يتوقع من البداية حدوث مواقف غريبة مسلّية، وتنتهي بالحذر من الوقوع في دائرة المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا ظهرت في الكتاب شخصيات حيّة شعر أصحابها بالحرج أو أثيرت حفيظتهم لأيّ سبب‭.‬ الشخصيات في كتاب نجيب محفوظ “المرايا” تحمل أسماء مغايرة لما هي عليه في الواقع بالرغم من أن العمل يحمل طابع التوثيق السيرذاتي دون الحاجة إلى تمويه فني، لكن المؤلف كان يحاكم هذه الشخصيات ويفضح بعض أسرارها، هناك الموظف اللوطي وزوجة السياسي المتهتكة والصديق المنحرف، ولا يمكن أن تظهر الأسماء الحقيقية بأيّ شكل ولا حتى من خلال الإشارة لدوافع أخلاقية تتعلق بضمير الكاتب‭.‬

على أن كتابة السيرة الذاتية تنكشف مهما حاول المؤلف المواربة؛ والطريف أنه لا يحاول ذلك بصدق! إنه يعمد بشكل أو بآخر إلى وضع طرف خيط يقود إليه لأنه في الأصل أراد المكاشفة وليس الغياب في ظل شخص آخر، فحتى أعتى سفاح يترك خلفه دون وعي ما يشير إليه برغبة دفينة في ترك بصمته الخاصة على العمل الذي يعتقد أنه الأكثر إتقاناً والأقرب إلى قلبه‭.‬ تجد مثلاً أن الإهداء يكشف عن علاقة مباشرة بين الكاتب والرواية كما لاحظ جيرار جينت، لذلك فعندما كتبت ميرال الطحاوي “الخباء” لم يكن هناك الكثير من الخباء بعد الإهداء الذي قالت فيه “إلى جسدي، وتد خيمة مصلوبة في العراء”‭.‬ وفي مقدمة صنع الله إبراهيم لـ”تلك الرائحة” نجد “شعرت وأنا أقرأ يومياتي الوجيزة بأني أمام مادة خام لعمل فني لا يتطلب مني بعد غير جهد التشكيل والصقل‭.‬ وشعرت أيضاً أني قد وقعت أخيراً على صوتي الخاص”‭.‬ وغير الإهداء فقد يفاجأ المؤلف نفسه بإشارات خارجية تكشف طبيعة النص، عندما يلجأ الناشر مثلاً إلى الإعلان عن أن الكتاب هو قصة حياة المؤلف أو ذكرياته الخاصة لأغراض ترويجية، أو عندما يكشف الأمر صحفي مخلص لكتابات المؤلف وتاريخه ويعلن اكتشافه في دراسته أو مقال؛ فناشر رواية “الوسية” لخليل حسن خليل كتب “إنها رواية عن حياة شاب مكافح وأنه هو المؤلف والبطل، أي أنها سيرة ذاتية في قالب روائي”‭.‬ ويمكنك مراجعة ما قيل صراحة على ظهر غلاف أصداء السيرة الذاتية التي تعمّد الناشر أن يحمل غلافها الأمامي صورة نجيب محفوظ نفسه وليس رسوما تعبيرية كما هو شائع‭.‬ وعندما جاء توقيع شرقيات لنص “قميص وردي فارغ”: إن النص ملتبس بصاحبته لا يخرج عنها حيث هو نص يقرأ صاحبته وقميص أيامها ويستعيد هواجسها وشطحاتها وانكسارها لتتحول جميعها إلى شذرات من كيان بلوري، يعكس الضوء بعيداً عن قلب القلب‭.‬

في كتابه “زمن الرواية” يؤكد د‭.‬ جابر عصفور على أهمية ضمير السارد ويضيف أن “الضمير الغائب يلعب دوراً مهماً بين الذات وموضوع تأملها السردي حيث يعمل على تأكيد انقسام الذات على نفسها، من حيث تحوّلها إلى فاعل للتأمل ومفعولاً له ومنفعلاً به”‭.‬ كما يتيح ضمير الغائب دوراً فاعلاً في الابتعاد بالذات من الدفق الانفعالي المباشر، وقد يتجلى حضوره في نوع من الانفصال المعرفي‭.‬ الأمر الذي يتيح للمؤلف أن يتحدث عن نفسه كما لو كان غيره، وكما لو كان يتطلع إلى نفسه في المرآة، تتيح له معاينة إن لم تكن محايدة فهي قريبة من الحياد‭.‬ فإن السارد بضمير الغائب، كما يعبر شكري المبخوت، في كتابه “سيرة الغائب، سيرة الآتي” إذ يقول “فلا يوهم بالتطابق بل يؤكد حقيقة الانفصال بين من عاش ومن يكتب قصة حياته، ولكننا نجد في الآن نفسه، وفي باطن الكتّاب التطابق لأن من ينهض بأعباء الكلام هو نفسه الذي عاشها‭.‬ وسر هذه المراوحة بين التطابق وعدمه هو الضمير الغائب”‭.‬ وحصر المبخوت الوظائف التي يسمح بها ضمير الغائب في ثلاثة عناصر هي: التأمل (التبعيد الذي يخلقه السارد بضمير الغائب) والاختيار (لعبة التخفي الصارمة التي تنكشف أحياناً في مواطن التعليق من خلال الوظيفة الأيديولوجية) والتأويل (وظيفتا التأمل والاختيار تؤديان حتماً إلى التأويل، أما التأمل فهو مؤد إلى التأويل لأن النظر ما بعدياً إلى الأشياء والأحداث لا يقوم إلا على أساس من الربط بين المتفرقات تنكشف فيه دلالات لم تكن للأشياء والأحداث في أصلها)‭.‬

تتجسد العناصر الثلاثة في تعليق مارسيل بروست على روايته الأعظم وسيرته الخاصة “البحث عن الزمن المفقود” حيث يقول “وإن كنت قد سمحت لنفسي بالتدخل بهذا الشكل بين كتابي وقارئه، فما ذلك إلا لأن كل عنصر فيه إنما أمدتني به حساسيتي، ولأن أبسط جزء فيه قد بصرته به أولاً في أعماقي، دون أن أفهمه‭.‬ وقد وجدت مشقة كبيرة في تحويل تلك العناصر إلى شيء مفهوم، لأنها كانت غريبة عن دنيا العقل، كأنها -ماذا أقول- كأنها خاطر موسيقى‭.‬ وقد يبدو لكم هذا كله مجرد حذلقة، لكني أؤكد لكم -على العكس- أن هذه كلها حقائق‭.‬ إن الشيء الذي لا نحتاج إلى تفسيره لأنفسنا، الشيء الذي نجده واضحاً بذاته (كمفاهيم المنطق مثلاً) ليس ملكاً لنا حقاً، بل إننا لا يمكن أن نكون على ثقة بأنه هو الشيء الأصيل‭.‬ وذلك كله إلى جانب أن الصدق والحذلقة يظهران في الأسلوب على الفور‭.‬ إن المتعة التي يتيحها لنا الفنان، أنه يجعلنا نرى عالماً إضافياً”‭.‬


كاتب من مصر