قاسم أمين والطَّاهر الحداد مفكران تنويريان في مرايا حقُوق المرأة

بعد مضي ثمانين عاماً على صدور كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة” {صدر في العام 1899}، وخمسين عاماً على صدور كتاب الطاهر الحداد “امرأتنا في الشريعة والمجتمع″ {صدر في العام 1930}، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 18 كانون الأول (ديسمبر) من العام 1979 “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التَّمييز ضدَّ المرأة”، وهي الاتفاقية التي جاءت تتويجاً لجهود إنسانية متنوِّعة، طويلة ومتواصلة، أخذت تتكثَّف منذ العام 1947 (عام إنشاء لجنة الأمم المتحدة الخاصة بوضع المرأة)، وتعمَّقت خلال سنوات من عقد الأمم المتحدة من أجل المرأة (1976-1985).

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/12/2015، العدد: 11، ص(8)]

لوحة: صفوان داحول
ويحسن بنا قبل الشروع في تقديم قراءة أولية لأفكار الرائدين التنويريين المسلمين، المصري قاسم أمين في كتابيه: “تحرير المرأة”، والمرأة الجديدة”، والتونسي الطاهر الحداد في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، أنْ نبين الملامح العامة للاتفاقية التي نريد أنْ نقرأ في مرآتها هذه الأفكار.

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التَّمييز ضدَّ المرأة

تتأسس هذه الاتفاقية على مبدأ المساواة التامة في الحقوق بين الرجل والمرأة في كلِّ ميدان ومكان، وبغض النظر عن الحالة الزوجية للمرأة. وتدعو الاتفاقية إلى استنان تشريعاتٍ وطنية لحظر التمييز ضدَّ المرأة؛ وتُوصي باتخاذ تدابير خاصة مؤقَّتة للتعجيل في مساواتها بالرجل، وتعديل أنماط السلوك بما يكفل إتمام هذه المساواة.

تتكون الاتفاقية من ديباجةٍ وستة أجزاء. وتُشير ديباجة الاتفاقية إلى أنَّ ميثاق الأمم المتحدة قد أكَّد إيمان البشرية “بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء من حقوقٍ مُتساوية”، وتلاحظ الديباجة ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان{صدر في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948}، وفي العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وفي الاتفاقيات الدَّولية، والقرارات والإعلانات والتوصيات التي اعتمدتها الأمم المتحدة والوكالات المتخصِّصة، بشأن النهوض بالمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة. وتستدرك الديباجة لتبدي القلق إزاء حقيقة أنَّ التمييز ضدَّ المرأة لا يزال سائداً على نطاق واسع، مؤكدةً أنَّ هذا التمييز يُشَكِّلُ انتهاكاً لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان، وعقبةً أمام مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل، في حياة بلدها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وإذْ تفعل الديباجة ذلك؛ فإنما هي تشير إلى حقيقة أنَّ الآلية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، ووقف انتهاكها، وضمان حماية حقوق المرأة، لا تزال قاصرة، وغبر ناجعة، وتفتقد الإلزام.

وتُشَدَّدُ الديباجة على أنَّ التنمية التامة والتطور الكامل لبلد ما، ورفاهية العالم، وقضية السلم العالمي، تتطلَّب جميعاً مشاركة المرأة إلى أقصى الحدود، وعلى قدم المساواة مع الرجل، في جميع المجالات والميادين. كما تُشَدِّدُ على أنَّ تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة يتطلب إحداث تغييرات في السلوك وفي الدور التقليدي للرجل، وفي دور المرأة في المجتمع والأسرة، وترى أنه لا ينبغي لدور المرأة في الإنجاب أن يكون أساساً للتمييز، وإنما يجب تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة والمجتمع ككل للنهوض بتنشئة الأطفال، وتنمية المجتمع.

وتتضمن الاتفاقية ثلاثين مادة تتوزَّع على ستة أجزاء، يضم الجزء الأول منها ستة مواد (المواد من 1 إلى 6). وتتركز المادة الأولى على تعريف التمييز فترى أنه يعني “أيَّ تفرقة أو استعباد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة، على أساس تساوي الرجل والمرأة، بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق، أو تمتعها بها، وممارستها لها، بغض النظر عن حالتها الزوجية.”

يعمِّق الطاهر الحداد ابن الطبقة الكادحة، وخريج جامع الزَّيتونة (1920)، دعوته إلى تمكين المرأة من حقوقها، وحرياتها، عبر فهمه المستنير لرؤية الإسلام لطبيعتها، وإلحاحه على مبدأ مواكبة الإسلام للحاجات الإنسانية المتطوِّرة

أما المواد من الثانية إلى السادسة، فإنها تلزم الدول الأطراف انتهاج سياسة القضاء على التمييز ضد المرأة، وتدعوها إلى اتخاذ كافة التدابير لضمان مبدأ المساواة، وضمان ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية وفق هذا المبدأ، وكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين، وتجسيد ذلك في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين والأنظمة والأعراف، وفي الواقع الفعلي وأنماط السلوك والممارسات القائمة في جميع الميادين، ولا سيما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتدعو مواد هذا الجزء من الاتفاقية إلى اتخاذ تدابير خاصة تستهدف حماية الأمومة، وكفالة أن تتضمن التربية الأسرية تفهماً سليماً للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية. كما تدعو مواد هذا الجزء من الاتفاقية إلى مكافحة الاتجار بالمرأة واستغلالها في الدَّعارة.

وتتعلق مواد الجز الثاني (المواد من 7 إلى 9) بالتدابير الواجب اتخاذها من قبل الدول الأطراف لضمان القضاء على التمييز ضدَّ المرأة في الحياة السياسية والحياة العامة، ومن ذلك منح المرأة حق التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، وأهلية الانتخاب لجميع الهيئات التي يُنتخب أعضاؤها بالاقتراع العام، وحق المشاركة في الحكم بوصفها صانعة سياسات، ومسؤولة، وممثلة لبلادها، وكذلك حق المشاركة في المنظمات والهياكل غير الحكومية المعنية بالحياة السياسية، والحياة العامة. وتؤكد المادة التاسعة التزام الدول الأطراف منح المرأة حقوقاً مُساوية للرجل في مجال اكتساب الجنسية أو الاحتفاظ بها أو تغييرها. وكذلك الأمر بالنسبة لجنسية أطفالها.

أما مواد الجزء الثالث (المواد من 10 إلى 14)، فإنها تتركَّز على الحقوق الإنسانية للمرأة في مجالات التعليم، والعمل، ومنع التمييز في العمل وشروط الخدمة بسبب الزواج أو الأمومة، وتوفير الرعاية الصحية، وكفالة تمتع المرأة بجميع الحقوق المتعلقة بمجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتتضمن المادة الرابعة عشرة حكماً شديد الأهمية يتمثل في إلزام الدول الأطراف أنْ تأخذ في الاعتبار المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية، وأنْ تتخذ جميع التدابير لضمان تنفيذ أحكام الاتفاقية عليها.

وتختص مواد الجزء الرابع (المادتين 15 و16) بمسألة المساواة أمام القانون، وبالجوانب المتعلقة بالشؤون المدنية والزواج والعلاقات الأسرية، فتكفل للمرأة المساواة مع الرجل أمام القانون، والأهلية القانونية في الشؤون المدنية، والحقوق المُساوية لحقوق الرجل فيما يتعلق بالتنقل وحرية اختيار مكان السكن والإقامة، وفي جميع الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية والأحوال الشخصية. وكذلك تمنح المرأة بوصفها والدة، وبغضِّ النَّظر عن حالتها الزوجية وفي جميع الأحوال، الحقوق والمسؤوليات نفسها فيما يتصل بالأطفال، مع ترجيح مصالح الأطفال الفضلى.

ويتعلَّق الجزء الخامس من الاتفاقية (المواد من 18 إلى 22) بآلية متابعة تنفيذ الاتفاقية ودراسة التقدم المحُرَز. ويتجلَّى ذلك في إقرار المعايير الأساسية لتشكيل “لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدَّ المرأة”، وفي تحديد آليات عملها ومواعيد اجتماعاتها، ووضع نظامها الداخلي، وانتخاب أعضاء مكتبها، وكذلك في تعهُّد الدُّول بتقديم التقارير إلى الأمين العام للأمم المتحدة لتتولىِّ هذه اللجنة النظر فيها، ورفع تقارير سنوية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن أنشطتها، وبخصوص التقارير والمعلومات الواردة من الدُّول عن تنفيذ الاتفاقية.

أما الجزء السادس والأخير (المواد من 23 إلى 30) فإنه يتضمَّن الإشارة إلى أثر الاتفاقية على المعاهدات الأخرى، حيث تُؤكد المادة الثالثة والعشرون أنّه لا يُوجد في هذه الاتفاقية ما يمسُّ الأحكام الأكثر تيسيراً لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، والتي ربما تكون واردة في تشريعات دولة طرف، أو في اتفاق دولي، أو اتفاقية، أو معاهدة دولية، نافذة بالنسبة إلى تلك الدولة. وكذلك يتضمن هذا الجزء تعهد الدول الأطراف بأنْ تُعْمِلَ إعمالاً كاملاً جميع الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية (المادة 24). وتتعلق المادة الخامسة والعشرون بالمسائل ذات الصلة بالتوقيع على الاتفاقية، والانضمام إليها، والتصديق عليها، وإيداع وثائق الانضمام أو التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة. أما المادة السادسة والعشرون فإنها تجيز لأي دولة طرف أن تطلب إعادة النَّظر في الاتفاقية. وتحدد المادة 27 معايير بدْء نفاذ الاتفاقية، بينما تتناول المادة الثامنة والعشرون مسألة إبداء التحفظات وتؤكد عدم جواز إبداء تحفظٍ يكون منافياً لموضوع الاتفاقية وغرضها. وتوضح المادة التاسعة والعشرون آلية فضِّ أي خلافٍ، أو نزاعٍ، قد ينشأ بين أطرافٍ في الاتفاقية. وتشير المادة الثلاثون إلى إيداع الاتفاقية لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى تساوي حجية جميع نصوصها باللُّغات الأساسية الستة المعتمدة.

ونظراً لتخصص جميع المواد الواردة في الجزأين الأخيرين من الاتفاقية بتناول قضايا تتعلق بصلة الاتفاقية باتفاقيات دولية أخرى ذات صلة، وبمسائل عملية وقانونية وإجرائية، كالتوقيع والتصديق والانضمام إلى الاتفاقية، والتحفظ على بعض المواد، وبمسائل ذات طبيعة إجرائية، وبآليات تختص بتنفيذ الاتفاقية ومتابعة التطورات الحاصلة في قضايا التمييز ضد المرأة، وغير ذلك من أمور مُشابهة؛ فإنَّ القارئ لن يتوقع من هذا البحث أن يتطرق، بأي حال، لمقاربة فكر قاسم أمين والطاهر حداد في مرآة المواد الواردة في الجزأين الأخيرين.

وفي ضوء ما تقدَّم من عرضٍ مكثفٍ لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدَّ المرأة، وهو العرض الذي راعينا أن يكون مركزاً على نحو يسمح باتخاذه مرآة نقرأ انعكاس أفكار قاسم أمين، والطاهر الحداد، على سطحها وفي أبعادها المختلفة، حالما نقف أمامها لنقلب صفحات كتابي الأول: “تحرير المرأة” و “المرأة الجديدة”، وكتاب الثاني: “امرأتنا في الشريعة والمجتمع″.

طبيعة المرأة

يؤسس كلٌ من قاسم أمين والطاهر الحداد دعوتهما إلى تحرير المرأة، واحترامها، ومساواتها بالرجل، على مبدأ أساسي مؤداه أنَّ المرأة والرجل كلاهما من نوع الإنسان، فالمرأة، كما يؤكد قاسم أمين، “إنسانٌ من نوع الرجل لها ما له وعليها ما عليه” (تحرير المرأة ص 89)، إنها “إنسانٌ مثل الرجل، لا تختلف عنه في الأعضاء ووظائفها، ولا في الإحساس ولا في الفكر ولا في كل ما تقتضيه حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان، إلاَّ بقدر ما يستدعيه اختلافهما في الصنف” (تحرير المرأة ص 21). وهي “إنسان له من خاصة الإنسان ما لنا، فهو مثلنا له روح ووجدان وقلب وعقل وحواس″ (تحرير المرأة ص 81)، والرجل والمرأة هما “شقان لجسمٍ واحد مفتقر بعضه إلى بعض ليتمَّ له الكمال بالاجتماع″ (تحرير المرأة ص 40).

وفي كتاب “المرأة الجديدة” يؤكد قاسم أمين المبدأ نفسه، فيكتب “والمرأة إنسان مثل الرَّجل زينتها الفطرة بموهبة العقل فحقَّ لها أنْ تسمو اليوم إلى ما يقرب من درجته، إنْ لم تستطع أن تُساويه فيها” (المرأة الجديدة ص 62)، وكي يعمَّق هذا الفهم ويربطه بوعي إسلامي مستنير، يقتبس عن العلامة الهندي عناية حسين قوله “إذا لم تتحققوا أيها السَّادة أنّ الرِّجال والنَّساء توأمان عاملان في الهيئة الاجتماعية، أنهم إما أنْ يقوموا معا وإما أنْ يسقطوا معاً، فلا سبيل إلى الرقي ولا وسيلة إلى التقدم والنجاح…” (عناية حسين: من خطبةٍ له في جمعية الآداب الإسلامية بمدراس في الهند ترجمت في جريدة المؤيد الصادرة في 14 تموز (يوليو) 1900، وقد اقتطفها قاسم أمين وأوردها في كتابه “المرأة الجديدة” ص 94 ).

ويعمِّق الطاهر الحداد ابن الطبقة الكادحة، وخريج جامع الزَّيتونة (1920)، دعوته إلى تمكين المرأة من حقوقها، وحرياتها، عبر فهمه المستنير لرؤية الإسلام لطبيعتها، وإلحاحه على مبدأ مواكبة الإسلام للحاجات الإنسانية المتطوِّرة. ويكاد الطاهر الحداد ألا يختلف عن قاسم أمين في هذا الفهم، غير أنه يتعمَّق، عبر سياقات مختلفة وفي مواضع عديدة من كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع″، في توضيح رؤية الإسلام والشريعة الإسلامية لطبيعة المرأة، مستنداً في ذلك إلى رؤية اجتماعية متفتحة، وإلى ثقافة دينية مستنيرة، فـ”المرأة هي أم الإنسان … وهي نصف الإنسان وشطر الأمة نوعاً وعدداً، وقوة في الإنتاج من عامة وجوهه …” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 13)، وهي “ركنٌ للعمران”، وهي “نصف الرجل في الحياة” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 19). ويُبين الطاهر الحداد أنّ النص القرآني إذْ يؤكِّد أنَّ الرجل والمرأة من طبيعة واحدة، إذْ خلقا من نفس واحدة: “يا أيها الناس اتَّقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة…” (سورة النساء، الآية ا)، فإنه لا يميز بينهما من حيث جوهر الذات، ولا يخصُّ الرجل بالخطاب في الأمور الجوهرية والأحكام والمقررات العامة، بل يخاطبهما معاً بوصفهما ذاتاً إنسانية واحدة، أو بوصفهما إنسان، فـ “آي الكتاب الكريم ظاهرة في خطاب الرجل والمرأة سواء: في أحكامها وعامة مقرراتها إلاَّ ما كان نصاً في خطاب الرجال والنساء. وهي تقرر لهما هذه الحقوق المدنية كما تفرض عليهما الواجبات وكما تسوي بينهما في العقوبات عند ارتكاب الجرائم.” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 25). وفي هذا الضوء، ومن منظور أنَّ الإسلام “دين الواقع ويتطور بالواقع″ (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 23)، يُوضَّح الطاهر الحداد نأي الإسلام عن تمييز المرأة بجوهرٍ يُغاير جوهر الرجل، فـ”في الحقيقة إنَّ الإسلام لم يعطنا حكماً جازماً عن جوهر المرأة في ذاتها. ذلك الحكم الذي لا يمكن أن يتناوله الزمن وأطواره بالتغيير. وليس في نصوصه ما هو صريح في هذا المعنى. إنما الذي يُوجد أنه أبان عن ضعف المرأة وتأخرها في الحياة تقريراً للحال الواقعة، ففرض كفالتها على الرجال مع أحكام أخرى بُنيت على هذا الاعتبار. (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 31). وينطبق هذا التوضيح على قراءة الطاهر الحداد للآيات القرآنية التي ميزت، بصراحة ووضوح، الرجل عن المرأة، فتلك آيات تتعامل مع واقع زمن نزولها، إنها فصلٌ من فصول الشريعة التي “تتأثر بسحابة الفصول المارة فيها”، وليست من جوهر الشريعة، أو من روح الشريعة التي هي “أبلغ وأبقى من فصولها” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 35).

وإذ يُحيل القارئَ إلى مراقبة الاتجاه البارز في حياة المرأة في زمنه، وفي الأزمنة الحديثة المتطورة، باعتبار أنَّ هذا الاتجاه هو “أنصع برهانٍ على أنَّ ما كان لها في الماضي ليس ناشئاً عن جوهر خلقتها. وإنما كان فصلاً من فصول حياتها الطويلة. (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 32)، فإنَّ الطاهر الحداد يسعى إلى إقامة الدليل الواقعي الملموس على حقيقة أنَّ جوهر المرأة هو نفسه جوهر الرجل، وأنَّ المرأة ليست”ناقصة عقل ودين” كما يُشاع زوراً وبهتاناً أو انتحالاً على لسان النبي، وأنَّ تخلفها عن مستوى الرجل لا يرجع إلى طبيعتها الذَّاتية، وطباعها المطبوعة، وإنما هو مشروطٌ بمعطيات بنُى المجتمع على الأصعدة المختلفة، وبالتراكمات الثقافية التاريخية الناجمة عن ذلك، والتي تُواصل الحضور في واقع المجتمعات الإسلامية الممسوسة بحب الماضي.

ولعلنا نلاحظ، في ضو ما تقدَّم، أنَّ مفهوم كلٍّ من قاسم أمين والطاهر الحداد لطبيعة المرأة يكاد لا يختلف، جوهرياً، عن المفهوم الذي تتبناه الاتفاقية التي اعتمدتها الأمم المتحدة بعد ثمانية عقود من صدور كتابي قاسم أمين، ونصف قرن من صدور كتاب الطاهر الحداد، وذلك لأن الاتفاقية تنهض على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى غيره من العهود والمواثيق والصكوك الدولية السابقة لها، والتي تؤكَّد أنَّ المرأة والرجل من نوع الإنسان، وأنَّ البشر جميعاً سواسية، يُولدون أحراراً، متساوين في الكرامة والحقوق، وأنَّ لهم جميعاً حق التمتع بالحقوق الإنسانية والحريات الأساسية من دون أي تمييز من أي نوع.

قاسم أمين (يمين) والطاهر حداد (يسار): علامتان مبكرتان في ثقافة التحرر من الاستبداد

مصدر الانحطاط وتعريف التمييز

يُرجع قاسم أمين تردِّي الأخلاق المفضي إلى احتقار المرأة، ووضعها في مكانة أدنى كثيراُ من مكانة الرجل، إلى توالي الحكومات الاستبدادية، فهو يرى أنَّ الاستبداد إذا غلب على أمة فإنْ أثره في الأنفس لا يقتصر على الحاكم الأعلى المستبد، وإنما يتصل منه بمن حوله، و”ينفث روحه في كلِّ قويٍّ بالنسبة لكلِّ ضعيف متى مكنته القوة من التحكم” (تحرير المرأة، ص 27)، ولذا “كان من أثر هذه الحكومات الاستبدادية أنَّ الرجل في قوته أخذ يحتقر المرأة في ضعفها” (تحرير المرأة، ص 27)، وخص نفسه بكل حقٍّ، وحرمها من كلِّ حق، فـ “له الحرية ولها الرِّق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنَّهي ولها الطاعة والصبر، له كل شيء في الوجود وهي بعض ذلك الكل الذي استولى عليه” (تحرير المرأة، ص 28). إنَّ الرجل، أو أي سلطة مستبدة، قد واصلا، على امتداد القرون، ممارسة التمييز ضدَّ المرأة. وليست أشكال الاستبداد والاستعباد والتفرقة وتقييد الحرية التي يُشير إليها المقتبس السابق عن قاسم أمين إلا تجسيداً عملياً لما ورد في المادة الأولى من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدَّ المرأة، وهي المادة التي تعتبر أي مفاضلة أو تفرقة أو استعباد أو تقييدٍ يتم على أساس الجنس، تمييزاً ضدَّ المرأة ينال من الإقرار بحقوقها وحرياتها المساوية لحقوق الرجل وحرياته في جميع المجالات والميادين، ويحول دون تمتعها بهذه الحقوق والحريات وممارستها لها. غير أنَّ المفارقة المهمة تكمن، هنا، في أن قاسم أمين، ولأسباب موضوعية ثقافية ودينية وتاريخية، لم يكن يمتلك ما يؤهله لأن يفكَّر في أنْ يُقِرَّ للمرأة، على نحو ما ستفعل الاتفاقية بعد ثمانين عاماً تقريباً، بجميع هذه الحقوق بـ”غضِّ النظر عن حالتها الزوجية”.

أما الطاهر الحداد، فإنه لا يحلل مفهوم التمييز، ولكنه يستند، ضمنياً، إلى مفهوم يقترب محتواه من محتوى المفهوم الذي يتبناه قاسم أمين، ويُبرئ الإسلام، كعقيدةٍ، من أي تمييز قائم على أساس جنسوي، ويُرجع التمييز ضدَّ المرأة، وتهميشها وإنقاص مكانتها، إلى توالي أزمنة الانحطاط الناجم عن مسببات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية…، وإلى إهمال نصوص القرآن، أو تأويل الآيات القرآنية بما يُطابق الأهواء، وإلى “هيبة الماضي” الماثلة في الأذهان، والمفضية إلى جنوح “عامة الفقهاء في سائر القرون إلاَّ ما شذَّ إلى العمل بأقوال من تقدَّمهم في العصر ولو بمئات السنين… ” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 92)، وميلهم في “أخذ الأحكام إلى تفهم ألفاظ النصوص ألفاظ النصوص وما تحتمل من معنى أكثر بكثير مما يميلون إلى معرفة أوجه انطباق تلك النصوص على حاجات العصر، وما تقتضيه مصلحة المجتمع الحاضر الذي يعيشون فيه.”. ويخلص الطاهر الحداد من جملة ما يورده من إشارات ومعالجات تتصل بمسألة التمييز ضد المرأة، ومواقف عامة الفقهاء، وتصوراتهم، إلى أنَّ هذه المواقف والتصورات الزائغة عن الصراحة في الحق، قد أفضت إلى جمود الفقه والقضاء في الإسلام عبر إغلاق أبواب الاجتهاد، بحيث أصبح الإسلام غريباً مجهولاً بين المسلمين، وهلكت أمة الإسلام “بجهلها، وجمود علمائها” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 92).

القضاء على التمييز

القضاء على التمييز هو بمصطلح قاسم أمين قضاءٌ على الانحطاط الذي تردَّت إليه أوضاع المرأة المصرية والعربية والمسلمة، وهو إنهاءٌ لما تتعرَّض له من احتقار وإلغاء وتهميش، ولعلنا نستطيع، عبر قراءة أفكار قاسم أمين في مرآة المادة الثانية من الاتفاقية، أنْ ندرك أنه يتطلع من حيث المبدأ إلى منح المرأة جميع الحقوق والحريات، وإلغاء جميع أشكال التمييز الذي تتعرَّض له، ولكنه يُدرك، مميزاً بين إقرار الحق وبين استعماله، أنَّ ذلك لا يتم دفعةً واحدةً وإنما عبر تدرُّج منتظم، يأخذ باعتباره جملة الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية … وغيرها، ويفضي إلى تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة في جميع حقول الحياة ومجالاتها، وإلى جعل هذه المساواة دستوراً وقانوناً، لا يخرجا عن الحدود الشرعية ولا يتقيدا بمذهب من المذاهب (أنظر: تحرير المرأة، ص 148). وينبه قاسم أمين، مثلاً، إلى أنه لا يُطالب برفع الحجاب دفعةً واحدةً، ولا يقصد ذلك، ولا سيما أنَّ النساء لم ينلن القسط الوافي من التربية والتعليم، وهو يخشى أنُ ينشأ عن الانقلاب المفاجئ “مفاسد جمة لا يأتي معها الوصول إلى الغرض المطلوب (تحرير المرأة، ص 91)، ويُوضح أنه يميل إلى “إعداد نفوس البنات في زمن الصبا إلى هذا التغيير، فيعودون بالتدريج إلى الاستقلال، ويُودع فيهن الاعتقاد بأنَّ العفةَ ملكةٌ في النَّفس لا ثوب يختفي دونه الجسم” (تحرير المرأة، ص 91).

وإذ يربط الطاهر الحداد احتقار المرأة وتهميشها، باحتقار الذَّات، وتبخيسها (الذات الفردية والجماعية)، وإذ يُرجع سقوط المرأة وانحطاطها وهوانها إلى سقوط الأمة وانحطاطها وهوانها، فإنما هو يُؤسس كلامه على فكرٍ اجتماعيٍّ نهضويٍّ، متماسكٍ ورصين، يربط قضية المرأة بالمسألة الاجتماعية – الوطنية على شمولها واتِّساعها، فلا يفصل النضال من أجل تحرير المرأة عن النضال من أجل تحرير العمال باعتبارهم المُحرك الفعلي لطاقات المجتمع، ولا يفصل تحرير العمال والمرأة والنُّهوض بأوضاعهما، معاً، عن تحرير الوطن من الاستعمار، وتخليص المجتمع من شتى صنوف الاستبداد والتخلف والانحطاط.

مفهوم كلٍّ من قاسم أمين والطاهر الحداد لطبيعة المرأة يكاد لا يختلف، جوهرياً، عن المفهوم الذي تتبناه الاتفاقية التي اعتمدتها الأمم المتحدة بعد ثمانية عقود من صدور كتابي قاسم أمين، ونصف قرن من صدور كتاب الطاهر الحداد

وعلى نحو ما يفعل قاسم أمين، يأخذ الطاهر الحداد بمبدأ التَّدُّرج في ممارسة الحقوق، مميزاً ما بين إقرار الحق من حيث المبدأ، وأوان ممارسته أو استعماله، داعياُ إلى التأهُّل السليم لممارسة أي حقٍّ من الحقوق الأساسية ممارسةً صحيحةً، ونافعة. ويبدو أنَّ الدعوة للتدرج تنهض، عند الطاهر الحداد، على الاقتداء بموقف الإسلام من عادات الجاهلية بشأن المرأة ومن واقع المرأة في الجاهلية، لتحديد ما ينبغي أن يكون عليه موقف الإسلام من العادات والتقاليد والتصورات التي أفضت إلى تخلُّف المرأة المسلمة مع توالي أزمنة الانحطاط، فقياساً على أفكار ووقائع من قبيل أنَّ الإسلام “هو الدين الذي يدين بسنة التدرُّج في تشريع أحكامه حسب الطرق” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 32)؛ وأنَّ الإسلام لم يُقدم على إقرار المساواة التامة بين الرجل والمرأة دفعةً واحدة، منذ البدء، لأنَّ ذلك كان “شديد الوطأة على أخلاق الجاهلية” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 29)؛ وأنَّ الإسلام كان “حكيماً في التدرُّج بحقوق المرأة لا يبلغ بها الكمال بسرعة مخطرة” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 30)، وأنَّ ما أقرَّه الإسلام للمرأة من حقوقٍ بدأت ممارستها منذ البدْ “كان … شديد الوقع على المسلمين غير محتمل” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 30)، يدعو الطاهر الحداد إلى التخلُّص من ترجيح روح الجاهلية على نور الإسلام، والاستعداد “لتقويم المرأة حتى تستعد للقيام بما أعطاها الإسلام من حق” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 30). وإذ تنطوي الدعوة إلى “الاستعداد”، و “التقويم”، على فكرة التأهُّل لممارسة الحق، وعلى منطق التدرُّج في ممارسته، فإنَّ المنطق الحاكم فكر الطاهر الحداد يذهب به إلى تبني فكرة أنْ يهدف هذا التقويم، على المدى البعيد، إلى تمكين المرأة من “تحقيق استقلالها عن الرجل في التحصيل على عيشها، وفي تحقيق التعاون معه بالإنفاق عل ما يلزمهما من أمور مشتركة” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 32)، وهو الأمر الذي يؤسس القاعدة السليمة والصلبة لـ”تقرير المساواة من كامل وجوهها، متى انتهت أسباب التفوق وتوفرت الوسائل الموجبة” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 32). ولعلنا نستخلص مبدأً أساسياً مؤداه أنَّ الاستقلال الاقتصادي، بحسب الطاهر الحداد، هو المدخل الحقيقي، وربما الأساسي والرئيس، لإقامة المساواة التامة، وإلغاء التمييز. والمدخل لذلك هو التأهُّل أو التقويم عبر التربية والتعليم، بأوسع معانيهما وفي شتى الميادين والمجالات.

كفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين

يرى قاسم أمين أنه لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة في الشوق إلى التطور والتقدم، ويعتبر أنَّ “لكلِّ نفس حقٌ طبيعيٌ في تنمية ملكاتها الغريزية إلى أقصى حدٍّ ترمي إليه باستعدادها” (تحرير المرأة ص 35)، وهذا هو عين ما تُقرره، وتُطالب به، المادة الثالثة من الاتفاقية، وهي المادة التي تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير التي تكفل تطور المرأة وتقدمها الكاملين، وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها عل أساس المساواة مع الرجل.

ويرى الطاهر الحداد أنَّ الإسلام الخالص، أو جوهر الإسلام ومعناه، يكفل للمرأة أنْ تتطوَّر وأنْ ترتقي على نحو كامل ومفتوح، وأنْ تستنير بالعلم والمعرفة حتى تكتسب الأهلية التامة وتتهيأ لممارسة الحقوق المتطورة التي اكتسبتها بالإسلام، على أساس المساواة التامة مع الرجل في الدولة والمجتمع. وفي ضوء حقائق ووقائع من قبيل أنَّ “الإسلام دين الواقع ويتطوَّر بتطوُّره” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 23)، وأنَّ الإسلام لم يستثني المرأة من كمال الخَلْق، وثواب السَّعي، والحثِّ على العمل الدائب المفضي إلى المزيد من الارتقاء ، وأنَّ “المرأة قد تدرَّجت فعلاً في صدر الإسلام فاستعملت ما أعطاها من حقٍّ وانتفعت به بقدر استعدادها.” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 25)، يدعو الطاهر الحداد إلى أنْ “نتعاون جميعاً على إنقاذ حياتنا بوضع أصول كاملة لنهوض المرأة الذي هو نهوضنا جميعاً.” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 15).

التعجيل بالمساواة وحماية الأمومة

كما سبق أنْ أشرنا وللأسباب التي ألمحنا إليها، لم يكن قاسم أمين ليتبنى فكرة التعجيل في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. ولكنه كان حريصاً على مطالبة الهيئة الاجتماعية بإيلاء عناية خاصة لمسألة حماية الأمومة عبر تمكين المرأة، التي هي أساس العائلة، من القيام بوظيفتها الاجتماعية على أكمل وجه، وذلك باتخاذ تدابير عديدة من بينها تلك التي تكفل توفير الرعاية للنساء الحوامل وللأمهات من مختلف النواحي: التربوية والتعليمية والصحية؛ فأخلاق الأم هي أخلاق الأمة، وتعلم الأم ضرورة اجتماعية تكفل لها معرفة حقوقها، وتمكنها من تنشئة أطفالها تنشئة حسنة كريمة، يتهذب معها العقل ويرق الشعور. وليس لأحدٍ أنْ يتوقع “تحصيل رجال ناجحين إنْ لم يكن لهم أمهات قادراتٍ على أن يهيئنهم للنجاح” (تحرير المرأة ص 103). إنَّ كون المرأة أساساً للعائلة، ونظراً لأن الإنجاب هو وظيفة تؤديها لحفظ النوع، ولكي تكون المرأة خلقاً كاملاً، فإنه لا بدَّ من أن تتربَّى جسمياً وعقلياً، وذلك لأن “تربية العقل لا تثمر ثمرتها إلا بتربية الجسم، وإنَّ موازنة العقل لا تتمُّ إلاَّ بموازنة وظائف الجسم. وإذا تذكَّر القارئ ما سبق بيانه من أنَّ الولد يرث من أبويه خصوصاً من أمه الحالة الجسمية والعقلية التي تكون عليها مدة حمله، يعلم ما تستفيده المرأة والرجل والهيئة الاجتماعية كلها من الاعتناء بصحة المرأة” (تحرير المرأة، ص 102).

وتأسيساً على دعوته المُلِحَّة للأخذ بمبدأ التَّدرُّج في ممارسة الحقوق بحسب التأهُّل للانتفاع بها واستعمالها، يدعو الطاهر الحداد إلى الإسراع في تعليم المرأة وتهذيبها وتحريرها، ويأخذ على أغلب علماء المسلمين وفقهائهم أنهم “لم يُراعوا غرض الإسلام في التَّدرُّج بذلك النَّقص البادي في المرأة واستعداد الرجل نحوها حتى يصير كمالاً بل هم قد أفسحوا لذلك النقص أنْ يعظم ليتَّسع الفرق بينهما في الأحكام ويتضخَّم الخلف بينهما في الحياة”.(امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 90).

ويلتقي فكر الطاهر الحداد مع فكر قاسم أمين فيما يتعلَّق بحماية الأمومة، فهو يضع للقسم الاجتماعي من كتابه عنواناً هو: “كيف نثقِّف المرأة لتكون زوجاً فأماً” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 95)، كما أنه يُنهض دعوته للنهوض بالمرأة على مبدأ فكري – واقعي مؤداه أنَّ “المرأة هي أم الإنسان”(امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 13)، ويُخَصِّصُ فقراتٍ من كتابه لمعالجة قضايا من قبيل: الثقافة الزوجية، والثقافة الصحية، والاستعداد للزواج، والثقافة المنـزلية، وتربية الطفل وتعليمه… إلخ.

لوحة: بهرام هاجو

تعديل الأنماط السلوكية والقضاء على التحيز الجنسوي

تدعو المادة الخامسة من الاتفاقية إلى تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرَّجل والمرأة بغية القضاء على فكرة دونية أحد الجنسين، أو تفوِّقه، وكفالة التَّفهُّم السليم للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية، والاعتراف بالمسؤولية المشتركة لكلٍّ من الرِّجال والنِّساء في تنشئة أطفالهم وتطورهم، مع الإقرار بأنَّ الاعتبار الأساسي في جميع الحالات هو لمصلحة الطفل الفضلى.

ويُدرك قاسم أمين، على نحو ما تفعل المادة الخامسة، أنَّ التقدُّم نحو المساواة يتطلب إحداث تغييراتٍ اجتماعية واقتصادية وثقافية، والتَّصدي المتواصل للأفكار والممارسات التي تفضي إلى إقصاء المرأة أو تهميشها، ومكافحة التوزيع النَّمطي للأدوار بين الرجل والمرأة (معيشة خارجية – معيشة داخلية)، وإلغاء فكرة تفوُّق الرجل وتمييزه، وغير ذلك من تصنيفات نمطية أو أحكام تقوم على أساسٍ جنسويٍّ.

وإذ يُدرك قاسم أمين أنَّ التصنيفات النمطية تتبدَّى، أكثر ما تتبدَّى، في الحياة العائلية، فإنَّه يدعو إلى احترام المرأة، والاعتراف بأهمية الأمومة كوظيفة اجتماعية، ويلمح إلى منافع مشاركة الرجل في تنشئة الأطفال وتربيتهم. يقول قاسم أمين: “إنَّ كل حركة من حركات العقل نحو التقدم يتبعها حتماً أثرٌ يناسبها في العادات والآداب” (تحرير المرأة، ص 23). ويقول أيضاً “يجب أنْ تُربَّى المرأة على أنْ تدخل في المجتمع الإنساني وهي ذات كاملة لا مادة يشكِّلها الرجل كيفما شاء” (المرأة الجديدة، ص 71).

ويُعدِّد قاسم أمين جملةً من الممارسات الذُّكورية الضِّارة، وأنماط السلوك القائمة على أساس من التمييز الجنسوي، والتي تحتقر المرأة وتهينها، وهو إذْ يُطالب الرَّجل، والهيئة الاجتماعية، بترك هذه الممارسات، وبالتَّخلِّي أنماط السلوك غير السَّوي؛ فإنَّه يدعو إلى تربية المرأة، وتعليمها، لتعرف حقوقها، ولتسهم في إحداث التغيير المطلوب: “من احتقار الرجل للمرأة أن يملأ بيته بجوارٍ بيض أو سودٍ، أو بزوجات متعدِّدة (…) من احتقار المرأة أنْ يُطلِّق الرجل زوجته بلا سبب … من احتقار المرأة أنْ يقعد الرجل على مائدة الطعام وحده ثمَّ تجتمع النِّساء من أمٍ وأختٍ وزوجةٍ ويأكلن ما فضل منه … من احتقار المرأة أنْ يُعَيِّنَ لها محافظاً على عرضها مثل أغا أو مقدَّم أو خادم يراقبها ويصحبها أينما تتوجَّه … من احتقار المرأة أنْ يسجنها في منـزلٍ ويفتخر بأنها لا تخرج منه إلاَّ محمولةً على النَّعش إلى القبر … من احتقار المرأة أن يُعلن الرجال أنَّ النِّساء لسن محلاًّ للثقة والأمانة … من احتقار المرأة أنْ يُحال بينها وبين الحياة العامة والعمل في أي شيء يتعلَّق بها …” (تحرير المرأة، ص 29)

ويوضح قاسم أمين أنَّ ما طرأ من تغييرات إيجابية في واقع المرأة، إنما يعود إلى أنَّ الرِّجال أنفسهم قد غيَّروا أفكارهم عن المرأة، وتغيَّروا : “وكثير من الرجال قد أعطوا نساءهنَّ مقاماً في الحياة العائلية. وهذا إنما طرأ على بعض الرجال من نشأة الثَّقة في نفوس أولئك الرجال بنسائهم، واطمئنانهم إلى أمانتهنَّ. وهو احترام جديدٌ للمرأة” (تحرير المرأة، ص 29).

ومن الحق أنَّ فكر قاسم أمين، ودعوته إلى تحرير المرأة، عبر تعليمها وتربيتها، وتغيير أنماط السلوك المجتمعية، إنما ينهضان على مبادئ أساسية مؤداها أنَّ المرأة هي أساس العائلة، وأنَّ العائلة هي أساس الهيئة الاجتماعية، وأنَّ الأمومة وظيفة اجتماعية تؤديها المرأة بالفطرة، وأنَّ تأهيل المرأة للقيام بأداء هذه الوظيفة يقتضي، أساساً، تأهيلها لأن تكسب بنفسها ضرورات الحياة، وحاجاتها. ويرى قاسم أمين أنَّ إعفاء المرأة من واجب الكسب هذا هو السبب الذي جرَّ إلى تهميشها، وهضم حقوقها‎، وذلك لأنَّ الواجب مدخلٌ ضروريٌ للحق، ولأن الاشتراك في المسؤولية مؤسس لازم للاشتراك في الحقوق: “فإنَّ الرَّجل لما كان مسؤولاً عن كل شئ استأثر بالحق في التمتع بكلِّ حق، ولم يبق للمرأة حظٌ في نظره إلاَّ كما يكون لحيوان لطيف يوفيه صاحبه ما يكفيه من لوازمه تفضلاً منه على أنْ يتسلَّى به.” (تحرير المرأة، ص 36).

الحق أنَّ فكر قاسم أمين، ودعوته إلى تحرير المرأة، عبر تعليمها وتربيتها، وتغيير أنماط السلوك المجتمعية، إنما ينهضان على مبادئ أساسية مؤداها أنَّ المرأة هي أساس العائلة، وأنَّ العائلة هي أساس الهيئة الاجتماعية

ولا ينفي قاسم أمين وجود فروق في الخلقة ما بين المرأة والرجل. وهو إذْ يؤكد التباينات الفسيولوجية والتشريحية التي بينها علماء التشريح، فإنه يُوضح أن ليس لهذه التباينات أن تكون دليلاً على تفوق أيٍّ من الجنسين على الجنس الآخر؛ فالحقيقة أنَّ “المرأة ليست مثل الرجل في الخلقة، وأنه يوجد بين الصنفين اختلافات تشريحية وفسيلولوجية يمتاز بها كل صنف عن الآخر”، ولكن “ليس في هذه الاختلافات ما يدل على أنَّ أحد الصِّنفين أرقى من الآخر أو أحط منه” (المرأة الجديدة ص 36)، كما أنَّ المرأة، أمام علم التشريح، “ليست أقل أقلَّ من الرجل أو أرقى منه، وإنما تختلف عنه، لأنَّ لها وظائف تقوم بها غير وظائف الر(المرأة الجديدة ص 36). وفوق ذلك، فإنَّ المرأة، في رأي العلماء المختصين الموثُوق بهم، “مُساوية جل” للرَّجل في القوى العقلية، وتفوقه في الاحساسات والعواطف … وما يُشاهد الآن بين الصنفين من فروق هو صناعي لا طبيعي” (المرأة الجديدة ص 38)، أو هو مكتسبٌ من خلال اشتغال الرجال أجيالاً عديدةً في ممارسات وأعمال منعت النساء عن الاشتغال بها، أو ممارستها.

وفي ضوء ما تقدَّم يوضح قاسم أمين فهمه للأمومة، كدور إنساني تنهض به المرأة في الحياة وكوظيفة اجتماعية تؤديها، وتتميز بها، فيقول: “نحن لا نجادل في أنَّ الفطرة أعدت المرأة إلى الاشتغال بالأعمال المنـزلية وتربية الأولاد، وأنها معرضة لعوارض طبيعية كالحمل والولادة والرِّضاع لا تسمح لها بتأدية الأعمال التي تقوى عليه الرجال، بل نصرِّح هنا أنَّ أحسن خدمة تؤديها المرأة إلى الهيئة الاجتماعية هي أن تتزوج وتلد وتربي أولادها. هذه قضية بديهية لا نحتاج في تقريرها إلى بحث طويل، وإنما الخطأ في أن نبني على ذلك أنَّ المرأة لا يلزمها أنْ تستعدَّ بالتَّعلُّم والتربية للقيام بمعاشها، وما يلزم لمعيشة أولادها إنْ كان لها أولادٌ صغارٌ عند الحاجة.” (المرأة الجديدة ص 64).

وإذْ يستند قاسم أمين إلى حقيقة أنَّ المرأة ذات إنسانية كاملة، وأنها هي أساس العائلة، وأنَّ العائلة هي أساس المجتمع ونواته الأولى، فإنه يربط حال العائلة بحال المرأة، ويربط حال المجتمع بحال العائلة، ويرى أنْ لا كمال للرجل إنْ كانت المرأة ناقصة، ويحثُّ على إعطاء الأولوية في التعليم للبنات، ويتساءل، مستنكراً المواقف التي تتعارض مع موقفه والرؤى التي تناقض رؤيته، عن مصير الأمم التي تكبح طاقات النساء، وعن حال الرجال حين يقترنون بنساء مكبوحات عن التحقق كذوات إنسانية كاملة. يقول قاسم أمين “إنَّ تعليم البنات مقدَّمٌ على تعليم الذكور” (تحرير المرأة ص 52)، وذلك لأنَّه “لما كانت المرأة هي أساس العائلة كان تقدمها وتأخرها في المرتبة العقلية أول مؤثر في تقدم الأمة وتأخرها” (تحرير المرأة ص 103)، ولأنَّ الأمة لا تكتمل إلا بكمال نسائها ورجالها، معاً، ولأنَّ الرجل يظل ناقصاً إن لم يتح للمرأة أن تحوز كمالها الثنائي: جسماً وعقلاً. ويتساءل قاسم أمين مستنكراً: “أيتمُّ كمال الرجل إذا كانت المرأة ناقصةً؟” (تحرير المرة ص 54).

ويبدو أنَّ الإلحاح على تربية البنات/الأمهات وتعليمهنَّ، يستند، في فكر قاسم أمين، إلى حاجة اجتماعية .. نفعية، أساسها تربية الطفل وتنشئته كأساس لتربية الأمة وتنشئتها وبناء حضارتها والارتقاء بها وإعلاء شأنها؛ وذلك لأنَّ الطفل “لا يعيش من طفولته إلى سن التمييز إلاَّ بين النساء” (تحرير المرأة ص 50)، وهو، بحسب ما يقول الإمام الغزالي، “أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابلٌ لكل ما ينقش عليه، ومائل إلى كل ما يمال إليه به …” (تحرير المرأة ص 49)

وفي إقرار قاسم أمين أنَّ “الصبي أمانة عند والديه”، ونقله عن الإمام الغزالي أنَّ الوزر في إساءة تربية هذا الصبي إنما يقع على وليه القائم عليه” (تحرير المرأة ص 49) إشارة واضحة إلى إعطاء الأولوية، دائماً وفي كل الحالات، لمصلحة الطفل الفضلى، وهو الأمر الذي يتجاوب مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بعامة، ولحقوق الطفل على وجه الخصوص.

وفي مواضع عديدة من كتابه، يُلِحُّ الطاهر الحداد على ترسيخ وعي القارئ بفكرة أساسية مؤدَّاها أنَّ الإسلام لا يقيم، ولا يمكن أن يقيم، أيَّ نوع من أنواع التمييز بين المرأة والرجل على أساس نوع الجنس (الذكورة والأنوثة)؛ فالمرأة ذات إنسانية متطورة وقابلة للاكتمال، كالرجل تماماً، وليس لنوع الجنس أن يكون حائلاً يمنعها من الوصول إلى أقصى درجات التَّحقق الإنساني. وإذا كان الوعي القائم يسعى، مستنداً إلى زعم أنها حديثٌ نبويٌ، إلى ترسيخ مقولة أنَّ “النساء ناقصات عقل ودين” لكونهنَّ نساءً فحسب؛ فإنَّ معالجات الطاهر الحداد لهذه المقولة، وهي معالجات تنعكس خلاصتها في سياقات الكتاب وتتضح في فحوى دعوته، تكشف حقيقة أنها مقولة زائفة لا تستند إلى منطق يتجاوب مع جوهر الإسلام وغايته، وإنما يجري توظيفها لتحقيق أغراض اجتماعية وسياسية تتوخَّى تركيز جميع أشكال السلطة في يد الرجل، وإبقاء المرأة في حال “الانكسار القاتل” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) الذي نعبده فيها، بحسب تعبير الطاهر الحداد نفسه.

في مواضع عديدة من كتابه، يُلِحُّ الطاهر الحداد على ترسيخ وعي القارئ بفكرة أساسية مؤدَّاها أنَّ الإسلام لا يقيم، ولا يمكن أن يقيم، أيَّ نوع من أنواع التمييز بين المرأة والرجل على أساس نوع الجنس (الذكورة والأنوثة)

وعلى الرغم من أنَّ الطاهر الحداد لا يخصص فقرات مستقلة لإجراء معالجات تفصيلية لأنماط سلوكية محدَّدة، فإنَّ جوهر دعوته، وفحوى الموضوعات التي يناقشها في كتابه، والمنطلق الرئيسي لهذا الكتاب، إنما تنهض جميعاً على الدَّعوة إلى إدراك “مصادر … الخيبة النامية فينا” كي “نعمل على زوالها” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 13)، وذلك بالتَّخلي عن جميع أنماط التفكير والسلوك المنتجة لمصادر الخيبة، أو الناتجة عنها. وإذ يؤكد الطاهر الحداد أننا قد ” اعتدنا في نظرنا للمرأة أنْ نراها منفصلة عن الرجل، لا شأن لها في تكييف نفسه وحياته. وأحرى أن لا يكون لها شيء من ذلك في نهوضه الشعبي أو سقوطه”، وأنَّ هذه النظرة قد أفضت إلى تجريعنا “مرارة الخيبة في حياتنا من كل وجوهها” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 13)؛ فإنه يدعو إلى التخلَّي عن هذه النظرة تخلياً نهائياً، وإلى القضاء على ما أنتجته من ممارسات ضارة، وأنماط سلوك متخلَّفة وغير إنسانية، قضاءً نهائياً.

مكافحة الاتَّجار بالمرأة واستغلالها

تتناول المادة السادسة من الاتفاقية مسألة الاتَّجار بالمرأة واستغلالها في الدَّعارة. وتتخطَّى هذه المادة جميع الصيغ الدولية القائمة بشأن الاستغلال الجنسي، وذلك بمطالبتها الدول بإصدار تشريع مناسب وتطبيقه، وبمعالجة الأسباب الجذرية للاتِّجار بالمرأة، ولاستغلالها في البغاء والدَّعارة.

وبمقاربة هذه المادة مع أفكار قاسم أمين الواردة في كتابيه: “تحرير المرأة” و “المرأة الجديدة”، نلاحظ أنه يُعالج هذه المسألة في سياق كلامه على أعمال الإنسان، التي يرى أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع لها التراتب التالي: “أولها: الأعمال التي يحفظ المرء بها حياته.. وثانيها: الأعمال التي تفيد عائلته .. وثالثها: الأعمال التي تفيد الوجود الاجتماعي”. ويرى قاسم أمين أنَّ”كل تربية صحيحة يجب أنْ تمكن الإنسان من القيام بهذه الأعمال وأنْ تُراعي هذا التَّراتب الطبيعي” (تحرير المرأة ص 56)، و”أنَّ التربية التي تشمل هذه الأنواع الثلاثة على الترتيب الذي وضعناه هي لازمة للرجال والنِّساء على حدٍّ سواء” (تحرير المرأة ص 56)، ويرى قاسم أمين أنَّ اجتثاث الأسباب الجذرية للاتِّجار بالمرأة واستغلالها في الدعارة، أو دفعها قسراً إليها، إنما يبدأُ بتربية عقل المرأة وعقل الرجل، معاً، وبتهذيب أخلاقهما؛ وذلك لأنَّ “تربية العقل والأخلاق تصون المرأة، ولا يصونها الجهل، بل هي الوسيلة العظمى لأنْ يكون في الأمة نساءٌ يعرفن قيمة الشرف، وطرق المحافظة عليه … وأنَّ من يعتمد على جهل امرأته، مثله كمثل أعمى يقود أعمى مصيرهما أنْ يترديا في أول حفرة تصادفهما في الطريق” (تحرير المرأة ص 59).

وفيما هو يوسِّع مفهوم الحرية، توسيعاً نسبياً، يذهب قاسم أمين إلى توسيع مفاهيم الاستغلال والاتِّجار، والاسترقاق أو الرِّق أو العبودية؛ فالحرية التي هي “قاعدة ترقي النوع الإنساني في معراجه نحو السعادة” (المرأة الجديدة ص 29)، هي “استقلال الإنسان في فكره وإرادته وعمله متى كان واقفاً عند حدود الشرائع محافظاً على الآداب، وعدم خضوعه بعد ذلك في شيء لإرادة غيره. اللَّهم إلاَّ في أحوالٍ مستثناةٍ كالجنون والطفولية” (المرأة الجديدة ص 29). ويريد قاسم أمين لهذه الحرية الموسَّعة أنْ تكون “أساساً لتربية نسائنا” (المرأة الجديدة ص 29)، وتخليصهم من الاسترقاق والاستعباد؛ وذلك لأنَّ “الرقيق ليس هو الإنسان يُباح الاتِّجار به فقط”، وإنما هو “كلُّ منْ لم يملك قياد فكره وإرادته وعمله ملكاً تاماً …” (المرأة الجديدة ص 29). كما أنَّ أشكال الاستعباد كثيرة ومتنوِّعة، وربما تتباين بتباين الطبقات الاجتماعية؛ فتقبيل المرأة يد الرجل، وعدم جلوس النساء مع الرجال لمشاركتهم تناول الطعام، وحبس المرأة والحجر عليها في البيت، وتزويج المرأة من رجل لا تعرفه ومن غير أنْ يكون لها رأيٌ فيه، وعدم تعليم المرأة فروض العبادة أو الاكتفاء بتعليمها مقداراً محدوداً منها، وإلزام المرأة ستر أطرافها والأعضاء الظاهرة من بدنها …، كلُّ ذلك، وكثير مما يشبهه، استعبادٌ ورقٌ وإخضاع. وبالجملة؛ فإنَّ المرأة التي “لا تعيش بنفسها لنفسها، وإنما تعيش بالرجل وللرجل” (المرأة الجديدة ص 32)، هي رقيق مستعبد، وليس من خطوة أولى، أو عمل أوَّلٍ، صوب التخلص من هذا الاسترقاق والاستعباد، والخطو صوب الحرية، غير “تمزيق الحجاب ومحو آثاره” (المرأة الجديدة ص 35).

وفيما هو يوسِّع مفهوم الحرية، توسيعاً نسبياً، يذهب قاسم أمين إلى توسيع مفاهيم الاستغلال والاتِّجار، والاسترقاق أو الرِّق أو العبودية؛ فالحرية التي هي “قاعدة ترقي النوع الإنساني في معراجه نحو السعادة”

إنَّ الفقر والجهل والبطالة، وسيادة الاستبداد، هي العوامل الأساسية التي تؤدي إلى تعرض المرأة لشتى صنوف الاستغلال، وإلى سقوطها في هوَّة الفساد الأخلاقي والدَّعارة. وإنْ اقترن الحجاب بالبطالة، واستحال أنْ ينفكَّ عنها، فإنَّ لذلك الاقتران الباهظ أن يفضي إلى”قتل كُلِّ فضيلةٍ في نفس المرأة” (المرأة الجديدة ص 43). ويزداد خطر هذا الاقتران حين تفقد المرأةُ المُعيل، فهي لا شك واقعة تحت إلحاح إشباع الحاجة، وسطوة الضرورات.

إنَّ “كثيراً من النساء لا يجدن من الرجال من يعولهنَّ؛ فالبنت التي فقدت أباها ولم تتزوَّج، والمرأة المطلقة، والأرملة التي تُوفِّي زوجها، والوالدة التي ليس لها أولادٌ ذكور، أو لها أولادٌ قُصَّرٌ – كل هؤلاء المذكورات يحتجنَ إلى التعليم ليُمكنهنَّ القيام بما يسدُّ حاجتهنَّ وحاجات أولادهنَّ إنْ كان لهنَّ أولاد. أمَّا تجردهنَّ عن العلم فيلجئهنَّ إلى طلب الرزق بالوسائل المخالفة للآداب، وإلى التَّطفل على بعض العائلات الكريمة” (تحرير المرأة ص 33-43). وكي تتمَّ مكافحة ذلك، وبغية الاستجابة إلى ما يفرضه “نظام الوجود” الذي قضى بأنَّ “كثيراً من النساء يعشن في الوحدة والانفراد، ويسعين ويعملن لكسب قوتهنَّ وقوت أولادهنَّ وبعض أقاربهنَّ من القواعد والعاجزين عن الكسب” (المرأة الجديدة ص 67)، يُطالب قاسم أمين، في سياق مطالبته بتحرير المرأة، وتعليمها، وتربيتها، بتوسيع القاعدة الفقهية التي مؤدَّاها أنَّ “الضرورات تبيح المحظورات”، توسيعاً يجعلها تشمل إباحة كشف الوجه، والخروج من البيت، ومزاولة أعمال الرجال والاختلاط بهم، والحصول على التعليم الذي يؤهِّل المرأة للقيام بهذه الأعمال، وليس ذلك للفقيرات من النساء اللواتي تلجئهنَّ الضرورة إلى السعي لتحصيل أرزاقهنَّ، وإنما لجميع النساء؛ بحيث تكون الإباحة عامة شاملة جميع النساء والأحوال، وذلك لأن كل نفس حيَّة معرَّضة لانتياب الحاجات، ونزول الضرورات، ومن الخير أن نعد المرأة لملاقاة ما قد ينتابها، أو ينـزل بها، “فلو حرمت المرأة من التأهب لملاقاة الضرورات حتى وقعت فيها لم تستطع للخلاص منها سبيلا، وكان حرمانها من هذا التأهب عبارة عن تسليمها للهلاك…” (المرأة الجديدة ص 68). وجليٌ، هنا، أنَّ قاسم أمين، يُطالب، على غرار ما ستفعل الاتفاقية بعد حوالى قرن كامل، باجتثاث الجذور المفضية إلى إمكان سقوط المرأة في هوَّة أي شكلٍ من أشكال الاستغلال، والاتِّجار، والدعارة، وباتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة للقضاء على ذلك.

أما الطاهر الحداد، فإنه ينطلق من الفكرة الرئيسية التي تحدِّد المنظور الذي يطلُّ منه على أغلب القضايا التي يُعالجها في كتابة، والتي مؤداها أنَّ الشرائع عامةً تسعى للموازنة بين الأخلاق الفاضلة وحاجة الإنسان في العيش، فيما تميل الشرائع السماوية إلى ترجيح كفة الأخلاق الفاضلة، وتجعلها السائدة على حاجة الإنسان، تسير على سيرها وتهتدي بها. وانطلاقاً من مبدأ الموازنة بين الأخلاق والحاجات، ومن ضرورة مسايرة استعدادات الإنسان وأحواله في تطبيق مبدأ التدرُّج في إقامة مكارم الأخلاق وإتمامها، يركَّز الطاهر الحداد، على نحو ما يفعل قاسم أمين، على حقيقة أنَّ الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المرأة إلى الخروج لمواجهة ضرورات الحياة من دون أن تتهيأ لهذه المواجهة، هي التي تضع المرأة على حافة الهاوية، وتجعلها عرضة لاستغلالٍ واتِّجار تتعدد أنواعهما، ومنها البغاء والدَّعارة.

ويُحَمِّل الطاهر الحداد ما يسمية بـ”مشاهد البؤس المادي”، التي لا حدَّ لها، الجانب الأعظم من المسؤولية عن الانحلال الأخلاقي والاجتماعي، ويكشف عن الأوضاع المزرية والمهينة التي كان العامل التونسي يُعانيها تحت نير الاستعمار، ومن ذلك شروط العمل الشاقة والمبيدة للحياة، وامتهان الجهود وتبخُّس الأجور، باعتبارها عوامل مسبِّبة لدفع الآباء بأبنائهم وبناتهم إلى “الشغل قصد الاستعانة بهم على تسديد حاجات العائلة وهم في سنٍّ لا تسمح لهم ببذل جهود العمل الاقتصادي فتزداد أجسامهم تعطُّباً وانهداماً…ولا ننس هنا ما تعانيه الصغيرات … وقد ذهب الكثير منهنَّ إلى خدمة البيوت ببعض الأكل والملبس من فواضلها. ومتى وصلت الفتاة إلى هذا الضعف فلا تسل عما يصنع بها شرُّ الإنسان.” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 131 – 132).

وجليٌ أنَّ هذا الحرمان المستمر الذي يهيمن على العائلة هو الذي يدفع إلى سقوط الفتيات في هوَّة “الحياة المادية الصرفة بما فيها من شهوات متى وجدن إلى ذلك سبيلا غير داريات ما في مطاوي هذا الاندفاع الساذج من الخطر الدَّاهم على أنفسهن وعائلاتهنَّ ومستقبل زواجهنَّ … وهنَّ لا يفقدن من الرجال من يهيئ لهنَّ الدوافع للوقوع في الشِّراك التي كثيراً ما ترمي بهنَّ بعد ذلك في البيوت السِّرية أو تضعهنَّ في دفتر البغاء الرسمي.” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 133).

وفي سياق تأكيده أنَّ “الإسلام … دين الحرية الذي لا يعترف بالعبودية لغير الله”، وأنَّه الدين الذي يُدين بسنة التدرُّج المفتوح في تشريع أحكامه، وذلك على نحو يتيح تعديل الأحكام وتغييرها وفق مقتضيات تطوُّر الأزمنة وتبدُّل الحاجات، يتطرق الطاهر الحداد إلى معالجة مسألة الرق، ومسألتي الاستمتاع بالجواري، والزِّناء.

ويوضح الطاهر الحداد حرص الإسلام على منع الفجور، وعلى محاربة البغاء، وذلك بإيراد الأحكام الدينية، والآيات القرآنية، وبعض الوقائع ذات الصلة من سيرة النبي عليه السلام، التي تؤكِّد هذا الحرص، وتدعمه. كما يشرح الأسباب الكامنة خلف تحريم الإسلام الزِّنى .

واستهداءً بجوهر الإسلام الذي “يميل إلى تثقيف الأخلاق أكثر من وضع فصول الشريعة”، (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 39)، واقتداءً بتجارب الأمم السكسونية كالألمان والإنجليز، يدعو الطاهر الحداد إلى استبدال “علاج التربية البيتية والمدرسية والشعبية التي تحيي في المرء أصول الكمال كما تميت منه عاطفة السوء” بإنزال العقوبات، وكذلك يدعو إلى “تعاون القانون والأعمال الاجتماعية على درء الفساد بما أمكن” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 38)، وذلك خلافاً للتصورات السائدة، المخطئة وغير المجدية، التي تتجه إلى معالجة الفاحشة والجريمة بـ”تقرير العقوبات الصارمة على مرتكبيها؛ فنعدمهم أو تجعل حياتهم سجوناً” (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ص 38). ويدلل الطاهر الحداد على أنَّ حظَّ هذا الاستبدال كان، ولا يزال، أوفر في القرآن والسنة من حظه في الواقع الاجتماعي وفي حياة التفكير في المجتمعات الإسلامية، فقد علَّل الرسول عليه السلام بعثته إلى الناس بقوله: “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وجاء في الحديث أنه لم يوقع العقاب برجل كان يصلَّي خلفه وهو مخمور، وذلك لأنَّ “صلاته ستنهاه يوماً ما”، وهو ما حدث بالفعل، إذْ تاب الرجل توبة خالصة.

إشارة:

وإلى الموضوعات التي تناولها عبد الرحمن بسيسو في مقالته هذه، يعمل الناقد على قراءة جوانب أخرى تتصل بحال المرأة وحقوقها من منظور المفكرين قاسم أمين والطاهر حداد في ضوء ما انجزته لاحقا المدونة الدولية، هناك: المشاركة في الحياة السياسية، الحقُّ في الجنسية والاحتفاظ بها وتغييرها، الحق في الحصول على التعليم، الحق في الحصول على عمل ، المساواة في الرعاية الصحية، المساواة أمام القانون وفي الشؤون المدنية، حقوق أخرى تغطي جوانب مدنية أخرى، المرأة الريفية الزواج والعلاقات الأسرية.).

وهو ما سيعود إليه في مقال مقبل.

(قلم التحرير)


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا