صدام‭ ‬اللغة‭ ‬والأيديولوجيا في‭ ‬معنى‭ ‬الثورة

مع انفجار الثورات في البلدان العربية انفجرت النقاشات حول كثير من المصطلحات والأفكار، وكان معنى الثورة واحدا من هذه المصطلحات التي شملها النقاش‭.‬ وكان يبدو الاختلاط واضحاً بين مستويات متعددة، مستوى اللغة، ومستوى المصطلح السياسي ومن ثمة مستوى الأيديولوجيا‭.‬ ولقد طغى النقاش الأيديولوجي بالتحديد، حيث بات الأمر يتعلق بتحديد هل أن ما يجري هو ثورات أم انتفاضات أم تمردات انطلاقاً من “قوانين أيديولوجية”، ومنظورات أيديولوجية‭.‬ ولهذا بات التمييز يقوم بين الانتفاضة والثورة، أو التمرد والثورة، على أساس أن شروط الثورة تتمثل في “وجود حزب بروليتاري”، وتحقيق القطع مع النمط الاقتصادي القائم، وهما شرطان غائبان عن الثورات القائمة‭.‬

الجديد  سلامة كيلة [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(82)]

لوحة: حسين جمعان
لكن أيّ مصطلح لا بد من أن يؤخذ في تاريخيته، وأن يجري تناوله في سياق اللغة أولا، والمصطلح السياسي ثانياً قبل البحث في المنظور الأيديولوجي الذي يحكمه، وإلا وقع البحث في المنظور المثالي الذي يربط أحداث الواقع بالتحديد الذاتي، وبالتالي اعتبار أن الواقع يجب أن يخضع لـ”القوانين” التي تضعها الأيديولوجيا‭.‬

لهذا، وحين نلتزم البحث التاريخي، لا بد من أن نبدأ من اللغة، فهي أول “تجريد” للواقع تحقق عبر الترميز، أي إعطاء رموز متمثلة في كلمات للأشياء، سواء الأسماء أو الأفعال‭.‬ فاللغة هي هذا الترميز الذي يجري لعناصر الواقع ولأحداثه‭.‬ وهنا تكون الأفعال سابقاً للترميز‭.‬ لهذا حين تناول كلمة ثورة نجد أن من فرض وجودها في اللغة، قبل صياغة الأيديولوجيات بكثير، هو الأحداث التي جعلت الناس تبحث عن تسمية‭.‬ لهذا أسميت تمردات المفقرين في العصور القديمة ثورة ‭(‬أو هوجة، أو أيضاً انتفاضة‭)‬، فحفلت كتب التاريخ بالحديث عن ثورات العبيد ‭(‬ثورة سبارتاكيس، وثورة الزنج‭)‬، هذا قبل تبلور الفكر الحديث وتشكيل المصطلحات السياسية‭.‬ بهذا حملت معنى يتعلق بكل تمرُّد على السلطة، أو حتى على الإقطاعي، وفي ذلك العصر لم يكن الحزب أو حتى مفهوم الحزب قائماً، ولا طرحت هذه الثورات بديلاً يتجاوز النمط الاقتصادي القائم، بل كانت تمردات على الظلم بالتحديد‭.‬

وأهمية اللغة تكمن في أنها تحدد المسائل عبر ترميزات متوافق عليها، وبالتالي متوافق على معناها، لكي تكون مفهومة لكل الأطراف التي تتحدث بها‭.‬ وهي بهذا المعنى أمر موضوعي يحددنا لنا مسبقا الترميزات التي نتحدث بها حين نتناول الأحداث والأسماء، لكي يكون ممكناً الفهم، أي معرفة القصد الذي يريده المتكلم‭.‬ وحين يجري التحديد الذاتي للمعنى يصبح من الصعب التواصل والفهم، لأن للكلمة معنى “شائعاً”، بالضبط من أجل أن يكون مفهوماً لدى كل الأفراد، ومن ثمة حين يستخدم يفهم القصد الذي يحمله لتوصيل الفكرة‭.‬ بغير ذلك ليس من الممكن فهم الأفكار، أو التفاهم بين الأفراد‭.‬ ولهذا يجب أن ننطلق من “حيادية” اللغة، ومن معنى الترميز الذي تتضمنه لكي نستطيع إيصال أفكارنا‭.‬ لهذا يبدأ التحديد من اللغة‭.‬

ثم تصبح كلمات مصطلحات حين توضع في سياق يتعلق بمستوى “تخصصي” ما‭.‬ حيث هناك مصطلحات سياسية ومصطلحات اقتصادية وأخرى متعلقة بعلم الاجتماع، وبالعلوم، وهكذا‭.‬ كلمة الثورة أدخلت في القاموس السياسي، أي باتت مصطلحاً سياسياً، معتمدة على معناها اللغوي، وبالتالي باتت تعني التمرّد على السلطة، التحرّك ضد السلطة‭.‬ بمعنى أنها تشير إلى حالة “سلب”، أي فقط فرض السلطة والتعبير عن التمرد بشكل ما ضدها‭.‬ وهو ناتج عن مطالب يطرحها الشعب، يريد تحقيقها، دون أن يحدِّد آليات التحقيق، حيث أن الأمر يتعلق بشعب يتمرد عفوياً انطلاقاً من مشكلاته‭.‬

والمصطلح كما اللغة هو ترميز متوافق عليه، بمعناه العام، لكي يوضّح حالة، أو مسألة، أو وضعا، وبالتالي يخضع لـ”حيادية” ما‭.‬ والهدف هنا تسهيل الفهم كذلك، حيث يحقق المصطلح معنى متعارفا عليه مسبقاً‭.‬ ودون هذه “المسبقات” ليس من الممكن الفهم‭.‬ لهذا يجري الالتزام بمعنى المصطلح كما يرد في الفكر السياسي‭.‬

نحن في كل ذلك لا زلنا في حدود ما هو موضوعي، من الحالة التي تنشأ في الواقع، والترميز الذي يعطى لها في اللغة، ومن ثمة المصطلح الذي ينشأ‭.‬ بالتالي حين نتحدث عن الثورة يجب أن نتحدث بهذا المعنى فيما يخص ثورة تنفجر في الواقع، وتطرح مسألة إسقاط النظام، لأنها تمثِّل تمرد الشعب من أجل إسقاط السلطة‭.‬ وهذه هي حدود معنى الثورة موضوعياً، أي في اللغة والمصطلح‭.‬

الآن، حين يؤخذ هذا الترميز ‭(‬هذه الكلمة، أو هذا المصطلح‭)‬ ليعطى لحالة قائمة على تصوّر نظري، وتتحدَّد وفق منظور أيديولوجي، يجعل لها أسساً، نكون قد انحكمنا للمثالية الذاتية، هذه المثالية التي تُخضع الواقع لرؤية فرد أو حزب، ويجعل الثورة هي الفعل الذاتي فقط، ملغياً العفوية، وأصلاً الصراع الطبقي السابق للوعي والإرادة‭.‬ ليصبح الواقع مخضعاً لـ”مخطط” محدَّد مسبقاً، يقول به فرد أو حزب، وأن أيّ شكل آخر للثورة لا يُعترف به كثورة‭.‬ تكون إرادتنا بالتالي هي محدِّد الواقع، وقرارنا هو الذي يعطي الثورة معناها‭.‬

طبعاً هناك الموضوعي وهناك الذاتي، لكن للموضوعي الأولوية، وهو ما يسمى الصراع الطبقي الذي يتفاقم إلى أن ينفجر على شكل ثورة أو إضراب عام أو عصيان مدني‭.‬ لكن لا تنتصر الثورة دون أن تكون منظمة وتطرح بديلاً، بمعنى المشروع المجتمعي، يتحقق عبر الاستيلاء على السلطة‭.‬ هنا يأتي دور الذاتي، دور الحزب، الذي يقع على عاتقه بلورة الرؤية والبديل والإستراتيجية والتكتيكات وتنظيم الثورة لكي تنتصر‭.‬ بالتالي فإن تدخله ليس هو ما يجعلها ثورة كما تكرر المثالية الذاتية، بل إن تدخله هو من أجل أن تنتصر وتحقق مطالب الطبقات المفقّرة‭.‬

إن ربط معنى الثورة بـ”شروط” نظرية تطرحها الماركسية كأساس لانتصار الثورة، يعني التخلي عن منظور الماركسية ذاته الذي يطرح هذه “الشروط” من أجل أن تنتصر الثورة التي تبدأ عفوية وبحراك شعبي عام‭.‬ وبالتالي يعني، وهو يربط الثورة بالإرادة الذاتية، إلغاء الإرادة “الذاتية” وتحييدها بحجة أن ما يجري ليس ثورة‭.‬ فما يُطرح كأسس لتحديد معنى الثورة هو الأسس التي يجب أن يعمل بها الماركسي من أجل أن تنتصر الثورة‭.‬ هنا دور الذات، فاعلية الذات، البراكسيس الذي يجب أن يكون ملازماً للماركسيين‭.‬ هذه هي “خطة” الماركسيين لكي تتطور الثورة من طابعها العفوي إلى فعل منظم ورؤية واضحة يمكن أن تؤدي إلى الانتصار‭.‬

وسنجد انطلاقاً من ذلك كيف أن المثالية الذاتية تفرض التعالي، وتقود إلى تدمير دور الذات‭.‬ ومن ثمة تبقي الثورة عفوية وبلا رؤية أو إستراتيجية، وهو ما يفرض بالضرورة فشلها‭.‬ بهذا تؤسس المثالية الذاتية لموقف “معادٍ” للثورة رغم كل التبجح بالثورية‭.‬ إنها تعالي فئات ‭(‬أو نخب‭)‬ من البرجوازية الصغيرة التي تريد “الثورة” لكن المتحكّم بها من قبلها مسبقاً، وفي الحدود التي تريدها، هذه الحدود التي لا تلمس وضع الطبقات الشعبية أصلاً‭.‬ بالتالي لتتحوّل الثورة إلى يوتوبيا تراود تلك الفئات في “انعزالها الذاتي”‭.‬ وهي حين تنطلق من الماركسية، حسب ما تدعي، تحوّل الماركسية إلى نظرة مثالية ذاتية تنتج يوتوبيا مقطوعة الصلة بالطبقات التي يجب أن تعبّر عنها‭.‬ تؤسس “ماركسية ذاتية”، أي يعيد الماركسية إلى حالة من التأمل الذاتي‭.‬

في المقابل، وفي مستوى آخر، تؤسس هذه النظرة لتبرير الهروب من الفعل، للهروب من دور “الماركسية”، الدور الذي يفرض على الماركسيين الانخراط في الثورة وتطويرها، إضافة “العنصر الذاتي” لبنيتها لكي تستطيع الانتصار‭.‬ حيث يظهر عبر الحكم على الثورات بأنها ليست ثورات نتيجة غياب تلك الشروط، أنها تعتبر أن العمال والفلاحين الفقراء، وكل المفقّرين، الذين يثورون، هم من يجب أن يصنعوا تلك الشروط، هم من يجب عليهم أن يبنوا الحزب ويضعوا الإستراتيجية‭.‬ أي أن يقوموا بدوره هو‭.‬ أن يصنعوا ثورة كما يريدها هو‭.‬ وهذه هي اليوتوبيا، لأن الشعب المفقر، المهمّش، وبسيط الثقافة، حيث ينتشر “الوعي التقليدي”، لا يمكنه أن يتوصّل إلى تحديد البدائل والإستراتيجية، المسائل التي تحتاج إلى الفكر، وتُلقى عادة على “نخب”‭.‬ بالتالي نلمس هنا كيف أن تلك الفئات تلقي عجزها الذاتي على الشعب، تقلب الأمر بحيث يصبح عجزها عن أن ترتبط بالشعب، وتبلور بدائله والإستراتيجية الضرورية لتحقيق التغيير، تتهم الشعب بالعجز عن تحقيق هذه المسائل، ومن ثمة فهو ليس جديراً بأن يقوم بثورة‭.‬ وأن كل ما يفعله هو تمرّد أو انتفاضة، أو حتى مؤامرة‭.‬

الماركسي يميّز بين الموضوعي والذاتي، لكي يحدِّد دور الذاتي في الموضوعي، لهذا فهو يعتقد بأن الصراع الطبقي يفرض انفجار الشعوب في ثورات، سمتها أنها عفوية ودون تصوّر بديل ورؤية لكيفية تطورها كي تنتصر‭.‬ لهذا يؤسس تصوره للثورة التي يمكن أن تنتصر، حيث يبلور البديل والرؤية والإستراتيجية، لكنه لا يعتبرها شروطاً لأيّ ثورة بل الأسس التي يجب أن يعمل بها من خلال ثورات عفوية لكي يستطيع أن يجعلها مطابقة للرؤية التي طرحها‭.‬ هنا يتحدَّد دور وفاعلية الماركسي، الماركسي الذي يرتبط بالعمال والفلاحين الفقراء‭.‬ بالتالي فإن تحوّل الثورة العفوية إلى ثورة “منظمة” هو من فعل الماركسي وليس من “فعل ذاتي” للعمال والفلاحين الفقراء‭.‬ وبالتالي فحين لا تتوفر تلك “الشروط” يكون السبب هو الماركسي ذاته وليس الشعب الذي يستطيع التمرّد بكل قوة لكنه لا يستطيع تأطير وتنظيم نشاطه، ولا تحديد كيف تتحقق مطالبه بعد إسقاط النظام‭.‬ إنه سلب السلطة فقط، بهذا المعنى، أما ما يجعله البديل هو فعل الماركسي‭.‬ لهذا أشرت إلى أن تلك الفئة التي تنطلق من “الماركسية” وهي تضع “الشروط”، تهرب من دورها الفعلي بافتعال مبررات “نظرية” مسندة إلى الماركسية لعدم مشاركتها في الثورة، لهروبها منها‭.‬

الثورة هي تمرّد الشعب ضد النظام، وبالتالي ما يطرح على الماركسي، على الحزب الماركسي، هو الدور الفعلي الذي يجب أن يقوم به انطلاقاً من تصورات ورؤى وإستراتيجيات وبدائل بلورها قبلاً، واشتغل فعلياً مع العمال والفلاحين الفقراء من أجل أن تصبح جزءاً من وعي هؤلاء، ويكون هو قد أصبح فاعلاً بينها، وقادراً على التأثير في مسارها‭.‬ فعل سابق للثورة، يتطور في الثورة كي تنتصر‭.‬

الخلاف حول معنى الثورة إذن لا يتعلق باللغة أو المصطلح بل إنه خلاف أيديولوجي يعبّر عن تعالي فئات من البرجوازية الصغيرة، التي تعتقد أن “إرادويتها” هي التي تصنع التاريخ، ولهذا تبخس الشعب مقدرته على الثورة والتغيير‭.‬ والمسخرة أن تتلفظ باسم الماركسية‭.‬ وأن تطرح مبررات “ماركسية”‭.‬


مفكر من فلسطين مقيم في القاهرة