دمشقية‭ ‬بين‭ ‬ظهراني‭ ‬داعش

كاتبة‭ ‬سورية‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬مملكة‭ ‬“الدولة‭ ‬الإسلامية”

الجديد  هبة حسن [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(72)]

لوحة: محمود داؤد
شابة سورية من محافظة إدلب تعرّف نفسها بـ”الناشطة”، قررت أن تزور أقارب لها في محافظة الرقة للتعرف على واقع المدينة التي باتت بحكم البقعة السوداء، لما يخص الواقع المعيشي وانعكاسات حكم تنظيم الدولة الإسلامية للمدينة، حصلت "وكالة أنا برس"على حق نشر مشاهداتها لتضع هذه المشاهدات بين يدي القارئ، علّها تقدم جزءا مما يعايشه أهالي هذه المحافظة السورية‭.‬

داعش‭..‬ أو الدولة الإسلامية، واقع جديد يفرض نفسه وبقوة في سوريا أو بعض مناطقها، ليس خبراً يمر نحلله نتأمل في تفاصيله أو نتجاهله، واقع جديد موجود قررت أن أعيشه وسأحاول أن أنقل بأمان بعض تفاصيله، ودون وضعه في أيّ سياق أو توظيفه لخدمة أيّ طرف‭.‬

أصبح “محمد” صديقي بسبب عفويته وثرثرته الممتعة وتعليقه على كل التفاصيل، تمرّ مشاهد قطع الرؤوس في مخيلتي لتشوشني وتبعثر أفكاري حيث أنفصل عنه وأشرد وأعود لأطلب منه أن يحكي القصة التي وصل إلى آخرها، أن يعيدها من أولها ومن جديد!

في الطريق بين إدلب والرقة ينتابني فضولٌ وخوفٌ وشحوب، كما قال لي السائق محمد الذي كان يحاول تهدئتي وتخليصي من خوفي وقلقي، السائق من قبائل الدولة، وهم قبائل معروفة كما سمعت في إدلب، شاب في الثلاثينات، شابٌ قوي، بتعابير وجه قوية وجبهة عريضة وذقن مدورة بلحية خفيفة طارئة لا تتناسب ووسامته ورشاقته، وكأنها مركبة، فلونها أسود، ولون شعره أقرب إلى البني، يرتدي بنطالاً أسودَ ضيقاً و”تي شيرت” برتقالي ضيّق، وحذاء رياضي أبيض، عضلاته مفتولة، وجسمه متوسط ممتلئ وكثير الحركة، أحببت لهجته البدوية ونخوته، يكرر كلمة “يوبا، دحجي”، يعني انظري كثيراً، وقررت الذهاب معه في هذه الرحلة حيث أقسم لي عشرات المرّات أنه يذهب مع زوجته “دوما” ليشتري بعض قطع الغيار، ويصلح سيارته عند “داعشي” ألماني خبير، ويتسوق في أسواق الرقة المزدهرة، والتي تعجّ بالبضائع، ويؤمّن حاجته وحاجة أقربائه من المحروقات “بنزين ومازوت وكاز″، حيث قال إن “ليتر البنزين عند الدواعش بـ150 ليرة فقط”‭.‬

كان “محمد” فضولياً خفيف الظل، وخبيراً يحاول أن يَظهَر كموسوعةٍ عارفةٍ بكل الأحداث والسياسة وتفاصيلها، وكان يجيب على أسئلتي الكثيرة بكل بشاشة، وطبعاً وكعادة السوريين كان يبالغ ليثير انتباهي واهتمامي ويجعلني أركّز معه، وكان ينقل قصصاً مبالغاً فيها، لن أنقلها، حيث قررت توثيق ونقل ما أشاهده بعيني فقط، وأحلى ما في محمد، هو قيامه بحركات تمثيلية مدعِّماً كلامه، فعندما كان يحدِّثني عن الدواعش، كان يصفهم، ويمثّل لي صلاتهم وحركاتهم وطريقة مشيهم وحزمهم وشدتهم، كان يزعجني عندما يصف جثث المصلوبين وقطع الرؤوس، حيث كان يشير إلى رقبته ويمسك رأسه ويحركه، ويشير بيده للنحر مُمرّراً يده على رقبته، ويصف لي الذباب وهو يحط على الجثث والرؤوس المقطوعة‭.‬

في رحلتي هذه بعد زيارتي للبوسنة وتركيا، وجدتُ الفرصة سانحة لخطوة مجنونة، حيث أصبحتِ المسافة قريبةً، وقررت الاقتراب أكثر‭.‬

هدوء المقتولين

هدفي الأول كان معرفة سرَّ هذا الهدوء لدى الأشخاص الذين يُنفَّذُ فيهم حكم الإعدام بالذبح، وغيره من الطرق المرعبة حتى اللحظات الأخيرة، والحقيقة ولا شيء سواها، تفسير “محمد” لم يكن مقنعاً أبداً، وسأرويه لكم فيما بعد‭.‬

واقتربنا لأول حاجز من حواجز داعش في قرية اسمها “مسكنة”، حيث غيّروا اسمها إلى “مسلمة”، أحسست ببرود في أصابعي وارتجاف بسبب الخوف والتوتر، وكنت أحاول أن أبدو هادئةً برغم الحر الشديد، حيث كنتُ أشعر وكأني مسجونة بهذه الملابس السوداء والنقاب، والذي كان يشعرني بالاختناق، شعرت بالضيق، وعندما رأيتهم من بعيد توتّرت‭.‬

كان محمد لايزال يثرثر فصرخت فيه بغضب “اسكت يا محمد اسكت، اخرس، صرعتني شبك ما بئا فيك تسكت”!، وهنا اكتشفت كم أنا متوترة وقلقة‭.‬

وعلى الحاجز كانوا عدة رجال، ومن جنسيات مختلفة وبأحجام مختلفة ملثمين، نظرتُ إلى أحدهم، رأيت عينيه، كان في الأربعينات تقريباً، وبلباس أسود، كان يتمتم بعباراتِ ذكرٍ واستغفار، نظر إليَّ للحظة، نظرت إلى سلاحه وتجمّدتُ عندما رأيت السكين الكبيرة، هنا شعرت بخوف كبير وارتباك‭.‬

ــ من أين أنتم؟ وإلى أين تذهبون؟

قال له السائق “من إمارة إدلب، وهذه زوجتي، وكانت تعابير وجهه تحاول إخفاء ابتسامته في محاولة لكيلا يظهر ساخراً ويثير غضبهم‭.‬

ابتسم الداعشي وقال “إمارةُ إدلب‭..‬ الله معك”‭.‬

وانطلقنا، اعتذرت من محمد الذي كان ساكتاً، وافتقدت حديثه، وأنا منتشية وسعيدة “بس هيك التفتيش يا محمد؟ يا ريت جبنا الكاميرا”‭.‬

لكن محمد ظل صامتاً وغاضباً، ثم قال “اسمعي يوبا أنا ما حدا بيزر فيني أو بيرفع صوته عليّ، حتى مرتي ما بخليها ترفع صوتها عليّ” ولم يتكلم لدقائق، تركته فيها حتى يهدأ وأهدأ، وأستعيد نبضي الطبيعي، ثم قال لي “صوري بكاميرا الموبايل بس ديري بالك حدا يشوفك، وإذا بدك خبّري الشرطة إنك صحفية ومناخد تصريح من الأمير”، وصمتَ محمد للحظات، وشعرت فيها بالملل، وكررت فيها اعتذاري له وغرقت في أفكارٍ وتأملات، وضِعْتُ بين صورٍ في ذهني من الماضي، حيث اختفتْ صور المقبور حافظ وابنه بشار تماماً، وهذا شعور لم أعتده، وأجرّبه لأول مرة‭.‬

دوار المصلوب

لم يدم فرحي إلا لحظات، حيث اقتربنا من دوار شاهدت على طرفه شخصاً مصلوباً منذ أيام، أخبرني محمد الذي نزل وقرأ الحكم المعلق أنه عميل “للنظام النصيري” كما يسمّونه الآن، حيث أُدين من قبل شرعيّي داعش، واعترف بوضع شرائح في عدة أماكن، وتسبب بقصفٍ من طائرات بشار المجرم، أزهق أرواح المئات من الأبرياء‭.‬

يتوقف بعض الأشخاص ويرجمونه بالحجارة، ويشتمونه ويعودون للسير من جديد، كما عدتُ أنا ومحمد للسير في لحظةٍ اختلطت فيها أمور كثيرة‭.‬

سوق السبايا

اليوم الثاني “الخوف” و”حقيقة سوق السبايا والجواري”: شعرت أنَّ المدن والقرى كلها ترتدي النقاب وتعيش في جلباب أسود، كان شعوراً غريباً ينتابني مع كثرة هؤلاء الغرباء المسيطرين، ولهجاتهم ولغاتهم المختلفة‭.‬

هذه سوريا بجمالها وجمال طبيعتها الساحر ونسائها وصباياها الجميلات، وألوانها ونسيجها المزركش بتنوع ثقافاتها، وغنى تراثها وأزيائها المختلفة المحتشمة وغير المحتشمة، والطويلة والقصيرة، الضيقة الفاتنة الملونة، وكل أناقتها رغم البساطة والفقر‭.‬

أصبحت أشعر كأني غريبةٌ ووحيدةٌ، ولا أنتمي لهذه المدن المنقّبة، أصبحتِ المدن والقرى بلا ملامح، شاحبةً تثيرُ الحزن، ومناظر الأبنية التي دمرها القصف مؤلمةً تهزُّ المشاعر، وتشعرني بغصّة‭.‬

جسر الرقة

وصلنا إلى جسر الرقة الذي يُدخلنا لمنطقة “الجزيرة” كما تُسمى، واليوم في ولاية الرقة “الداعشية” أصبح اسمه “جسر الرشيد” فهي رقة الرشيد، ردد محمد أغنية “من فوق جسر الرقة سلم علي بيدو، ما قدرت أرد السلام، خاف يقولولي تريدو”، أعجبتني الأغنية وكلماتها البسيطة، كنت متعبة كثيراً، وأرغب بسرير نظيف وحمام دافئ، كان التنقل في الشوارع بطيئاً بسبب الحواجز وضيق الشوارع وأحيانا ازدحامها، مررنا بمناطق وقرى جميلة، التقطت بعض الصور وأرفقتها هنا، وصادفنا أشخاصاً كثيرين‭.‬

في المدن دوريات شرطة يصدرون مخالفات، ويتفقدون صلاحيات أنوار السيارات، مثلاً: نال محمد مخالفة بسبب ضوءٍ خلفي مكسور، وكان قد كُسر بحجر ضربه أحد الرعيان الذي كان يستهدف ماشيته‭.‬

أنا غايتي لم تكن الإساءة أو تحسين صورة داعش ولا غيرها ولا المشاركة في الشحن ضدها، فالعالم كله في حرب ضد داعش‭.‬

قبضة داعش

أخبرني محمد، أنه “هنا في المدن والطرق والأماكن النائية وفي الليل وفي النهار أمان، ولا توجد أيّ مشاكل سرقة أو نهب أو قطع طريق، بعكس مدينته التي تعج باللصوص والمشلِّحين وقطاع الطرق والزعران، الخوف من داعش وعقوباتها جعل الجميع يفكر قبل الإقدام على أيّ جناية أو فعل”‭.‬

وأكَّد لي، أنه “في حال سيطرة داعش على مدينته، فربما سيموت المئات من الذين سيطبّق عليهم الحد، وهناك قضاءُ حلِّ مشاكل وقضايا عالقةٍ كانت متعفنة لعشرات السنين في محاكم الأسد، التي كان دستورها الرشوة والمحسوبية”‭.‬

الدخان والمشروب ممنوعان، وقائمة طويلة من الممنوعات والمحظورات لا يمكن حصرها، وعمليات تهريبٍ للدخان في سياراتٍ كبيرةٍ بشكل مبتكر، وعقوباتٌ رادعةٌ للمهربين، الصلب لأيامٍ في الشوارع والميادين، جلدٌ للزاني، ورجمٌ حتى الموت للزاني والزانية المحصنين (المتزوجين)، وقذف من بناء عال للمثليين من الذكور‭.‬

الناس فقدوا عفويتهم وأصبحوا متحفظين، لا يتكلمون مع أحد ولا يثقون بأحد، وعقوباتٌ تصل إلى حد قطع الرأس، لمن يشتمُ الذات الإلهية، أو سيدنا محمد “صلى الله عليه وسلم”، وتذكرتُ عناصر عصابات الأسد كيف كانوا يستقبلوننا في رمضان في المطار، يدخنون ويشربون القهوة ويشتمون الذات الإلهية أكثر مما نلقي على بعضنا السلام‭.‬

دوريات الحسبة

هناك دورياتُ “حسبة” من الرجال ومن النساء لإلزام النساء بالملابس المحتشمة، وهناك أيضاً موظفو بلدية وخدمات عامة، ومشافٍ تقدم الخدمات مجاناً، أرصفة جديدة، صيانة للشوارع، وسيارات إعلامية تبثُّ خُطبَ البغدادي، وتعرض إصدارات اليوتيوب وغيرها في بعض الشوارع والساحات، ديوانٌ للزكاة، وسياراتٌ لتوزيع الغاز، ستةُ دولارات تقريباً للجرة، وعقوباتٌ صارمة لمن يحتكرها أو يرفع سعرها‭.‬

وبمبلغ 700 دولار حصلتُ على عملةٍ ذهبيةٍ من أحد محلات الذهب، خمس دنانير أرفقتُ صورتها، وهذا المبلغ يساوي قيمة الذهب الذي سُكّت منه العملة فقط‭.‬

مساجد مكتظة في صلاة الظهر والفجر أيضاً، كما قيل لي: “فرجال الحسبة يلاحقون ويعاقبون كل من يتخلف حتى عن صلاة الفجر، كنّا نسير في أحد الشوارع الداخلية عندما انقض علينا رجل يحمل خيزرانة، ضرب بها على زجاج السيارة، وأشار إلى المسجد بلهجة مغربية: الصلاة أخي الصلاة!”‭.‬

وبنظرة سريعة على الشارع لم أصدق ما أرى، توجّه الناس بالعشرات للمسجد، وتركوا محلاتهم مفتوحةً على حالها، قال محمد “إنهم يطبِّقون عقوباتٍ شديدةٍ بحق المتخلفين عن الصلاة واللصوص وقطاع الطرق، ولا أحد يجرؤ على مخالفة قوانينهم”‭.‬

كلام عائشة

دخلتُ إلى مصلّى النساء، صلينا الظهر، ارتحت قليلاً في المسجد بعد الصلاة، وجدت بعض النساء يتحدثن في مواضيع كثيرة، كانت اللهجات مختلفة، امرأة عراقية تتحدث مع أخرى مغربية وأخرى تتحدث العربية بصعوبة، يبدو أنها أجنبية، اقتربت منهن وقلت “السلام عليكم”، كنت قد نزعت النقاب، نظرن إليَّ، وصمتْنَ ولم يعلقن بكلمة، قلت لهن “تقبل الله طاعاتكن، تأمّلن في وجهي، وتحدثتُ مع المرأة الأخرى باللغة الإنكليزية، قلت لها “أنا من إدلب جئت مع زوجي لزيارة بعض الأقارب الأجانب”، ردّت عليّ وابتسمت، اسمها عائشة كانت صغيرة، لم تتجاوز العشرين عاماً، جميلة جداً عيونها زرقاء وشعرها أشقر، تحدثت مع عائشة في مواضيع كثيرة، نستغرب، نضحك، وكانت الامرأتان ــ وكانتا أكبر سناً بكثير ــ ُتنصتان وتضحكان معنا أيضاً، ولكن دون أن تعلِّق إحداهما بأيّ كلمة‭.‬

كانت عائشة سعيدةً جداً بوجودي، والتحدث معي، تحدثنا لأكثر من ربع ساعة بالإنكليزية، وأخبرتني أن كلمة تقبّل الله بدعة ولا يجوز أو يصح قولها!

سألتني، وسألتها عن مواضيع عامة، وفجأةً قررتُ أن أسألها عن حقيقةِ سوق الجواري والسبايا، وعن النساء وبيعهن أو سبيهن، ضحكتْ عائشة وقالت “إن هذا محض إشاعات” وإنها مع زوجها منذ أشهر، ولم ترَ أو تسمعَ عن أيّ شيء من هذا‭.‬

قرع رجل على النافدة المغلقة للمصلّى، نادى باسمها: “عائشة”، وضعت نقابها واختفت بين الأقمشة السوداء، وانطلقت مسرعةً وتركتني وحيدة شاردة في المسجد‭.‬

لم آخذ رقم “موبايلها” أو حساب “الفيسبوك أو تويتر أو انستغرام” أو حتى “الإيميل” كالعادة بعد كل تعارف، كان في رأسي مئاتُ الأسئلة التي كنت أود توجيها للداعشية الأولى التي التقيتها‭.‬

زوجة محمد

سمعت صوت محمد ينادي باسم زوجته وكنت غارقة بالأفكار، لدرجة أنّي قلت له لا يوجد أحد “أخي” ربما زوجتك ذهبت!

وتذكرت أنه اسمي الجديد في بطاقة الهوية الجديدة التي معي، قلت له “نعم نعم أنا قادمة”، ارتديت نقابي وخرجتُ من باب المصلّى، وتعثرتُ على الأرض بسبب عباءتي الكبيرة، ركبنا السيارة وانطلقنا من جديد‭.‬

كان المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالراحة والهدوء، والإحساس بكوني غير مراقبة من “الدواعش” ونظراتهم المتفحصة، هو المسجد‭.‬

أعجبني مصلى النساء فكررت فعلتي لاحقاً، وبدأتُ أتقرّبُ ممّن أشعرُ بقلةِ تحفّظها وبساطتها‭.‬

كنت أتوجه لبعضهن بأسئلة عن أمورٍ عامّة، كأماكن بيع بضائع أو سؤالٍ عن مراكز علاج أو أطباء، وبعد دردشةٍ خفيفةٍ، كنتُ أتوجه بأسئلة ثقيلةٍ ومباشرة، وكنت أستهدف زوجات المهاجرين كما تسمِّيهم داعش، كانت سذاجةُ وجهلُ بعض “الداعشيات” واضحةً تماماً‭.‬

فعندما سألتني إحداهن لماذا لا تصلّين؟

قلتُ لها “إني على سفر وجمعت صلاة الظهر والعصر”‭.‬

حدّقت إليّ ببلاهة وقالت “لم أسمع بهذا في حياتي!”‭.‬

بعضهن من المسلمات حديثاً واطلاعهن كان قليلاً جداً على الإسلام الحقيقي وجوهره، وسيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتسامحه، وجهلهن واضح ببعض المسائل الفقهية البسيطة، وكان هذا ظاهراً في طريقةِ صلاتهن وعدم تمييزهن بين السنّة والفرض الواجب والمستحب‭.‬

الإسلام لم يهمل العقل، ولم يضع حدوداً للتفكير، هناك مُسلمات نعم، ولكن في أمور الفقه والفتاوى لم يُغلق الباب أبداً، وكان اختلاف العلماء والفقهاء على مدار عقود رحمةً للأمة، ولم يكن سبباً للتفرقة والعداء‭.‬

امرأة من سمرقند

رأيت في المسجد فتاةً بملامح “قوقازية” وأُخرى “مغربية” كانتا تُحفّظان القرآن لبعض البنات الصغيرات بعد صلاة العصر، وتعطيانهن دروساً في أمور الفقه البسيطة، كانت الروسية تتحدث العربية بشكلٍ جيد، وكانت الصغيرات سعيداتٍ بالتعلم وحضور الدرس، شعرتْ الروسية بأني أنظر إليها كثيراً، وبعد انتهاء الدرس توجهتُ إليها وقلت “جزاك الله خيراً على تعليم الصغار”‭.‬

نظرت إليّ وقالت “الحمد لله”‭.‬

قلت لها “أنت من الشيشان؟”‭.‬

قالت “لا أنا من سمرقند أوزبكستان”، سألتني “وأنت من أين؟”‭.‬

قلت لها “أنا سورية من دمشق”‭.‬

قالت “لم أرك من قبل، هل أنت مقيمة هنا؟”‭.‬

قلت لها “لا أنا في زيارةٍ لبعض الأقارب”‭.‬

قالت “إن كنت مسلمة وملتزمة، لماذا لا تأتين للعيش هنا في أرض الخلافة؟ بدل الإقامة في أرض الكفار!”‭.‬

قلت لها “نحن لا نقيم في أرض الكفار نحن في سوريا، مسلمون ونمارس عبادتنا في مساجدنا، ولدينا علماء وأئمة كبار، ومعاهد شرعية ونعيش ونتعايش مع بعضنا كشعب، مع اختلافِ طوائفه منذ عقود، ومشكلتنا فقط مع عصابة الأسد، وهي عصابة تحاول الاستمرار في حكم الشعب السوري حكماً قمعياً دكتاتورياً والقضاء على الثورة!”‭.‬

وسألتها “إن ابنتك صغيرة لماذا ترتدي الحجاب؟ الحجاب فرضٌ على البالغين فقط!”‭.‬

سلّمت علي، احتضنت ابنتها وذهبت دون تعليق، وتركتني مع عشرات الأسئلة بلا إجابة‭.‬

دولة مخابراتية

داعش الدولة الاسلامية في الشام والعراق المفترضة والمزعومة، إني لا أكاد أراها أحياناً تختفي ملامحها نهائياً في بعض الشوارع والأحياء‭.‬

كيف يتعايش السوريون معها وينظرون إليها؟ وما هو رأيهم بتجاوزاتها وانتهاكاتها وتطبيقها للعقوبات الرادعة بقوةٍ وصرامةٍ ضد اللصوص وقطاع الطرق والنخب والناشطين والعقول وأصحاب الخبرات؟ وما مدى تقبل الناس لتبريراتها؟ هل هذا مجرد تطبيق للعدالة بمفهومها العام؟ أم عملية ممنهجة وخبيثةٍ، لإحكام السيطرة على السوريين وتهميشهم؟ وما هو رأي “الداعشيين” في ذلك؟

داعش التي اقتحمت واقعنا بعد سنتين من عمر الثورة، وفرضت نفسها في مناطق محررة من بطش النظام وقمعه وإجرامه، كانت سكيناً في ظهرناً‭.‬

كما أكّد لي أحد الناشطين في قرية “مسكنة” وقصّ عليّ تفاصيل تعديات داعش على عناصر وقادة أحرار الشام، ونقض داعش للعهود والمواثيق التي أُبرمت معهم‭.‬

قال لي إنه مسلمٌ يصوم ويصلّي، ويلتزم بتعاليم الإسلام، ولكن في لحظةٍ من الممكن أن يصبح مرتداً وكافراً، وأشارَ بيده لرقبته “أي يقطع الداعشيون رأسه “‭.‬

“داعش دولة مخابراتية بامتياز″، فلقد استهدفت داعش أغلب الثوار والمتظاهرين والناشطين، وقامت بسلسلة من عمليات الاغتيال والاعتقال وتطبيق الحد على قادة الفصائل المسلحة، على اختلاف توجهاتهم من إسلامية، من متشددة لمعتدلة لبسطاء من منتسبي الجيش الحر من قادة الفصائل الصغيرة، فقدمت خدمة كبيرة للنظام “النصيري” وشاركته في القمع والاستبداد والقضاء على المسلحين، ووصلت سياسة التكفير “الداعشية” إلى اعتبار أيّ فصيلٍ في “الجيش الحر” من الكافرين‭.‬

في فكر داعش ليس هناك نقاشٌ أو اعترافٌ بوجهة النظر الأخرى، كل من يختلف مع داعش مرتدٌ عميلٌ خائن، حتى ولو كان نشاطه فكرياً أو سرياً، بل حتى ولو لم يكن يمارس أيّ نشاط‭.‬

قائمة طويلة من أسماء قادة وناشطين، أجهزت عليهم داعش واغتالتهم بدم بارد، ووضعت جثثهم في الأماكن والساحات‭.‬ كيف أثَّر فكر تنظيم “الدولة الإسلامية” على مجتمع الرقة؟ وهل هذا الهدوء والتحفظ خوفٌ وقبولٌ بالواقع، أم تأييد واعتراف، مع الجهل المتفشي لدى الكثيرين من البسطاء في منطقة نائية كالجزيرة؟

من الممكن أن تلاحظ بعض التأييد بسبب بساطة وجهل المئات حتى بالإسلام الصحيح، هذا عدا عن جهل القادمين من دولٍ مختلفةٍ، واختلاف ثقافاتهم وتفاوت درجة فهمهم، إذا تغلغلت داعش، فرضت نفسها ووجدت تربة خصبة للتطفل والانتشار‭.‬

لحظة الاعتقال

سمعت صوت “محمد” يناديني، “كان صوته مختلفاً هذه المرة!”‭.‬

نهضتُ بسرعة، وفتحت باب المصلى، كان هناك عددٌ من المسلحين يحيطون به، نظرت إليه، كان معصوب العينين‭.‬

أشار أحدهم إلى السيارة، ركبت السيارة، وقبل أن نتحرك، وضعوا عصابة سوداء على عينيّ، حاولت طمأنة نفسي، لقد راجعنا روايتنا وأدق تفاصيلها عشرات المرات، هذا هو الرعب الحقيقي الذي يتحدثون عنه الخوف ولا شيء سواه‭.‬ مرت تفاصيلُ حياتي كلها، وتزاحمت الأفكار، تعاركت، تصارعت، وذهبت بخيالي بعيداً‭.‬ حركت أصابع قدمي، واكتشفت بعد دقائق أنني حافية القدمين، وقد نسيت حذائي على باب المسجد، كنتُ أظنُّ بأني قد تغلبتُ على خوفي وهزمته في اللحظة التي مررت فيها من معبر “باب السلامة”، ولكني كنت مخطئة تماماً‭.‬

لوحة: محمود داؤد

السلامة‭.‬ هذا التناقض مستفز جداً‭.‬ أنت معتقل لدى داعش، هذا يعني وبحسب ما نعرفه عنهم، أنك ميت لامحالة، ويعني أن تعي تماماً أن بكاءك، انهيارك، توسلك، تقبيل أيديهم، وأرجلهم ومحاولة رشوتهم، لن يغير من مأساتك أبداً، بل ربما زاد من وضعك سوءا‭.‬

كيف ترشي من يظن أنه باع دنياه بآخرته؟ أنت تفكر فقط في الطريقة، طريقة التنفيذ، وهل سيبتكرون بعملية إعدامك طريقة جديدة ومرعبة كالعادة؟

شعورك بالأمل لا تفقده أبداً، هذا سر صمتك وهدوئك، وربما قناعتك بأنك مهما فعلت لن تغيِّر من مصيرك شيئاً‭.‬

في هذه اللحظات يتجسد خوفك ليصبح واقعاً، ومهما كان الواقع مخيفاً فإنه لا يستحق في بعض الأحيان كل ما سبقه من الخوف والقلق‭.‬

أنا فتاة سورية، وفي وطني معتقلة لدى قواتٍ، لجماعةٍ، لتنظيمٍ، لدولةٍ أخرى لم أعترف بها ولم يعترف بها قسم كبير من السوريين ولا يعترف بها العالم بأسره ولكنها موجودة ومسيطرة، تعتقل علناً وفي وضح النهار، لا تختطف‭.‬

شعرتُ بأني أسيرة، ولست معتقلة في الواقع الذي نعيشه، لم نعد نستغرب أيّ شيء، ولم يعد صعباً علينا تصديق أيّ شيء‭.‬

عندما أغلقت عينيَّ، صار تركيزي أكبر، صرت أستمع وأشتمّ وأميّز الروائح‭.‬

السائق لم يتكلم أبداً، كانت سيارة كبيرة ومريحة من نوع دفع رباعي ياباني لا تحمل أيّ علاماتٍ أو لوحات‭.‬

كان يجلس بجانب السائق شابٌ مغربيٌ لم يتوقف عن الحديث عن مباريات الدوري الإسباني‭.‬

تحلق بخيالك: ما الذي سيجري لك؟ ما الذي سيحصل؟ تبتعد بعيداً بخيالك، ها أنت ترتدي الزيَّ البرتقالي، وترى الكاميرات والكومبارس والسكاكين وموقع التصوير‭.‬

النجاة من هذا الكابوس ليست مستحيلة، كلاّ‭..‬ تتيقن أن النجاة مستحيلة والنهاية ربما في اللحظة القادمة‭.‬

أين أخطأت؟ من الذي تسبب باعتقالك؟

تغوص بين الأحداث التي حدثت معك كلها ولكن دون جدوى، لكنك لا تفقد الأمل ربما بمعجزة إلهية حتى، أنت لا تستحق هذه النهاية وهذا الموت، تشعر أنك وحيد في هذا العالم، وأنك لا شيء، تتضرع إلى الله تشعر بأنك إليه أقرب‭.‬

لماذا أنا هنا؟

أنت معتقلٌ في سيارةٍ تمضي بك لجهة مجهولة، ويتحكم بمصيرك شقيق مغربي “مرافق السائق” وآخر “السائق” لم تعرفه، ولم تستطع معرفة أيّ شيء عنه، يستطيعان أن يوقفا السيارة، ويمنحانك حريتك، يمنحانك حياتك‭.‬

يقولان “إنك هربت ببساطة”، ويعودان لنقاش أخبار مباريات الدوري الإسباني، وجهت لهما أسئلة كثيرة، ولكن لم يجيبا أبداً، وكأنهما لم يسمعاني‭.‬

تلاشتْ أصواتُ الضجيج والسيارات، وكنّا ننتقل لمنطقة هادئةٍ ومنعزلة على ما يبدو، ووصلنا أخيراً، بعد نصف ساعة تقريباً‭.‬

بعض التكتيكات الجديدة التي قامت بها داعش لمواجهة قصف قوات التحالف، حيث أن هناك مواقع معروفة للجميع، ومواقع سرية نقلت إليها بعض مقرّاتها، ولفت نظري تنقّلِ بعضهم على دراجات نارية‭.‬

عندما نزلت من السيارة، سمعت صوت امرأة “تعالي معي”، ثم أمسكت بذراعي واقتادتني لداخل مبنى، كنت أمشي ببطء لكيلا أقع، تعثرت مرة‭..‬ مرتين‭.‬

أمسكت بي المرأة وكانت قوية، شعرت بذلك عندما حملتني بعد أن تعثرت بأحد الدرجات‭.‬

دخلنا المبنى ونزلنا للقبو، وشممت رائحة طبخ‭.‬ مشينا في أحد الممرات، وبعد أن دخلنا لأحد الغرف أجلستني على “كنب جلدي مريح” لم أسمع صوت طقطقةِ قفل باب، بل أُغلق الباب فقط!

جلست لأكثر من نصف ساعة تقريباً، وبدأت أبكي، ولم أعد أسمع أيّ شيء، لم أسمع إلا أصواتاً بعيدة غير مفهومة، وخطواتِ أقدامٍ في الممر تأتي من بعيد، تقترب، تبتعد مرة أخرى‭.‬

كنتُ أظنُّ أني في الغرفة لوحدي، لم أسمع شيئاً لدقائق، وفجأة سمعت صوتاً يسألني بالإنكليزية:

- هل أنت جائعة؟ هل ترغبين ببعض الطعام؟

ــ شعرتُ بصدمة كبيرة! متى دخل هذا الشخص إلى الغرفة؟ هل هو موجود؟ هل أتى من باب آخر؟

ــ قلت له بالعربية -لأني عرفت أنه عربي، في محاولة لكسب ثقته وإخباره بأني سورية، ولأني توقعت أنه يعتقد أنني أجنبية ــ “لا شكراً‭..‬ أريد أن أشرب فقط”‭.‬

ثم قام شخص ونزع العصابة عن عيني، وفكّ الربطة البلاستيكية عن معصمي، ثم قال لي“انزعي نقابك، وأعطاني زجاجة ماءٍ بلاستيكيةٍ باردةٍ”‭.‬

وعاد وجلس على كرسيٍ على طرف المكتب، ووراء المكتب كان شخص يجلس وأمامه جهاز كمبيوتر من نوع “ماك” حديث من الإصدارات الحديثة، وعاد يتصفح فيه بتركيز كبير‭.‬

حدقت بهما لدقائق دون حتى أن أرمش، ومن ثمة أمسك “موبايلي” وبدأ يتصفح به ثم سألني مستغرباً:

– أنت سورية!

هل لديك هاتف آخر غير هذا؟

“كان شخصاً مخيفاً من النوع الذي يصعب الكذب عليه، صاحب خبرة كبيرة”‭.‬

- نعم أنا سورية من دمشق، وليس معي غير هذا الهاتف‭.‬ وسألني بعض الأسئلة عن منطقتي في دمشق وعن وجهتي، وعن زوجي المفترض وماذا أفعل هنا؟

أجبته بإسهاب وبكل ثقة ثم وجهت له سؤالاً: لماذا أنا هنا؟ لم يجب أبداً على أيّ سؤال من أسئلتي، كان يحاول قراءة تعابير وجهي، وتقييم انفعالاتي‭.‬

كان يبدو أنه ذكي وأنه استخباراتي يتقن أساليب التحقيق، ولا يبدو عليه أبداً أنه من الإسلاميين، فلحيته لم تكن طويلة، وكان يرتدي بدلة عسكرية، ولم يكن يرتدي الزي الأفغاني‭.‬

ثم قال لي “هل أنت صحفية؟‭..‬ أنت توجهين أسئلة كثيرة!”‭.‬

قلت له “لا أنا لدي بعض الفضول فقط”‭.‬

قال لي بهدوء “أحياناً الفضول يقتل صاحبه، ظهرت على وجهه علامات امتعاض‭..‬ أأخذوها؟ وأشار بيده، ثم قال “أحضروا فاطمة”‭.‬

“تذكرت اسمها، هي العراقية التي التقينا بها في المسجد في المرة الأولى”‭.‬

قام الشاب وأشار إليّ “ضعي نقابك”، ثم وضع العصابة على عينيّ، وفتح الباب ثم أحسست بيد المرأة نفسها تقتادني إلى السيارة‭.‬

سألتني “هل أنت جائعة؟ إن كنت ترغبين ببعض الطعام تفضلي من هنا”‭.‬

قلت لها “لا”، وسألتها أين زوجي؟ ولكنها لم تجب أبداً‭.‬

خرجنا من المبنى، وركبت السيارة، وعدنا للمسجد، ووضعوني في نفس المكان وذهبوا‭.‬

حاولت أن أسألهم عن محمد ولكنهم لم يجيبوا أبداً‭.‬

أنزلوني وابتعدوا مسرعين‭.‬

هذا ما حدث معي‭..‬ بكل تفاصيله‭.‬ كان محيراً، لم أستطع تفسيره أو معرفة أسبابه‭.‬ ما الذي أرادوا معرفته؟ وما الذي عرفوه بعد أن اعتقلوني؟ لماذا اعتقلوني؟ ولماذا أطلقوا سراحي؟!

يبدو أن لداعش أجهزة أمنية متطورة، تحاول بناء منظومةٍ أمنيةٍ متكاملة، وأجهزةِ استخباراتٍ لتثبيت سيطرتها، وحكمها على الأرض، منعاً لأيّ اختراقات وتحسباً لأيّ تطورات‭.‬

كانت المرة الأولى التي أعرف فيها أن داعش تطلق سراح أسرى أو معتقلين، وأن الاعتقال يكون على مراحل، وأحد مراحل الاعتقال، أن تُعتقل ويُطلق سراحك دون معرفة الكثير، ودون معرفة أيّ معلومةٍ مفيدةٍ تقريباً‭.‬ ربما أُطلق سراحك بشكل مؤقت، وربما تكون مُراقباً‭.‬

ولهذا قررت الانتقال لتل أبيض، وبسرعة، ولكن محمد لم يعد بعد، وطالما أطلقوا سراحي فحتماً سيطلقون سراحه‭.‬ قررت أن أنتظره ساعة أو ساعتين، وأتابع طريقي من جديد‭.‬

داعش للجميع

في بنية داعش هناك شرائح مختلفة من الداعشيين، وفي منطقة استطاعت أجهزة مخابراتها اختراق الجهاديين أكثر من مرة، وتجنيدهم تحت غاياتٍ نبيلة خدمةً لمصالحها، فمن الطبيعي أن تجد العشرات، وربما المئات ممن يستعدون للتضحية بأنفسهم من أجل الدفاع عن”الدولة الإسلامية” المثالية‭.‬

وهؤلاء المُخترقون ليسوا بقدر أهمية القادة والمتحكمين في بنية داعش من الأمراء والخليفة، ربما هناك منظومة خفية أخرى لها حساباتها ومصالحها وطريقة عملها، تشعر بوجودها، تشعر بأن الجميع هنا لا يملك من أمره شيئاً، وأن هناكَ قوى خفية تدير الأمور‭.‬

يقولون: إن داعش إيرانية، ويقولون: إن داعش أميركية، ويقول البعض: إنها من صنع نظام الأسد، ورغم كل هذه التناقضات، تجد في أفعال داعش وسياساتها ما يثبت كل هذه النظريات والكثير غيرها‭.‬

هناك المهاجرون من دول أوروبا، وهناك المهاجرون من كندا وأميركا وأستراليا وباكستان والمغرب وتونس، ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل أن تلتقي بهم وتوجّه لهم أسئلة مباشرة، وخصوصاً بعد ما حدث معي ومع محمد‭.‬

تستمع لأحاديث من هنا وهناك، وبلهجاتٍ ولغات مختلفة، وتبحث عن أهل الرقة، تكاد لا ترى النساء في الشوارع‭.‬

عندما تلتقي بهم، تتحدث معهم، تشعر بخوفهم وتحفّظهم، ربما يعبّرون عن تأييدهم، ولكن تشعر بأنهم مكرهون، أو أن الوضع لا يعجبهم، ولديهم انتقادات وتحفظات كثيرة‭.‬

يحدثونك بفرحٍ عن منجزات داعش في المدينة، من رصفهم للطرق، وتأمينهم لكلّ مستلزمات الحياة، وتنظيمهم حتى للأسواق وضبطهم لأسعار السلع التي اختفت وتلاشت واحُتكرت وارتفعت أسعارها بسبب طمع ضعاف النفوس قبل قدومهم وأثناء سيطرة عصابات النظام‭.‬

يحدثونك عن الزكاة وكيف تُوزَّع على المستحقين والأرامل والأيتام، وكيف يُعامل السجناء وتُقدم لهم وجبات المشاوي في السجون، ويُعاملون أحسن معاملة‭.‬

لوحة: محمود داؤد

الطفل أبو حفص

عاد محمدٌ أخيراً، انتظرته بالتأكيد لأكثر من ساعتين، وتوجهنا لتصليح سيارته، التقيت بأحد الأطفال كان عمره 11 عاماً تقريباً، ويعمل في أحد محلات تصليح السيارات، وكان يبدو من خلال حديثه وإتقانه للعمل الذي يقوم به وكأنه أكبر بسنوات‭.‬

في ملامحه هناك قسوة وكآبة، مزيج من القوة والحزن، شعره أجعد وبشرته مسمرّة بسبب تعرضه الطويل لأشعة الشمس، وثيابه غارقة ومتسخة بشحوم السيارات وزيوتها‭.‬

سألته ما اسمك؟

قال لي: اسمي أبو حفص‭.‬

قلت له: اسمك الحقيقي وليس كنيتك‭.‬

تلفّتَ يمنياً ويساراً، وقال بصوت خافت: أبو حفص، أمي فقط تناديني باسمي “عاصي”، قال لي “الدواعش” إنّ عليّ تغيير اسمي، فاسمي لا يجوز‭.‬

قلت لهم: إن اسمي على اسم نهر العاصي، وليس معصية لله‭.‬

فقالوا: لا‭..‬ اسمك لا يصح، وأسموني “خطاب”‭.‬

قلت له: ماذا عن القصف‭.‬

قال لي: إن قصف قوات التحالف مركّز، ويستهدف مجاهدي الدولة الإسلامية، أبنيتهم وسياراتهم فقط، وهم الآن يتنقلون بدراجات نارية، والدراجات الآن تُسجّل ولها لوحات نظامية، وحتى إن كانوا في مبنى، فإن الصاروخ أو القذيفة تدّمر فقط عبر المكان الذي هم فيه، بعكس قذائف العصابة الأسدية التي تستهدف الجميع وتتناثر شظاياها لعشرات الأمتار‭.‬

“عاصي أو أبو حفص أو خطاب”، شرح لي كيف يميّز قصف طائرات التحالف من طائرات الأسد، وكيف يتعامل معه في الحالتين‭.‬

نـظر الصبي لمحمد وأخبره بأن المكابح تحتاج لخراطة، ولن ينفع تبديلها فقط، وهذا يعني أن نتأخر لساعة أخرى أو ساعتين‭.‬

تجادل محمد معه لدقائق، وقام الصبيّ بإقناعه، ثم قام بفك قطعتين من السيارة، ثبّتهما على دراجته، وانطلق بسرعة بعيداً، وقال إنه سيعود بعد نصف ساعة أو أكثر قليلاً‭.‬

فتاة الموبايل

أدخلنا صاحب الكراج إلى منزله لنرتاح قليلاً‭.‬

دخلت لأحدى الغرف، كانت هناك فتاة ترتدي بنطال جينز ضيّق، وقميصاً، وتضع قليلاً من المكياج، تتصفحُ في أحد الموبايلات الحديثة، عمرها تقريباً في العشرينات، وكان هناك رجل “ستيني” جالساً وأمامه “دلّة” من القهوة المرة‭.‬

أشار للصبيّة، نادى عليها، شتمها: تعالي صبيّ قهوة يا بنت‭.‬

ولكن البنت ظلّت تحدّق في الموبايل وتتصفح به، وبعد أن نفِد صبر الرجل، قذفها بإحدى الوسائد، جاءت وسلّمت عليّ وجلست بجانبي، وأمسكت الإبريق بيدها اليمنى، فصرخ فيها الرجل “اتركي ها لزفت الجوال خرب عيونك”، الفنجان باليمين كم مرة قلت لك هذا؟

قلت له: لا يهمّ يا عم‭.‬

قال يا بنتي: هناك أصول لا يجوز هذا، لا يجوز!

ضحكت الفتاة ببلاهة، وأعطتني الفنجان باليمين‭.‬

فأخذته باليسار فصرخ فيّ الرجل: وأنت أيضا باليمين يا بنتي باليمين‭.‬

أخذتُ الفنجان باليمين وشربته‭.‬ كان طعم القهوة المرّة ببنّها المحمص على الفحم والممزوج بحبات الهيل رائعاً، وكان الرجل الستيني خبيراً في صنعها، وربما غلاّها لوقت طويل‭.‬

وضعت الفتاة الدلة، وسألتُها عن الدواعش: فبدأت بشتمهم، وشتم بشار الأسد وشتم أميركا وشتم كل شيء حتى أحجار الطريق، وقالت إنها لا تستطيع الخروج من باب المنزل دون أن ترتدي العباءة والنقاب، وقام الداعشيون وشرطتهم بسجن والدها لأكثر من مرتين بسبب ذلك، حيث شاهدوها تُحضر له الشاي في الكراج، وكانت بلا حجاب أو نقاب‭.‬ قاموا بسجنه لمدة أسبوع، ولم تنفعه علاقته وصداقته معهم‭.‬

قال الرجل: إن “الدواعش” لا بأس بهم، يطبّقون القانون، وحلّوا الكثير من القضايا العالقة، ولكنهم يتبعون الشدة غالباً، وفي كل القضايا والمواقف، ولكن اللين مطلوب أحياناً‭.‬

سألته ماذا عن المسيحين؟ هل يدفعون الجزية كما أشيع؟

قال لي الرجل: إن إخوتنا المسيحيين بسبب المضايقات واستحالة العيش في دولة “الدواعش”، هاجروا، لم يبقَ منهم أحدٌ تقريباً، وداعش صادرت بيوتهم وممتلكاتهم، بالنسبة إلى الذين لم يبيعوها ويهاجروا، وعلى أيّ حال فنحن كمسلمين نشعر بالضيق، فكيف يشعر غيرنا؟

لا بد أن هذا صعب كثيراً عليهم‭.‬

بدا الحزن واضحاً على الرجل “الستيني” عندما أجاب على سؤالي الأخير، فسألته عن سبب ذلك؟

قال لي: إن له جاراً مسيحياً منذ عقود، وكان نِعمَ الجار، أخلاقاً وأدباً وهو يفتقده كثيراً، ولا يعلم ماذا حلّ به وبأسرته‭.‬

عاد عاصي، ونادى علينا، وبعد دقائق انطلقنا أنا ومحمد من جديد‭.‬

مجرمون يستحقون الإعجاب

تمشي في الشوارع، وترى مظاهرَ كثيرةً تستحق التأمّل‭.‬ عندما تشاهد “داعشياً” يغضُّ بصره عند مرور امرأة أو صبية حتى لو كانت منقّبة، أو يقوم بمساعدة رجل أو امرأة عجوز‭.‬ تشعر أحيانا بطيبة البعض وعفويتهم ونبل أخلاقهم وحسن تعاملهم، وهذا شيء يقدِّره السوريون، وربما ساهم في تحسين صورة داعش محلياً‭.‬ وتلحظٌ ذلك عندما تحتك بهم في الأسواق والمحلات أيضاً، وترى تعاملهم وتسامحهم‭.‬

قال لي أحد الباعة إن لديه زبائن من الجهاديين ينفقون في متجره مبالغ تتجاوز الألف دولار شهرياً‭.‬

وتتوفر كل البضائع حالياً، وتأتي من مصادر مختلفة، أغلبها يتم تهريبه عن طريق تركيا، “إلكترونيات حديثة وشاشات عملاقة وماركات عالمية”، لم يعتد على رؤيتها في الماضي، والكثير من البضائع الأخرى‭.‬

رغم كل ما يُبث وتبثه داعش من مظاهرَ لإثارة الرعب والخوف، تجد هناك حالة من الإعجاب والثقة‭.‬

وفي واقعٍ سوري مأساوي حوّله الأسد وعصاباته بقمعهم وتنكليهم وفسادهم وسرقتهم وقصفهم وحصارهم إلى جحيم، لا تستطيع أن تعتب على أيّ سوري بايع داعش أو أيدها سراً أو علناً‭.‬

إعجاب البعض بداعش مشابه بإعجاب البعض بالمجرمين المشهورين، حيث تشعر بأن البعض يتحدث عن داعش، وكأنهم “روبن هود” في محاولاتٍ لتبرير بعض التجاوزات والأفعال والجرائم التي قد لا تكون منطقية ومبالغاً فيها‭.‬

داعش: الواقع الجديد الذي يصل إعجاب البعض به إلى حد الفخر والمبالغة والتأليف ورواية قصص عن بطولاتهم وصمودهم في المعارك، وقدرتهم على سحق كل من يعاديهم، تشعر بأن هناك قناعة وثقة لديهم، ولدى الكثير من السوريين بأنها ستبقى وستتمدد ولن يقف شيءٌ في طريقها أبداً‭.‬

لا شكّ أن هذه الملامح السطحية، والتي نقلتُ بعضها والتي تبدو إيجابية من حيث الشكل لدى البعض، ويؤيدها قسم، ويرفضها قسم آخر، والتي لا تُعجب من يأخذ موقفاً عدائياً تجاه داعش، هي جزءٌ من استراتيجيةٍ ذكيةٍ نجحت من خلالها داعش في استقطاب الآلاف، وكسبت دعمهم وتأييدهم‭.‬

تقوم بها حلقةٌ ضيقةُ متخفية قوية تحاولُ بسط سيطرةٍ، وتكوين دولةٍ قويةٍ قمعيةٍ تحت غطاءٍ ديني، تشعر بوجود عقولٍ تخطط وتعملُ لمحاولة كسب تأييدٍ، أو على الأقل ترسيخ فكرة أن داعش أفضلُ من عصاباتِ الأسد ولصوصِ الحرّ، حيث لمست وشعرت بوجود تفاوت واختلاف بين السوريين حول ذلك، فهنا حتى في الداخل تناقضات وأفعال يستحيل فهمها أو وضعها في سياق هذه النظرية‭.‬

أنا غايتي لم تكن الإساءة أو تحسين صورة داعش، ولا غيرها، ولا المشاركة في الشحن ضدها، فالعالم كله يشحن ضد داعش وسُمْعتها المشوَّهة، وكونها “الشّر بعينه” قناعةٌ راسخة لدى الرأي العام الغربي والعربي، وليس بحاجة لإضافاتي‭.‬

هدفي كان الإضاءة على الواقع، واقع الرقة جزء من الوطن السوري لفهمه، وبالتالي التفكير بحلول لمشاكله حتى لا نظل ندور في حلقات مفرغة‭.‬

فهل سندفع نحن السوريين ثمن صراعٍ جديدٍ ومن نوع آخر؟

صدقوني عندما أتيت، كانت لديَّ عشرات الأسئلة، والآن لديّ المئات من الأسئلة، التي زادت حيرتي وقلقي أكثر‭.‬


كاتبة من سوريا مقيمة في تركيا