التاريخ‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه

حرب‭ ‬الألفية‭ ‬بحلة‭ ‬شيعية‭ ‬وسنية‭ ‬وكردية

الجديد  هامان علي [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(34)]

لوحة: كيفورك مراد
توق الحرية الذي وصل سوريا كثورة سلمية، قابلها الإعلام العربي والأجنبي بتغطيات خاصة، دون إغفال الطابع المدني للحراك في بداياتها‭.‬

اليوم، تكاد التغطية الإعلامية البديلة، بعد مرور أكثر من أربعة أعوام، مجموعة أخبار وتقارير، عن حرب دائرة على الإرهاب، في جبهات سورية وعراقية‭.‬

لا شك أنها أكثر السيناريوهات بعدا عن مخيلة أيّ محتج، خرج في أولى المظاهرات، هاتفا للحرية والكرامة‭.‬

” سنّة أفغان يواجهون شيعة أفغانا على جبهات حلب‭.‬

الفشل على المستوى الجمعي لهذه المنطقة، في تكوين هويات وطنية جامعة، تجعل من التنوع الإثني والطائفي عامل إغناء وإضافة للهوية، هي إحدى أكثر العبر بلاغة، فيما كشفته ثورات الربيع العربي عن مجتمعاتها، دون أن نستطيع إغفال جانب كبير من مسؤولية الأنظمة المستبدة في ذلك‭.‬

على الميدان لم يعد هناك سوريون وعراقيون، هناك فقط شيعة وسنّة وكرد، بعد أن اضطرت بقية المكونات إلى التحالف مع أحد هذه المكونات الرئيسة‭.‬

خلال الفترة السابقة، أتاح كمّ وكيف الوقائع والأحداث والتطورات التي فاقت كل توقع، قياسا على حدوثها في أربع سنوات، الإمكانية لكل طرف فاعل، بناء سردية قابلة للتصديق، من قبل حاضنته على الأقل، ولا استثناء في ذلك، بما فيه نظام الأسد، الذي ظلت رواياته الأمنية عن الحراك السلمي، أشبه بالنكت تسري على كل لسان‭.‬

الآن الكل سائر نحو المزيد من التقوقع على نفسه، وأقرب إلى واقع القطيعة مع الآخر‭.‬ السرديات تفعل فعلها، وكل سردية شيعية سنية كانت أم كردية، تقوم على مظلومية في الحاضر، يتم ربطها بمظلومية تاريخية حتى تكسب بعدا أيديولوجيا، بينما تستحضر صورة نمطية عن آخرَ، لا يمكن الالتقاء به شريكا في الحاضر، بل خصما تاريخيا يمكن رؤيته من خلال فوهة البندقية وعلى الجبهات‭.‬ بهذا تكتسب السردية من واقع استنادها على أحداث راهنة وأخرى تاريخية، فاعليتها وقابليتها للتصديق‭.‬

الشيعة في العراق والعلويون في سوريا

لا يزال صدى الممارسات الاستبدادية لنظام صدام، قادرة على شحن الطائفة الشيعية في العراق، وجعلها أكثر تماسكا خلال الأزمات، وقد سهّل ظهور تنظيم الدولة (داعش)، من مهمة المراجع الراديكالية، في ربط الحيف الذي خلّفه نظام صدام، بالمظلومية التاريخية للحسين بن علي، هكذا تكتسب مسألة مواجهة التنظيم (السنّي) بعدا أيديولوجيا‭.‬ بينما يبدو أن تغاضي إدارة العبادي عن الانتهاكات التي تحدث في المناطق السنية من قبل الحشد الشعبي، مردّه الوعي بأن أمر مواجهة المؤدلجين لا يمكن أن يتمّ، إلا بأناس من نفس الشاكلة والعقلية‭.‬

في العراق أوصل البعث بقيادة صدام، العلاقة بين مكوناته إلى أسوأ حالاتها منذ إعلان قيامه كدولة‭.‬ أتى لاحقا المالكي وسقى ما زرعه صدام من بذور الخلاف بين المكونات، وبرعاية ودعم إيراني، وأمام أعين وأبصار الأميركيين، أتمها بحرب أهلية في آخر سنة من حكمه‭.‬ في حين أن ما حدث من استيلاء تنظيم الدولة (داعش) على مناطق واسعة من العراق، بعد توسّعه في مناطق السنة في سوريا، فتح باب التساؤل أكثر، عن السبب الحقيقي لتضييق هامش الاختيار أمام السنة، وحصره بين تنظيم الدولة (داعش) وجبهة النصرة وأشباههم‭.‬

ألم يتم هذا على حساب الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى حمل السلاح، ولم يكن يحملون مشاريع مؤدلجة في البدايات (سوريا مثال أوضح نموذجا)؟

تاريخ العراق بكل مجرياته، قبل زمن صدام (السني) إلى آخر أيام المالكي (الشيعي) يصب لصالح تعزيز دور المرجعية/ الحسينية بين الشيعة، وتعزيز دور الانتماء الطائفي/القبلي لدى السنّة، وزيادة ابتعاد الكرد عن الهمّ العراقي والالتفات بدورهم إلى المظلومية التاريخية الخاصة بهم‭.‬

وقد ظهرت فاعلية المرجعية لدى الشيعة في العراق، مع تحرّكها أثناء تهاوي الجيش العراقي أمام تمدد تنظيم الدولة، إذ أعلنت الفتوى التي أدت إلى تشكيل ما يسمى بالحشد الشعبي‭.‬

خلف الكواليس، استطاعت إيران أن تستنفر القوى الشيعية في المنطقة كاملة، بدأ من التنظيمات العراقية، إلى استيراد مقاتلين من الشيعة الأفغان وغيرهم، وانتهاءً بحزب الله اللبناني‭.‬ الشيعة اليوم بالرغم من وجود مرجعيات كمحمد حسن الأمين وصبحي الطفيلي (مؤسس حزب الله اللبناني) والمرجع العراقي محمود الصرخي وآخرين مشهود لهم بمناصرتهم للسنة ومظلوميتهم، إلا أن غالبيتهم باتوا (ينتصرون لإخوانهم) مستحضرين مظلومية الحسين، في وجه “أحفاد معاوية ويزيد”‭.‬

هم ليسوا فقط “يقاتلون بقايا صدام؛ الذي أذاقهم الأمرّين ممن تحولوا إلى دواعش” بل ماضون “بتكليف شرعي” في الانتصار لإحدى حلقات الصراع الطائفي الذي يرجع زمنيا إلى الحسين وعلي بني أبي طالب، فيما يعتقد بعضهم أنه ربما يكون (تمهيدا لنزول المهدي المنتظر)‭.‬

قبل قيام الثورة/التحوّل، وصلت العلاقات بين النظامين السوري والعراقي، حدّ خروج المالكي بنفسه متهما النظام السوري بالسعي لإفشال العملية السياسية في العراق، ودعم الإرهاب من بقايا البعث وغيرهم من المتطرفين‭.‬

حدث ذلك بعد أن شهدت العاصمة بغداد سلسلة تفجيرات، تعرضت فيها ثلاث وزارات عراقية إلى هجمات متزامنة‭.‬

بدأت العلاقة تتغير تدريجيا بعد الثورة، حتى وصلت إلى وئام حدّ دعم نظام الأسد بالمال والرجال في محنته غير المسبوقة‭.‬ راهنا الحصيلة النهائية لنتاج الفعل السياسي في المنطقة، كما التغطية الإعلامية والوجود العسكري الميداني، تكاد تلغي أيّ خصوصية لمقاربتي كلا النظامين السوري والعراقي لصالح سردية النظام الإيراني، خاصة وقد أصبح كلا الطرفين، يعملان تحت الإشراف والدعم الإيراني، وتنقّل قاسم سليماني ما بين جبهات سوريا والعراق‭.‬

النظام في العراق ليس إلا واجهة رسمية لا أكثر، فالشيعة العراقيون لديهم تنظيمات وأحزاب وتيارات متنوعة، كانت فيهم مرجعيات ترى أن لا ضير في الصلاة في الجامع خلف إمام سني، سعيا لإزالة الاحتقان الطائفي ذات يوم، وفيهم أيضا من أمثال قيس الخزعلي (عصائب أهل الحق) ممن تثير تصريحاته الكثير من الحساسيات لدى السنة والكرد على الدوام، لكن على خلاف الشيعة ليس للعلويين السوريين القدرة على مواجهة عائلة اختطفت مصيرهم وجعلته رهينة سياسات تصب نتيجتها في صالح أطراف خارجية‭.‬

ورغم أن المعارضين العلويين في سجون الأب، كانوا يفوقون عددا مناظريهم من أيّ مكوّن سوري آخر، كما أنّ رموز الثورة من الوجوه العلوية إبان بدايات الحراك السلمي، قد ساهمت في منحه بعدا وطنيا، نافية رواية الأسد حول الجماعات الإرهابية المسلحة‭.‬

إلا أن الطائفة مرغمة الآن، على خوض معركتها ضد “مئات الآلاف من الإرهابيين السوريين ممن لهم حاضنة”، وفق ما يقرّه لها الأسد الابن‭.‬ الآن لديه الكثير ممن يشبهون القاعدة في أطروحاتهم عدا جبهة النصرة، ولديه من يفوقون القاعدة في راديكاليتهم كتنظيم الدولة، وهي تكفيه كي يستشهد بهم لجمهوره العلوي ويقدم سردية متماسكة لجمهوره الممانع بل حتى للمجتمع الدولي أسير المصالح‭.‬

بداية تم استحضار (المعاناة العلوية) لسكان الجبال مع سكان المدن الساحلية (السنة) طوال عقود خلت، مع تضخيم صورة نمطية تجاه السنة، تعود إلى ما قبل استلام حافظ الأسد زمام السلطة في سوريا‭.‬

الصورة النمطية التي هي من الظواهر الاجتماعية الطبيعية، والتي تتبادلها المكونات المجتمعية في الجغرافية الواحدة، فيما يمكن تسميته بحساسية الجيران، إذ لا يذكر التاريخ وجود أيّ مجازر ارتكبت بحق العلويين من قبل السنة قبل ذلك، فالعلاقة لم تنحدر يوما إلى سويّة العِداء، حتى وإن اتسمت بالحساسية، ولم تكن على ما يرام في فترات كثيرة‭.‬

النظام تمكّن من فرض سرديته على حساب باقي الرؤى المناهضة له في الطائفة، وكيف لا وقد استطاع قبل ذلك أن يقصي بُدَلاءه على ساحة بلد بأكمله ويلغي الحياة السياسية فيه طوال عقود‭.‬

الآن لايزال النظام يردد سردية المؤامرة الكونية، في حين أن الشيفرة التي تضفي طابع القداسة على تعبئة أبناء الطائفة هي مقاتلة “بني أمية”، وربما باتت هناك المئات من المقاطع المسربة عن التعذيب والقصف “والانتصارات الأمنية والعسكرية”، ممّن تحوي مضامينها عبارات تحضّ على الانتقام والتشفّي من بني أمية وأحفادهم، في حين أن الواجهات السنية من قيادات النظام، هي من لزوم التغطية على استخدام الورقة الطائفية، والاحتفاظ بالديكور القديم الموحى بصورة مدنية علمانية تساير المزاج الغربي‭.‬

لكن من الواضح لأيّ متابع للشأن السوري خلال الثورة، أن لدى عائلة الأسد استعدادا للتضحية بالطائفة كلها، وتعريضها للإبادة، كرامة لأجل السلطة، هكذا كشفت السنوات الأربع الأخيرة، حصيلة شعارَي “إلى الأبد يا حافظ الأسد” الذي ظل يُردّدُ في عهد الأب و” الأسد أو نحرق البلد” الذي يَختِمُ عهد الابن‭.‬

إنّها خلاصة نصف قرن من حكم عائلة الأسد!

السنة في العراق وسوريا

في حين كانت بقية المكونات ترى في السنة حاضنة البعث الصدامي في العراق، كان السنّة يعتبرون أكثرهم ضحايا لبعث الأسد في سوريا، وفي حين تعود المظلومية السنية في العراق إلى 2003 سنة سقوط نظام صدام وبداية هيمنة إيران (رغم أنّ نظام صدام كان نظام حاكم فردي كما نظام الأسد، سخّر السنة وغيرهم لتأبيد حكمه)، إلا أنّ مظلوميتهم في سوريا تعود إلى ما قبل عام 1982 عام مجزرة حماة‭.‬

لكن كما شهدت سنوات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي انتهاكات بحق السنة، على جميع المستويات، خلفت قناعات لديهم، عن وجود نية انتقامية، تأتي استكمالا لسياسة استئصال البعث، وإقصاء الشخصيات السنية الشريكة في العملية السياسية، وجعل ما تبقى منها واجهة لتمرير مشاريع إقصائية تعزز التفرد في الحكم، وتخدم أجندة طائفية‭.‬ وإذا ما أضفنا اقتحام الجيش لساحات الاعتصام في الأنبار وما سبقها من انتهاكات (اغتصاب وتعذيب) ارتكبت بحق السجناء من الرجال والنساء في الكثير من السجون، فلا شك أنها تكفي لإيجاد حقد، يكفي لتغذية حرب أهلية لعشرات السنين‭.‬

هذا الفشل في تقديم صورة مغايرة عن صورة صدّام العالقة في الذاكرة العراقية، كان يهيئ أفضل المناخات لإيجاد حواضن للقاعدة بداية ومن ثمة لتنظيم الدولة لاحقا‭.‬

الأمر هذا ينسحب على وضع السنّة في سوريا وما خلفته السنوات الأربع من تدمير شامل لحواضر السنّة من الشمال إلى الجنوب، فإخراج نصف سكان البلاد من منازلهم بين نازح ومهجر، ووقوع العشرات من المجازر الممنهجة بحق المدنيين، قصفا بالغازات السامة وغيرها من الأسلحة المحرمة، كلّها دفعت بالمئات من النشطاء السوريين المدنيين، الذين لم يكونوا يجدون ضيرا في الاستنجاد بالأميركيين للتخلص من الأسد وعائلته، إلى أن يروا في التنظيمات الإسلامية على اختلاف تنويعاتها، من ينقذهم من الموت المنهمر مع البراميل المتفجرة وصواريخ السكود‭.‬

هكذا بتجاهل وصل حد التواطؤ على الثورة/التحول، ترك المجتمع الدولي بقيادة أميركا، السنة ضحايا مزدوجين للتطرف، مرة في تركهم ضحايا لعنف المتطرفين وأيديولوجيتهم، ومرة في تقديم صورة إعلامية توحي بأن المتطرفين هم من يمثلون السنة، الإقصاء كان مقصودا لكل تيار شخص أو فكرة كانت ترى في الثورة أملا بالانتقال نحو مستقبل مدني وديمقراطي، دون أن ننفي فعالية استراتيجية النظام في مواجهة الثورة، واستيرادها نماذج كجبهة النصرة وتنظيم الدولة من أفغانستان والعراق‭.‬

التغريبة السنية (في نسختها السورية والعراقية) تكفي أصحابها كي يتكوّروا حول طائفتهم كمظلومية لا تقلّ عما عانته الشيعة زمن صدام، وهي لا تقلّ عن المظلومية الكردية التي تمتد لقرن كامل من التهميش‭.‬

الكرد بين سوريا والعراق

طوال سنوات كانت جميع القوى السياسية الكردية في الدول الأربع التي يتوزّعون بينها، تُجمع على كونها نصيرة للقيم والثقافة الديمقراطية‭.‬

كانت ترى في حدوث أيّ تحوّل ديمقراطي في المنطقة، بداية قد تفتح آفاقا لحل قضيتهم أيضا، هكذا كانوا يوحون أنّ مصلحتهم لا يمكن فصلها عن مصلحة المنطقة، المحتاجة إلى تحوّل يضعها على أعتاب النهوض، وبالرغم من أن كثيرا من التنظيمات اختارت العمل المسلح فترات طويلة، إلا أنّه ولسنوات بدت لديهم قناعة شبهة راسخة، عن استحالة قيام دولة كردية على المدى المنظور حينها‭.‬

إن حالة انعدام الثقة الغالبة في أجواء الصراع، توحي أن الحرب الطاحنة بين المكونات، قد تؤدي في أسوأ الأحوال، إلى حالة من عدم الاستقرار يكون فيها الجميع خاسرا، خلا من يقفون خارج حلبة الصراع، ويتحكمون بمن هم في الداخل كبيادق في القتال

السؤال هذا كان يشغل بال معظم الشباب الكردي، مع وجود عقم في الأطروحات التي كانت تقدمها الجماعات الكردية في سوريا تحديدا، لكن الإجابة التي بدت لافتة هي تلك التي ذكرها أحد كوادر حزب العمال في دمشق عام 2002 في معرض إحدى زياراته لطلاب المدينة الجامعية، إذ فسر حينها استحالة قيام دولة كوردية، في كون المطالبة بالحقوق الكردية في دولتين عربيتين هما سوريا والعراق، يستدعي استعداء أو إرضاء سوريا والعراق ومن ورائهما 22 دولة عربية، في حين أنّ المطالبة من تركيا وإيران تستدعي استعداء أو إرضاء كلتا الدولتين ومن ورائهما حلف الناتو وجميع العالم الإسلامي‭.‬ علاوة أنّ الدول الأربع هذه تختلف فيما بينها ولكنها ولأسباب استراتيجية، تتفق على الورقة الكردية عندما يحين الجدّ، ما يعني عمليا أن قيام دولة كردستان، يتطلب استعداء أو إرضاء للعالم بشرقه وغربه وهو أمر يستحيل حصوله في هذه الظروف والمعطيات‭.‬

ما لم يتخيّله الكرد هو حدوث معجزة (بعد قيام الثورة)، جعلت ما كان مستحيلا قبل أربع سنوات أمرا ممكنا وقابلا للتحقيق في المدى المنظور‭.‬ فبدت القوى الرئيسية الكردية المسيطرة على الساحة الكردية في سوريا والعراق، تتصرف ببراغماتية أكثر، وتتحاشى الانزلاق -كما ادعت- بالوقوف مع أيّ من الطرفين السني أو الشيعي (بعد استعار الصراع الطائفي) وكأنّها السردية التي اختارتها لها في مواجهة التحول الذي لم يتخيلوا حدوثه كغيرهم‭.‬

فالبارزانيون كتيّار لهم امتدادهم لدى كرد سوريا، هم في نظر السنة (العراقيين)، ليسوا إلا عملاء للأميركيين، في حين يرى البارزانيون، أن التعاون مع الشيطان دائما كان خيارا مفروضا عليهم زمن صدام، الذي أذاقهم مرارة، لم يَخبِروها عبر تاريخ العلاقة بين الكرد والعرب، كما أنه مفروض عليهم الآن في زمن “أحفاده الدواعش”‭.‬

بينما تيار أوجلان الذي يعتبر في نظر الكثيرين من مناصري الثورة “الحليف التقليدي لإيران وروسيا ومن ثمة لنظام الأسد”؛ لا يمكنهم أن يجدوا أنفسهم إلا في الخانة المقابلة للأتراك، وحجّتهم في ذلك أن الأتراك ركبوا موجة الثورة، متبنين مشروعا إخوانيا، بغية تحقيق مكاسب سلطانية‭.‬

ورغم وجود اختلافات جذرية بين توجه كلا التيارين، من حيث أن طموح الدولة القومية هو منتهى الأهداف، لدى الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، في حين يرى تيار حزب العمال الكردستاني، بزعامة عبدالله أوجلان، أن زمن الدولة القومية قد ولّى، والبديل الأمثل حاليا، يتجسد في مفهوم أو نظرية “الأمة الديمقراطية”، النموذج الذي يجب أن يعمّ الشرق الأوسط برمته، عبر تطبيق إدارات ذاتية ديمقراطية‭.‬

إلا أنّ تهديد تنظيم الدولة لهم ومهاجمتها لمناطقهم (كوباني وشنكال/سنجار)، جعل من أمر التعاون بينهم أمرا لا مفرّ منه، دون أن ننسى أن إرثا من الصراعات المريرة بينهما في فترة التسعينات، شكل ضغطا متزايدا عليهم من أجل التعاون‭.‬

الكردي البسيط الذي كان يعاني من أزمة هوية بين قوميته المهمشة، وبين انتمائه الوطنيّ الهشّ، ربما شعر بهويته السورية مع بدايات الثورة، وصار يعمل من أجل وطن يتشارك فيه مع بقية السوريين، الآن صار أمر حسم الانتماء إلى القومية أكثر يسرا عليه، بعد ظهور داعش والنصرة وتقاسمهما واجهة الصراع الدائر مع الحلف الشيعي العلوي، خاصة بعد مهاجمتهم لمناطقهم، الآن لدى الكرد صورهم النمطية تجاه الآخرين السنة والشيعة، ولديهم مظلوميتهم التاريخية أيضا، وهم يرون أنها فرصة لا يمكنها أن تتكرر في ظل فشل الدول الوطنية في المنطقة، وعجزها عن كسب ولائهم‭.‬

الكرد الذين قُدّموا طوال عقود في الإعلام البعثي خاصة والعربي عامة من خلال صورة نمطية، “كانفصالي، عميل لليهود والأميركان” يبدون أكثر الأطراف استفادة حتى الآن من التطورات التي تلت الثورة السورية، لكن الأمر يبدو مرهونا ببقاء الأطراف الدولية الكبرى إلى جانبهم، وهم من تجاهلوا معاناتهم طوال قرن خلا‭.‬

ماذا لو استمر الصراع عقدا آخر؟

بالرغم من وقوع تحوّلين هامّين على الساحة الدولية والإقليمية في الفترة الماضية، تجليّا في الاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1، وبِدء “عاصفة الحزم” على خلفية بناء تحالف سنّي ( قطري-تركي-سعودي)، إلا أنّ كليهما يحملان احتمالات التصعيد في المنطقة بقدر ما يحملان من احتمالات الانفراج، وقد سبق أن مرّت مناسبات عدة طوال السنوات الماضية، كان يبدو فيها اقتراب الحسم والانتهاء من الصراع في الساحة السورية، إلا أن ردة فعل الدول الغربية، كانت تأتي على النقيض مما كان يتوقع وعلى حساب دماء وآلام الشعوب المسحوقة، وليس استخدام السلاح الكيميائي من قبل نظام الأسد إلا واحدة من تلك المناسبات، حيث كشفت حجم النفاق في السياسة الدولية، لذا من المؤكد أن المقاربة الغربية تجاه هذين التحولين، ستكون مجددا هي ذاتها المستندة على أساس المصالح فقط، وعوض أن تتجه المنطقة إلى التوافق بين مختلف القوى المتصارعة على الأرض، قد يتركها الغرب في أتون الصراع عدة سنوات أخرى‭.‬

إن استمرار الحرب بين مكونات المنطقة لعشرات السنين، ليس سوى استنزاف لجميع الأطراف المحلية والإقليمية‭.‬ لأنها ستضطر إلى وضع جميع مقدّراتها في خدمة المجهود العسكري، وفي ظل حالة من عدم الاستقرار أو الاستقرار الهش الذي قد يسود، تُرى مَنْ مِنَ الأطراف سيكون ضامنا الوصول إلى أهدافه رغم أنف الآخرين؟ الإيرانيون، الأتراك الكرد، السنة، أم الشيعة؟ وهل يمكن أن يفوز طرف أو طرفان على حساب الآخرين؟

هنا سؤال آخر ينتظر الإجابة، هل من إمكانية للقضاء على التهديد العالمي لداعش الذي بدأ ينتشر فكريا بشكل غير مسبوق قبل انتشاره عسكريا؟ ويكفي أن نتوقف أمام التطور الذي شهده ما يسمى (بالمد الجهادي) بين 2001، عام إعلان أميركا حربها على الإرهاب، إذ كان محصورا في أفغانستان وحدها ومثّلته القاعدة ونظام طالبان فقط، وبين ما وصلت إليه الحال عام 2015‭.‬ وكيف أن تنظيم الدولة جيل ما بعد القاعدة قد ظهر‭.‬ وترى كيف سيكون جيل ما بعد داعش؟ وقد أصبح معلوما أن التنظيم يسارع إلى إعداد جيل من الأطفال وفق عقيدته منذ ما يقارب السنتين‭.‬

ضمن هذا المعطيات، وبعد مرور عدة سنوات أخرى، هل صحيح أن هزيمة داعش ستكون ممكنة حقا، إذا ما أراد الغرب والعالم حقيقة مواجهته؟

إن حالة انعدام الثقة الغالبة في أجواء الصراع، توحي أن الحرب الطاحنة بين المكونات، قد تؤدي في أسوأ الأحوال، إلى حالة من عدم الاستقرار يكون فيها الجميع خاسرا، خلا من يقفون خارج حلبة الصراع، ويتحكمون بمن هم في الداخل كبيادق في القتال، بينما في أحسن الأحوال، قد تؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار في المنطقة، لكن مع بقاء مكوناتها وشعوبها تحت الهيمنة الغربية، بالأمس كان الكرد هم الضحايا، بينما ضحايا اليوم هم السنّة، في حين أن الشيعة الذين تستخدمهم إيران أوراقا بيدها، ليسوا إلا وقوداً آخر لحروب بالوكالة‭.‬

هل من أمل في بداية جديدة؟

بالنظر إلى واقع الحال في منطقتنا، ووجود أنظمة ذات طموحات امبراطورية، كنظام الملالي و النظام التركي -الأخف وطأة- إضافة إلى وجود إسرائيل التي لا تبدو أنها تقف متفرجة في ظل هذه الفرصة السانحة تاريخيا، يبدو أن المنطقة مقبلة على حال مشابهة، لما مرت به أوروبا من تجارب مريرة، لكن هل يمكن أن ننتهي إلى ما انتهت إليه من حال غير مسبوقة في التعاون بين شعوبها؟

فقبل أن ينجح الغرب في تقديم الاتحاد الأوروبي كنموذج وسابقة في تاريخ الإنسانية، لم يكن تاريخهم إلا سلسلة من الحروب المتعاقبة والعداوات المستمرة، الحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت ظلت مستمرة لمدة 131 سنة بين عامي (1517 – 1648 م)، في حين سبقتها حربٌ أخرى بين فرنسا وإنكلترا (دامت 116 سنةَ مِنْ 1337 إلى 1453م) ، فيما عرفت لاحقا بحرب المئة عام، ليس هذا فحسب بل إن حربين عالميتين جرتا بفارق 21 عاما بين انتهاء الأولى وبداية الثانية، كانت أوروبا المسرح الرئيس لهما، وقد خلفتا ما يزيد عن 80 مليون قتيل، بما يفوق عدد سكان حوالي ثلاثين دولة من أوروبا الحالية‭.‬

من هنا وبالنظر إلى حجم العداوات التي كانت سائدة بين الأمم الاوروبية، قبل التفكير في بناء اتحاد كونفدرالي، لا شك أنه يفوق أيّ عداوات وأحقاد وجدت بين شعوب وطوائف هذه المنطقة‭.‬

لكن وفق واقع منطقتنا الحالي، وحالة انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة، إضافة إلى التدخل الخارجي في توجيه دفة الصراع، توحي المعطيات أن السرديات هذه ستعيد إنتاج نسخها المتجددة، لسنوات أخرى قادمة‭.‬

الآن لسان حال الكثير ممن يعتبرون (مثقفين صحفيين وكتاب) من مختلف الطوائف والقوميات يقول “أنا أكرههم إذن أنا موجود”، وأيّ دعوة يُلتمس فيها نفس إنساني أو توافقي، تصب في خانة الحديث الطوباوي، هذا إن لم يكن في خانة شق الصف والعمالة والارتزاق، ففي أتون الصراع الدائر حاليا، كلّ الأصوات الوسطية غير المزايدة عليها أن تنزوي، إذن لا صوت يعلو أزيز الرصاص، ولا صوت المعركة‭.‬

سيحمل القادم لهذه الشعوب التي خرجت ذات يوم تلتمس طريق حريتها، خلاصا من مستبدّيها المحليين، ولو بعد حين، لكن يبدو أن الإنسان في هذه البقعة من العالم، لن يستطيع القبض على مصيره وحريته، دون التحرر من سطوة الغرب والنظام الدولي، المتشدق بالحرية وحقوق الإنسان‭.‬


كاتب من سوريا