أبناء الماء

فصل من رواية

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/12/2015، العدد: 11، ص(24)]

لوحة: أسامة دياب
استيقظت في ضحى يوم ربيعي بمزاج عكر، وحدست أنه سيكون يوم شؤم، يوماً من تلك الأيام التي يُفضّل المرء ألاّ يغادر فيها الفراش لأنّ كل شيء يأتي وخيماً. لكن ماذا كان بوسعي أن أفعل وهو يوم عيد التعميد الذهبي، الذي نحتفل به نحن المندائيين. أيقظني صوت بائع متجول مزعج يروّج لبضاعته بعربة يجرها حمار. كنت متعرّقاً تحت اللحاف الثقيل الذي أتغطى به، ولم أستطع أن أستحمّ بسبب انقطاع التيار الكهربائي كالعادة.

ذهب والدي وأخي سبهان، قبيل شروق الشمس، إلى شاطئ دجلة لأداء طقس التعميد (المصبتا) مع جمع من الأقرباء والمعارف وبقيت نائماً. كانت ليلتي مترعةً بكوابيس شديدة الرعب. أزحت ستارة نافذة غرفتي في الطابق العلوي، وألقيت نظرةً على الزقاق، فوقعت عيناي على صديقتي سليمة ابنة جارنا مهدي النجار. كانت قد شرعت تواً في تعليق الثياب على حبل الغسيل في الشرفة. لوحت لها بيدي فتجاهلتني، رميت لها قبلةً في الهواء فأدارت لي ظهرها.

لم تكن علاقتي بها قائمة على حبّ أو عاطفة بريئة، بل علاقة شهوانية صرفة، رغم أن ذلك يتنافى كلياً مع عقيدتنا التي توجّهنا إلى الخير والنور والعفة، وتأمرنا بالامتناع عن المحرمات والغرائز الجسدية. كنت أتصرف معها مثل معظم الشبّان في سنّي، بغض النظر عن ديانتهم. أما بالنسبة إليها فكان الأمر مختلفاً، كانت تشعر بغرام جارف تجاهي. ولم تكن تدرك الفارق الديني بيني وبينها، ربّما لعدم نيلها قسطاً كافياً من الثقافة، أو بسبب نقص تعليمها، فهي بالكاد أنهت الصف الثالث المتوسط وتركت الدراسة من أجل إدارة شؤون البيت بعد وفاة أمها. تعلّمتْ الطبخ على يد خالتها زينب التي كانت تزورهم بين حين وآخر. ورفض والدها الزواج من امرأة ثانية خشية أن تظلم أبناءه الأربعة: سليمة وإخوتها الأصغر منها.

كنا نختلي ببعض في مطبخنا الصغير المجاور للباب الخارجي خلال فترة القيلولة، مرتين أو أكثر في الأسبوع، حينما تكون هي قد أنهت شغل البيت، وأختي سولاف في المدرسة وأمّي غافيةً في فراشها. كان عمرها سبعة عشر عاماً، ذات قوام طويل وبشرة سمراء غامقة، وتبدو أكبر سناً من أترابها، لها ثديان صلبان، كأنهما تفاحتان، تزينهما حلمتان سوداوان لا يمكن مقاومة إغرائهما. حينما كنت أتحسس جسدها أشعر باندلاع لهيب في أعماقي، فأضطر إلى إخماده في الحمام بعد خروجها. بيد أنني في كل مرة كنت أشعر بالندم، وأعود ثانيةً إلى حزني الأزلي.

في الأيام الأولى كانت سليمة تتمنع خجلاً، لكنها بمرور الوقت كفّت عن الشعور بالخجل وصارت تستجيب من دون تردد، شريطة أن لا أمد يدي إلى الموضع المحرم في جسدها، أما هي فإن أكثر ما كان يمتعها هو إدخال لسانها في فمي وهي تلتصق بي بقوة.

لا أدري ما الذي جرى لها في ذلك اليوم، بدت معتمةً، على غير عادتها، وجهها يشبه غيمةً داكنةً وعيناها نافرتان. خيّل إليّ أن ثمة أمراً جللاً أغضبها وجعلها تصد عني. أشرت لها بكفي متسائلاً عمّا حدث فلم تعرني اهتماماً، وحين ألححت بالإشارة تركت غسيلها ودخلت إلى الدار.

بعد دقائق سمعت طرقاً على الباب، وكانت أمّي خارج الدار. هبطت بسرعة حافياً وفتحت الباب، فإذا بسليمة تندفع من دون سلام ولا استئذان. كانت هيئتها غريبةً ونظرتها قاسيةً تعبّر عن نوع من التوحش. أغلقت الباب وأمسكتها من ذراعها:

– ماذا بك اليوم؟

تطلعت إلى ما حولها وقالت بنبرة شرسة:

– اتركني ميران، ألا تخاف أن ترانا أمك؟

– لا تتهرّبي، أنت تعرفين أن أمي خارج الدار.

غطت عينيها بكفها وأخذت تنشج، فاقتربت إليها ووضعت رأسها على صدري وسألتها:

– سليمة لا تبكي، قولي لي ماذا حدث؟

سحبت رأسها من صدري وابتعدت قليلاً وصاحت:

– أنت كذاب لا تحبّني.. تريد فقط أن تتمتع معي.

استغربت من انفعالها، ولم أكن أنتظر منها كلاماً كهذا، فقلت:

– اهدئي وحدثيني، كيف عرفت أنني لا أحبك؟

– لو كنت تحبني لما أخفيت عني ديانتك.

– لم أخف عنك شيئاً، أنت تعرفين أننا صابئة.

– ما أغباني! كنت أعتقد أنكم طائفة إسلامية مثل الشيعة والسنة.

– وكيف عرفتِ الآن أننا من ديانة مختلفة؟

– أخبرتني جارتنا نزيهة، وقالت اليوم عندكم عيد تسمّونه التعميد الذهبي.

أجبت ببعض الزهو:

– صحيح، ونسميه بلغتنا دهبا إد دايما.

– يا سلام! وعندكم لغة خاصة أيضاً؟

– إنها لغة آرامية قديمة يصعب عليك فهم أصولها، لكنّني لا أجيد إلاّ القليل منها.

– هكذا أنت، دائماً تعتبرني غبيةً لأني لم أكمل تعليمي.

– بالعكس أنت ذكية. ماذا قالت أيضاً جارتك المصون؟

– قالت إنكم تعبدون النجوم ولا تعرفون الله.

شعرت بالإهانة فقلت:

– هذه افتراءات وترهات، نحن مثلكم موحدون، نعبد الله الحي الأزلي.

– كيف تثبت ذلك؟

– أثبته بالتسبيح المدون في كتابنا المقدس الكنزاربّا.

– أهذا قرآنكم؟

ترددت قليلاً ثم أجبت:

– نعم، إنه يحتوي على صحف آدم ونوح وسام وغيرهم، وآخرهم يحيى بن زكريا.

– هل ذكركم قرآننا؟

– طبعاً، ذكرنا في ثلاث سور.

– ماذا قال؟

– قال في سورة البقرة “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” .

– لكن في المدرسة علّمونا أن الديانات ثلاث فقط: اليهودية والمسيحية والإسلام. وأتذكّر أن مدرّستنا كانت تقول من مات ولم يصبح مسلماً لا يدخل الجنة.

أجبتها ساخراً:

– وهل أخبرتكم باسم البواب الذي يحتفظ بمفتاح الجنة؟

– أنت تستهزئ؟

قلت بنبرة جادة:

– أستهزئ لأن الحي الأزلي وحده من يقرر ذلك.

صمتت سليمة، ولاحظت في عينيها شيئاً من الحيرة، وحين تأملتها جيداً انتبهت إلى أنها لا ترتدي حمالة صدر، فأغراني جسدها. مددت يدي إلى وجنتها وقلت بجرس ليّن محاولاً تطييب خاطرها:

– سلومة، دعك من هذا الموضوع وتعالي معي إلى غرفتي، اليوم فرصتنا الذهبية للاستمتاع في السرير.

لكنها كانت لا تزال غاضبةً فلم تطاوعني، بل تركتني وذهبت إلى شجرة السرو التي تتوسط باحة الدار وأسندت ظهرها إليها وقالت:

– يوم ذهبي وتعميد ذهبي.. إلاّ قلبك ليس من ذهب!

استفزني تعليقها فقلت:

– اليوم تبدين وكأنك فيلسوفة يا سليمة بنت مهدي النجار.

لم يعجبها كلامي فسألتني بعصبية:

– لماذا لم تذهب اليوم مع أهلك إلى النهر؟

– وما أدراك أنهم ذهبوا إلى هناك؟

– أخبرتني الجارة.

– هل تمتلك هذه الحقيرة علم الغيب؟

– لا أحد يمتلك علم الغيب.

– كيف عرفت إذن؟

– لا أدري، لكنها قالت إن والدك وأخاك كانا يرتديان ثياباً بيضاً ويؤديان مع آخرين طقوساً غريبةً في مياه النهر.

فوجئت بردها، فزعقت:

– هل أنت متأكدة من أنها لا تعمل جاسوسةً؟

قالت ببرود:

– ميران لماذا أنت مغتاظ منها؟

– بل لماذا أنت مغتاظة من طقوسنا؟ إنها جزء من ثقافتنا الدينية، نحن نمجّد الماء الجاري ونقرنه بالحياة، ونرى أن له صلة بالخالق وبعالم النور.

– مغتاظة لأنك لست مسلماً، وحرام أن ترتبط مسلمة بغير مسلم.

– يعني لو أني كنت مسلماً لما كان ما تفعلينه معي حراماً؟

فاجأها سؤالي وأشعرها بالحرج ففكّرتْ قليلاً وردّت:

– ظننت أنك تحبني وستطلبني للزواج.

– أنا لا أفكر في الزواج أصلاً.. أقصد لا منك ولا من غيرك.

– إذن كنت تشبع رغبتك معي فقط؟

– كنت أبدد جزءاً من حزني وأقضي على سآمتي المضنية.

– وأنا ما ذنبي؟

– أنت أيضاً كنت تستمتعين، هل تنكرين؟

– لا أنكر.

– سليمة، اعلمي أن ديانتي أيضاً لا تسمح بالزواج منك.

– لو أنك تحبني لطلبت منك أن تسلم.

نظرت إليها مذهولاً من قدرتها على التفكير في أمر كهذا وقلت بحزم:

– حتى لو أني أحبك لن أغير ديانتي، رغم أني لست ملتزماً دينياً، ثم أنك بصراحة لا تصلحين زوجةً لي.

ابتعدت عن الشجرة وواجهتني بعينين حادتين:

– لماذا؟ أي شيء ينقصني يا ميران يا شاعر؟ كنتَ تتغنى بطولي وبريق عينيّ وجمال جسدي.

– لا تزعلي، كنت أتغنى من باب الشهوة، لكن توجد أشياء كثيرة تفصل بيني وبينك.

– أعرف، أنت ستكمل دراسة الفلسفة في الجامعة وأنا نصف متعلمة.. وربما لوني أيضاً حاجز بيننا.

– ما هذا الكلام سليمة؟

– هذه هي الحقيقة.. ولن أقول شيئاً سوى أنني أدعو الله أن يسامحك ويوفقك مع الزوجة المناسبة لك.. كل عام وأنت بخير.

اكتفت سليمة بهذا الرد، وخرجت صافقةً الباب خلفها وكأنها صفعتني على وجهي. شعرت بتأنيب ضمير ووخزة في القلب تنم عن إحساس بالعار. ظل صدى كلامها يرن في داخلي، لأول مرة منذ بداية علاقتي بها قبل ذلك اليوم بسنة تقريباً أحسها أصبحت فتاةً ناضجةً، وهذا ما جعلني أتألم وأندم على كل ما فعلته معها. كان يجب أن أعتذر لها بلطف بدلاً من الكلام الذي تفوّهتُ به. أيّ شيطان دفعني إلى ذلك؟ أيّ حماقة ارتكبتها حين قلت لها إني أقضي على سآمتي معها؟ أين دفنت شاعريتي في تلك المواجهة بيني وبينها؟

بقيت بضع دقائق أوبّخ نفسي على تصرفي البليد مع سليمة، وعزوت ذلك إلى فجاجة تدبيري أو الطيش الذي يركب المرء أحياناً، وتمنّيت لو أنّي ذهبت إلى النهر وارتمست بالماء لعل الحي ربي الأزلي يخفّف عني بعضاً من ثقل خطاياي، ثم فكّرت أن أكتب لها اعتذاراً وأرمي الورقة إلى شرفتها، فلعلها تعود إلى تعليق ما تبقى من غسيلها وتقرأها. صعدت إلى غرفتي وكتبت الاعتذار على عجل وكوّرت الورقة بعدما وضعت ثقلاً فيها. كانت سليمة قد رجعت بالفعل إلى نزلت إلى المطبخ لتناول فطوري. كنت فرحاً لما أقدمت عليه، فسليمة فتاة يتيمة طيبة ذات قلب نقي، ويجب ألاّ أخطئ ثانيةً في تقدير حقيقة عواطفها وقناعاتها الدينية. إنني في أعماق قلبي أقدر كل ما منحتني من متعة، ولم يسبق لي قبلها ملامسة جسد امرأة، لذلك قررت أن أظل أدعو لها ما حييت بالخير والسعادة.

عقب أقل من ساعة سمعت طرقاً ثانياً على الباب، فاعتقدت أن سليمة جاءت لتقول لي إنها قبلت اعتذاري. فتحت الباب بسرعة فإذا بها رفقة خالتها زينب. كنت قد رأيت هذه المرأة، التي ترتدي عباءةً سوداء كاحلةً، مرتين أو ثلاثا حينما كانت تأتي لتعليم سليمة فن الطبخ. عمرها في الخمسين تقريباً، ذات سمرة فاتحة، ولا تزال تحتفظ بشيء من أنوثتها رغم أنها أمّ لأربعة أولاد. لم تنطق سليمة بكلمة، لكن خالتها قالت بصوت مرتعش:

– اعذرني، أحمل لك خبراً سيئاً، جماعة مسلحة خطفت والدك وأخاك.

خفق قلبي وتلعثمت:

– جماعة مسلحة، أين؟

– في الميدان. كنت هناك مصادفةً أنتظر الباص، رأيتهما يترجلان من سيارة برازيلي حمراء، وفجأةً استوقفهما أربعة مسلّحين ملثمين نزلا من سيارة لاندكروزر مظللة وأرغماهما على الدخول فيها. ويشهد الله أنني عدت فقط لأخبرك.

– كيف عرفتهما؟

– أعرفهما مذ كنت أسكن في هذا الزقاق.

صدمني الخبر وكدت أنهار على عتبة الباب لو لم تمسكني سليمة وزينب من ذراعيّ. أدخلتاني إلى باحة الدار وأجلستاني على الكنبة الخشبية، وأسرعت سليمة إلى المطبخ وأحضرت دورق ماء، رشت بعضاً منه على وجهي وسقتني قليلاً مما تبقى في الدورق. كان بالفعل يوم شؤم مثلما حدست، وبالطبع كنت سأُخطف أنا أيضاً لو أنّي رافقت أبي وأخي إلى النهر.

كانت أمّي ذاهبة إلى دار خالتي في بلدة الكحلاء عصر العيد لحضور حفل خطبة ابنتها، ولم يسمحوا لها بالعودة ليلاً، وحين رجعت بعد نصف ساعة من خروج سليمة وخالتها وجدتني في حالة مشوشة. وسألتني لماذا لم أرافق والدي وأخي إلى النهر في ذلك اليوم المقدس، فتعلّلت بأن النوم أخذني. أردت أن أخفي عنها الخبر لكني لم أستطع، فقد أحسّت على الفور بأن أمراً ما حدث، وحين أخبرتها كانت ردة فعلها شبيهة بردة فعلي. ناديت على عجل سليمة وخالتها وهرعت إلى مركز الشرطة للإبلاغ عن الحادثة، استقبلني الملازم باحترام شديد نادراً ما عهدته عند ضبّاط الشرطة الذين صدف أن تعاملت معهم، وأعلمني بأسف أن حوادث مشابهةً تقع يومياً في العديد من مناطق بغداد ولا يستطيعون منعها. وعلّق شاب كان يجلس في مكتبه، بدا عليه أنه مثقف متنور، قائلاً “عذراً أخي، الصابئي في نظر هؤلاء الظلاميين دجاجة تبيض ذهباً، وماله وعرضه حلال عندهم لأنه كافر، وقتله يسهّل لهم دخول الجنة”، وتمنّى أن لا يرتكب الخاطفون جريمةً.

عندما خرجت من المركز لحق بي ذلك الشاب وصافحني قائلاً:

– أقدم لك نفسي، أنا صحفي اسمي ماجد سلام أعمل في جريدة طريق الشعب، إذا أردت نصيحتي غادر البلد أنت وأسرتك، لن تستطيعوا العيش فيه بعدما أصيب بالسعار وفلتت زمام أموره.

نظرت إليه ملياً وقلت:

– لكنّ هذا ما يريده الظلاميون.. إفراغ البلد من مكوناته الأصيلة.

ابتسم وقال:

– البلد عاجلاً أم آجلاً سينحدر إلى خراب أوسع. حتى نحن المسلمين العلمانيين نعاني كثيراً.. اسمعني، أنتم أقلية الأقليات، ويعاملونكم بمبدأ النجاسة، ويحرّمون عليكم في الأسواق مسك الخضار أو الفاكهة أو الخبز، بل لم يعودوا يسمحون لكم بالتواجد في بعض المدن التي ولدتم وعشتم فيها، وستتحول قريباً إلى مدن مقدّسة لا يجوز أن يدنّسها غير المسلمين.

– لماذا لا تغادر أنت ما دمت تعاني؟

– أتمنى أن أغادر اليوم قبل الغد، لكن أبي لا يوافق.

صمت برهةً، ثم أضاف:

– إنه عضو متقدم في الحزب الشيوعي ويشعر بحرج كبير.. لكني قد أفعلها يوماً ما.

– أبي أيضاً كان شيوعياً في شبابه وأُرغم على ترك الحزب قبل ربع قرن.

لم تتحقق أمنية ماجد، الذي أصبح صديقي فيما بعد حينما التقينا في مكتب مفوضية اللاجئين بعمّان، فقد عُثر بعد يومين على جثتيهما مرميتين على مقربة من مكان التعميد، وألصقت على ظهر كل منهما كرتونة مكتوب على إحداها “ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه”، وعلى الثانية “لا مكان لعبدة الكواكب بين المسلمين”.

واريناهما الثرى بلا غسل، فالغسل عندنا يكون لمن به حياة ويحتضر. وإذا كانت نفسه قد فارقته تنتفي فائدة الغسل، لأن الجسم من دون نفس كتلة تراب أو طين مجبول. لذا أجرينا لهما مراسيم المسخثة (تطهير الروح)، وهي طقوس تقام على روح الميت الذي يموت غيلةً، وجهزنا لهما ملابس بيضاء (رستة) لبسهما شخصان يحملان نفس الاسم الديني، ثم ثبتنا إكليلين من الآس على رأسيهما ووضعناهما في نعشيهما، وقرأنا الفاتحة على روحيهما “نطق الحي العظيم، وألقى بأفواهكم النور والضياء، الوقار لأنفسكم، وسبحان الحي”.

حملنا الجنازتين في موكب يزيد عن عشر سيارات إلى مقبرتنا الخاصة الواقعة على مسافة بضعة أميال عن سجن أبي غريب. وكانت فضيحة ذلك السجن الرهيب وقتها قد ظهرت تواً إلى العلن وغطّت على جريمة قتلهما، حينما كشفت وسائل إعلامية عن حقيقة المعاملة الوحشية والمهينة التي كان يتعرض لها الأسرى والمخطوفون العراقيون في السجن، مدعومةً بصور مخجلة للجنود والمجندات وضباط الاحتلال الأمريكي وهم يتلذذون بارتكاب جرائم سادية وخليعة بحق هؤلاء المعتقلين.

كان يوم الدفن يوماً عصيباً، لم نستطع أن نرفع الدرفش (راية النور) على السيارة التي تحمل الجنازتين، بل أخفيناه داخلها خوفاً من المتطرفين في الطريق، واعترضتنا الدوريات الأمريكية مرات عديدةً ونحن متّجهون إلى أبي غريب. كان جنود المارينز يشهرون بنادقهم علينا ويأمرون بفتح النعشين ليتأكدوا من أنهما غير معبأين بالأسلحة. وأكثر ما كان يثير ريبتهم اللحى الطويلة في وجوه المشيّعين من الترامذة (الكهنة المكرّسون) والحلاليين، أو الشكندات (بمثابة الشمامسة عند المسيحيين) ظناً منهم أنهم إسلاميون متطرفون. وفي إحدى نقاط التفتيش سألتنا مجندة سوداء شابة تحمل شبهاً بسليمة عن تلك اللحى، فأجابها ترميذا يتقن الإنجليزية بإن ديانتنا المندائية تحرّم حلقها. فغرت المجندة فاها مستغربةً من وجود ديانة بهذا الاسم، ثم أخرجت دفتراً صغيراً من جيبها ودونت فيها بضعة أسطر بعدما أجابها الترميذا على سؤالها “How do you spell Mandaean?”. وحين رأت الدرفش المكون من صليب مغطى برداء كهنوتي أبيض من الحرير أصرّت أن تلتقط له صورة، وطلبت من الترميذا أن يشرح لها دلالته، فقال لها، وهي تدوّن، إنه يرمز إلى عوالم النور، وقطعة القماش البيضاء تمثّل بياض تلك العوالم ونقائها وطهارتها، وأغصان الآس السبعة المحيطة بعنقه تمثّل الكلمات التي خلق بها الرب الكون والطيب والخير والسلام فيها. لكن فضول المجندة لم يقف عند هذا الحد، بل طلبت من الترميذا أن يحكي لها قليلاً عن العقيدة المندائية، فأجابها بأنها ديانة موحِّدة توحيداً باطنيّاً تؤمن بإله واحد معبود مستقل ومبعوث بذاته، غير محدود الأسماء والصفات والقوة والإرادة، منتشر في جميع الفضائل ويسكن الشمال القاصي، وذلك عن طريق العرفان، وهو الـمندا. وللمندائية لاهوت وأساطير وطقوس، كلّها ذات طبيعة غنوصية ونضال ضد الشر، وتوجه نحو الخير والنور وخلاص النفس البشرية من عالم الظلام قبل الموت وبعده.

دونّت المجندة كل تلك المعلومات في دفترها وهي في حالة انبهار، ثم حيّتنا بتحية عسكرية وسمحت لنا بالمرور، ورفعت كاميرتها وأخذت تلتقط صوراً للموكب.

كانت طقوس الدفن في المقبرة غير مألوفة بالنسبة إليّ، فأنا أول مرة في حياتي أحضرها. في البدء تقدَّم أربعة حلاليين وعملوا “مندِلتة”، من قصب يغرزونه في الأرض على رزدق واحد، وقسموها إلى ثلاثة أقسام وربطوا كل قسم بخيط من الخوص دون أن يقطعوه. وكانت المندلتة بعيدة عن النعشين بعداً كافياً يمكِّنهم من أن يجولوا حولها. ثمّ حملوا نعش والدي أولاً ورفعوه فوق رؤوسهم وعبروا به فوق تلك المندلتة. وحين اجتازوها عاد الرابع ووقف وراءها ووضع عليها طيناً وقطّعه بسكين قطعاً مستديرةً وختمها بخاتم منقوش عليها صور أربعة حيوانات: حيَّة وأسد وعقرب ودبور، وطلب الصفح والغفران لنفس والدي، ثم لحق بحاملي نعشه، وسار معهم حتى وصلوا إلى مكان الدفن وأنزلوا النعش من على رؤوسهم، وتقدّم صاحب الختم وأخذ مسحاةً وراح يملأها بالتراب، وهو يكرر ما قاله عند ختمه “المندلتة”، ويُلقي به إلى الخلف من فوق كتفه الأيسر، وبذلك حدّد مكان القبر ليقوم الحفّارون بعملهم، والترميذا يقرأُ من بعيدٍ في “السدرا ربّا” وأمامه الدرفش. وبعد أن أتموا حفر القبر أنزلوا الجثة في الحفرة بحيث يكون الرأس متجهاً إلى الشمال حيث بيت الرب (بيت أواثر)، والرِجلان متَّجهتين إلى الجنوب. وحين انتهي الترميذا من صلاته أُلقى عليها بعض التراب وعاد إلى القراءة. عندئذ أكمل الحاضرون دفنه، ودنا صاحب الختم وختم تراب القبر من جهة الرأس. وتكرر طقس الدفن نفسه لأخي سبهان.

أقمنا مجلس العزاء بشكل سري في دار عمي منادي بحي السيدية، وأصدر الكنزبرا الأكبر سناً أمراً صارماً للنساء بعدم الندب والعويل، وهما محرمان أصلاً في عقيدتنا، تجنباً لوقوع مجزرة قد ينفذها إرهابي من هؤلاء القتلة بحزام ناسف، واقتصر تقديم اللوفاني (طعام الغفران) للفقيدين على عدد محدود من المعزّين. لكن أمي المفجوعة لم تكن قادرةً على حبس حزنها في صدرها فتنوح بين حين وآخر بصوت مخنوق:

“يا صاح دمعي نشف ما ظل دمع بالعين

فراك الأحبهم صعب شك الكلب نصين”*

وتجيبها النسوة “يبو… يبو.. يبو.. يماي… يماي… يماي”، وهن يضربن براحات أيديهن مراتٍ على وجوههن وجباههن ومراتٍ أخرى على صدورهن.

* فراك= فراق، شك= مزّق.


كاتب من العراق