العقلانية‭ ‬الرشدية: موضوعية‭ ‬التأويل‭ ‬ضد‭ ‬الذاتية والشعبوية

لم يخل القرن الثاني عشر الميلادي من مفارقة‭.‬ فبالرغم من أنه كان عصر الكبار، أمثال ابن زهر وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن عربي‭..‬ وغيرهم، إلا أن السيادة النهائية فيه كانت لصالح مناخ معاد للتفكير الحر بعد هيمنة العقلية السلفية النصية، لتعلن بعده الحضارة العربية الإسلامية انكماشها وأفولها، وليعبّر هذا المناخ عن نفسه بوصفه روحا لعصور من الشعبوية والانغلاق والتعصب امتدت حتى يومنا هذا، رغم تسعة قرون تفصلنا عن لحظة ابن رشد في الفلسفة‭.‬

الجديد  حسام أبو حامد [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(50)]

لوحة: إدوارد شهدة
في الفلسفة وقد ترنّحت بعد تلك الضربة الموجعة التي تلقتها على يد الإمام أبي حامد الغزالي في المشرق، مع استمرار هجوم المتكلمين وخصومتهم، لتبلغ ذروة ذلك كله في الخطاب الشعبوي الذي صاغه عبدالله بن عياش، كاتب الخليفة المنصور، والذي شيطن المشتغلين بالفلسفة وبرّر بحقهم الإقصاء والنفي وإحراق الكتب « وقد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، أقرّ لهم عوامهم بشفوف عليهم في الأفهام (…) فخلّدوا في العالم صحفا مالها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق‭.‬ بُعدهم من الشريعة بعد المشرقين (…) ونشأ منهم في هذه السمحة البيضاء شياطين إنس يخادعون الله والذين آمنوا (…) فلما وقفنا منهم على ما هو قذى في جفن الدين ونكتة سوداء في صفحة النور المبين، نبذناهم في الله نبذ النواة، وأقصيناهم حيث يقصى السفاء من الغواة (…) ومن عثر على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار بها يعذب أربابه‭.‬ وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه» (فرح أنطون، “ابن رشد وفلسفته”، ص 19-20)‭.‬

في ظل هذا المناخ، لم تستطع الفلسفة الدخول في مواجهة مباشرة مع تلك العقلية النصية المهيمنة فكرياً، وكان على الفلسفة أن تحوز مشروعيتها، من خلال إعادة بناء علاقتها بالشريعة على نحو مغاير لما هي عليه، وعبر الالتفاف على العقلية الدينية النصية الذي يوفر للفلسفة خياراً آخر غير خيار المواجهة المباشرة‭.‬

حاول ابن رشد البرهنة على عدم وجود تعارض أصيل بين الفلسفة والشريعة، وأنه إذا ما أوّلت الشريعة تأويلا صحيحا ففهمت على حقيقتها فإنها حتما ستتفق كل الاتفاق مع الفلسفة فالحقيقة واحدة مع اختلاف طرق الوصول إليها‭.‬ يؤكد ابن رشد وحدة الحقيقة كمسألة بديهية، ولكن على خلاف آخرين، لا سيما ابن سينا، لم يغامر في التفريط بالتكافؤ بين الفلسفة والشريعة لصالح أحدهما من حيث هما مصدران أوليان للحقيقة المطلقة‭.‬

يدافع ابن رشد عن الفلسفة من موقع الدين نفسه، وقد خصص جلّ كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” لهذا الغرض، فاستنطق النص الديني عبر تأويله، لشرعنة النظر والقياس العقليين «فاعتبروا يا أولي الأبصار» (الحشر/2)، وليستنبط أن دراسة الحكمة واجب شرعي لمن كان أهلا لها «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا» (البقرة/269)، وفي النص أيضاً، يجد ضالّته في السلطة التعليمية العليا التي يناط بها حسم الخلاف العقائدي عبر احتكارها فعل التأويل ونتائجه في آن معا «الراسخون في العلم» (آل عمران/7)، ومبررات لقسمة الناس بحسب البرهان اقترابا وابتعادا «أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل/125)‭.‬

في مقابل الثقافة الشعبية، اعتبرت الفلسفة ثقافة نُخَبوية نظر إليها في كثير من الأحيان بعين الريبة والحذر كونها تمثل قيم ثقافة خارجية، ثقافة الآخر المخالف في القيم (الملة والاعتقاد)‭.‬ يرفض ابن رشد قسمة الناس على أساس الملّة وأن تلك القسمة لا بد أن تستند إلى الحق الذي به وعليه يكون الحكم‭.‬ فبما أن النص قد دعا إلى القياس الفقهي والعقلي معا، فإن تراكمية المعرفة وأمميتها تحتمان النظر في علوم الأوائل، فالفحص عن القياس العقلي وأنواعه يتطلب أن يستعين المتأخر بالمتقدم، فليس من صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه، يستوي في ذلك الفقه والفلسفة‭.‬ فهو بحاجة للغير “سواء كان ذلك الغير مشاركا أو غير مشارك في الملة”‭.‬

إن غياب سلطة تعليمية عليا في الإسلام السنّي يكون لها حق الفصل في الخلافات العقائدية وبالرغم مما وفّره من تنوع وغنى فكري، جعل من الثقافة الشعبية أيضا ساحة صراع لتيارات واتجاهات سياسية وفكرية متنوعة، في الوقت الذي كان فيه للحامل الاجتماعي لتلك الثقافة دور هام في حسم هذا الصراع‭.‬ ولعل الجاحظ يقبض على هذه الحقيقة حين يقول في معرض تأسيسه لسياسة في تدبير العوام «قاربوا هذه السفلة (العوام) وباعدوها، وكونوا معها وفارقوها، وأعلموا أن الغلبة لمن كانت معه، وأن المتهور من كانت عليه» (رسائل الجاحظ،ج1/84)، هؤلاء هم الغوغاء الذين، حسب ابن عباس «ما اجتمعوا إلا ضرّوا، وما افترقوا إلا نفعوا»، وحين سؤل عن نفعهم في حال تفرقهم قال « يذهب الحجّام إلى دكانه، والحداد إلى أكياره، وكل صانع إلى صناعته» (العقد الفريد، ج 2/152)‭.‬

يتحدد فعل التأويل عند ابن رشد في «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجّوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت، في تعريف أصناف الكلام المجازي»

وإذا كانت السلطة السياسية تخضع لذلك النوع من الحسابات الدقيقة في تحديد مصالحها، ولنوع من التوازنات التي قد توفّر للمثقف في بعض اللحظات هامشاً من الحرية، فإن سلطة الجماهير لا تعنى بحسابات كهذه أو توازنات من أيّ نوع‭.‬ فإن تحركت الجماهير، فإنما تتحرك بتوجيه من عاطفتها وانفعالاتها ومشاعرها، لا سيما إذا تعلقت المسألة بما يشكل بالنسبة إليها نوعاً من المقدس الذي لا يمكن المساس به‭.‬ ويزداد الأمر صعوبة حين تقف وراء حالة الغليان الجماهيري تلك، ديماغوجية رجالات دين أكثر تطرفاً، لا سيما لحظة تحالفهم مع السلطة السياسية، بغية احتكار السلطة التعليمية والمرجعية الدينية‭.‬

إن واقع علاقة الفيلسوف مع الجمهور في ظل سيطرة حالة من الشعبوية، قد فرض على المثقف نوعاً ما من الفوقية والتعالي على الجماهير والسعي لإقصائهم اتقاء لشرهم، ومن هنا باتت عبارة “المضنون به على غير أهله” إحدى العبارات التي ترمز للتقية الثقافية والحذر الأيديولوجي‭.‬ لذا يتفق ابن رشد مع خصمه الغزالي في ضرورة تحييد العوام، فليس لأيّ كان أن يؤوّل ما يشاء من النصوص ولا أن يطّلع على تأويلاته من يشاء‭.‬ ولذلك يصنف الناس في فئات ثلاث: الخطابيون، ليسوا أهل تأويل وهم العامة والجمهور الغالب‭.‬ والجدليون بطبعهم أو بطبعهم وعادتهم، وهم اللاهوتيون الذين اجتهد لبيان فساد تأويلاتهم الجدلية‭.‬ والبرهانيون بالطبع والصناعة، وهم الفلاسفة أهل التأويل اليقيني “الراسخون في العلم” الذين يحتكرون فعل التأويل ونتائجه في آن معا، إذ أن هؤلاء قد بني إيمانهم على البرهان العقلي “وإذا كان بالبرهان فلا يكون إلا مع العلم بالتأويل لأن الله عز وجل قد أخبر أن لها تأويلا هو الحقيقة والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة”‭.‬

أما الأشياء التي لغموضها لا تعرف إلا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعباده «الذين لا سبيل لهم إلى البرهان إما من قبل فطرهم وإما من قبل عاداتهم وإما من قبل عدهم أسباب التعلم بأن ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال، إذا كانت تلك الأمثال يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع أعني الجدلية والخطابية، وهذا هو السبب في أن انقسم الشرع إلى ظاهر وباطن فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني، والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان»‭.‬ أما الحكمة في ورود الظواهر متعارضة في الشرع فتكمن عند ابن رشد في «تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهما»‭.‬ هكذا تؤول السلطة التعليمية العليا التي تحتكر التأويل إلى الفيلسوف‭.‬

يتحدد فعل التأويل عند ابن رشد في «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجّوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت، في تعريف أصناف الكلام المجازي»إنه فض كنه النص عبر استنطاقه واكتشاف ما يضمره (إخراج الدلالة)‭.‬ وباقتران فعل التأويل بالفلسفة يمضي كلاهما في البحث عن المغزى الدلالي واستكشافه‭.‬ هنا يبرز النص بمثابته موضوعا لفلسفة التأويل، وتصبح المجازات الشرعية قضايا معرفية وعلمية يختص بها أهل البرهان‭.‬ فعبر التأويل يتم تكييف الشريعة وفق لغة الفلسفة ومناهجها وبما ينسجم مع رؤية الفيلسوف الموضوعية للعالم، مما يجعل التأويل منهجا ونتائج يتعالى على الحس المشترك وعلى أفهام من هم ليسوا أهلا له‭.‬ هكذا يكون التأويل عتبة أبستيمولوجية تفصل بين الخاصة والعامة، بين الثقافة النخبوية والشعبية‭.‬

لوحة: إبراهيم الصلحي

إن الحفاظ على سلامة عقائد العوام منوط ببقائهم عند ظاهر الشرع وانصرافهم عن الخوض في تأويلات أهل البرهان إلى مزاولة ما هيئوا له بطبعهم‭.‬ يلقي ابن رشد باللائمة على المتكلمين والمتصوفة لإفسادهم عقائد العوام، حين صرحوا بتأويلاتهم للجمهور ناهيك عن فساد هذه التأويلات بسبب فساد آلتهم (البرهان)‭.‬ بل يحمّلهم مسؤولية تفرّق الأمة أحزابا وشيعا كفّر بعضها بعضا وادّعى امتلاك الحقيقة، الأمر الذي يخالف حسب ابن رشد مقصد الشرع، إذ لو تأملنا ذلك لوجدناه في حقيقته مجرد أقاويل وتأويلات‭.‬ لقد سلك المتكلمون من معتزلة وأشعرية في إثبات تأويلاتهم طرقا ليس فيها مع الجمهور لغموضها بالنسبة إلى الحس المشترك ولا مع الخواص لأنها ناقصة من شرائط البرهان‭.‬ فغرض التأويل إبطال الظاهر وإثبات المؤوّل وهؤلاء أبطلوا الظاهر عند من هو أهل الظاهر ولم يثبتوا المؤوّل عنده‭.‬

إن الانتقال من ظاهر النص الشرعي إلى باطنه بما يوافق شروط ومبادئ البرهان العقلي، يوفر الفرصة لاستنطاق النص دون تدخل الذات، موفرا بذلك قدرا لازما من الموضوعية التي تكفل الحفاظ على الحقيقة وتبقي الدلالة في مستوى البداهة واليقين‭.‬ أما تأويلات المتكلمين والصوفية ذات الطابع الذاتي فتشوه دلالة النص الشرعي لتحوله إلى خطاب شعبوي، ليمتد التشويه إلى الذات المتلقية (العوام) لتبقى أسيرة النعرات المذهبية والطائفية، هنا تكمن أحد مثالب الشعبوية التي تَخضع لأمزجة وانفعالات الجماهير وتريد إخضاعها وتوظيفها في الوقت نفسه‭.‬

إن هدف ابن رشد كان خطابا محايدا قادرا على إنتاج معرفة موضوعية بالعالم، يحافظ على وحدة الحقيقة والأمة في آن معا، ويضع حدا لتلك الشعبوية التي أنتجت في غير مرة مناخات معادية للفلسفة، حيث لا يخضع تأويل الشريعة لمعايير الصراع السياسي بين الفرق المتناحرة لخدمة أغراض سياسية نفعية بل يصبح في قلب الموقف المعبر عن رؤية الفيلسوف للعالم‭.‬

تتعلق الشريعة بالظاهر فحقائقها ظنية تحتاج إلى المعجزة للإثبات وهي فرض العامة، بينما تتعلق الفلسفة بالباطن وحقائقها يقينية تقوم على البرهان فهي فرض الخاصة، والتعايش بينهما في فضاء فكري واحد ممكن عبر التكافؤ لا بخضوع أحدهما للآخر‭.‬ هكذا تصبح الفلسفة غاية لذاتها، فيستقل العقل بأدواته ومناهجه وموضوعاته عن مجال الشريعة والنص، ليؤسس مجاله المعرفي الخاص‭.‬

هنا تلتقي العقلانية الرشدية بالفلسفة النقدية الكانطية، التي وضعت نظريتها في المعرفة على أساس التمييز بين الحقول المعرفية وتفحّص الأدوات والمناهج المناسبة لكل حقل، والتي وقفت إزاء مسائل الميتافيزيقا التي لا يمكن البرهنة عليها بالعقل، موقف التسليم لضرورتها الأخلاقية‭.‬ ولا يعني ذلك أننا نجعل للكانطية مرجعية رشدية، بل ربما نجم ذلك عن الوحدة العقلية للجنس البشري التي أشار إليها ابن خلدون في مقدمته والتي تفسر تشابه الأمم، والتشابه في مستوى العقل البرهاني الفلسفي هو من باب أولى‭.‬ أو ربما هي تلك الحاجة الدائمة والمشتركة للتنوير هنا وهناك بصرف النظر عن نتائجه‭.‬


كاتب من فلسطين مقيم في دمشق