أنا‭ ‬واللّيل

الجديد  عزيز العرباوي [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(80)]

لوحة: حسين جمعان
أوقفني أنا وكتبي وأوراقي في هذا الليل البهيم‭.‬ وحدي أصارع أحلام اليقظة التي تكبس أنفاسي كأنها أحكام قضائية نطقها قاضٍ فاسد‭.‬ وحدي أتساءل عن غيابك وبعادك الذي طال وأنا مع الليل الموحش أسترد ذكرياتنا، أتعذب باسم الحب والوحشة والرغبة والشهوة‭.‬

أرى زمناً يدور ببطءٍ، وليل حالك يفتخر بانتصاره الساحق عليّ‭.‬ أرى ضياعاً يستولي على تفكيري، وجبناً عبقرياً يكاد يقنعني بالعبودية ويخلع رداء التبعية لأنني وحيد في عالم موحش وبعيد عن هدأة الحب والرفقة التي كانت والتي ستكون‭.‬ لكنه يصعّب عليّ الانتظار، في ليل يرخي عليّ سدوله وسواده وحلكته القاتلة‭.‬ فأنا لا أكون في المجد والعنفوان إلا في حضرتك حبيبتي‭.‬ ولا أكون قانعاً بالدنيا إلا وأنت تقاتلين الليل معي، هذا المخلوق الغريب الذي لا يمكنني الانتصار عليه إلا بالحب، بالقبلة، بالحضن الدافئ، بالموت في ملكوت العشق‭.‬

وأنا أنظرُ خلفي في هذا الليلِ

في أوراقِ الأشجارِ وفي أوراقِ العمرِ

لا أبصرُ في هذا الليلِ

إلا آخرَ هذا الليلِ

دقاتُ الساعةِ تقضمُ عمرِي ثانيةً ثانيةً

لمْ يبقَ منَ الليلِ ومني وقتٌ نتصارعُ فيهِ وعليهِ

لكنّ الليلَ يعودُ إلى ليلتهِ

وأنا أسقط في حفرةِ هذا الظلْ ‭.‬(شعر محمود درويش)‭.‬

في هذه اللحظة بالذات، أصدّق كلام محمود درويش هذا، وأتفق معه‭.‬ ما من تعريف لليل سوى أن نعرفه بالليل‭.‬ هذه الكلمة هي المعنى الوحيد الذي يستحقه هذا الليل‭.‬ هو في الوحدة قاتل، ومصارعته خاسرة‭.‬ فهو مستمر، وأنا أتلاشى في غيابات الضياع والفراق‭.‬ هو راجع، وأنا مدفون في قبر الحياة المظلم دونك‭.‬ هو لا يغيب، وأنا غائب في تجاويف القشور واليباب‭..‬

أقطف الأوهام في بيت موحش، والليل نار وعذاب‭.‬ وأجني الفراق والشوق، والقمر لا يفرش ضوءه على الدنيا من حولي‭.‬ أحمل الأرض بأشيائها وأمواتها وأحيائها فوق كتفيّ الصغيرين، بينما الليل يسخر مني باسماً منتصراً‭.‬ أكوكب السكينة والصمت القاتل فوق ظهري الضعيف ولا مساند لي في محنتي غير القلم والكتاب‭.‬

فحين تغيبين، لا يعوضك إلا القلم والكتاب‭.‬ أنجب حروفاً وسطوراً وعبارات من فضة‭.‬ وتصير أفكاري رهينة هذين المخلوقين، وأسيرة ليل فاجر‭.‬ ويكتمل الحزن فينسكب على أوراق مبللة بدموع الألم والتيه‭.‬ هو العشق سيدتي يذبح صاحبه من الوريد إلى الوريد دون جرم اقترفه‭..‬ هو العشق الأزلي الذي وُلِد مع أوّل صراخ جنين أحبَ الحياة‭.‬ هو العشق ينشر سلطانه ويمارس سلطته الأبدية على القلوب والعقول، فلا داعيَ سيدتي أن تمارسي نفاق النساء في الحب‭.‬

أما الليل فهو سيد السلاطين عندما يحكم قبضته‭.‬ ورئيس الأفاقين حينما يعلن انقلابه‭.‬ وملك المجانين حينما يفقد توازنه‭.‬ هو ما بين السلطة والحرية شيطان مارد‭.‬ وما بين العشق والفراق كذّاب ومعاند، فلا تحسبيني سيدتي حرّا في زمن الشياطين والكذابين‭.‬

أناجيكِ من سهرٍ‭.‬ وينوح القلب، ينقبض ويسلك دروب التيه‭.‬ يبحث عن ذكريات قد كانت مكتوبة بالذهب‭.‬ يعزف ألحاناً حزينة تولد من عدم، ويخطو في المكان كشريد ضاع بين أرجاء مدينة خيالية، كضحية غبية، كمتسول ممزق الثياب يسأل الناس ولا يلقي بالاً‭.‬

سلِي الليل في امتداده يخبرك عنّي أنا ضحيته‭.‬ سليه فهو الأفّاق الجاني في حقي، المعتدي، المتعدي، المزيد في استبداده‭.‬ سليه، فهو الكافر بي وبشعري، ونثري، وتوسلي، وضعفي، وحزني، وطبعي الغلاب، المغلوب، المنقوص، المقصور، الممدود، المفعول لأجله‭.‬ سليه ولا تترددي، فبعض السؤال مفروض، مقبول، منعوت، موصوف، مجهول دونه‭..‬

V

أقسى ما مرّ بهذا القلب، أنه أحبّ بليل، وسلبته الأيام موهبة العشق اللانهائي‭.‬ وعانى سجنه وأسره في جحيم الليل، في لحظة الحلم‭.‬ وعبَرَ النهار بسلام، دون أن تُسَد أمامه الأبواب، نحو ليلٍ غريب يعزف الحزن والتيه، يقول لي لا تحزن كثيراً فزمني طويل، طويل‭..‬

رسوتُ في ليل من الدموع والأحزان، والبرد فيه ثائر ما بعده ثوار‭.‬ بحثتُ فيه عن ضوءٍ ينقذني فلم أجدْ له حضوراً، لأن الديكتاتور أطفأ جميع الأنوار، وأنار قصره الطيني فقط‭.‬ سكنتُ في الليل تحت أكوام الغبار والتراب المعفن وشواظ النار صامتاً وكئيباً، ليس مثلي أيّ غريب، وعارياً أستر عورتي وأختفي خلفي، أستجدي كل الأشياء والكائنات‭..‬

وليلٌ كموجِ البحرِ أرخى سدولهُ

عليّ بأنواعِ الهمومِ ليــبــتــلـــي‭.‬

فقلتُ لهُ لما تمطّى بــــصلـــبهِ،

وأردفَ أعجازاً ونــــاءَ بكلكـــلِ‭.‬

ألا أيها الــــــليــلُ ألاَ أنـــجـــــلِ،

بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثل‭.‬

فيالكَ من ليلٍ كــــأنّ نجـــومـــهُ،

بكلِ مغارِ الفــتــــلِ شدتْ بيذبلِ‭.‬ (امرئ القيس)‭.‬

تنهار القلوب التي تنأى بنفسها مثل الحيارى في صحراء خالية‭.‬ فيا أيها الليل صديق الجرح والحزن والاشتياق‭..‬ ويا أيها الليل المولود في زمن البؤس والرقابة والحقد‭..‬ أدعوك أن تتجاوز عنّي أنا المذنب في حق الأسياد، والمجرم الذي يتطاول باسم الحب على السلطان الأعلى في ملكوت الظلام‭.‬ أدعوك أن تجيب هذا المعدم الفقير إلى السلم والأمن والاستقرار، وأن تراعيَ شرفكَ الذي لم يمسسه طاغية أو مستبد أو امرأة‭..‬ وأن تصالحني على الغربة التي عشتها فيك وبك!

رأيتُ يديكِ تمتدان لي في الظلام الحالك، ولمّا أمعنتُ النظر لمْ أجدْ سوى كذبتين تأرجحتا بين موت الضوء وحياة الظلام‭.‬ لم تكنْ هناك شرفة ولو صغيرة يمكنني أن ألوّنَ من خلالها لوحتي الكئيبة‭.‬ فالعالم السفلي الذي يحاكي الليل في ظلمه وجبروته يصطفيني كقربان جديد باسم عيد الحزن، يريد سجني، إعدامي، إبكائي، إحزاني، إغرائي بالسواد، جذبي بالعفن، إخراجي من الوطن، إجلائي عن السنن، تقريبي من الفتن، ما ظهر منها وما بطن‭..‬

الأشياء المحيطة بي في الغرفة، لا تتحرك إلا على صوت الليل المستبد، تنتشر في المكان وتعيد انتشارها بين الفينة والأخرى تلبية لأوامر قوى غريبة لا أفهم كنهها‭..‬ وتتناثر بكل حذرٍ فيه الخوف والتيه والسقوط‭.‬ وأنا الممتد في الشجن، لا أدري في هذا الزمان الموبوء كم من التضحيات ينبغي عليّ تقبلها؟

يا مسكرتي بحبها وعشقها، حيّرني هذا الليل، وغلّق في وجهي جميع المنافذ‭.‬ منحني الظلام والوهم، وأهداني علباً مليئة بالموت والأحزان والأشواك، كأشواك القنافذ‭.‬ ومزق أفكاري، وغيّرَ أقوالي، وأدخلني سجوناً مظلمة مثل الكهوف والمعابد‭.‬ ونحرني وشرب دمائي كالذئب يشرب دماء الأكباش والنعاج والخرفان الصغيرة في الزرائب‭.‬ كنت قد ظننتها أوهاماً، أطيافاً، أحلام يقظة، لكنني، اكتشفتُ أنها حقيقة كرستها ثقافة الطغيان والاستبداد والاستعباد‭..‬

الحب زلّتي يا سيدتي، ومن أجله ضحيتُ بما أملك‭.‬ ومن أجله استسلمتُ لليل الذي أسرني، وسجنني، وعلّقني على أسوار الظلمة، والحزن، والألم، والشوق، ورماني في متاهات الفلَك‭.‬ ومن أجله فقط، كسرتُ عظامي، ونثرتُ أشلائي بين دروبٍ وأحياء شتى حتى يصعب على الليل جمعها ورتقها ودفنها نهائياً في القبر‭.‬ فتابوتي لم يحنْ صنعه بعدُ، لأني مازلتُ أؤمنُ بالصبر، وأصنع الشعر والشجر والمطر والخبز وما بقيَ من العمر‭.‬ ومن أجل الحب سيدتي، أعاني الشوق والترقب، وأراقب البرق، وأصاحب السهر، وأقول مع الشاعر:

قدْ نمتَ عنِي وباتَ البرقُ يسهرني،

كما استضاءَ يهــوديّ بمــصـــبــاحِ‭.‬

يا منْ لبرقٍ أبيتُ الليــلَ أرقـــبـــهُ،

في عارضٍ كمضيءِ الصبحِ لماحِ‭.‬ (شاعر جاهلي)‭.‬

مازلتُ في قعر الفراغ متربصاً بالليل، وما يشير إليه في بياناته وقراراته المجحفة‭.‬ إذ تصادف أني أخاف الانتظار والشوق‭.‬ ويدور في عقلي الفراغ والسكون والأفكار الحائرة والمحيرة‭.‬ لقد تزوجت بالفراغ، وكان وليدنا الشرعي هو الجنون، هو الحطام، وهو الخطيئة‭.‬

إن الحنين مكبّل‭.‬ والنعاس مقيّد‭.‬ والعيون تغادرها دموع الحسرة، تحيلها على التقاعد يبعثر أيامها، برودها، شعاعها البلوري‭.‬ وإنّ الدرب مغلق في وجهي ووجه الحب لأن الليل استعمره‭.‬ تتزاحم في مساره الذكريات تكبّلها المواثيق الظالمة‭.‬ تتشكل بين قبور العاشقين العذريين، وبين قصائد الشعراء المجانين، وعلى صداها تنتحب الثكالى والأرامل، كالرؤى والأحلام، كالأفكار الشيطانية والمواقف والآراء والمسائل‭..‬ وعلى شفير العشق ينعدم الحلم الميت برؤياك سيدتي‭..‬

VI

سقطتُ في الليل الدائم‭.‬ وبقيتُ على أمل النهوض الذي لم يأتِ أبداً‭.‬ رماني الظلام بسهام الغربة والشوق فجزعتُ‭.‬ وحلّق قلبي في سماء الكون البعيد تسكنه الهواجس والمخاوف من الموت والنهاية‭.‬ تنقصني الشجاعة والإرادة‭.‬ إرادة البقاء بفعل المواجهة‭.‬ إرادة الاستمرار بفعل المبادرة‭.‬ إرادة الثورة والمصارعة‭.‬ هو الليل يخيفني فأستسلم لها صاغراً‭.‬ يرهبني بأسلحته النووية والكيميائية والجرثومية والخفيفة والثقيلة المضادة للطائرات والسفن والدبابات، فأركع له سافراً‭.‬ فكيف لي أن أحيا في زمن الجبروت والظلم والاستعباد باسم الحب والعشق؟

يتوارى الفرح خلف قضبان الظلام‭.‬ ويغرس في قلبي ألماً يعصره‭.‬ يمسك بيديه على فؤادي فلا ينتفض، ولا ينبض، ولا ينقبض‭.‬ فأقلب كل صفحات عمري فلا أعرف ملامحك سيدتي لأنك غبتِ طويلاً عني‭.‬ لا أدرك إلا تفاصيل الليالي التي قضيتها معك ونحن نواجه الظلام والسواد بالحب، والغربة بحكايتنا المعجزة‭.‬ إنها الغربة التي تصاحب الوحدة فتقتلانني معاً بسهامهما السامة، وتسقطان أوراقي الأخيرة، وتعرياني إلى الأبـد‭.‬


كاتب من المغرب