رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة

‎يطرح سؤال الهوية في فرنسا مشكلة عميقة، فهي من جهة نتاج إرث ضارب بجذوره في غيابات القرون، حاضر في المعالم والتقاليد والسرديات‭.‬ ومن جهة ثانية صورة للعلاقة بالآخر القادم من ثقافات أخرى، وموقف من صعوبة التعايش في ظل تآكل السمات التقليدية للمجتمع‭.‬ وبعض الساسة والمفكرين لا يستعملونها للتصالح مع الماضي، بقدر ما يغطون على عجزهم عن تقديم إجابة ملموسة للتحديات العالمية الكبرى، فيضيفون إلى مشاكل الحاضر مشكلات تحول دون التعايش السلمي‭.‬

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(158)]

لا يزال الفرنسيون يخوضون جدلا حاميا حول “الهوية الوطنية”‭.‬ هذا المفهوم الذي رافق ظهورُه في مطلع الثمانينات صعود اليمين المتطرف، الداعي إلى “الأولوية الوطنية” وأفضلية أهل البلاد الأصليين في الشغل والخدمات الاجتماعية على الجاليات المهاجرة، بعد مرحلة “الثلاثين المجيدة” (وهي سنوات الرخاء التي عقبت الحرب)، ودخول مرحلة انحسار اقتصادي ما انفك يستفحل على مر الأعوام، يجد جذوره في أدبيات رموز “القومية الفرنسية” مثل موريس بارّيس (1862-1923) صاحب مقولة “التعويض الكبير” كإشارة إلى الخطر الذي يهدد الهوية الفرنسية عند توافد أعداد غفيرة من الإيطاليين والبولنديين منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم جاك بانفيل (1879-1936) وشارل مورّاس (1868-1952) من بعده‭.‬

‎لم تلق تلك الدعوات صدى كبيرا في الأوساط السياسية والثقافية، رغم قدوم جاليات أخرى، من المستعمرات القديمة بخاصة، نظرا إلى حاجة فرنسا لليد العاملة من أجل إعادة بناء ما دمّرته الحرب وتطوير البنية التحتية، باستثناء استياء ظل يصدر هنا أو هناك، كقول سيلين عام 1956: “الفرنسيون؟ ولكن لم يعد لهم وجود! أنا آخر الفرنسيين”‭.‬ زاعما أن فرنسا صارت أفرو-آسيوية‭.‬ ولكنها عادت إلى الظهور بحدة مع ساركوزي، حينما تبنى في حملته الرئاسية عام 2007 خطاب حزب الجبهة الوطنية لتجفيف منابعه، بتحريض من باتريك بويسون مستشاره الذي انشق عن اليمين المتطرف، دون أن يتنكر لأفكاره الباريسية، فصارت مثار جدل عام دُعي الفرنسيون سنة 2009 إلى الإسهام فيه، خصوصا بعد إحداث وزارة “الهجرة والهوية الوطنية”‭.‬ وتحول الجدل إلى صراع أيديولوجي بين يمين لم يعد يجد حرجا في إثارة النعرات العرقية وتأليب الأغلبية ضد الأقليات لغايات انتخابية، مستعينا بمفكرين عنصريين مثل رونو كامو في كتاب “التعويض الكبير” الذي يوهم بأن المهاجرين الأجانب سيحلون محل أبناء الشعب الأصلاء، وألان فيلكنكراوت الذي يتحسر في كتاب “الهوية التعسة” على ضياع أسس الثقافة والحضارة التي نشأ عليها، ويتألم لبروز ثقافة جديدة هي ثقافة أبناء الضواحي من العرب والأفارقة، وظهور مطاعم “حلال” ونوادي إنترنت ترفع يافطة “بلاد‭.‬ كوم”، وإريك زمّور في كتاب “الانتحار الفرنسي” عن دور المهاجرين، عربا وأفارقة، في انتكاس فرنسا، دولةً وأمّة، منذ سبعينات القرن الماضي إلى الآن‭.‬ وبين يسار يستشعر في ذلك الجدل لعبا بالنار سيغذي العنصرية وكره الأجانب وقد يؤدي إلى حرب أهلية، مستندا هو أيضا إلى مفكرين تقدميين يؤكدون دور الفرنسيين من أصول أجنبية في نهضة فرنسا وإشعاعها في العالم، كما بيّن جيرار نوارييل في “البوتقة الفرنسية – تاريخ الهجرة في القرنين التاسع عشر والعشرين”، وإدوي بلينيل في كتاب “من أجل المسلمين” مدافعا عن الأقلية المسلمة في فرنسا ضد اليمين واليمين المتطرف، وإمانويل تود في كتاب بعنوان “مصير المهاجرين” حلل فيه مظاهر الميز العنصري في الديمقراطيات الغربية، وألان باديو في كتاب “من أين يستمد ساركوزي اسمه ؟” مذكرا بالأصول المجرية للرئيس الأسبق (واسمه الكامل نيكولا ساركوزي دو ناجي بوكسا)، وألان تورين في كتاب “هل نستطيع أن نعيش معا”، وفي رأيه أن لفظة الهوية “تحمل كل الكوارث والجرائم”‭.‬

‎هذا الجدل عاد إلى الظهور بعد عملية “تشارلي إيبدو” في مطلع هذا العام، واستشراء الداء الجهادي وانجذاب بعض الشباب المسلم للفكر الداعشي‭.‬ وعاد الفرنسيون، ساسة وإعلاميين ومفكرين، يطرحون مسألة الهوية‭.‬

‎بعض المثقفين، من اليسار واليمين على حدّ سواء، يحتفون بها من خلال انتقاء ملامحها الإيجابية الأكثر جلاء، تلك التي قدمت إضافات إلى الحضارة العالمية كالأنوار والثورة الفرنسية‭.‬ فأن يكون الفرد فرنسيا في نظرهم، وبالتالي جمهوريا، يفترض أنه يقبل بغير شروط القيم المجرّدة للشعار الجمهوري، والحال أنها قيم لا تختص بها فرنسا وحدها، ما يقود حتما إلى تحديد الخصوصية الفرنسية للهوية الجمهورية‭.‬

‎فئة أخرى من المثقفين التقدميين والثوريين والعولميين، أي أولئك الذين ينخرطون في يوطوبيا إعادة تشكيل جذرية تقضي بالقطع مع التقاليد الوطنية/الجمهورية، ترفض مبدأ قومية بلد منسجم ثقافيا، وتحلم بمجتمع هجين متعدد الإثنيات‭.‬ وتعتبر أن الهوية الفرنسية مجرد شكل محلي للتعايش، وهذا أيضا معيار لا يخص فرنسا وحدها، وبالتالي فإن الحديث عن هوية وطنية لا مسوّغ له‭.‬

‎فئة ثالثة تعُدّها فبركة مضللة وخطيرة‭.‬ وفي رأيها أن الحديث عن الهوية الوطنية و”الأمة” هو مزلق قد يقود إلى عودة الشرور القديمة كالقومية والعنصرية وكره الأجانب والنزعة الاستعمارية‭.‬

‎وأمام تصاعد نزعة معاداة الإسلام وعجز الحكومات المتعاقبة، يمينية كانت أم يسارية، عن إيجاد حل لمشكلة البطالة، أصبحت الجاليات الأجنبية سبب الأدواء جميعا‭.‬ مرة بدعوى أنها تزاحم الفرنسيين في الشغل وفي الخدمات الاجتماعية، والحال أن مجلة “كابيتال” المتخصصة في الشؤون الاقتصادية أثبتت بالأرقام أن المهاجرين يعطون أكثر مما يأخذون‭.‬ ومرة بتعلة ما يشكله الأجانب، المسلمون خاصة، من خطر على المستوى الهووي، وآخر استطلاعات الرأي تشير إلى أن نصف الشعب الفرنسي تقريبا (44 بالمئة حسب مؤسسة إيفوب) يرى في الإسلام خطرا على الهوية الفرنسية‭.‬ وبذلك صار الحديث عن الهوية الوطنية موضوعا أثيرا يخوضه الساسة عند اقتراب موعد الانتخابات، وتطرحه وسائل الإعلام بمناسبة، وبغير مناسبة‭.‬

‎هذه مثلا مجلة لكسبريس تخصص الشهر الماضي ملفا ساهم فيه متخصصون وغير متخصصين للإجابة عن السؤال “ما معنى أن تكون فرنسيا؟” فكان ردّ الفيلسوف ومؤرخ الأفكار بيير أندري تاغييف، صاحب كتاب “ثأر القومية” الصادر هذا العام، أن الإجابات الممكنة عن هذا السؤال عديدة ومتناقضة ومشوشة ومبتذلة، تتراوح بين امتلاك بطاقة هوية، وجرد خصوصيات البلاد، واستعراض مراحل انتصارها وانكسارها وأعلامها الغابرين، والتذكير بالمبادئ النبيلة لشعار الجمهورية (حرية، مساواة، أخوة) إضافة إلى القيم التي تجري على الألسن الآن كاللائكية والتضامن والتعايش‭.‬ وكلها في رأيه لا تفي بالحاجة، لأن الهوية تُكتسَب وتورَّث وتُبنى وتُعمّق وتُبرهَن وتُقلَّد أو تُمثَّل‭.‬ وهي في كل الحالات مراوغة تستعصي على الإمساك‭.

الفرنسيون يخوضون جدلا حاميا حول "الهوية الوطنية". هذا المفهوم الذي رافق ظهوره في مطلع الثمانينات صعود اليمين المتطرف، الداعي إلى "الأولوية الوطنية" وأفضلية أهل البلاد الأصليين في الشغل والخدمات الاجتماعية على الجالية المهاجرة

‎أما المؤرخ باتريك فيل، المتخصص في مسائل الجنسية والهجرة، الذي صدر له مؤخرا كتاب بعنوان “معنى الجمهورية”، فقد بين أن الهوية الفرنسية تقوم على أربعة أسس‭.‬ أولها المساواة، وهي أسبق تاريخيا من سواها، لكونها متأتية من الكاثوليكية التي جعلت المؤمنين متساوين أمام الله وأمام الكنيسة، بخلاف البروتستانت الذين يخضعون لنظرية الجبر والقضاء والقدر‭.‬ هذا المبدأ، الذي انتقل إلى الدولة زمن الملكية، وقع تبنيه بعد الثورة التي أزالت الامتيازات، ثم جاء القانون المدني ليقرّ المساواة في الميراث بين الذكور والإناث‭.‬ وثانيها اللغة التي كانت أداة توحيد للمملكة ثم للجمهورية، ثم احتلت مكانة أثيرة عند تعميم التعليم، قبل أن تصبح وسيلة إشعاع للفكر والآداب في العالم‭.‬ وثالثها الذاكرة، وأثر الثورة في نمط التعبير السياسي المهيمن إلى يومنا هذا، حتى في صفوف اليمين، إذ لا يزال الشعب الفرنسي يعبّر عن مواقفه بالنزول إلى الشارع، كسمة خاصة يعرف بها في أنحاء العالم‭.‬ وآخرها العَلمانية، ممثلة في قانون 1905 الذي أقر حرية الضمير والمعتقد والفصل بين الكنائس والدولة، واحترام كل الخيارات الروحية والدينية لأفراد المجتمع‭.‬

‎وفي رأيه أن تسوية الأفراد بعضهم ببعض من حيث المعتقدات والثقافات ليس من شأن الجمهورية، فلكل فرد الحق في أن يعيش خصوصيته الجهوية أو الدينية أو الفلسفية أو الجنسية بحرية، شرط أن تمتثل تلك الخصوصيات للقانون‭.‬ يلتقي في ذلك مع الباحثة مونا أوزوف، إذ بينت في كتابها “تشكيلة فرنسية” أن فرنسا هي نتاج سبك بين مبادئ موحِّدة وتنوعات واختلافات، مع الإلحاح على رصيد مشترك هو الانتماء إلى الأسس التي توحد الفرنسيين جميعا‭.‬

‎ولكن من هم الفرنسيون وثلث مكونات الشعب الفرنسي لا يلتقي في تلك الأسس؟ فلا التاريخ واحد، ولا الذاكرة مشتركة، ولا المساواة قدر الجميع‭.‬ حتى اللغة، التي كان بإمكانها أن توحد الجميع، صارت متشظية، إما لتمسك بعض المناطق بلغاتها الإقليمية كالبروتانية والباسكية والأوكسيتانية والكورسيكية، أو لكثرة الوافدين من خارج المنظومة الكولونيالية القديمة‭.‬

‎أمام تحديات العولمة، والمطالبات الطائفي، وتفاقم عدد المهاجرين، انحصر الجدل حول الهوية بين المحظورات (الإحصائيات الإثنية) واليقينيات (الجنسية هي مسألة إرادة) والقطيعة (العودة إلى حق الدم)، بشكل يوحي بنهاية النموذج الفرنسي، الذي لم تعد مؤسساته الاجتماعية والتربوية والصحية قادرة على رعايته واستمراره‭.‬

‎في وضع تلك سماتُه، يغدو الحديث عن الهوية مبعث اختلاف وعاملا من عوامل الفرقة والتناحر‭.‬ فالبحث عن الهوية الخالصة، وإن بدا في ظاهره اعتزازا بمقومات شعب أو أمّة، هو في الواقع محاولة استعادة نقاء لا يكتمل إلا بإزالة الشوائب التي تكدره، مع ما ينجرّ عن ذلك من تطهير عرقي لبلوغ الغاية‭.‬

‎من مآثر ليفي ستراوس قوله “ما من مأساة من مآسي هذا العصر الكبرى لا تجد منابعها المباشرة أو غير المباشرة في صعوبة التعايش التي ما انفكت تزداد‭.‬ لقد صارت الإنسانية ضحية نفسها، لأنها لم تدرك أن حقوقها تنتهي حينما تصبح ممارسة تلك الحقوق تهدد وجود أجناس أخرى”‭.‬


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية