عراقي‭ ‬من‭ ‬بغداد.. المعماري‭ ‬محمد‭ ‬مكية سيرة‭ ‬وأثر

كانت بغداد في العقد الثاني من القرن العشرين، الذي شهد ولادة المعمار محمد مكيَّة، لا تتميز بشيء يفصلها عن القرون الخوالي، فكل شيء كما هو مثلما كان في حاضرة العباسيين بغداد آنذاك، من أدب ألف ليلة وليلة، وتنوع السُّفن التي تمخر في ماء دجلة، وكثرة الحمامات يفوق بغداد العشرينات بكثير‭.‬ بمعنى وسائل المواصلات ومرافق المنازل وحتى طُرق التعليم وأساليبه ومواده نفسها، كتاتيب وتعليم يغلب عليه الطَّابع الدِّيني‭.‬ يُحسب محمد مكيَّة على الجيل المخضرم، قبل التكنولوجيا وما بعدها في بداياتها وقفزاتها العجيبة‭.‬ عاش التخلف والحداثة بكل التفاصيل، فقد حمل في ذاكرته العربة التي يجرها الحمار وسفره فيها إلى خارج بغداد، بينما شهد جلوس حفيده إلى شاشة الكمبيوتر، شارحاً له كيفية استعمال الإنترنت، فظل يحاول شخصياً تعلم ذلك، ولكن مع كل الجهود لم يفلح في ذلك، أتذكر أخبرته عن عجائب “غوغل”، وأخذته من يده لأريه تلك العجيبة، بأنه كل شيء يعرف، لا تُخفى عنه ذرة‭.‬ فقال لي: وهل يعرفني؟ قلت نعم سيعرفك‭.‬ لكنني لم أجد المفاجأة، فوضع اسم مكيَّة في البحث، فظهرت لي “السور المكيَّة” مِن القرآن، فنظر لي نظرة فيها شيء من الِّشك والرِّيبة، ولم ينتظر كي أكتب اسمه كاملاً‭.‬ كان مع خاله وهو دون العاشرة، متفوقاً عليه بالقراءة والكتابة، يسجل له ديون الزبائن في خرطوش دكانه، ويقرأ لوالدته دفتر الزيارات والأدعية الدينية، وتعلم مِن والدته التَّسامح الديني، عندما كان تبعثه لمساعدة جيرانهم مِن اليهود في يوم السَّبت، في تنظيف وإيقاد فانوسهم، لأنه دينياً لا يعملون أيّ شيء صغر أو كبر‭.‬

الجديد  رشيد الخيُّون [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(104)]

المعماري محمد مكية
البداية بأصبابيغ الآل

ولد المعمار محمد مكيَّة بمحلة أصبابيغ الآل، حيث مركز بغداد العباسي، وفتحت عينه والمحلة زاهية بعلاقاتها الاجتماعية، وبنسيجها المعماري ذي الإرث العباسي، شهدت لقرون من الزمن دار الخلافة العباسية، والشاهد على ذلك مسجدها، مسجد الخلفاء، ومئذنته، التي عرفت فيما بعد بمئذنة سوق الغزل، بعد أن اشتهرت المحلة بمهنة الغزل والنسيج‭.‬ والصخور العريضة التي كان يعثر عليها سكان المحلة، عند بئر أو أساس بناء، وعند صخرة عبّاسية توقف معول خاله عن الحركة، فكانت مساحتها كبيرة، فلم يتمكن من قهرها‭.‬

كان يوم ميلاده مكيَّة العاشر من محرم (1914)- هناك مَن يقول (1961)- وآنذاك كان البريطانيون أتموا احتلال البصرة وزحفوا على بغداد‭.‬ وبأثر ولادته في يوم عاشوراء، وهو الابن الثَّاني بعد شقيقه الطبيب عبدالعزيز مكيَّة، نذرته والدته أن يشترك في موكب العزاء، مع ضاربي الزناجيل الأطفال، نفذت والدته نذرها وكان عمره أربع سنوات، يسير مع كوكبة الأطفال وحاملي الرايات‭.‬

دخل المدرسة الابتدائية الهاشمية، وهي فرع من المدرسة الحسينية، وسط بغداد، بعد أن تعلم شيئاً يسيراً من والدته، التي كانت لا تجيد غير قراءة القرآن‭.‬ وبعد التعلم بالمدرسة أخذ يساعدها في تعليم بنات المحلة، ساعده في ذلك صغر سنه الذي لا يثير الشبهات آنذاك تجاه النِّساء‭.‬ لكن حدث أن رفضه النِّساء عندما كان يرافق والدته إلى الحمام‭.‬ فقد انتفضن يومها بوجهها احتجاجاً على وجوده بينهنَّ، دون أن يدرك شيئاً من أجسادهن، وبعد معركة لسانية حادة، امتنعت والدته عن مصاحبته إلى حمام النساء، فحينها تنبه إلى الحلال والحرام ما يراه وما يجب أن لا يراه مِن النِّساء‭.‬ فشرع يرافق خاله إلى الحمام، ملا عبود الذَّراع، يسير معه فجراً مع سماع صوت المؤذن حاملاً أدوات الحمام‭.‬ أما والده صالح مكيَّة فقد توفي دون أن يدركه الابن، لذا تولى أمر نشأته والدته وخاله‭.‬

كادت حياته المهنية تتغير لولا معلم، ومفتش اللغة الإنكليزية فيما بعد، سليم حكيم، الذي أخذ الدكتوراه وهو في الثانية والسبعين من العمر بلندن، وكان على معرفة بخاله، فأنّبه على جلوسه معه بالدكان طوال الوقت ولم يدخل المدرسة، فالخال أخرجه من المدرسة بسبب مشادة بينه وبين المعلم، الذي حصل أن ضربه دون وجه حق‭.‬

البعثة التي غيرت مساره

عاد إلى المدرسة وأنهى الدراسة دون توقف حتى تخرج مِن الثَّانوية‭.‬ بعد التخرج وقف محمد مكيَّة متردداً بين الدُّخول في كلية الطب أو هندسة النفط، ومع قبوله في كلية الطب التي سبقه إليها شقيقه عبدالعزيز، وكانت عيادته أول عيادة بمحلتهم أصبابيغ الآل، قدم على منحة دراسية إلى خارج العراق، وبعد مقابلة عاجلة مع وزير المعارف صادق البصام انضم إلى أول دفعة دراسية كبيرة (1935)، بعثتها الحكومة العراقية إلى أوروبا، سبقه إليها عدد من الطلبة، الذين غدوا مِن الكبار في الدولة العراقية، مِن أمثال عبدالرحمن البزاز (ت 1973)، وجواد علي (ت 1987)، وعبدالأمير علاوي (ت 1998)، وعبدالكريم الأزري (ت 2010)، وعبدالغني الدَّلي (ت 2010) وغيرهم‭.‬ وساعدهم الشَّخصية الوطنية المعروفة جعفر أبو التمن (ت 1945)، مدير غرفة التجارة، في الحصول على كفلاء‭.‬ فالطالب الذي يقبل بالبعثة الدراسية لا بد أن يكون له كفيل‭.‬ لكن أبا التمن قال: أنتم كثيرون وأنا واحد، لذا اقترح عليهم أن يذهبوا إلى سوق “الصفافير” ويأتوا بمن يعرفونهم، وسرعان ما ينتسبون إلى غرفة التجارة، كي يتمكنوا مِن الكفالة، حسب القانون آنذاك، وفعلاً حدث ذلك، وانطلق شباب ذلك الزَّمن إلى الدول الأوروبية، وكانت بريطانيا مِن حصة مكيَّة وزملاء آخرين له‭.‬

تصوير: حسين السكافي

كان السفر يثير الشعور بالفراق والغربة، بكل ما فيهما من ألم وحزن، والعالم كان متباعداً، فالسفر آنذاك إلى خارج بغداد مغامرة فكيف به إلى خارج العراق؟ كان المسافرون أمام تجربة جديدة، فلندن التي يسمعون بها من أخبار الراديو سيعيشون فيها، ويدرسون في جامعاتها وبلسان غير لسانهم العربي‭.‬ ثم ماذا عن الحياة مع الإنكليز وكيف ستكون علاقاتهم مع النساء، وكيف يستعلمون أدوات الطعام من ملاعق وشوكات وغيرها، وهم لم يعرفوها مِن قَبل‭.‬

كل هذه الأسئلة كانت تدور في رؤوسهم وهم في سفينة شامبيلون، التي شقت عباب البحر من بيروت إلى مارسيليا، ثم ركبوا القطار ونزلوا في محطة فكتوريا وسط لندن‭.‬ ليس لمكيّة، ولا لغيره مِن زملاء البعثة الدِّراسية، تجربة مع الإنكليز سابقة، غير الصفعة التي صفعه بها الجندي البريطاني، وكان يومها في السوق يساعد خاله، لكن هذه الذكرى محاها الانفتاح على المجتمع البريطاني، والتعلم منه، والتعرف من جامعاته على فلسفته الإسلامية والشرقية بشكل عام، بعد أن تخرجوا من الثانوية متخلفين عن الركب‭.‬

اجتاز محمد مكيَّة مرحلة دراسة اللغة، ومعادلة الشهادة المطلوبة، وكانت مهمة صعبة، حتى تأهل إلى دخول جامعة ليفربول -كلية الهندسة المعمارية-، ففاز بتصميم لكنيسة، على أترابه مسيحيي بريطانيا‭.‬ كان وراء ذلك سخرية أحد الأساتذة غير المباشرة، وكأنه أراد أن يقول له: ماذا تريد أن تعمل بأوروبا، وهو القادم من بلاد متخلفة نسبة إلى بريطانيا ورقيها في المدنية والعلوم؟ كانت مفاجأة ليس له فقط بل لكل زملاء مكية وللأستاذ نفسه‭.‬ تجول بين قرى الريف الإنكليزي على الدراجة الهوائية، رافقته آنذاك صديقته مارغريت، التي أصبحت زوجته وأمّ ولده كنعان وابنته هند، وقضى معها ستين عاماً حتى وفاته (2010)‭.‬ عاش مكيَّة ظروف الحرب العالمية الثانية بكل تفاصيلها، حزنا على أصدقاء وزملاء بريطانيين قد قتلوا فيها، فظروف الحرب حتمت قطع دراستهم ومشاركتهم فيها‭.‬

يسارية بلا حزبية

كان الجدال حامياً بين اليسار والفاشية آنذاك، فتأثر مكيَّة بأساتذة يساريين، سمع حواراتهم، قرأ نشراتهم وصحفهم، كان وحتى وفاته يميل إلى اليسار في مواجهة جبروت الرأسمالية، هكذا كان يعبّر عنها، يسارية عامة بلا عقيدة وتنظيم حزبي‭.‬ فما كان يتمناه لليسار العراقي أن يستنبط تعاليمه من بيئته التاريخية، ففي سومر وبابل تجربة بشرية هائلة، كان لها أن تحيا لو تعلمها الأحفاد وأصروا على استنباطها من جديد‭.‬ لكنه تعرّف على سومر بابل من جامعات الغرب وليس العرب، فلم تحفل تلك الحضارة الرائدة بالاهتمام اللائق داخل العراق، قبل مغادرة مكية إلى الدِّراسة‭.‬ كنت أسمع مِن مكيّة العبارة التالية كثيراً “هل لليسار الآن أن يجدد نفسه ويزيل التخلف العالق به، وينتقد المركزية التي قتلت تجربته التاريخية، ليظهر منها يساراً جديداً”؟ بطبيعة الحال ليس لديَّ جواب، واليسار أيضاً ليس لديه جواب على استفسار محمد مكيَّة‭.‬

أكمل مكيَّة الدراسة العليا في جامعة كمبردج العام (1946)، وبعد جولات شراء من المكتبات البريطانية، لنفائس الكتب القديمة عاد بها إلى العراق عبر مصر، وكان السفر من القاهرة بطائرة صغيرة لا تتسع لأكثر من خمسة عشر راكباً‭.‬ لم ينس محمد مكية أن الفنان العراقي الأصيل حضيري أبو عزيز(1972)، أحد الركاب في الطَّائرة‭.‬

بعد العودة

بعد سنوات الدراسة الطَّويلة وصل مكية مطار بغداد القديم، وكانت العائلة في استقباله وعليهم علامات الحزن العميق، وبعد سؤاله عن الخبر قالوا: توفي عمه الحاج مجيد مكيّة، مات بالقدس وهو حاج، يوم كان الحج إليها مسموحاً، وكان صديقاً وصهراً للشاعر الشعبي ملا عبود الكرخي (ت 1946)، وكثيراً ما جلس معهما خلال أول إجازة له من الدراسة‭.‬ لم يشهد تغييراً على والدته، فهو بالنسبة إليها ذلك الطَّفل المدلل، على الرغم أن عمره تجاوز الثلاثين، وصار يحمل شهادة الدكتوراه! فما إن جلس إلى جوارها وهم في طريقهم إلى بيت شقيقه عبدالعزيز، أخرجت من جيبها عرموطة (كمثرة)، وطلبت منه أكلها بإلحاح، تصرفها هذا معه عندما كان في الصف الأول الابتدائي واستمر على هذا المنوال حتى تخرج مِن الدكتوراه‭.‬

وجد محمد مكيَّة، بعد عودته مِن الدراسة، بغداد قد تغيرت كثيراً (1935-1946)، ولكن هذا التغير لم يكن لائقاً لبغداد ألف ليلة وليلة، وحاضنة دجلة الأبدية، حسب تصور المعمار مكيَّة بعد أن صار مختصاً بتخطيط المدن والعمارة‭.‬ لقد شقوا الشوارع ذات الاستقامة الساذجة على حساب المحلات والأماكن الأثرية‭.‬ يرى أنه كان للشوارع أن تتعامد مع دجلة، والمنازل تستظل بالنَّخيل، والنخلة تلك الشجرة المباركة، وهي علامة العراق الفارقة‭.‬ فالعراق سمّي بأرض السواد لكثرة نخيله‭.‬

لا وظيفة للدكتور العِمارة

شهادة الدكتوراه عائقاً في توظيفه، فالبلد لم يرتق بعد كي يستوعب شهادات دكتوراه في الهندسة المعمارية، هذا ما قاله المسؤولون لمحمد مكيّة عندما تقدم بطلب الوظيفة في إحدى دوائر الدَّولة‭.‬ قدم شهادته إلى دوائر عديدة، كان يعتقد أنها ستهتم وفق تخصصه وشهادته، في مجال التخطيط والاستشارات الهندسية، بالحصول على الدرجة الوظيفة المعادلة المناسبة‭.‬

من تلك الدوائر كانت أمانة العاصمة، ووزارة الأشغال والتخطيط‭.‬ لجأت أخيراً، مضطراً، إلى وساطة أحد أصدقاء عمي مجيد مكية إلى أرشد العمري (ت 1978)، وكان رئيساً للوزراء حينها، وقد حدد له موعداً لمقابلته‭.‬ كانت المقابلة مفاجئة، فالرجل كان يتكلّم بعصبية وتعنّت، ولم يُشر يدعوه بالجلوس‭.‬ تكلم معه وهو يتجول في مكتبه ومكيّة واقف يسمع لومه على شهادة الدكتوراه! لماذا الدكتوراه، وهل هناك ضرورة لها في بلدنا؟ وأردف قائلاً: بعد عودتكم من الدكتوراه تتعالون‭.‬ ثم عاد إلى الطاولة وطلب وزير المعارف بالتلفون، فأمر بتوقيف بعثات الدكتوراه في المستقبل‭.‬ قال مكية “رأيته حائراً في تعييني، فأمانة العاصمة رفضت ذلك، لكنه ذكر مديرية البلديات التابعة لوزارة الداخلية حينذاك، وفيها قسم مسح المدن، وتخصصي تخطيط مدن، سمي فيما بعد بقسم التخطيط، وكان مديرها العام عبدالرزاق شكارة، وانتهى الأمر بتعييني في تلك الدائرة”‭.‬

تغريب بغداد عن إرثها

جامع الخلفاء في بغداد

يقول المعمار مكيَّة في أرشد العمري “يتحمل مسؤولية، في مجال تشويه بغداد العمراني، وعدم اهتمامه بالحفاظ على المعالم الأثرية‭.‬ فمما يُذكر كان العمري مهندساً من خريجي جامعة إسطنبول، ومن المراكز الحساسة التي احتلها أميناً لأمانة بغداد، بعد أن أشرف على تأسيسها‭.‬ وكان وراء إصدار عدة قوانين سرّعت في تشويه معالم بغداد التاريخية، ومن تلك القوانين كان قانون البلديات‭.‬ فبموجب ذلك القانون قسمت الأراضي إلى عرصات، وفرض أن تكون مساحة المنازل 600 متر مربع، وأخرى 300 متر مربع، وفرض قانوناً يقضي ببعد البناء عن الجوانب مسافة أربعة أمتار‭.‬ وبهذا قضى قضاءً مبرماً على فكرة البيت البغدادي التقليدي، بما فيه فكرة الفناء الوسطي‭.‬ فبموجب ذلك، أصبح المنزل “فلة” قائما بذاته، وله أربع واجهات‭.‬ كذلك للعمري دور في استقامة الشوارع، وتهديم ما يعترض تلك الاستقامة من محلات أو بوابات قديمة، أو أيّ معلم أثري‭.‬ فمن تخريبه للمعالم الحضارية قطع جامع مرجان، حتى يمتد شارع الرشيد باستقامة ساذجة، وكان ذلك الجامع من الآثار العريقة ببغداد، كما يتحمل مسؤولية تخريب بوابة باب المعظم، التي هدمت من أجل امتداد الشارع بالمنطقة”‭.‬

حصل صاحبنا على وظيفة في مديرية البلديات، وأصبح على رأس مؤسسة، من المفروض أن تكون مسؤولة عن تخطيط وتنظيم المدن العراقية كافة‭.‬ لكن الواقع كانت دائرة لا حول لها ولا قوة، فمهامها أقل من اسمها بكثير، وهي مجرد دائرة لحفظ الخرائط، وأخذ موافقة وزارة الدَّاخلية من متصرفيات الألوية‭.‬ هذا كل ما تقوم به من مهام، بل دائرة لتقديم الاقتراحات، ولا تلزم أحدا بتنفيذها‭.‬

التقى الموظف الجديد، وحامل الدكتوراه في العمارة، مدير البلديات، فسلمني مهام رئيس قسم التخطيط والتنظيم‭.‬ فأراد أن يكون التخطيط من اختصاص الإدارة المحلية، في كل لواء، بعيداً عن هيمنة متصرف اللواء، والمركز ببغداد، فمكيّة حمل مِن بريطانيا فكرة اللامركزية، لكن هذا لا يمكنه التحقيق في ظل مركزية كانت قاهرة‭.‬ ساعده في قبول الحال بدائرة البلديات تقلص نفوذ مدير البلديات العام برضائه، وفي هذا خفت عليه وطأة مسؤولية المرؤوس أمام الرئيس، بينما في دوائر أخرى قد تأخذ تلك الحالة الحيز الأكبر من اهتمام الموظف‭.‬ ومن خلال موقعه في قسم التخطيط والتنظيم البلدي قام برحلة إلى المدن الجنوبية، لعله يستطيع عمل شيء ما في تلك المدن بالتنسيق مع المتصرفين، ورؤساء البلديات، بما تسمح فيه حدود وظيفته، ولكن العقبات كانت أكثر منه، فمن اقتراحاته التي رفضت كان الحزام الأخضر حول بغداد، ولم يتمكن من فرض شجرة النخيل إلا في عهد عبدالكريم قاسم (قتل1963)، الذي أصدر قانوناً يمنع فيه قطع هذه الشجرة لأيّ سبب كان‭.‬

تمكن محمد مكيَّة، بعد تأسيسه لقسم العمارة في جامعة بغداد (1959)، من تحقيق بعض الطموحات والأماني، ولعلَّ ذلك خفف بعض الشيء من الإحساس بالإحباط والفشل في العمل مع الدولة، الذي واجهته في الوظيفة السابقة‭.‬ بعد قرار فتح القسم المعماري، اقترح فتح أقسام فرعية لتدريس طلبة المعمار علوما أُخرى، كان يرى ضرورة تدريسها إضافة لدراسة العمارة‭.‬

فالمفروض بمعمار المستقبل أن يحقق في تصميم وتخطيط مشاريعه الجمالية والإنسانية؛ وتوافق ذلك في المكان والزمان‭.‬ فالتنمية الاقتصادية، والظروف الاجتماعية والجغرافية، والفن والخط جميعها مجالات محيطة بعمل المعماري‭.‬ وبعد مناقشات مستفيضة واعتراضات، تمكن من فرض تدريس العلوم التالية، بمعدل ساعتين في الأسبوع لكل علم: التصوير الفوتوغرافي، والجغرافيا، وعلم الاجتماع، والسيراميك، والوثائق، وقسم الخط العربي‭.‬

من المهام التي شكلت هاجساً فترة ما بعد عودته إلى بغداد، الحفاظ على شاطئ دجلة، وتطويره لكي يأخذ مكانته الجغرافية بالنسبة إلى مدينة بغداد‭.‬ في هذا المجال حاول الاستفادة من المعارف والممارسات التي كسبها خلال فترة الدراسة في جامعتي ليفربول وكمبردج، ومنها طريقة العمل الجماعي، لكن طريقة العمل الفردي كانت سائدة في كل المجالات‭.‬ يعتقد محمد مكيَّة أن ذلك انعكاس للمركزية الصارمة التي تُدار فيها أمور المجتمع‭.‬

بعد عرض تصورات ومحاولات المعمار بغدادي الأصل والنشأة والهوى محمد مكيَّة؛ ظل شاطئ دجلة معرضاً لعشوائية البناء، فالسكن على دجلة من قبل مقتصراً على بيوتات معينة، إضافة إلى أن امتداده داخل المدينة محاطاً بسياج يصعب اختراقه لتنظيم مشاريع حيوية فيه‭.‬ فحسب مكية، بهذه الطريقة وغيرها تغربت بغداد عن واديها الخصيب، ولم تُعد هناك شرائع ترسي فيها قوارب، تشعر من وجودها أن بغداد قطعة من دجلة، ودجلة كذلك، وأن الطرق ظلت موازية للنهر، وكان الأنسب أن تتعامد معه، مات مكية (19 تموز/يوليو2015)، وهو يعلن أسفه ويبث ألمه فالرفض كان مصير كل فكرة خيّرة في العهود كافة‭.‬

ثلاثية العمارة

لا أتذكر حديثاً للمعمار محمد مكيَّة، عن فن العِمارة، ولم يقل فيه عبارته الملازمة للسانه “الإنسان والزَّمان والمكان”، وأخرى مرادفة “الواقع والمحتمل”‭.‬ هذا بحدود عشرتي الدَّائمة له لنحو اثنين وعشرين عاماً، يقولهما ملازمتين لبدء وختم أحاديثه، فلا قيمة لعمارة لا تأخذ الإنسان بنظر الاعتبار ناهيك عن المكان والزَّمان‭.‬

حاول مكيَّة الرَّد على مَن يصفه بالماضوي، بانحيازه لتعامد البيئة ضمن تراثها الاجتماعي والعمراني، وأخذ تطور الزَّمن بنظر الاعتبار وما يتوفر للإنسان مِن فسحة للراحة والانسجام مع العمارة، ولكثرة ما اصطدم بالواقع اعترف أن آماله تبقى محتملة التحقق لكن على يد جيلٍ آخر، يريد القول: هذا ما أريده وما لا سعة لي على تحقيقه فليبق محتملاً‭.‬

رحل المعمار محمد مكيَّة (1914-2015)، بعد أن عاش قرناً مِن الزَّمان بين قرنين، العشرين والحادي والعشرين، وحتى لحظته الأخيرة عندما يتحدث عن آماله كأنه سيعيش لتحقيقها، سمعته كثيراً، وقُبيل وفاته، معجباً بمخيلة الشَّاعر عمر بن كلثوم (584 ميلادية) صاحب المعلقة الشَّهيرة، وقد حفظ مستهلها مِن أيام المدرسة في العشرينات “ أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا… وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِينَـا/ مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا… إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِينَـا“‭.‬

كان يردده ويُثني على خيال الشَّاعر، وكيف دخل مِن هذا المستهل إلى قصيدة ذات عمران فني عندما وصف الجبال كجبل باليمامة “فَأَعْرَضَتِ اليَمَامَةُ وَاشْمَخَـرَّتْ/ كَأَسْيَـافٍ بِأَيْـدِي مُصْلِتِينَـا”‭.‬ وعندما أُذكّره بأن صاحب ذلك المستهل المعجب به، هو القائل ما لا تعجب “إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ/تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِدينَـا”! قال ذلك لزمانه‭.‬ كان بقصيدة الشِّعر العصماء بالعمارة العصماء أيضاً، فعندما التقى بمحمد مهدي الجواهري (العام 1967) خلال تدشين مشروع جامعة الكوفة، الذي قُوض بعد انقلاب 17 تموز 1968، قال له “أنا أنحت الحروف وأنت تنحت الحجر”، ومنها ظل مكية يقرن العمارة بالقصيدة‭.

الجامع الكبير في مسقط

كان يخطط لما بعد خمسين عاماً، أو مئة عام، أهمّ ما عنده أن يترك رسماً على ورق، قبل أن يرحل، وعندما فاجأته بالقول كي يستريح مِن هم لا طائل منه “أنت على ما يبدو لا تعرف أو تتخيل ما يجري بالعراق وببغداد بالذات، هناك حوادث فظيعة لا تسمح لتصوراتك أن تتحقق، فأنت مشرق ومنَ بيده الأمر مغرب، و”شتان بين مشرق ومغرب”! كان يرد عليَّ بأن ما يحصل دورة زمانية ستنتهي بشخوصها وحوادثها، ولا بد مِن التهيئة لما بعدها، فإذا دار الزَّمن دورته سيأتي جيل جديد، لا بُد أن يجد مخططاً أو تصميماً يعتمد عليه‭.‬

يتخيل مكيَّة بغداد العباسية، بما قرأه وسمعه، مِن مجد تليد، لا يحسبه بحساب رجل الدِّين أو رجل السياسة، إنما بحساب واقعها المعماري وما يمخر في ماء دجلة آنذاك مِن أنواع السُّفن، وما رسمه يحيى بن محمود الواسطي (القرنان السَّادس والسَّابع الهجريان)، لأجواء اجتماعية وعمرانية، فتراه يلهج باسم الفيلسوف الكندي (ت 256هـ)، والرَّسام الواسطي على أنهما مجد بغداد، وعندما يتحدث عن بغداد لا ينسى أنها ذلك الرِّيف القديم، والامتداد البابلي، قبل أن يُشيد على كرخها أبو جعفر المنصور (ت 158هـ) دار حكمه المدورة، ثم تنتقل الخلافة إلى الرَّصافة، فتجمع بغداد عبر شاطئي دجلة‭.‬

شهادة للجادرجي

ترك مكية أثراً في الهندسة المعمارية، بالمزج بين التراث المحلي والعصرنة، فمثله لا يوافق على تشييد عمارة على طراز روماني ببغداد أو نجد مثلاً، ولا يستخدم بيئة الأهوار في الصحراء ولا الصحراء في الأهوار، هنا يأتي التزامه بثلاثية “الإنسان والمكان والزَّمان”‭.‬ فالمكان عنده لا يخضع لرغبة المعمار أو الحاكم بقدر خضوعه للمكان قبل كلّ شيء‭.‬

ربَّما ستقولون ما لك أنت والعِمارة كي تقيم محمد مكيّة، وتتحدث عن جمعه بين الإنسان والمكان والزَّمان؟ هنا آتي برأي معمار جليل آخر، حفلت بغداد بفنه المعماري وثقافته، إنه رفعت الجادرجي، يقول في مكيَّة «إذا أقدمنا على تقييم محمد مكيّة، بكونه معماراً عراقياً طليعياً أسس طرازاً معيناً في العمارة الحديثة، وسعى عن طريق هذا الطراز في ابتكار شكل معماري يعبر عن هوية جديدة إلى مجتمع معاصر عراقي، إضافة إلى كونه أستاذاً معمارياً متميزاً ومؤسس (الكوفة كاليري)، الذي أصبح المركز الثقافي العراقي الوحيد خارج العراق، خلال حقبة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، واكتفينا بهذا، نكون قد أهملنا دور محمد مكيّة في تكوين العراق المعاصر»‭.‬

لم يكن محمد مكيّة ورفعت الجادرجي معمارين فحسب، بل لهما دورهما في الثَّقافة والفن العراقيين، ومساهمان فاعلان بنهضة العراق الحضارية في الخمسينات وعقد الستينات، كانا على صلات وثقى بالفنانين‭.‬ وهناك ما يشغلهما من حاضر بغداد المعماري، وما حصل من تشويهات لخطط بغداد العريقة، وهما على حد مَنْ وصف صاحبي النقائض جرير والفرزدق: غارف من بحر وناحت من صخر‭.‬ لكنهما لا يجدان حيلة في التَّأثير، فالأبنية المشوهة أخذت تُغرس في الأرض كأشواك، وقد تقاربا ساحلا دجلة ويكادان ينطبقان لشحت الماء، حتى أخذ يجري، في أحيان، كالخيط بينهما‭.‬

همَّ مكيَّة ومثله الجادرجي، كمعمارين وفنانين، أن يعطيا رأيهما في العَلم العراقي، وسرعان مَا كُتب ضد الجادرجي لأنه جعل العلم أزرق اللَّون، وراح خيال المتهمين أنه مقترن بالعلم الإسرائيلي وكأن إسرائيل احتكرت اللَّون الأزرق، وهو لون ماء دجلة والفرات، وهل للماء لون آخر، غير ما يعكسه المساء عليه؟ أما مكيَّة فمِن رأيه، لا مانع لديه ما ينقشونه على العَلم مِن عبارات، وليكن خطها مجرة إيماءة، بمعنى أن يرسمها رسام قادر على توصيل الفكرة وستر الحرف‭.‬

رحل محمد مكية وهو القائل قُبيل وفاته وما سجلته له “عراقيتي عنيفة”! قلت وما تقصد بعنيفة؟! قال “حب العراق، وها أنا أراه ينحدر لا أعلم إلى أين”، وذرف دمعة‭.‬ صحيح أن عمره تجاوز المئة، ولا بد مِن نهاية، لكنَّ وجدي عليه كان مضاعفاً، فهو بالنسبة إليّ، والحاجة إليه في زمن عراقي لا يعوض الكبار ببديل، كما قال عبدة بن الطَّبيب (ت 25 هـ) في كبير زمانه قيس بن عاصم المنقري (ت 20هـ) “فما كان قيسُ هُلكه هُلكَ واحدٍ/ ولكنَّه بنيان قوم تهدَّما” (كتاب الأغاني).


‬باحث‭ ‬عراقي‭ ‬في‭ ‬التُّراث‭ ‬والفلسفة‭ ‬الإسلاميين