الخضر‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العالمي

ما الحاجة لأن يلوذ الكثيرون بشخصية الخضر أو ما يعادلها من شخصيات سوبرمان؟ هل هي الرغبة في البحث عمّن يحقق لهم رغباتهم المستحيلة؟ أم هي مقاومة من نوع ما؟ عبر مباحث متعددة يسعى الدكتور محمد أبوالفضل في كتابة «الخضر في التراث العالمي» الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة (القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد) إلى تقديم إجابات عبر استعادة شخصية الخضر في كافة جوانبها؛ لما مثلته هذه الشخصية من غموض؛ فقد تنازعت عليها حقول معرفية عِدة دينية (إسلامية ومسيحية ويهودية) وأخرى أسطورية بعضها تنحو منحى صوفيًا وأخرى ذات منحى شعبي يأتي رديفًا للبطل الشعبي ومساندًا له ومفكِّكا لكافة العقبات التي تواجهه‭.‬ كما يكشف بدران عن غموض الشخصية وكراماتها، وَيُفسِّر أسباب ثرائها وتقاطعاتها في التراث الثقافيِّ والإنسانيّ بصفة عامة‭.‬

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(144)]

يبتني المؤلف كتابه على تساؤلات يطرحها، يسعى للإجابة عنها منها ما سبّب انشغال المفسرين وعلماء الحديث وأصحاب الفرق وعلماء الكلام والنُّقَاد والشعراء والكُتَّاب والفلاسفة والفنانين بالخضر؟ ومنها كيف تحوّل الخضر إلى مصدر إلهام للأولياء؟ ومصدر إبداع؟ والأخير عبر توسيع مخيال الناس فمنهم من يُقسم أنه يراه وهكذا‭.‬ وقد تدخل التساؤلات في دائرة علم الأديان المقارن من خلال دوافع الخلط بين شخصيات الخضر وإلياس وجورجيوس؟

يحتوي الكتاب على أربعة أقسام هي: المستشرقون والخضر، والمفسِّرون والخضر ودور المفسرين في نشأة النقد الأدبي وتطوره، والصوفيون والخضر، وأخيرًا الخضر في الأدب‭.‬ في الحقيقة لا أعرف سببًا أو دافعًا يُبرِّر للمؤلف تقديم الجزء الخاص بالمستشرقين عن سائر مباحث الكتاب، فكان الأجدى به تأخيره إلى نهاية الكتاب، خاصّة أن الشخصيّة في أحد جوانبها إسلاميّة مهما كان لها من ترددات في الأديان الأخرى وهو ما انعكس على أشكال التعبير المختلفة‭.‬ خاصّة أن المستشرقين نظروا إلى الخضر على أنه أسطورة، وقد وقف المؤلف على عناصر الالتقاء والتباعد بين شخصيتي الخضر وجلجماش ومن أهمها أن جلجماش يبحث عن الخلود في حين أن الخضر لا يبحث عنه، لكنه هِبَة‭.‬

ثم يقف الكاتب عند شخصية الخضر بين ريكرت والقزويني دراسة مقارنة، ويرى أن الشاعر الألماني فيريدريش ريكرت في قصيدته عن الخضر والتي ترجمها المؤلف بنفسه قد تشبَّع بالثقافة الإسلاميّة، كما ركَّز الشاعر على جوهر شخصية الخضر المتمثِّلة في ديمومة الحياة، ومن المقارنة ينتهي المؤلف إلى أن الشاعر اعتمد في مصادره على ما أورده القزويني في كتاب “عجائب المخلوقات”‭.‬

يأتي المبحث الثاني «المفسرون والخضر ودور المفسرين في نشأة النقد الأدبي وتطوره»، كدراسة لأثر المفسرين في نشأة النقد القديم، ومرجع فرضيته التي تُعَدُّ استكمالاً لما انتهى إليه في أطروحته للماجستير عن «دور الشعراء في نشأة النقد وتطوره»، إلى أن معظم مُصطلحات علم الحديث والفقه والتفسير انتقلت إلى النقد الأدبي، بل يذهب بعيدًا إلى أن عناوين بعض الكتب النقدية التراثية ما هي إلا صدى علوم الفقه والحديث والتفسير، ويدلّل لهذا بطبقات الشعراء، والموشّح في مآخذ العلماء على الشعراء، ومنهاج البلغاء وسراج الأدباء، وغيرها‭.‬

ورغم أن المؤلف بهذه التساؤلات يريد أن يعود بجذور النقد العربي القديم إلى أدوات التفسير والمفسرين، فإنه في تحليله لقصة الخضر في سورة الكهف يعمد في التحليل إلى أدوات وإجراءات التحليل النقدي للبحث عن مصادر رواية الخضر التي وجدها عند كعب الأحبار ونوف البكالي ووهب بن منبّه ومقاتل بن سليمان، ثم يعرِّج على ما وَرَدَ في الأحاديث النبوية حول شخصية الخضر، وإن كان أورد المؤلف إنكار البعض كالعراقي وابن الجوزي لجميع ما ورد حول اجتماع الخضر بالنبي صلى الله عليه وسلم أما الشيء الذي يلفت انتباه المؤلف بل يتخذه حجة على فساد الخطاب الديني السائد القائم على الانتقاء والتغييب، وهو ما ارتآه من موقف ابن تيمية في قصة الخضر، والحقيقة أنهما موقفان متناقضان حيث الأول يرى أنه ليس من الأحياء، في حين جاءت الفتوى الثانية في سياق آخر أنه حيّ، ثم يتطرق إلى الخضر بين الولاية والنبوّة، وأن العبد الصالح الوارد في القرآن يعود إليه، ثم يبين أسباب تلقيبه بالخضر ومرده كما ذكر ابن الجوزي “لأنه إذا جلس اخضّر ما حوله”‭.‬

يقف المؤلف في مبحث مستقل بعنوان «الصوفيون والخضر»، عند الحكايات الأسطورية التي أحاطت بالشخصية، حيث وجد الصوفيون في شخصية الخضر وما حُكي عنه مادّة خصبة لترويج أفكارهم، وتبرير لحالات الهيام من قبل المريدين، وينتهي الكاتب بعد عرض الكثير من علاقات الخضر بالأولياء، إلى حقيقة اختفاء الخضر دون العثور على أثر عليه، لينتقل إلى كُلِّ مَن يلتمس العون منه مِن ذوي الحاجات‭.‬

ويفرد مبحثًا عن علاقة الخضر بابن عربي الذي وجد فيه الأخير مدخلاً للتأويل، فقسّم العلوم بناءً على شخصيته إلى علوم الظاهر والباطن‭.‬ ويبدو أن المؤلف التزم بما قطعه على نفسه في الانشغال بمسألة إنكاره أو وجود، فلم يُفنّد الحكايات الخرافيّة مِن الحقيقيّة خاصّة أن معظم حكايات الخضر يتداخل فيها الحقيقي مع الغرائبي والأسطوري في علاقة الخضر بالأولياء‭.‬

لا ينسي المؤلف تجليات الخضر في الأدب، وهو ما يُعَدُّ أشبه بتمثيلات للشخصية في الشعر والرحلة والرواية والقصة والأدب الشعبي، حتى غدت شخصية الخضر رمزًا للكتابة أو موضوعًا لها، سواء في الآداب العربية أو الغربية حيث نجد حضورًا له عند جوته في الديوان الشرقي وريكرت، وكذلك في الآداب الشرقية فنجد له ترددات في أشعار نظامي الذي يراه «سيد العالم»، وفي قصيدة خضر نامة لنصر الدين هنذائي، وكذلك عند حافظ شيرازي، ومحمد إقبال وفريد الدين العطار، مما يشكِّل مادّة خصبة في حقل الدراسات المقارنة كما تمثِّل شخصية الخضر في السير الشعبية دورًا أساسيًا حيث وجدت فيه مواصفات الفارس الذي تنشده وتتبناه، كما تضفى عليه صفات أحادية، فالشيء المهم أن التراث الشعبي أضفى على شخصية الخضر صفات نورانية، وأن عليه هيبة، حتى أنه جعل من اللّون الأخضر الذي يتحلّى به أيقونة ضد الموت ورمزًا للحياة والديمومة‭.‬

يُمثِّل هذا الكتاب إضافة حقيقية لحقل الدراسات الشعبية، وكذلك المُقارنة بما تضمنه من مقارنات واستشهادات من آداب مختلفة دلّل عليها حضور الشخصية في كافة الآداب واللغات المختلفة، وعلى كل ستبقى شخصية الخضر الأكثر جدلاً لشغله الناس في حضوره وغيابه، وإن كان عوّض الأخير في استحضاره في مخيالهم والقصص التي حيكت عنه، وعن خوارقه أو كراماته‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا