قراءة‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬“قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬الربيع“‭ ‬لأحمد‭ ‬إسماعيل‭ ‬إسماعيل

عالج السوريّ أحمد إسماعيل إسماعيل في مسرحيته “قبل أن يأتي الربيع″ المؤلّفة من فصل واحد، والمنشورة في مجلّة “الجديد” اللندنيّة عدد آب 2015، بعض السبل التي انتهجتها الأنظمة المستبدّة في إركاع الشعوب وتفتيتها، ودفعها إلى التباغض وزرع بذور الشقاق بين أهمّ الأركان المؤسّسة للمجتمع، ألا وهو ركن الأسرة‭.‬

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(118)]

لوحة: رباب نمر
يستهل بتقديم تصوّر للمكان الذي يعكس بساطة الأسرة وفقرها، حيث الزوجان مروان وسلمى يعيشان في شقة متواضعة، ذات أثاث بسيط‭.‬ يحرّك رنين جرس الهاتف المتأخّر سكون المكان، ويبدّد هدوءه، أو ينزع ذاك الهدوء ويتسبّب في كثير من الشروخ التالية، كما يُمرئي وقائع سابقة أدّت إلى نسف البنية الأسريّة لكثير من الأسر‭.‬

ترتعد سلمى وهي تتلقّى المكالمة، حيث صوت الطرف الآخر غير مسموع، في الوقت الذي يكون تأثيره جليّاً بطريقة دراميّة، فهناك صيغة الأمر، وطريقة إيصال الرسالة الشفهيّة المتضمّنة طلباً واضحاً بمراجعة زوجها مروان شكري لفرع الأمن، والدعوة كالعادة تكون بصيغة تكون مرعبة للأسرة، وباعثة على التفكير في أحداث حياتها والمواقف التي تعرّضت لها في الفترات الأخيرة، وعلاقاتها مع غيرها، وصولاً إلى الشكّ بأقرب المقرّبين، واتّهامهم بالوشاية والعمالة‭.‬

استحضار الوشاية هو الحجر الذي يحرّك مياه حياة مروان الهامشية، وتكون الوشاية سبيلاً من سبل الإيقاع بالآخرين من قبل الأجهزة المخابراتيّة، وهي أجهزة لا تتورّع عن اقتراف ممارسات تكون مثار هزء وتندّر من قبل الناس، لكنّها واقعيّة في الوقت نفسه، وتسبّب الأذى والأسى لكثيرين‭.‬

“كل شيء جائز، لقد أفسد هؤلاء كلَّ شيء: علاقات القرابة والصداقة وحتى الحب”‭.‬ تطلق سلمى جملتها، وتكتم حنقها وغيظها ممّا يتعرّض له زوجها من ضغط نفسيّ يكاد يفقده توازنه وتعقّله، وتخفي جانباً ممّا تمارسه من سلوكيّات وتصرّفات أوصلتها إليها الأجهزة القمعيّة نفسها بوسائلها الخبيثة‭.‬

يبرز المسرحيّ أنّ التسلّل إلى أحلام الناس كان أحد الأساليب التي تلجأ إليها الأجهزة القمعيّة، وتراه يستند إلى قصص واقعية وحكايات تناهت إلى أسماع كثيرين في دول الاستبداد والطغيان، من قولبة للأفكار، ومنع للأحلام، وفرض رقابة عليها، حيث يكره الحالم نفسه إن حلم بحلم مناهض للنظام، ويكون ذاك الحلم تهمة يعاقَب عليها، حتّى وإن افترض أنّه يكره حلمه، أو أقسم بذلك، إلّا أنّه يظلّ متّهماً به، ومُعاقَبَاً عليه‭.‬

يؤكّد بطل المسرحية مروان لزوجته سلمى أنّ الدخول إلى أحلامه ليس مستحيلاً كما تظنّ، ويخبرها أنّه “لا يوجد المستحيل إلا في قاموس المجانين، هذا ما قاله نابليون، ولو كان مواطناً في هذا البلد؛ لقال: وهنا‭.‬ في هذا البلد أيضاً”‭.‬ لذلك تراه يهيّئ نفسه للإذلال الذي سيتعرّض له في الفرع على يدي “المعلّم” في دعوته لما وصفه بأنّه فنجان شاي أو قهوة، كما كان متداولاً حين دعوة أحدهم للتحقيق معه في تهمة ما، ولا يهمّ إن كانت ملفّقة أو حقيقيّة، لأنّ القانون الساري في عرف المخابرات هو أنّ المواطن مُدان حتّى ولو أثبت العكس‭.‬

تمتزج الكوميديا بالتراجيديا، عبر سرد حادثة مثيرة للضحك في الحالة الطبيعيّة، وباعثة على الأسى في حالة المجتمع الخاضع لسلطة استبداد فتّاك، وذلك حين يحكي مروان حكاية معلّم شاهد حلماً تدخل فيه القوات الأجنبية إلى البلد وتسقط تمثال الرئيس على غرار ما حدث في البلد المجاور‭..‬ وفي الصباح همس بما شاهده في الحلم لأحد زملائه المدرسين‭.‬ ليصل الخبر إلى المخابرات التي استدعته للتحقيق وعاقبته على حلمه “الخطير”، الذي لم تعدم وسيلة لتأويله بأنّه يعكس رغبة صاحبه الضمنيّة‭.‬

يبرز الكاتب أنّ النظام المستبدّ يوصل شعبه إلى مستنقع الأحقاد والانتقام، وذلك من خلال استنطاق بطل المسرحية وبوحه لزوجته برغبة تجتاحه في الوقوف أمام رئيس الفرع، أو أمام أيّ عنصر أمني عادي ويقول “إنّكم يا سيدي طائفيون، وأنكم فرقتم بين الناس على أسس طائفية وعرقية‭.‬ وما كان عليكم كمُّ الأفواه بهذا الشكل ونهب البلاد والعباد‭..‬”‭.‬

يتدرّج الكاتب في تصوير نسف بنية الأسرة، عبر سلسلة من الممارسات التي تدفع إليها من باب الترغيب والترهيب، فسلمى زوجة المعلم الفقير تسعى لتحسين أوضاعها المادّية، وتنغمس في طريق الفساد، تبدأ بنقل قطعة مخدرات إلى بيت في الحي المجاور لحيّهم، ثمّ تندفع بعمى وجنون وراء بريق المال الخدّاع، ثمّ الرضوخ للابتزاز الجنسيّ واستغلال الجسد لبثّ إفساد أكثر في المحيط الاجتماعيّ‭.‬

تندفع بطلة المسرحية بصرخة القهر والندم والأسى، وهي صرخة الرفض للواقع الذي وجدت نفسها مكبّلة به، ومنقادة إليه، تقرّر الاعتراف لزوجها بكلّ شيء عمّا تعرّضت له واقترفته، من كذب وخداع وخيانة‭.‬ وتكون صرختها التالية التي تولّدها مفاجأة اكتشافها بمعرفة زوجها بممارساتها، وعدم قدرته على مواجهتها، وانهياره حين المكاشفة، وإقراره بأنّه لم يكن يصدّقها‭.‬

يظهر الكاتب أنّ التعهير كان سلوكاً قذراً تلجأ إليه الأجهزة المخابراتيّة في نسفها بنية المجتمع، ولا تقف في دورة التعهير عن حدّ، بل تسعى إلى نقل الفيروس من أسرة لأخرى، وإيهام المحافظين على مبادئهم وأخلاقهم وقيمهم أنّهم على باطل، وأنّ العالم تغيّر وعليهم أن يسايروه بتغيير أنفسهم أيضاً بما يناسب المتغيّرات الحاصلة‭.‬

تبلغ الأحداث ذروتها في إقدام بطل المسرحية على خنق زوجته، بعد أن يطوّق رقبتها بيديه، يضغط عليها بعنف وقوة، وهو يصيح بهستيرية “نامي، نامي إلى الأبد‭..‬ فنوم الفاسق فضيلة‭..‬ نامي إلى الأبد‭..‬ نامي‭..‬ نامي أيتها الفاسقة”‭.‬ ليجلس بعدها باكياً حياته وواقعه وماضيه ومستقبله، متسائلاً نادباً “وأنا، مَن سيجعلني أنام؟”‭.‬

الهاتف الذي يلحّ في الرنين بداية، يتوقّف عن الرنين في النهاية، ومروان القلق المذعور يتخلّص من وساوسه ومخاوفه، يحرّر نفسه، وإن كان بإقدامه على جريمة خنق زوجته، وكأنّه بذلك ينتقم لنفسه وأسرته وحيّه ومجتمعه‭.‬ ويعكس الهاتف رمزيّة معيّنة في الربط والتحبيك، كوسيلة اتّصال، وضغط، وقهر، بعيداً عن أيّ اطمئنان منشود‭.‬

يشير إسماعيل إلى أنّ كلّ ما كان يجري من جرائم سرّعت بالثورة، ودفعت إليها دفعاً، وأجبرت المهادنين والصامتين الذين بدوا للسلطة مذعنين مستسلمين منهزمين، على تغيير أحوالهم، وتحدّي الجرائم المقترفة بحقّهم، وإن كان يحمل قسوة تكون وسيلة انتقام من الذات والآخر في لعبة الزمن‭.‬

عنوان المسرحية “قبل أن يأتي الربيع″ يحيل إلى ممهّدات الربيع، والاستحقاقات التي فرضتها الوقائع والمستجدّات، وكيف أنّ الإنسان يصل إلى نقطة ينزع فيها ثياب الرضوخ والجبن ليعلن بدء تحريره من رعبه، ويبدأ بعدها رحلة التخلّص من أقنعة الهزيمة وأردية التعهير‭.‬

تحمل النهاية المختارة تحذيراً بدورها، وصرخة لا تقلّ وجعاً عن الصرخة الأولى في المسرحيّة، وهي صرخة التغيير التي تبدأ بالخنق والقتل، وهي تنذر بالكثير من الخراب في الوقت الذي تزعم البحث عن المداواة والبناء والأمل‭.‬ ويفترض البحث عن أسئلة من قبيل “هل أتى الربيع؟”‭..‬ “هل مضى الربيع‭..‬؟”‭.‬ “أيّ ربيع سيأتي‭..‬؟”‭.‬ “هل يكون ربيع القتل والتصفية والانتقام أم ربيع التطهّر من الاستبداد وموبقاته التي سمّم بها المجتمعات‭..‬؟

لا يخلو نصّ المسرحيّة من مباشرة في النهاية، عبر التصريح بما لجأت إليه البطلة من تصرّفات شائنة، وهي كانت عبارة عن استغلال الأجهزة القمعية لنقاط الضعف في الشخصية والتسلّل من خلالها إفساد حياة الأسرة، وتعكير صفوها، واستدراج بعضهنّ إلى فخاخ العهر والابتزاز، ليكون الجسد المستباح أحد سبل استباحة المجتمع برمّته، والتنكيل به في مسعى للمحافظة على أمن النظام المعادي للشعب‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا