الإسلاميون‭ ‬والثقافة

“لماذا لا نجد مثل هذا الحشد الكبير في فعالياتنا الثقافية التي تقيمها الوزارة في غزة؟” سؤال قامت بطرحه فتاة على زميلها العامل بوزارة الثقافة بغزة، حيث أن معظم المثقفين يرفضون/يخافون التعامل مع المؤسسة الرسمية المتمثلة في وزارة الثقافة بعد وصول حركة حماس لسدة الحكم في الأراضي الفلسطينية وسيطرتها على قطاع غزة‭.‬

الجديد  يسري الغول [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(132)]

لوحة: كيفورك مراد
هذا التساؤل يطرق جدران الخزان في ماهية العلاقة بين الثقافة والإخوان المسلمين، وهي أكثر الحركات الإسلامية بروزاً، وأكثرها اعتدالاً أيضاً. وعليه، كان من الواجب في هذه المرحلة التي تعيشها المنطقة العربية والإسلامية الإجابة عن ذلك التساؤل القديم الجديد: الإسلاميون والثقافة، أين وكيف ومتى يلتقيان؟ ورغم صعوبة الخوض في مثل هذا الموضوع الشائك في ظل محاولات تلك المؤسسة اليوم احتواء المثقفين بكافة توجهاتهم في قطاع غزة وبناء أرضية من التفاهم والحوار، وهو ما يتعارض في كثير من الأحيان مع رؤية تنظيم جماعة الإخوان وفروعها، الأمر الذي يخلق حالة من اللبس لدى الجمهور.

إن الحديث عن الإسلاميين والثقافة لا بد أن يتم من خلال حسم الموضوع أولاً تجاه الحركات المتشددة التي لا ترى في الثقافة إلا ما نزل من القرآن ودعّمته السنة وما دون ذلك فهو فاحش القول والفعل، ثم تقسيم الإسلاميين المؤمنين بالثقافة كجماعة الإخوان المسلمين وأقطابها إلى قسمين: جيل قديم وجيل جديد، حيث خرج من رحم تلك الجماعة جيل آخر جديد يخالف ما يؤمن به الشيوخ والعجائز، خصوصاً بعد خروج الأمة العربية من قمقم الجاهلية الإلكتروني إلى رحابة العولمة والإعلام الاجتماعي ووسائل التواصل الاجتماعي التي لم تترك باباً إلا وقامت باختراقه والعبث بمحتوياته أيضاً.

الجيل القديم الذي يعيش حالة من الانغلاق ولا يقبل بالخروج من الصندوق وتفهّم الآخر لأنه حسب معتقدهم شر كثير، يواجه بجيل جديد يعتقد أن الحكمة ضالة المؤمن في كل مكان وزمان، لذلك فهو مخوّل بالأحقية أينما وجدها حتى لو كانت في كتب لينين وماركس وهيجل ونيتشه. وهذا هو ما صنع فجوة بين جيلين داخل إطار واحد، أو بين بيئة وبيئة وبلد وآخر. ولذلك فإن الجيل القديم الذي يصدِّر كتباً وأفكاراً عفا على كثير منها الزمن ثم يناقشها من منظار بعض مفكري تلك الجماعة، لم يعد مقنعاً لجيل أخذ الإعلام الاجتماعي بيده نحو بحور وأنهار حرية الفكر والثقافة، وسافر وطاف بلدان العالم المختلفة مما عمل على صناعة فجوة بين القيادة المترهلة وجيل الشباب الواعد.

وقد يقول أحدهم: إن هناك فجوة بين الحمائم والصقور في كل جيل، وهو قول محمود، ولكن يغلب على الجيل الأول فكر الصقور بينما تغلب الحمائمية على الأجيال الجديدة. وهذا ما يجعل الحديث عن الإسلاميين يدفع بصعوبة التصنيف. ولكن شتان بين جيل عاش بين أفكار قطب والبنا والراشد والقرضاوي وفتحي يكن وسعيد حوّى، وجيل يعيش اليوم بين كتب وأفكار مالك بن نبي وخالص جلبي وعبدالفتاح مورو وعدنان إبراهيم وغيرهم الكثير. جيل قديم لا يثق بالآخر فيمنع القراءة عنه أو له، ويحرّم الخوض في كتبه كما فعل النبي مع عمر في قصة قراءته للتوراة، وجيل لا يخاف الخوض في غمار الفكر والمعرفة أيّا كان صاحبها، ودخول الكنيسة أيضاً وليس فقط قراءة التوراة. ولذلك فهناك حالة صدام خفي بين الإسلاميين والإسلاميين أنفسهم في مجال الفكر والثقافة قبل أن تكون هناك حالة صدام بين الإسلاميين وغيرهم من أصحاب الفكر الليبرالي أو الاشتراكي أو غيرها من المبادئ والأفكار.

وبالعودة إلى مشاركة الجمهور الكبير للفعاليات الثقافية التي تشرف عليها المؤسسات غير الإسلامية، فإن الإجابة تكمن في الثقة. هل يثق المجتمع بالإسلاميين؟ هل هناك من يروّعهم ويلبس عليهم رؤاهم؟ وماذا عن الصراع بين الأفكار والمذاهب في المنطقة العربية؟ إضافة إلى أسئلة كثيرة لا حصر لها.

إن الجيل القديم والصقور يحاولون السيطرة على المؤسسة الثقافية من خلال جنود يتبعون ويدينون بالولاء لهم، رغم أنهم مضطرون لوضع شخصيات مقبولة ووازنة على رأس المؤسسة الثقافية مما يدفع بحالة شيزوفرينيا داخل المؤسسة ذاتها. الجيل الجديد رغم تبعيته إلا أنه ليس متشنجاً، يحاول الإمساك بالعصا من الوسط وإعادة الثقة للشارع بديمقراطية الإسلاميين وتقبلهم للفنون والآداب، فيجابه مرة أخرى بالقيادة المتشددة من جهة، والتشويه من أصحاب الفكر والأيديولوجيات التي تخالف المشروع الإسلاموي.

ولعل سؤال الشارع: هل يقبل الإسلاميون الأدب أو السينما أو المسرح الذي يقوم على وصف الحالة الإنسانية؟ هل سيكون هناك سينما في غزة مثلاً؟ ما هي المسرحيات والأفلام التي سيتم عرضها أو التي تنال موافقة من المؤسسة الرسمية؟

التطرف في الخوض في العلاقات الإنسانية قد يكون مقبولاً من الجيل الجديد، لكنه مرفوض تماماً لدى جيل يعتبره جزءا من الإباحية التي تسعى لتمزيق المجتمع وانفلاشه. فكيف بالإسلاميين أن يحشدوا جمهوراً يؤمن بالحرية بلا تابوهات أو محرمات على سلوكياته التي نختلف في مدى حرمتها من عدمه. فالغناء حرام عند الجماعة وربما تتم محاسبة الموظف على ذلك، ثم السلام على الأجنبية باليد أو الحديث مع الموظفة جريمة في العمل المؤسّسي الذي تحكمه تلك الجماعات جريمة، مما يدفع بحالة توتر لدى من يعيش داخل أي مؤسسة يحكمها إسلامي. ولذلك فإن جمهور النقاب واللحية يختلف عن جمهور الموضة والبحث عن الأناقة والممارسة غير المقيدة بدين أو تقاليد مجتمعية.

للأسف، معظم الحركات الإسلامية تنظر للمثقف على أنه مجرد أداة لتنفيذ سياسة القائد وشرعنتها بالقرآن والسنة والمأثور من السير، وما دون ذلك فهو مرجف وحرام عقابه جهنم وبئس المصير. ولذلك فالمؤسسة الثقافية لا قيمة لها عند جمهور الحركات الإسلامية، وهذا ما عمل على حالة الجفاء بين الجمهور وبين مجتمع المثقفين، رغم كل محاولات الجيل الجديد أو الحمائم بإعادة توجيه البوصلة نحو مشروع أسلمة الثقافة أو على الأقل إلباسها ثوب الحشمة بما يتناسب مع العادات والتقاليد التي يرفض المثقف كثيرا منها ويتمنى الانقلاب عليها في أيّ لحظة.

الإسلاميون يريدون مثقفين يؤمنون بما يقوله القائد، لا ما يستجلبه من خبراته في السفر والكتب والمعرفة. وعليه فإن على الإسلاميين أن يكونوا صادقين مع أنفسهم: هل هم قادرون على تقبل الآخر بما هو عليه من ثقافة يسارية أو ليبرالية مثلاً؟ أم أنهم يرغبون في العيش في جلباب الطائفة المنصورة وما دونهم من طائفة (كلهم في النار).

ختاماً، فإن هناك صراعا خفيا أيضاً بين الإسلاميين وغيرهم، يحاول فيه أعداء الإسلام السياسي تسويق الأخطاء بدلاً من التعاون من أجل النهضة والحضارة وصناعة الرأي والرأي الآخر وتقبل التنوع والاندماج في مجتمعات تؤمن بالحرية.

الإسلاميون الجدد بحاجة لإقناع الآخر أنهم يؤمنون بالحرية والعمل بدأب من أجل تحقيق ذلك، وعليهم أن يفهموا جيداً من أن القبول لن يكون سهلاً، لأن غيرهم من أصحاب الأفكار التي تتغنى بالديمقراطية أكثر تطرفاً نحو الدكتاتورية.


كاتب من فلسطين