حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(240)]

القصة شيء استثنائي. نحن نتذكر القصة بسهولة أكبر من أي شيء آخر تقريبا، بما فيها تجاربنا الخاصة ومشاهداتنا في الحياة. وعدا عن أصحاب ما يسمى بالذاكرة الفوتوغرافية، ممن يتمكنون من استحضار كل شيء تقريبا، فإن الفرد العادي يجد معاناة مستمرة مع الذاكرة، إلا مع القصة.

لعل القصة هي ابداع العقل البشري للاحتفاظ بالأفكار والذكريات. يفكك العقل القصة ويتركها شتاتا في الذاكرة، ثم يستعيدها ويتذكرها معتمدا على القدرة الذهنية في اعادة انتاج الحكاية من تلك العناصر المبعثرة. عمليا يعيد العقل تأليف القصة في كل مرة يستدعيها.

ليس من قبيل المصادفة أن الكتب السماوية تبدأ بالقصص، قصص الأنبياء وقصص التجارب البشرية. كل مؤمن يمكن له ان يستعيد قصة الرسل حتى وان كان عاجزا عن تذكر الآيات نصا. الجميع تقريبا يستطيع استنتاج الحكمة والعبر من القصص الديني. هذه الأداة خارقة فعلا.

أمهاتنا وجداتنا عرفن غريزيا ما يمكن للقصة أن تفعله مع الطفل. هذه الرابطة الشفاهية هي ما يعلق بأذهاننا عندما نكبر. نستذكر تلك الليالي التي تروي لنا الجدات الحكاوي قبل ان ننام. كان شرط الطاعة المسائية للطفل هو ان تروي له امه حكاية لكي يستكين ويهدأ قبل الذهاب إلى السرير.

عندما تستمع لقصة او تقرأها فإنك تحول الكلمات إلى مشهدية في عقلك. تستطيع ان ترى الشخوص وتحركها لتتلاءم مع الحكاية. هناك فيديو عقلي ينتج لحظيا. بعض القصص تعيش معنا طول العمر ونسترجعها في الوعي او في الأحلام.

هذا الفيديو العقلي يقف اليوم أمام تهديد حقيقي وملموس. فالحضارة التكنولوجيا المعاصرة صارت تنتج الفيديو البصري بتنويعاته المختلفة مما يجعل الخيال القصصي محاصرا. خيال الكاتب وخيال القارئ.

بدأت المشكلة مبكرا. القصص المصورة، الكوميكس، كانت مرافقة في صعودها للسينما، أي في بدايات القرن العشرين. تقرأ الحكاية بصريا على ورق مجلة او تشاهدها على شاشة سينما فتختصر الكثير من الوقت، ومن الخيال.

الكوميكس والسينما كانا استعراضا أوليا للقادم الأكبر: التلفزيون. الأطفال والكبار تسمروا أمام الشاشة ليشاهدوا افلام الكارتون والمسلسلات وعروضا للأفلام. الحكايات صارت ترسل الى البيت مساء بدلا من الذهاب الى صالات العرض او شراء مجلة القصص المصورة. ومع الالوان، صار التلفزيون أهم قصة في حياتنا.

كان النهار للقصة والرواية والمطالعة بانواعها، وكان المساء للتلفزيون، وكان بعض الليل للمطالعة ثانية.

مرة اخرى تغير المشهد. صار التلفزيون، عبر اشرطة الفيديو أولا ومن ثم عبر الفضائيات، هو تلفزيون كل ساعة وبعدد لا يبدو متناهيا ابدا. هناك ما يمكن ان تشاهده من القصص والحكايا دائما على قناة ما من مئات القنوات.

ثم جاءت الانترنت ومعها الفيديو الخاص بها. بقية القصة معروفة.

التحذيرات صارت تتوالى: لا تتركوا أولادكم لساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون؛ لا تتركوا انفسكم طويلا أمام شاشات الكمبيوتر؛ قراءة قصة أو رواية أهم من قراءة دردشات الفيسبوك.

عبثا كانت مثل هذه التحذيرات.

كل ساعة أمام شاشة الكمبيوتر او التلفزيون هي ساعة بعيدة عن الخيال. هي ساعة استكانة للتلقي بدلا من ساعة من الفاعلية. صار البعض يشكو أنه ما عاد حتى يحلم في الليل. الفيديو العقلي، مولّد المشاهد، كان متخما بمشاهد الفيديو التي تنصب عليه خلال النهار والمساء.

الانقلاب على الخيال صار يبحث عن المبررات. حتى فكرة انك تستطيع ان تشاهد رواية على شاشة السينما خلال ساعتين بدلا من "اضاعة الوقت" في مطالعتها مكتوبة ما عادت تستقيم. بالعكس، نحن نريد روايات تملأ ثلاثين ساعة رمضانية او حكايات تمتد لمئات الحلقات التلفزيونية. نحن نعشق الإطالات الآن أكثر من أي وقت مضى.

تبدد نشاط فكري كبير هو نشاط ارتبط بالحكاية والقصة والرواية، كعطاء من الكاتب وكنشاط من المتلقي. القصة والرواية اليوم محاصرتان. الحدوتة الشفاهية أيضا محاصرة. هي فنون جميلة تعاني حقا ويبدو مستقبلها في خطر.

لا نعرف إلى أي مدى يمكن لهذه الفنون الجميلة أن تصمد. كم من الوقت سيمضي قبل ان ييأس كاتب القصة القصيرة ويتوقف عن الكتابة لغرض الخيال ويكتفي بالكتابة، ان اتيحت له الفرصة، لصالح عمل تلفزيوني؟ لا نعرف.

ربما يأتي الرد الآن من بعض المشاركين في هذا العدد الخاص من المجلة. المبدعون لديهم دائما القدرة على التكيف مع بيئة متحركة ومتغيرة. سيردون بتطوير ملكاتهم الفكرية والإبداعية. لكن المهمة لن تكون سهلة بالتأكيد.

حتى يأتي وقت الرد سيبقى الأولاد أمام شاشات الكمبيوتر للعب والمشاهدة، وسيبقى ذهن الجدات مركزا على مسلسل تركي طويل يعرض في واحدة من الفضائيات. ولّى زمن حكايات الجدات.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة