أحمد برقاوي: موت‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬الجموع وولادة‭ ‬مجتمع‭ ‬الذات

يعتبر أحمد برقاوي واحداً من كتاب الفكر العربي البارزين في حقل الفلسفة، إلى جانب كوكبة من المفكرين اللامعين من أمثال صادق جلال العظم، طيب تيزيني، برهان غليون، هشام جعيط، وغيرهم‭.‬ ولد في دمشق سنة 1950‭. ‬ورأس قسم الفلسفة في جامعة دمشق، وقد ظل في موقعه الأكاديمي حتى اندلاع الانتفاضة الشعبية العامة في سوريا‭.‬ من أعماله 'محاولة في قراءة عصر النهضة'، 'العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ'، 'أسرى الوهم'، 'مقدمة في التنوير'، 'دفاعاً عن الأمة والمستقبل'، 'ابن رشد معاصراً'، 'العرب وعودة الفلسفة'، 'الأنّا'، 'كوميديا الوجود الإنساني'، 'أنطولوجيا الذات'، 'في الفكر العربي الحديث والمعاصر'، 'المسألة الثقافية في العالم العربي والإسلامي'، بالإشتراك مع رضوان السيد، 'الموسوعة الفلسفية العربية' بالإشتراك مع عدد من المؤلفين‭.‬ وله مؤلفات أدبية وشعرية‭.‬ في هذا الحوار معه يثير أحمد برقاوي جملة من القضايا المسكوت عنها بجرأة عهدت عنه، وبلغة لا تعوزها الطلاوة ولا تعطش لماء الأدب، كما عودتنا لغة المفكرين التي غالبا ما تتجهم وهي تفصح عن حذرها من لغة الأدب وأوصافه وتشبيهاته‭.‬ بخلاف ذلك تشي لغة برقاوي في تناوله لقضايا تتسم بالموضوعية والصرامة والجفاف، بسلاسة وتشع بما هو أدبي‭.‬ هنا بحث في حاضر العرب وفي حاجتهم إلى الخوض في مراجعة نقدية للفكر والواقع وللحركات والافكار، كيما يمكنهم تجاوز عثرات الراهن لانجاز طموحات الاجيال في الانتقال من مجتمعات أسرها الفكر الواحدي والبطرياركة الاجتماعية، والتسلط الديكتاتوري للفرد المتأله، وصولا إلى عصر الانسان في المدينة الحديثة ذات العقد الاجتماعي القائم على تصورات مدنية تقطع مع الماضي البائس للاستبداد الشرقي لتنجز بناء دولة المواطنة، ودولة الصوت الانتخابي الحر والفرد الذي لا يذوب في مجموع مستعبد، ولكنه يصبح ماسة في عقد من الجواهر الإنسانية، في مجتمع حرّ‭.‬ أفكار مضيئة تلك التي تصدر عن أحمد برقاوي في خواره مع 'الجديد' بينما هو يتصدى لأمراض المجتمع العربي والثقافة العربية، والاستبداد الشرقي، و'مستوطنات الرعاع' المتفشية في مدن 'الاحتلال الطائفي'، مناديا معاول الفكر الجديد للمساهمة في تحطيم أصنام الفكر المتأله، التي سدت طريق الشمس أمام عيون الأجيال العربية الجديدة‭.

الجديد  وسيم السهلي [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(55)]

لنبدأ حوارنا من رؤيتك الفلسفية للعالم، فقبل الثورة ألفت كتاب “الأنا” وأثناء الثورة ألفت كتاب “أنطولوجيا الذات” وما بينهما ألفت كتاب “كوميديا الوجود الإنساني” وهي موضوعات لم يألفها القارئ العربي، ما الصِّلة التي تقوم بين هذه المؤلفات الفلسفية والواقع الذي نعيش؟

برقاوي المشكلة الفلسفية هي مشكلة يختزنها الواقع وقد لا تراها العقول الأيديولوجية فضلا عن العيون العادية، والفلسفة تلتقط الجوهري وتحوله إلى نظرة كلية‭.‬

فبعد رحلة في تناول مشكلات العرب الظاهرة وتأمل في الفكر العربي الحديث والمعاصر بدءًا من كتابي “محاولة في قراءة عصر النهضـة مروراً بـ”العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ” وانتهاءً بكتاب “أسرى الوهم” وكتاب “دفاعاً عن الأمة والتاريخ” اكتشفت أني أدور في المألوف من المشكلات ناقداً ومحللاً ومجدداً وأن هناك أمراً أساسياً لم ألاحظه في معمعة الغرق في مشكلات العرب الكبرى ألا وهو غياب الأنا الفردية بوصفها حالة حرية كلية وبوصفها حرة ودون حضور الأنا فإن الحديث عن الحرية والتحرر قول أجوف‭.‬

وهكذا رفعت مشكلة غياب الأنا إلى مشكلة فلسفية كبرى وفضحت غيابها وحضورها الزائف والقيود التي حالت دون ولادتها والبحث في شروط ولادتها كي نتجاوز حالة القطيع إلى فضاء الحرية، فغياب الأنا الحر هو أس المشكلات الوجودية التي نعيشها‭.‬

لكن الأنا لا معنى لحضورها المجرد دون فاعلية، إن الأنا التي تنتقل إلى الفاعلية هي الذات، الذات الصانعة للحياة وللتاريخ وهذا ما قلته في أنطولوجيا الذات‭.‬ إن عالما بلا أنا، بلا ذات، هو عالم أشياء، بل إن عالماً بلا فلسفة عالم فقير ومعتم‭.‬ إني أعيد للفلسفة حضورها في معركة الحياة‭.‬

لأن الفلسفة وهي العقل النبيل هي عقل طليق بالضرورة لا يمكنها أن تقبل بأيّ طاغية من شأنه أن يكبل العقل ويحملها على قول ولو جملة واحدة كتبرير من شأنه أن ينال من حرية عقلها‭.‬

والنوكى (جمع أنوك) وهم يمدون لسانهم إلى الفلسفة والفلاسفة إنما يمثلون انحطاط العقل انحطاطا مطلقا، إن هؤلاء الغارقين في الوسخ التاريخي والهاربين من الحق والحقيقة -يعبّرون وعلى امتداد تاريخ الانعتاق الإنساني- عن عدائهم للفلسفة‭.‬ شعلة بروميثيوس وسيزيف، سيزيف الذي صرخ في وجه زيوس: خير لي أن أحمل الصخرة إلى أعلى القمة، من أن أكون خادما لك يا زيوس‭.‬

الحرية والكرامة

هل ترى بهذا المعنى بأن ما اصطلح الفكر العربي الراهن عل تسميته “الربيع العربي” بداية لولادة الأنا-الذات‭.‬

برقاوي نعم، فهذه التراجيديا الوجودية التي نعيشها الآن بطلها الأساس هو الذات التي ما عادت تطيق لجامها بوصفها تعبيراً عن قطيع، فرغم كل ما تراه من عالم معقد من الأيديولوجيا والتضحيات الجماعية والعنف غير المسبوق فإن الأصل يكمن في ولادة الذات‭.‬ ولو عدت إلى مفهومي الكرامة والحريّة اللذين رفعهما الثوار لوجدت أنهما مفهومان مرتبطان بوعي الحرية والكرامة بوصفهما أمراً فردياً، لقد انتقل هذا الإحساس الفردي بغياب الكرامة والحريّة إلى إحساس جماعي وتحول إلى ثورة‭.‬

انفجار التاريخ

ولكن الذي نراه يشي بظهور حركات عنفية لا مكان للذات الفردية فيها؟

برقاوي لقد انفجر التاريخ على نحو هائل، كانت الشرارة روح الشباب المتمرد على عالم لم يجد نفسه فيه، لقد صار حجم الحاجات المكبوتة أكثر بكثير من قدرة السلطة على قمعها، حاجات من طبيعة روحية مرتبطة بالكرامة والحريّة والمعرفة والشعور بالوجود وحاجات مادية ولدتها الحياة وعالم الثورة إلكترو-إلكترونية، لم تعد الفئات الوسطى قلب المجتمع بقادرة على تحمّل غيابها عن التاريخ‭.‬ وفي الوقت نفسه فإن البنية القديمة التي ظلت حاضرة بهذا الشكل أو ذاك، القديمة من حيث وعيها بالعالم سرعان ما ظهرت هي الأخرى بفعل العنف القديم المتراكم وبفعل العنف الذي استخدمته السلطة المنهارة، فامتشقت السلاح بوصفها بنية تريد أن تؤكد ذاتها في الوصول إلى الحكم‭.‬

وهذا ما ولد وسيولد التناقض بين قوى العالم الجديد القائم على فكرة الحرية وبنية العالم القديم ذات الطابع المعادي للفردية أصلاً، ولهذا فالعملية طويلة للوصول إلى انتصار الذات، لكن المهم أن السُلطات كانت حجرة عثرة أمام حركة التاريخ قد انهارت أو هي آيلة للانهيار، ولا يجوز أن نحكم على حركة التاريخ الوليدة من ظواهر تبدو متناقضة مع ثورات الحرية والكرامة التي هي ثمرة الوعي الذاتي لذات تولد‭.‬

أحوال العرب

لماذا تدهورت أحوال العرب حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من انحطاط وعجز وانسحاق أمام أعداء الأمة وما هو السبيل الواقعي للخروج من هذه المحن؟

برقاوي الجواب عن هذا السؤال مترابط مع جواب السؤال السابق‭.‬ ولكن زيادة في الكشف دعني أحدد لك المشكلة الأساسية التي وقفت وراء تدهور حال العرب أولا قبل أن نفكر في السبيل‭.‬

أمّ المشكلات في الوطن العربي عدم ولادة الدولة بالمعنى السياسي والحقوقي والوطني والمدني وانصهار الدولة في السلطة التي تحولت بدورها إلى واقعة ثابتة وغير متغيرة من حيث عصبيتها المتخلفة عن مسار الحياة‭.‬

بل إن العرب لم ينتقلوا بعد انهيار الدولة العثمانية إلى حال الدولة بل إلى حال سُلط تمتلك دولاً بفعل تقسيم استعماري تعسفي جداً‭.‬ هذا الانصهار بين السلطة والدولة أنتج دائماً عصبيات سلطوية تتصارع على امتلاك الدولة والظاهرة الأخطر هي عسكرة السلطة عبر الانقلابات العسكرية وما شابه ذلك‭.‬ والأخطر من ذلك نشوء الطغاة العسكريين الريفيين‭.‬ فهؤلاء قاموا بتحطيم واقعة الدولة تحطيماً شبه كلي ولم يبقوا إلا على المظاهر الشكلية الخارجية للدولةً، فالطاغية الريفي يحكم أولا بذهنية المالك للدولة، ثم يقوم بترتيب عصبيته العنفية في الجيش وأجهزة الأمن، ويحطم فكرة القانون، ويترافق تحطيم القانون مع النهب وإشاعة قيم الفساد، وتدمير المدينة كظاهرة اقتصادية وأخلاقية وثقافية، وإذ تتحطم قيم المدينة وتُرَيف تنهار مؤسساتها المعهودة: الجامعة والقضاء والمؤسسة الثقافية‭.‬ وعوضاً أن تخترق قيم المدينة العالم الاجتماعي والسياسي تتحول المدينة إلى مظاهر لقبح النظام وفقدان حياته‭.‬

ولأن السلطة-الطاغية لا تمتلك من همّ سوى البقاء فإن ذلك لا يدمر المجتمع السياسي فقط وإنما يدمر المجتمع المدني أيضاً‭.‬ وتلقي عصبية الحاكم الطاغية القروي بظلها على عموم المجتمع، إذ تظهر العصبيات ذات الولاء الضيق: العائلة الصغيرة، الكبيرة، الطائفة، القرية الخ وهكذا تكتمل دائرة تحطيم المجتمع بعد الحيلولة دون قيام الدولة‭.‬

لقد حطمت هذه السلطات الفئات الوسطى المدينية والفلاحية معاً وهي الفئات التي تتميز بالراديكالية الاجتماعية والفكرية، بل هي قلب المجتمع، وأنزلتها إلى درجة الفئات ذات العوز المادي، وسدت أمامها طريق النهوض بالمجتمع‭.‬

وهزيمة المدينة أمام طغاة قرويين من أكبر الكوارث التي شهدتها المنطقة‭.‬ هزيمة المدينة تعني هزيمة المدنية، هزيمة المكان الذي يُستقبل آخر منجزات العصر ويشع بها على المجتمع‭.‬

المشكلة لا تكمن في الأصول الفلاحية بل تكمن في الذهنية الفلاحية‭.‬ فالأصول الفلاحية للشخص لا تعني أنه بالضرورة سيحتفظ بذهنيته الفلاحية‭.‬

ولهذا دون استعادة المدينة لدورها التنويري وتحرير الدولة من سجن السلطة، وتحول السلطة إلى واقعة متغيرة دون استقلال المؤسسة المعبرة عن الدولة، دون التحرر من همجية السلطة الدكتاتورية التي دمرت الحياة لتحافظ على حياتها لا مستقبل للعرب في المدى المنظور‭.‬ وإني لأعتقد بأن حركة التاريخ سائرة إلى هذه الغاية‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

مواقف المثقفين

من الملاحظ أنك انحزت مباشرة للحراك الثقافي والاجتماعي العربي منذ اندلاعه في تونس، ونشرت سلسلة مقالات في “السفير” تقرأ وتفكك الصور والمعاني، كيف تقرأ مواقف المثقفين المعادين للانتفاضة الشامية، أو الصامتين عن التراجيديا الإنسانية هناك؟

برقاوي صديقي، عندما يكون هناك صراع بين قصر المستبد وساحة الشعب المطالب بحريته وكرامته لا يمكن لمثقف حقيقي أن يتردد باتخاذ الموقف المنحاز إلى الساحة، بل إن الساحة تعبر عن طموحه الثقافي في عالم جديد مليء بالحرية والكرامة، المثقف هنا يدافع عن القيم العظيمة بوصفها قيمه الفردية أيضاً، وإن قد وحد بين القيم الكلية للذات وقيم ذات فهو بالضرورة مع كل تمرد أو انتفاضة أو ثورة تقوم في سبيل تحقيق هاتين القيمتين العظيمتين اللتين دونهما لا وجود للإنسان الذات والإنسان الأنا الواعي لأنا بأنه مركز العالم‭.‬

الكائن الذي وقف إلى جانب القتلة والسفاحين وضد إرادة الشعب وقيمتي الحرية والكرامة هو المثقف الوطواط فعلاً كما وصفته في كتاب الأنا، إنه يهلع من فكرة الحرية لأنه ليس أكثر من خفر حراسة للطاغية‭.‬

وهؤلاء المثقفون الذين عادوا إرادة الشعب ووقفوا مع الدكتاتوريين أنواع ثلاثة: إما حمقى ووعيهم ضيق ومحدود بالعالم فلا يميزون بين الحقيقة والزيف وهؤلاء صادقون في موقفهم بسبب غبائهم، وإما انتهازيون يعرفون الحقيقة ويدركون واقع الطاغية وحق الشعب في التمرد والثورة، ولكنهم خائفون على مصالحهم التي لا تتحقق إلا بفضل الطاغية، وهؤلاء الانتهازيون اللاأخلاقيون هم من صنف الوطاويط، وإما المتعصبون لهويتهم المتطابقة مع هوية الطاغية ولم يستطيعوا التحرر منها كالهوية الطائفية أو القبلية الخ فهؤلاء قتلة شأنهم شأن الطاغية، أو مع الثورة ولكنهم خائفون على حياتهم من عنف الطغاة وأدوات قمعهم وعائشون تحت عنفه فيؤثرون الصمت اتقاء شره وهؤلاء هم الصامتون النبلاء‭.‬

إفلاس النخب

وهل يبدو واقعيا تنزيه الفكر عن الوقائع التراجيدية وعزله عنها، وتخليص أسئلة الثقافة من المأساة الجارية؟ هل هذا شيء ممكن؟ كيف نخرج من هذه الحفرة؟

برقاوي كي لا أذهب بعيداً في التاريخ دعني أنطلق من فترة ما بين الحربين حين تمكّن الطغاة الريفيون من تدمير الحياة الثقافية‭.‬

أنت تعلم بأن الفئات الوسطي الراديكالية في بلاد الشام والعراق ومصر قد أنتجوا ثقافة التقدم التاريخي عبر الأيديولوجيات المعروفة: أنتج الدمشقيان الأستاذان عفلق والبيطار أيديولوجيا البعث التي استوعبت حتى الستينات أبرز النخب الثقافية في بلاد الشام والعراق، وأنتج المغترب اللبناني أنطون سعادة الأيديولوجيا القومية السورية، وأنتج الأستاذ حسن البنا ابن الحرفي الساعاتي في الإسكندرية صورة التقدم الإسلامي وحركة الإخوان المسلمين، واستدعى مثقفو الإسكندرية ودمشق والقدس الشيوعية وانتشرت الوجودية والوضعية في أوساط المثقفين وحتى السبعينات كانت حركة الثقافة العربية تسير في طريق إنتاج الفكر المتعلق بأسباب التقدم التاريخي‭.‬ يضاف إليها الأدب من شعر ورواية ومسرحية، الفئات الوسطى التي أنتجت هذا كله لم تجد سنداً طبقياً قوياً يساعدها على عملية تدمير الواقع الأرضي، بل على العكس من ذلك فإن الفئات العسكرية الحاكمة والطغاة الكريكتيريون حطموا كل أمل بالشعارات العظيمة وشيئا فشيئاً انهزمت ثقافة التقدم شعبياً، كانت هزيمة حزيران بداية الانحطاط الثقافي والعودة إلى ما قبل ثقافة التقدم التنويرية‭.‬ فعوضاً عن القيام بمراجعة نقدية تنتج رؤية جديدة بعد الهزيمة ذهبت بعض النخب الفاعلة إلى التراث لتسأله الخلاص من واقع الحال، وكان هذا أول معلم من معالم الانحطاط الثقافي – الفكري‭.‬ كان رموز الانحطاط الفكري آنذاك من سدنة هياكل التراث وقصه على قدّ أيديولوجياتهم أمثال حسين مروة والجابري ومحمد عمارة قد أعلنوا إفلاس الوعي المتجاوز وعبروا عن الهزيمة بوصفهم صورتها الفكرية، وفي الوقت نفسه انتشرت خيبة الأمل بالشعارات التي شكلت عصبية الجمهور فاكتملت دائرة الانحطاط‭.‬

إن الثورات الآن بوصفها ثورات الحرية والكرامة تسمح للفكر أن يعبّر عنها في صورة استعادة خطاب الحرية ولكن من زاوية حرية الإنسان، الكائن- الذات في ظل نظام اجتماعي معبر عن هذا الطموح ومحقق له‭.‬

وهذا الذي أعمل عليه منذ عقد من الزمن‭.‬ لقد أعدتُ للفلسفة مهمتها النبيلة في التنوير العقلي والتفكير بالواقع وامتلاكه نظرياً ومفهومياً، محاولاً القطع مع الأسوار الأيديولوجية التي سُجنّا فيها لفترة طويلة‭.‬

إن العرب لم ينتقلوا بعد انهيار الدولة العثمانية إلى حال الدولة بل إلى حال سُلط تمتلك دولاً بفعل تقسيم استعماري تعسفي جداً

نهاية الأيديولوجيا

سقطت نظريات كثيرة في العالم وسقطت معها الأيديولوجيات الكبرى، فتقهقر البشر إلى السرديات الدينية يملأون بها الفراغ الفكري‭.‬ والنتيجة صراعات دينية في المنطقة، والصراع الحقيقي تحت قشرة الواقع هو صراع بين العقل والخرافة وبين العلم والجهل وبين الحرية والاستبداد‭.‬ كيف يبدو لك هذا التقهقر قياسا على نشأتك وتربيتك وملاحظاتك المبكرة؟

برقاوي في عام 1996 أصدرت كتاباً بعنوان “العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ”، وصدر الكتاب حينها عن دار الأهالي الدمشقية‭.‬ كان السؤال الذي طرحته آنذاك هو الآتي: لماذا انهزمت أيديولوجيا التقدم أمام حركة الواقع؟ لماذا تبخرت الناصرية والبعثية والشيوعية والليبرالية كأيديولوجيات تقدم تاريخي واحتشد خلفها خلق كثير؟ ما الذي وقف أمام المصير الفاجع للشعارات العظيمة؟

ورأيت حينها أن انهزام ما أطلقنا عليه حركة التحرر العربية في صورة السلطة – الدولة أدّى ويؤدي بالضرورة نكوص تاريخي ثقافي إلى هوية خلاصية حاضرة أصلاً في ثقافتهم، هوية قابلة للاستيقاظ دون عناء‭.‬ هوية حاضرة في وعيهم اليومي وحاضرة في لاوعيهم الجمعي‭.‬ فانتقال الإسلام المعيش الشعبي واليومي إلى الإسلام السياسي ما كان يحتاج إلا إلى قهر سياسي وانسداد أفاق الخلاص‭.‬

لقد انفض الناس عن الخطاب السلطوي الزائف والمتناقض تناقضاً مطلقاً مع الممارسة الواقعية لهذه السلطة، واللجوء إلى الخلاص الديني حال طبيعية ناتجة عن فقدان الأمل بالخلاص الأرضي‭.‬

وإذا أضفنا إلى هذا الأمر فقدان المجتمع لشخصيته السياسية في الأحزاب ولشخصيته المدينية في النقابة فإنه كان من الطبيعي أن يظهر الجامع بديلاً عن هذا الفقر السياسي والمدني للحياة‭.‬

ولقد جرت تبدلات حاسمة في الوعي، وعي الفئات الوسطى ووعي الفئات الفقيرة سواء كان ذلك في المدينة أم في القرية، حيث انتقلت أغلبية هذه الفئات إما إلى حال اللامبالاة كنوع من التمرد الصامت، أو إلى حال الوعي الذي يريد أن يغير العالم بيده إسلامياً‭.‬

وبعض الباحثين يتجاهلون أن ظهور الحركات الجهادية العنفية الإسلامية جاء على نحو مبكر من ثمانينات القرن الماضي، ولا تنس أن الإسلام الجهادي-العنفي هو الذي قتل السادات، وهو الذي انتفض في سوريا وخاض معركة حياة أو موت إبان حكم حافظ الأسد، وهو الذي خاض معاركه في الجزائر لسنوات، وهو الذي برز في الثمانينات في لبنان في صورة حزب الله، وظهوره في العراق سابق عَلى احتلال العراق وقس على ذلك‭.‬

لقد اعتقدت السلطة الدولة أنها قادرة عبر العنف المطلق على تحطيم الأصولية الجهادية والانتصار على وعي بهويتها المستيقظة، ولم تميز بين الاستنقاع الذي ولدته بعد صراعها مع الأصولية والاستقرار كحالة طبيعة ناتجة عن درجة واسعة من تطابق الدولة والمجتمع، ولهذا ما إن انفجر المجتمع في وجه السلطة الدولة هذا الانفجار العاصف حتى استعادت السردية الأصولية حضورها على النحو الذي نراه الآن‭.‬

ولهذا فإن المعركة الراهنة ليست ثقافية فقط، بل هي ثقافية سياسية، ويجب أن تخاض على صعيد الواقع بإنتاج تعبيراته السياسية والمدنية، وعلى صعيد الفكر والأدب والموسيقى وكل أشكال المعرفة، ولا تنس أن (الجديد) اليوم مظهر من مظاهر هذه المعركة التي يخوضها العقل الطليق ضد كل أشكال الاستبداد والنكوص التاريخي‭.‬

الثقافة الرعاعية

استعملت مرارا مصطلح الرعاع والثقافة الرعاعية‭.‬ هل تعتبر الثقافة منجزا نخبوياً، وبالتالي ليس على المثقف أن ينصت إلى الجموع؟ أرجو أن توضح هذا المصطلح‭.‬

برقاوي أن يكون مبدعو الثقافة نخبة فهذا لا يجادل فيه مجادل، فالثقافة الروحية من فكر وفلسفة وأدب وموسيقى وفن تشكيلي ومسرح لم تكن في أيّ مرحلة من التاريخ من إنتاج الفئات الرعاعية، بل كانت هذه الثقافة موضوع اعتداء من الرعاع دائماً‭.‬

“والرعاع فئات اجتماعية تظهر في كلا العصور والأزمان، لكنها لم تشكل في يوم من الأيام فئة مهيمنة وعياً وسلوكاً‭.‬”

إنها ذات علاقة خارجية بالعمل الاجتماعي، سواء كان عملاً حرفياً صناعياً أو عملاً زراعياً أو تجارياً أو مؤسساتياً أو خدمياً، وهذا من حيث المبدأ يجعلها أقل الفئات قدرة على امتلاك الثقافة الروحية التي تنتجها النخبة من جهة، وعلى احترام الثقافة الشعبية التي تحافظ على العلاقات المعشرية وفق قيم العيش المشترك والاعتراف بالحق، من جهة ثانية‭.‬

والرعاع يقعون على هامش المدينة والمدنية، وأصولهم متعددة مدينية وقروية، ولهذا، فهم في تكاثرهم حول المدينة، شكلوا بنية من الانحطاط الثقافي والسلوكي والعمل المنبوذ، وكلما عاش المجتمع أزمات اقتصادية واستبداداً سلطوياً زاد من همجية هذه الفئات‭.‬

الآن لا شك في أن هذه الفئات تنطوي على ثقافة بالمعنى الموضوعي للكلمة، تنطوي على جملة من العادات والتقاليد والقيم السلبية التي هي كل القيم المناقضة العلاقات المعشرية والمفاهيم الدالة عليها‭.‬

هذه الفئات سماها غرامشي يوماً بحزام الفاشية‭.‬ ولهذا تجدها الآن المادة الأساسية للسلطة المستبدة العنفية‭.‬

ويمكننا الحديث عن انتشار قيم الرعاع كحالة خطيرة من حالات الانحطاط الأخلاقي الذي يجعل من كل سلوك لاأخلاقي مباحاً، وعليه يمكن أن تنتج ثقافة الرعاع الموضوعية مثقفاً رعاعياً، في خطابه ولغته واعتداءاته، وليس بالضرورة أن تكون أصول المثقف رعاعية حتى يكون رعاعياً، وليس كل مثقف من أصول رعاعية يكون بالضرورة رعاعياً‭.‬ الرعاعية هنا ذهنية تعبر عن الانحطاط الأخلاقي والمعرفي‭.‬

وهناك فرق بين كل من الجموع، الجماهير، الشعب من جهة، والرعاع من جهة ثانية‭.‬ الرعاع فئة كما حدّدتها سابقاً، لكن الشعب الذي يتعين بجموع هو المحرك الأساسي لعقل المثقف كي يفكر به، دون أن يكلفه بذلك كما قال سارتر مرة‭.‬ إن المثقف النبيل ينصت إلى الشعوب، وإلى الجماعات، لكنه لا يقلد وعيها ولا يكتب مرضاة لها ولا رغبة بتصفيقها إنه يسهم في خلق وعيها المطابق لحقيقة واقعها وإمكانيات مستقبلها، ورفع وعيها الجمالي الفني بالعالم‭.‬ ويعبر عن عذاباتها بكل جمالية وصدق‭.‬

الغيبوبة التاريخية

كيف تفسر فكرة أن البنية التسلطية في سوريا، مع انفجار الربيع العربي، اعتقدت أنها بمنأى عن عواصف الربيع؟

برقاوي وقعت البنية الحاكمة فريسة النظرة السطحية للواقع من جهة، وفريسة عماء القوة من جهة ثانية، وفريسة الاعتقاد بالوظيفة الدائمة للنظام من جهة ثالثة‭.‬ مما جعلها تعتقد باستحالة قيام ثورة في سوريا‭.‬

أما نظرة النظام السطحية فتكمن في أنه لم ير التناقضات التي اعتملت داخل الوطن بين السلطة والمجتمع، حيث لم يعد المجتمع، بفعل تطور حاجاته الروحية والمادية كما أشرتُ سابقاً قادراً على البقاء صامتاً أمام قهره متعدد الأشكال‭.‬

لقد أدّى التحالف الذي تم بين مؤسسة النظام القمعية والطبقة الكومبرادورية الوليدة إلى إفقار الطبقات الأخرى وبخاصة الطبقة الفلاحية والفئات الوسطى الريفية والمدينية على حد سواء، ففقد النظام عصبيته التقليدية القديمة، وصار أكثر انعزالاً وعزلة عن المجتمع لا سيما وأن علاقات القرابة قد أطلقت النار على الوجه الظاهر للنظام‭.‬ حتى العصبية الحزبية التي عاش النظام عليها فترة من الزمن قد تحللت‭.‬

بالمقابل لقد تغوّلت القوة الأمنية إلى الحد الذي لم يعد هناك معه أيّ نوع من القانون يحكم البلاد والعباد، واعتقد النظام بأن الخوف الذي عشش في صدور الناس زمناً طويلاً كفيل بأن يمنعهم من التمرد‭.‬ فضلا عن أن النظام اعتقد بأن وظيفته دائمة في نظر الغرب وأميركا وإسرائيل وبالتالي لن يُفرط به بأيّ حال من الأحوال، فكان مطمئناً من هذه الزاوية، متناسيا في الوقت نفسه أن الوظيفة هذه تظل قائمة ما ظل قادراً على القيام بها، أما إذا لم يعد قادراً على أدائها فلا حاجة له‭.‬لمَ عميَ النظام عن منطق التاريخ الذي يقول إنه إذا اجتمع الفقر والفساد والقمع في مجتمع من المجتمعات فالثورة لا محال قائمة مهما تأخر أوانها‭.‬

هزيمة المدينة أمام طغاة قرويين من أكبر الكوارث التي شهدتها المنطقة‭.‬ هزيمة المدينة تعني هزيمة المدنية، هزيمة المكان الذي يُستقبل آخر منجزات العصر ويشع بها على المجتمع

وعي جديد

هل تعتقدون بأن التحولات التاريخية التي سُمّيت بـ”الربيع العربي” أنتجت معادلها الثقافي والفكري؟

برقاوي هناك أمر هام تجب الإشارة إليه ألا وهو أن حركة الفكر والأدب والفن بوصفها حركة تجاوز عقلي وجمالي للواقع هي أقدم بكثير من عملية الانفجار الثوري، ولهذا فإنك واجد بأن أهم النخب المبدعة انحازت مباشرة إلى الربيع العربي‭.‬ وهذا بدوره ترافق مع بروز مواهب عظيمة شبابية في الأدب والفن والرواية وبخاصة في سوريا، فالسوريون بشكل خاص أينما حلّوا في بلدان الشتات أو في المناطق السورية المحررة تراهم أنتجوا منتدياتهم وصحفهم ومجلاتهم ومواقعهم الإلكترونية، ومؤتمراتهم، وجمعياتهم بصورة تدعو للزهوّ‭.‬

بل إن سرعة الإبداع في التعبير عن حركة التاريخ تدل على أن المبدعين منتمون بالأصل إلى كل ما هو تجاوز أرقى‭.‬

بالمقابل فإن حركة التاريخ هذه قد خلقت الأرض الخصبة لتطور الإبداع اللاحق، بل إن الوقائع التي خلقها تاريخ المواجهة للسلط المنهارة ومازال يخلقها تهز الوعي وتحرره من القديم وتمنحه وعياً جديداً بالعالم‭.‬

مجتمع الذات

ما الذي تعتقده منحى ضروريا الآن في العملية الفكرية، أو التطورات الثقافية المرافقة للانتفاضات والعواصف العربية؟

برقاوي في عدد من أعداد مجلة “الجديد” كتبت مقالاً بعنوان “النقد وثقافة الأجوبة” ومما رأيت فيه أن النقد ليس إلا روح السؤال، ولهذا فالذات التي امتلأت بالأجوبة واطمأنت إليها واكتفت بها ذات خالية من روح النقد، والثقافة، بدورها، إذا تحولت إلى ثقافة أجوبة لن تتعرف على قيمة روح النقد بوصفها امتحاناً معرفياً للمعروف وللواقع معاً‭.‬

ثقافة الأجوبة هي الثقافة الراكدة تاريخياً والعاكسة لمجتمع راكد، ثقافة مجتمع يعيش الاستبداد السياسي والأيديولوجي والقيمي والديني، مجتمع مناهض للذات، مجتمع يولّد ثقافة بلا فضاء، ومعادية للشك والبحث الدائم عن الجديد‭.‬ ثقافة الأجوبة هي ثقافة سيطرة النظام المتعالي على البشر والمتمثل بالبني الآتية:

أولاً: بنية الوعي الأصولي: ولا يحسبنّ المرء أن الوعي الأصولي وقف على الأصولية الدينية فقط، وأجوبة الإيمان المطلقة والجاهزة وإنما كل تمترس وراء الحقيقة المطلقة هو وعي أصولي‭.‬ كل تعصب لفكرة أو لواقعة تاريخية أو لسلطة سياسية أو لأيديولوجيا ما هو وعي أصولي‭.‬

ومن هنا خطر الأيديولوجيا الشمولية على روح النقد، سواء كانت أيديولوجيا دينية أم كانت أيديولوجيا دنيوية‭.‬

ثانيا: النظام السياسي الدكتاتوري القمعي: يصادر النظام القمعي الحرية في الحياة، وبالتالي يحجر على روح النقد بوصفها صورة احتجاج على العالم‭.‬ ويخلق حراس الجهل والقبول والنعم‭.‬ إنه عالم الأجوبة الزائفة‭.‬

ثالثاَ: عالم القيم السائدة وحراسها من الجماعات العتيقة: فحراس المألوف والقديم يقفون بالمرصاد للذات الناقدة حاملين سيف التهديد والوعيد والشر‭.‬

يجب أن نعود إلى السؤال ونؤسس لثقافة السؤال، السؤال بوصفه الكائن الحر الذي يضع كل معرفة بين قوسين،لا يمكن أن تنتصر ثقافة السؤال إلا بدكّ حصون ثقافة الأجوبة، وبخاصة الأجوبة المطلقة‭.‬

لا يمكن للحرية كقيمة القيم أن تنتصر إلا بانتصار السؤال، بل لا نقد للعالم القديم بكل أشكاله دون انتصار ثقافة السؤال‭.‬ لا ثورة ثقافية معادلة إلا بثورة تقودها الأسئلة الجديدة حول حاضرنا ومستقبلنا‭.‬

ثقافة الأسئلة هي الثقافة المقاومة لثقافة الرعاع السلطوية والفاشية، ولهذا كتبنا في هذا الصحفية مقالاً طويلاً بعنوان ثقافة الرعاع، ومن جملة ما قلنا: اتحدت ثقافتان رعاعيتان في وجه ثقافة التغيير الديمقراطي والحرية، ثقافة السلطة الرعاعية العنفية وخدّامها الفاشيين، وثقافة الأصولية المتطرفة وعنفها الهمجي البدائي‭.‬

والحق أن الروائي والشاعر والممثل والمخرج والفنان التشكيلي والمفكر والفيلسوف وكاتب المقال والصحفي والمؤرخ والموسيقي والمغنّي والناقد والعالم كل هؤلاء الحاملين هَمّ الحرية والإنسان والديمقراطية وحب الحياة، يجب أن يكونوا اليوم، أكثر من أيّ يوم مضى، فاعلين في إنتاج ثقافة ترتقي بالوعي والسلوك والعواطف النبيلة فهم روح المقاومة الثقافية ضد ثقافة الرعاع المدمرة وضد متقيئيها ولاحسيها‭.‬

الثقافة والجمهور

في مطلع القرن العشرين كتب أحمد شاكر الكرمي الأخ الأكبر للشاعر أبي سلمى: (الجمهور فكرة حمقاء) هل إن إبداعات الأفراد هي البديل الطبيعي من أوهام ما يسمى بالثقافة الجماهيرية؟ وهل يمكن تخليص فكرة الجمهور والجماهير من دجل الأيديولوجيا والأيديولوجيين؟

برقاوي بل قل الجمهور حقل العادي والعادي جداً في أحيان كثيرة، وليس ذوقه الفني والجمالي معياراً لدرجة الإبداع وحقيقته، سواء كان الإبداع فكراً وفلسفة أو كان الإبداع أدباً وفناً، ولهذا ليس من شيمة المبدع أن يلتفت إلى كسب ودّ الجمهور، بل هو لا يستطيع ذلك أبداً إن كان مبدعاً حقيقياً‭.‬ عندما كتب أحمد الكرمي -والذي ننتمي أنا وهو إلى مدينة طولكرم- عن الجمهور ما كتب، فإنما قصد الحشد الجمهوري والى ضرورة عدم خضوع المبدع إلى ما يطلبه الجمهور-الحشد‭.‬ وظاهرة الجمهور، والذي وصفته بالعادي، تبدو أكثر ما تبدو في القول الشعري والروائي وفن الموسيقى والأغنية والمسرح وهي الصعد التي لها الجمهور الأكبر، على خلاف الفلسفة والفن التشكيلي‭.‬

إنك لا تستطيع أن تلقي شعراً عميقاً ينطوي على سحر الغامض الذي يحتاج إلى انتباه وتأمل وذَا إهاب فلسفي إلا أمام جمهور خاص، أما الجمهور العادي، أو الجمهور الحشد فإنه يميل إلى المباشرة والبساطة وإلى ما يدغدغ عواطفه الوطنية أو حسّه العادي بالجسد‭.‬ ولهذا من الصعب أن نجعل من شهرة شاعر أمام الجمهور وشهرته معياراً للشاعرية، وقس على ذلك صعد الإبداع الأخرى‭.‬

ليس من شيمة المبدع الأصيل أن ينصرف إلى البحث عن السوق الرائجة طمعاً في شهرة زائفة، ورغبة في الأكفّ التي تصفق، فالشهرة التي تعود إلى انحطاط الذوق العام مؤقتة وسيئة بالمرة‭.‬ فيما الأصيل لا يصيبه البِلى‭.‬

ولهذا فإنك واجد أدب المناسبات العابرة وبخاصة شعر المناسبات، وشعر التحريض أدب سريع الزوال وقيمته الجمالية معدومة‭.‬

يزداد أمر الجمهور سوءًا عندما يمر مجتمع ما بحالة انحطاط ثقافي وانحطاط الذوق الجمالي والوعي الفكري ويتحول الجزء الأكبر من الجمهور إلى متلقٍ سيئ، فينتشر الغث كتعبير عن مرحلة انحطاط‭.‬ وينزوي الجمالي والفلسفي ويتحرك في حقل ضيق‭.‬

إن المثقف النبيل ينصت إلى الشعوب، وإلى الجماعات، لكنه لا يقلد وعيها ولا يكتب مرضاة لها ولا رغبة بتصفيقها

الغرب والأخلاق

تقول “إن التفوق الأخلاقي والقيمي الغربي المؤسس على فكرة حرية الفرد وكرامته داخل حدوده الجغرافية متناقض تناقضاَ مطلقاً مع انحطاطه الأخلاقي والقيمي خارج حدوده، المؤسس على المصلحة ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة”‭.‬ هل هذا القول ينطبق حكومة وشعبا؟ أم حكومات دون شعوب؟

برقاوي يجب أن نميز بين أمرين: الغرب، وأميركا غرب، بوصفه حضارة كلية وثقافة عالمية تصدر القيم والمعايير، وبين الغرب كدول تحكمها مصالحها ونزعتها نحو الهيمنة بأدوات القوة العسكرية والاقتصادية‭.‬

وتاريخ الدول الغربية تاريخ استعمار وهيمنة واستخدام القوة، لا حاجة بي للعودة إلى التاريخ المعروف، والغرب من هذه الزاوية لم يتغيّر، فالعالم الآخر هو موضوع وليس ذاتا وخاصة نحن العرب، وبالتالي لا يمكن النظر إلا سلوكه من زاوية خطابه الظاهر‭.‬

إنه يتفرج على مئات الآلاف وهم يُقتلون بالبراميل المتفجرة، ويسأل كيف نقاوم الإرهاب؟ لقد دعّم أعتى الدكتاتوريات في العالم، كل شيء خارج حدوده يحقق مصالحه مباح، بهذا المعني هو في السياسة المتعلقة بمصالحه لا أخلاقي بامتياز‭.‬

بالمقابل الغرب أنتج وما زال ينتج الإنسان المركز الحر، الديمقراطية الغربية الصورة الجميلة حتى الآن لإنتاج السلطة، عالم الحرية أنتج القيم المعادلة لها، في كل انتصار للإنسان يكون هناك انتصار للقيم والأخلاق، ولهذا ما ينطبق على الغرب كسياسة لا ينطبق على الغرب كمجتمعات‭.‬

من النادر أن تجد مبكراً لم ينهل من نبع الغرب، لن تجد مثقفا لم تكونه ثقافة الغرب إلى جانب ثقافته‭.‬ غير أن نزعة التفوق عند الإنسان الغربي صارت حالة لا شعورية‭.‬

الصورة الكئيبة

لماذا لم يقم الفكر العربي بأيّ مراجعات حقيقية بصدد ما جرى ويجري منذ ربع قرن وحتى اليوم؟ أين اختفى الفكر؟ أين اختفى المفكرون وهل تظن أن جيلاً جديداً يمكن أن يخرج ليغير هذه الصورة الكئيبة للعرب اليوم؟

برقاوي‭ ‬“إلى أين يا أبتي، إلى أرصفة انتظار جديدة”‭.‬ هكذا كتبت على لسان ابنتك وأنت في رحلة هجرة جديدة، كيف يمكن فهم حالة الهجرة والتهجير الجديدة للشعب الفلسطيني إلى أوروبا؟ وهل بالإمكان القول إنها تجربة مكان جديدة على اللاجئ أن يحياها؟ وكم ستغيّر هذه الهجرة من أسئلة اللاجئ الفلسطيني حول وجوده وحول قضيته فلسطين؟

ليس هناك أصعب من اللجوء والهجرة وترك المكان قصراً وعنوة هرباً وخوفاً وتسوّلا للأمان‭.‬ اللاجئ كائن يعيش في المؤقت، في المكان والزمان المؤقتين، وفي حال انتظار للعودة وحنين إلى العالم الذي عاشه‭.‬

تجربة السوري والفلسطيني من حيث اللجوء الذي أتحدث عنه ومن حيث ماهيته واحدة، وإن كانت لدى السوري ممرضة أكثر، لأن خوفه وقاتله ونافيه هو ابن بلده، حاكمه الذي يتكلم لغته، تخيل حجم المأساة أن يهجُر شعب أو جزء من الشعب وطنه بسبب حاكمه!

والفلسطيني السوري الذي يعيش تجربة اللجوء مرة ثانية يعيش حالة اللامعقول‭.‬ لذلك تساءلتُ على لسان ابنتي أيلجأ اللاجئ يا أبتي‭.‬ ابن المخيم، وأنا عشت عمري في المخيم، وأخوتي في المخيم، وقبور أمي وأبي وأخي في مقابر المخيم، ابن المخيم وهو يتجه إلى عالم أوروبا، يقتلع من عالم لجوئه الأول، لأن ذوي القربى أشد إيلاماً، يعيش أزمة وجودية عميقة ومأساة غريبة، لقد وجد نفسه مرة أخرى يهيم على وجهه باحثاً عن مكان يجد في ما يحقق له شيئا من إنسانيه‭.‬

ابن مخيم اليرموك ومخيم سبينة ومخيم درعا‭..‬ الخ وهو يرحل إلى أوروبا يقول للذين يغلقون الحدود القريبة في وجهه أكرهكم يا حكام بني أمي الأقربين‭.‬ تجربة اللاجئ في لبنان القريبة منه ولدت لديه الشعور بالعدم‭.‬

سلطة منحطة أخلاقياً، أنتجها نظام طائفي حطم الحياة المعشرية ومنع قيام فكرة الدولة والوطن، وزرع العنف في نفوس أبنائه وانعكس كل ذلك على اللاجئ الفلسطيني-السوري وهو في رحلة اللجوء إليه، فقرر أن يغادر كل هذا العالم إلى السويد والنرويج وألمانيا وبلدان أوروبية أخرى حيث الكرامة البشرية‭.‬

ربما لا يعيش الطفل الراحل مع أسرته مأساة ترك المكان، لكنّ إنساناً بلغ من العمر عتيّا ووطنه أمام عينيه وعاش تجربة انتظار العودة، وعاصر الثورة، ولديه مقبرة الشهداء التي تضم ذويه لن يصمد روحيا وجسديا أم هذا الاقتلاع الجديد‭.‬ إنها من أصعب المآسي التي لم تخطر على بال‭.