تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(160)]

يبدو الأطفال والصبيان في الصباح وهم يتوجهون إلى المدرسة كمن يؤخذ إلى غرفة التعذيب‭.‬ الكثير منهم يتمنى أن يبقى في الفراش ويستمتع بإغفاءة إضافية‭.‬ فرحتهم عندما يقرع جرس الخروج من الفصل والمدرسة تشابه فرحة السجين حين يطلق سراحه‭.‬

الأطفال يحبون مدارسهم، ولكنهم يجدون فيها قالبا عليهم أن ينسجموا داخله‭.‬ المدرسة أداة توحيد قبل أن تكون أداة تعليم‭.‬ من هناك تبدأ مسيرة الاستعداد للحياة‭.‬

التعود على الاستيقاظ المبكر أساسي للاستعداد للحياة‭.‬ الوصول في مواعيد والمغادرة في مواعيد أساسيان أيضا‭.‬ توقيت الأداء محوري في تحقيق النتائج‭.‬ حتى الزي المدرسي هو في قلب عملية اعداد الطفل للمستقبل‭.‬

هذه الأساسيات أدركها الغرب مبكرا ووضعها نصب عينيه عندما أسس فكرة المدارس‭.‬ النظام والقالب والالتزام تسبق التعليم‭.‬ انها منهجية البناء التي قد تزيد أهمية عن قيمة ما يتعلمه الطفل، والشاب البالغ لاحقا، في العملية التعليمية بأطوارها الابتدائية والثانوية والجامعية‭.‬

ربما هنا تفترق منهجية التعليم في الغرب عن ايقاعه في دول العالم الثالث‭.‬ المنهجية تربوية مهنية في الغرب وليست تعليمية وحسب‭.‬ في حين يعلو شأن الكتاب والقلم ونتائج الامتحان على شأن التربية في الشرق‭.‬ طاعة المعلم وسلطته أهم في مدارسنا من طاعة النظام واحترامه‭.‬ لا يغرنك أن وزارات التعليم في دولنا تحمل اسم وزارة التربية‭.‬

هذا الكلام ليس اتهاما للتعليم أو الياته، ولكنه محاولة لتشخيص الفروقات‭.‬

من العبث أن تجادل في أهمية التعليم‭.‬ التعليم هو أساس النهضة المعاصرة في أي بلد‭.‬ من دون تعليم، لن يجد البلد فرصة تذكر في أن يكون له أية حيثية من أي نوع‭.‬

ولكن التعليم ليس كل شيء‭.‬ إنه ضرورة بالتأكيد ولكنه ليس كفاية‭.‬ ثمة لبس حقيقي فيما يمكن للتعليم أن يفعله في الأمم‭.‬

قيامة الغرب الحديث أساسها المنهجية الحرفية وليس المنهجية التعليمية‭.‬ الثورة الصناعية ما انطلقت لأن بريطانيا كانت مليئة بالمدارس والجامعات، ولكن لأن البريطاني صار يمارس عمله بحب وبدقة وبجدول مسبق وباهتمام‭.‬ كل الصروح الكبرى في العالم شيدها بناءون محترفون ربما لم يدرسوا حرفا واحدا في حياتهم‭.‬ ماذا يهمني اذا كان السباك الذي يصلح حنفية المنزل قد تجاوز المرحلة الابتدائية أم لا؟

فكرة العمل والمثابرة هي الأساس وليس المنهج التعليمي‭.‬ ولعل هذا ما يزيد من حيرتنا في مخرجات العملية التعليمية في العالم العربي‭.‬ كل هذه المدارس والجامعات وكل هذا الانفاق وكل هذه المعاناة للآباء والامهات والمعلمين والأطفال والنتيجة متعثرة‭.‬ يحتار المرء حين يرى كل هذه الأضواء المشعلة في عمارات مدينة كبرى مثل القاهرة إلى آخر الليل في غرف يجلس فيها التلاميذ يستعدون لامتحانات أو يستمعون إلى مدرسيهم الخصوصيين‭.‬ يحتار في تفسير أن كل هذا الجهد والمعاناة لا ينعكس تحولا جذريا في أداء المصريين بعد تخرجهم أو أن يُفسر كرقم اضافي ملموس في الدخل الوطني‭.‬

مصر ليست الاستثناء بل القاعدة.

ثمة تكدس محسوس في الشهادات والتخصصات يتحول إلى معاناة للخريجين وأسرهم، وبشكل أكبر للدول التي تعجز عن العثور على وظائف لهم.

الأسر لا تعرف سبيلا معروفا للارتقاء على السلم الاجتماعي غير التعليم. الدول لا تزال تطبق استراتيجيات ورثتها من أربعينات القرن الماضي عن "الاستثمار" في التعليم وإتاحته للجميع على نطاق واسع. ولكننا نعيش واقعا اجتماعيا مختلفا عما عاشته أسرنا قبل خمسين عاما وأكثر. نحن نعيش أيضا تغيرات سكانية أساسية غيرت من مفردات التقييم لأثر التعليم.

ارهاق للأسر التي تنفق على ابنائها طلابا وخريجين عاطلين. وارهاق مشترك للدولة التي تنفق الكثير على المدارس والجامعات لتجد انها غير قادرة على تصريف "بضاعة" هذه المؤسسات التعليمية في سوق العمل.

حتى ماذا نتعلم صار مسألة تحتمل الأخذ والرد. لا توجد اقسام علمية مقدسة. قسم الجغرافيا مثلا صار من أول ضحايا التقليصات في العديد من جامعات العالم. الجغرافيا الأرضية اغلقت ابوابها. البروفيسور الباكستاني الراحل محمد عبدالسلام الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء قال انه لا معنى لشهادته العليا في الفيزياء النظرية اذا كان بلده يحتاج إلى مهن أكثر فائدة مثل مهنة استصلاح الأراضي.

تحقيق النتائج يتطلب العمل وليس الى التعليم والشهادات كغاية.

العمل يحتاج إلى اتقان الحرفة والتلمذة على يد "الأسطى" ويحتاج أيضا إلى المنهجية والتفاني. هذه ملاحظات عن العمل تنطبق على ميكانيكي تصليح السيارات مثلما تنطبق على الصحفي. فكما لا يمكن التقدم من دون تعليم، ينبغي الايمان أن الحرفة وإتقان الصنعة والالتزام والدقة قضية أساسية في التقدم، بل هي مجربة أكثر من تأثير التعليم.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس: من 7 إلى 77
  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة