أن‭ ‬يكون‭ ‬الشاعر ضمير‭ ‬عصره‮ ‬

الجديد  حسام الدين محمد [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(142)]

يقدم اللمف الذي دعت إليه "الجديد" عن “مهمات الشاعر في اللحظة الراهنة”، فرصة ممتازة لفتح نقاش مرير حول “مهام الشاعر”؛ نقاش يستعيد قضايا الالتزام والحرية ودعاوى الواقعية الاشتراكية و”الفن للفن” وغيرها، أما “انشغال الشاعر بلحظة الجريمة العالمية” فيستدعي بدوره مسألة انشغالات الشاعر وأين تتموضع في علاقته مع العالم وموقعه في إحداثياته، كما يستدعي الملف أيضا أسئلة عن انشغالات الشاعر في مراحل الاهتزاز الكبرى التي يعيشها العالم (من قبيل التساؤل عن حال من يرى فيما يحصل “جريمة عالمية” بل يعتبرها، مثلاً، حرباً مجيدة للمقاومة والممانعة ضد حلف “الامبريالية” و”التكفيريين؟)"

هكذا يطرح الملف، ضمناً، مهام كبيرة على الشاعر، من قبيل كونه “ضمير عصره” وكونه “الجندي الأول في معركة الحرية”، وهي مهام كافية لينوء حاملوها بها، فهي تكاد تشبه الرسالات التي تتنزل على مقاس أنبياء وقديسين وأبطال، في انحناء نحو سياقات ابتعد عنها جمهور كبير من الشعراء العرب منذ عقود‭.‬ سؤال ناجز كهذا، يحمل في بواطنه، ما يناقض (أو يحاكم) تاريخ ومآلات وطيدة للشعر العربي الحديث‭.‬

سيتجنّب جوابنا هنا، كي لا يغدو مبحثاً في فلسفة الشعر وتاريخه، كل هذه الإشكاليات المفتوحة ويتقبّل، مع الملفّ، فرضية وجود مهام للشاعر بالعلاقة مع ما يحصل في اللحظة الراهنة‭.‬

ما أراه شخصياً، في زمن تتحطم فيه الطبقات “التاكتونية” للأرض (بمعاني الاجتماع والاقتصاد والسياسة والفكر) ونشهد صعود هذه اللحظة القيامية الهائلة، إن الشاعر، والإنسان عموماً، مطالب بأن يحافظ، أولا، على بوصلته الأخلاقية، وأن يحميها من أثقال الأيديولوجيا، بأشكالها السياسية والدينية، فدون هذه الريشة الأكثر رهافة من السيف لن يكون الشاعر غير جلاد مقنّع بقناع الضحية، أو ضحيّة جعلتها غرائز الانتقام قادرة على أن تصبح جلادا‭.‬

أؤمن في أعماقي، أن على الشاعر، أن يجتاز امتحان الإنسانية كي يكون شاعرا، وهو لا يستطيع، في روعي، أن يقف في منتصفات الطرق، ولا يمكنه أن يرى إلى الصراعات الحاصلة من فوق، معتبراً إيّاها “سرديّات” تتصادم، فبوصلة الشاعر الإنسانية والأخلاقية، يفترض أن تجعله، في صف المضطهدين والمقموعين ومنتهكي الحقوق المذلولين، على اليابسة وفي البحر، وإلا فالأولى أن يكون مجرماً‭.‬

لكن هنا، ينفتح السؤال ويتحوّل إلى مسألة‭.‬

هنا تصبح الافتراضات كلها على المحك ويصبح الواقع أكثر تعقيداً بحيث يغدو فعل الإدانة نافلاً ومثيراً للسخرية‭.‬

هنا تنطحن ريشة الأخلاق والإنسانية تحت مسننات وعتلات الفكر الخام المدجج بالأيديولوجيا والطائفية، وندخل، في هاوية أسئلة التاريخ ‭(‬أو ما قبل التاريخ، كما اقترح طيب تيزيني في عدد سابق من “الجديد”‭)‬، وهنا ترتفع ورطة وجودية أسّها، اصطفاف شعراء ونقاد وكتاب، مع الطاغية وضد الشعوب‭.‬

وإذا كان وجود مثقفين يستهويهم الوقوف مع الدكتاتور أو الطغيان، شائعا في كل الثقافات، فقد كنا نعتقد أن المؤثرين منهم في دعم الاستبداد كانوا أقلية يشار إلى أسمائها بالبنان، كحال عزرا باوند أو سيلين أو سلفادور دالي، أما أن نرى موجة طامة منهم بين المثقفين العرب فتلك ظاهرة لا تقلّ تأثيراً في مسؤوليتها عن الخراب الكبير الحاصل عن إجرام المستبدين أنفسهم‭.‬

ولكن ماذا عن “مثقفين” من طراز ماو تسي تونغ وستالين (وحتى الفنان التشكيلي الفاشل هتلر) وهم مسؤولون عن إبادة الملايين، ألا يسخرون من تصوراتنا عن رهافة المثقف ويدفعوننا للاقتناع بأنه الأكثر قدرة على الإجرام بكثير من السياسي العادي؟

ضمن هذا السياق يمكن للاصطفافات الفلسفية والمنطقية أن تتبلور ويصبح ممكنا أن نقرأ ونسمع ونرى (ونفهم؟) “الشاعر” الذي يواجه كل هذا الهولوكوست المفتوح برطانة التبرير، وتجميل الطغاة “المنتخبين” وفلسفة الجريمة‭..‬ وهو “الشاعر الكبير” نفسه الذي يُسأل عن موت مئات الأطفال بالسلاح الكيميائي فلا يسعده النطق بغير القول إن الفكر سلاح كيميائي أيضاً (فكر الأطفال الشهداء طبعاً)، وفي اعتقادي أن هذا الشاعر أكثر خطورة بكثير من السياسيّ، لأنه يقدّم للدكتاتور، الإطار النظري والفكري لـ”الحل النهائي” لإنهاء “التخلف” العربي والقضاء على “الرجعية” الإسلامية التي تمثّل حواضنها الشعبية “الثابت” المؤبد فيما أن حواضن الدكتاتور الشعبية تمثل “المتحوّل” الذي يحيل العالم فردوساً طوبوياً (أو جحيماً من أشلاء وجثث محروقة).

يطرح الملف أيضا أسئلة لا تقل تعقيدا عن تمييز الشاعر صوته وموقفه عن بقية اللاعبين باللغة والكتابة والتعبير، وهو أمر يرتبط، مجدداً، بتموضع الشاعر في واقعه، وبعلاقته الشائكة مع لغته (وهي، مع العربية بالذات، إحدى المعضلات التي تؤرّق الشاعر)، ومع كينونته الثقافية، داخل اللغة وخارجها، والتي تستمد نسغها من حبل السرّة الموصول بجسده الأهلي (ثقافيا) وثقافته العامة المفتوحة على أركان الأرض‭.‬

لعل العقلانيّ في تميّز الصوت (مقابل اللاشعوري) يتعلّق برؤية الشاعر إلى نفسه‭:‬ هل هو وسيط روحيّ ناطق “عن الهوى” (رسول مصغّر)؟ أم أن علاقته مع اللغة والشعر من طبيعة “شامانية” وسحرية؟ هل هو صائد لفراشات الكلمات ولاعب بالمعاني متصيّد لها؟

قد لا ينشغل شعراء كثر أصلا بوعي وفلسفة معنى علاقتهم بالشعر، والأغلب أن ينهمك بعضهم بالتفتيش عن المعنى والفكرة معتنين في إيصالها بالإيقاع والكلمات المصطفاة وبالتأويل والاستعارة والصورة وغير ذلك، ولكن ما يميّز شاعرا عن آخر، في رأيي، خارج الحديث عن كونه إنسانا وليس مجرماً، هي قابليته على قراءة الواقع (ومجازاته المعقّدة) والتعبير عن ذلك بطريقة جديدة حقا، ليس مقارنة بأقرانه وحسب، بل مقارنة بسياقه الشعري هو نفسه‭.‬

أن يكون الشاعر ضمير عصره و”الجندي الأول في معركة الحرية” أمران هائلان وباهظان، ولعلهما، في مفارقات اللحظة الراهنة، يضعان كتائب الشعراء على فوهتي جرف هائل بين الكاريكاتور والمأساة، ولكن مجرّد طرحهما في “الجديد”، على شعراء ومعنيين بالشعر، يعيد، ربما، توكيد علاقة ضمرت بين الشاعر العربي وشؤون الجماعة البشرية التي يزعم الانتماء إليها‭.‬

وكل ذلك ليس بالتأكيد دعوة‭:‬

1) لتأليه الشاعر نفسه محمولاً على قداسة مهمته (وهو ما شهدنا أمثلة كافية عنه في تاريخنا الشعري، بدءاً من المتنبي وليس انتهاء بألوهة “أدونيس" المبتذلة وديكيّات “الشيوعي الأخير” وغيرهما).

2) الهبوط بالشعر إلى مستوى الدعاوة السياسية‭.‬

3) التنازل في تطلّبات الشعر القاسية‭.‬

الإبداع الحقيقي، في النهاية، هو ضمانة أن يكون الشاعر ضمير عصره وجنديّ معركة الحرية‭.‬


شاعر وناقد من سوريا