فلسفة الدين علم الكلام واللاهوت

شيعة، مرجئة، خوارج، معتزلة، أشاعرة..إلخ. كلها أسماء لفرق كلاميّة عقديّة ظهرت في تاريخ الإسلام. وما يجمع بين كلّ هذه الفرق هـو اشتغالها بأصول الدّين أو بعلم العقائد الذي له اصطلاحات كثيرة، بعضها متفق عليه بين الفرق والمذاهـب، وبعضها الآخر مختلف فيه. والاصطلاح الأكثر شهرة والأكثر انتشاراً لأصول الدّين ــرغم الاختلاف فيه ــ هو مصطلح “علم الكلام”.

الجديد  محفوظ أبي يعلا [نُشر في 01/12/2015، العدد: 11، ص(30)]

لوحة: إدوارد شهدة
سنحاول في هذا المقال أن نتوقف عند بعض الإشكالات التي يثيرها هذا العلم في عصرنا الحالي. فنحن نجد أن البعض يخلط بينه وبين الفلسفة بشكل عام والفلسفة الإسلاميّة بشكل خاص. ونجد أنّ هناك من يفكر في مبحث فلسفة الدّين من خلال علم الكلام. كما أن البعض يعتبر علم الكلام علماً إسلامياً خالصاً ويغفلون أن المسيحيّة عرفت علم العقائد الذي سمّي عندها باللاّهوت.

وعليه، سنطرح هذه الأسئلة التّمهيديّة التي سنحاول أن نجيب عنها في هذه المقالة: ما هو علم الكلام؟ وكيف ظهر في العالم الإسلاميّ؟ هل مارس المتكلّمون العنف؟ هل كانت خصومتهم فكريّة؟ هل يمكن أن نسمّي علم الكلام بعلم الخصومة الفكريّة؟ هل الكلام هو ميزة خاصّة بالمسلمين أم أنهم تأثروا باللاّهوت المسيحيّ؟ وما الفرق بين فلسفة الدّين وعلم الكلام؟ وهل يمكن الاشتغال في مبحث فلسفة الدّين من خلال الكلام؟

حين نعود لمعجم اللّغة للبحث عن معنّى كلمة “الكلام” نجد ما يلي “كلام: قول، حديث، خطاب يتضمّن معنى، أصوات متتابعة مفيدة، مجموعة ألفاظ يعبر بها الإنسان عمّا بداخله”. وأمّا العلم فيعني في اللّغة: إدراك الشيء بحقيقته. فيكون المعنّى اللّغوي هو إدراك حقيقة القول أو الحديث [الكلام]. لكن أيّ قول وأيّ كلام؟ إنّه الكلام الإلهي. فأشهر الآراء في تسمية علم الكلام بهذا الاسم هو الرأي القائل بأن التّسميّة مرتبطة بمسألة خلق القرآن أو كلام الله.

غير أن لعبارة “علم الكلام” معناها الاصطلاحي الخاص بها. لذا نجد الفارابي يعرف علم الكلام في كتابه إحصاء العلوم بالآتي “صناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة الّتي صرح بها واضع الملّة، وتزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل” (الفارابي، إحصاء العلوم، دار ومكتبة الهلال، ط: 1، ص: 86).

ولئن كانت مسألة خلق القرآن قد أثيرت في عهد المأمون العباسيّ، فإن نشوء الفرق الكلاميّة أقدم من ذلك بكثير. إذ أنّ الفرق الكلاميّة بدأت بالظهور مع الفتنة الكبرى التي كانت سبباً في اختلاف المسلمين في العقيدة. والفتنة الكبرى مصطلح يطلق على الصراعات السياسيّة والمواجهات العسكريّة التي أعقبت قتل عثمان بن عفان سنة 35 هجريّة. ويمكن أن نقول إن علم الكلام ظهر بشكله الجلي والواضح في العصر الأموي. ففي عهد الأمويين ظهر الجدل الفكري في أمور السياسة والدّين. وفي عصرهم ظهرت الفرق الكلاميّة الأولى كالشيعة والمرجئة والخوارج والقدريّة. ثم إنّه في عصرهم انتشر الإسلام ودخل لبلدان كثيرة كانت شعوبها تعتنق ديانات مختلفة كالمانوية والمسيحيّة والمجوسيّة.. إلخ.

يذكر أنتوني بلاك في كتابه الغرب والإسلام أن الاتصالات الفعليّة بين المسلمين والأعاجم وإنجازاتهم الحضارية، إنّما حصلت في عهد بني أمية، أي في العهد الأوّل من الإسلام. وقد قرّب الأمويون شخصيات مسيحيّة كيوحنا الدّمشقي الذي رفعته الكنيسة إلى مرتبة القديسين. والجدير بالذكر هنا أن يوحنا الدّمشقي كان ينظر إلى الإسلام بوصفه عقيدة فلسفيّة ينبغي الرد عليها فلسفياً (أنتوني بلاك، الغرب والإسلام، ترجمة: فؤاد عبد المطلب، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 394، ص: 20). وقد وظف يوحنا الدّمشقي اللاّهوت المسيحي في الردّ على الإسلام (انظر: زهدي جارا الله، المعتزلة، الأهلية للنشر والتوزيع، ط: 1، ص: 25). ثم إنه فكّر في إحدى القضايا الكبرى الّتي اهتم بها علم الكلام الإسلامي ألا وهي مسألة حريّة الإرادة الإنسانيّة.

وهكذا يظهر أن يوحنا الدّمشقي من خلال مناظراته الدينيّة مع المهرطقين المسيحيين ومع المسلمين كان له دور في تشكل الأفكار اللاّهوتيّة الإسلاميّة، ذلك أنه كان يجادل المسلمين في عقيدتهم، ثم إن مسألة الأيقونات قد أثيرت في عصره، وقد عقد الإمبراطور قسطنطين الخامس مجمّعاً ضم أساقفة لتدارس مسألة عقديّة في الدّين المسيحي وهي مسألة تكريم الأيقونات. ولا شكّ أن المسلمين كانوا متابعين لهذا الجدل المسيحي الكبير.

صحيح أن الفتنة الكبرى كانت الشرارة الأولى للاختلاف بين المسلمين ولظهور بعض الفرق الكلاميّة، لكن هذا الاختلاف كان سياسياً عنيفاً، وكان الكلام بدوره سياسياً. أمّا الكلام العلمي فقد برز في المناظرات الأولى في مجالس الأمويين، ثم ازدهر مع المعتزلة الذين افتتنوا بالفلسفة اليونانيّة. فيمكن القول إن الكلام السياسيّ كان عبارة عن خصومة عنيفة، في حين أن الكلام العلمي مع المعتزلة أصبح نتاجاً لخصومات فكرية لا تصل للعنف وللقتل، ففرقة المعتزلة نشأت إثر الخلاف الفكري بين واصل بن عطاء وحسن البصري حول مسألة مرتكب الكبيرة، وكذلك الكلام الأشعري نشأ بسبب خصومة فكريّة بين الأشعري وشيخه أبي علي الجبائي حول مسألة الصّلاح والأصلح (دائرة المعارف الإسلاميّة، مجموعة من المؤلفين، المجلد الثالث، كتاب الشعب، ط: 1، ص: 432).

والمتأمّل في مباحث علم الكلام العلمي يجدها قريبة جدّاً من موضوعات اللاّهوت المسيحيّ. فإذا كان علم الكلام يهدف إلى الدّفاع عن الإسلام من خلال الردّ على الفرق الضّالة من داخل الإسلام أو من خارجه، فإن المسيحيّة من خلال مباحث اللاّهوت قد تطرّقت لنفس الأهداف. إذ نجد القديس أوغسطين في القرن الرابع ميلادي قد سعى إلى القضاء على الهرطقات المسيحيّة وعلى البدع المختلفة. ولهذا نقد بدعة المانويّة التي فكّر فيها المسلمون أيضاً وقاموا بنقدها. ثم نقد أوغسطين بدعة الفلاغوسيّة المسيحيّة. والفلاغوسيّة هي عقيدة مسيحيّة انتشرت على يد الراهب يدعى فلاغبيوس. وهذه العقيدة لها رأي مخالف لرأي الكنيسة المسيحيّة حول موضوع الخطيئة. فقد كان فلاغبيوس يرى أن الإنسان يولد بلا خطيئة فلا ضرورة للتعميد الدّيني (وج.أو. أرمسون، الموسـوعة الفلسفية المختصـرة، ترجمة: مجموعة مترجمين. مكتبة الإنجلو المصرية، ط: 1963، ص: 74).

إن الباحث في اللاّهوت المسيحيّ يجد أن هناك تشابهاً كبيراً بين عناوين الرسائل المسيحيّة في الردّ على المهرطقة وبين رسائل المتكلّمين المسلمين. فلأوغسطين عناوين كتب مثل: أخلاق الكنيسة الكاثوليكيّة وأخلاق المانويّين. وكتاب سفر التّكوين رداً على المانويّين. وعند المتكلّمين أبواب من قبيل: الردّ على المجوس والمانويّة والدّيصانيّة أو الردّ على من يقول بالاتّحاد.. وغيرها من الردود الكلاميّة.

إن فلسفة الدّين لا تنطلق من الدّين وليست مرتبطة به كالفلسفة الإسلاميّة أو الفلسفة المسيحيّة، ويمكن أن يتطرق لمواضيعها الملحد واللاّديني أيضاً

فإذن هناك تشابه بين علم الكلام العلمي واللاّهوت المسيحيّ من حيث الأهداف. لكن اللاّهوت المسيحيّ أوسع من الكلام كما عرفه بعض المتكلمين المسلمين. إذ أن اللاّهوت المسيحي، في جانبه الطبيعي Théologie naturelle ضم الفلسفة أيضاً ومازجها بالدّين. ونحن نجد أيضاً أن مسائل علم الكلام، خصوصاً مع المعتزلة، اختلطت بمسائل الفلسفة في العالم الإسلامي (ابن خلدون، المقدمة، المجلد الخامس، تحقيق: عبد السلام الشدادي، خزانة ابن خلدون بيت الفنون والعلوم والآدب، ط: 1، ص: 248). لكن الفلسفة الإسلاميّة برزت أكثر مع الفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد الذين يصعب أن نصنّفهم كمتكلّمين، صحيح أن الكندي كان معتزلياً وابن سينا إسماعيلياً ولكنهما كانا على وعي تام بأن الفلسفة صناعة مستقلة بذاتها، صناعة تعتمد على البرهان وليس على الجدل، بل إننا نجد بعض فلاسفة الإسلام مثل الفارابي وابن رشد يقلّلون من شأن علم الكلام. ثم إن ابن خلدون في تصنيفه للعلوم أدرج علم الكلام كعلم مستقل عن علم الإلهيات وباقي العلوم التي تدرس داخل الفلسفة كالمنطق والطبيعيات والطب.. إلخ، فميز بالتّالي الكلام عن العلوم الفلسفيّة. فإذن رغم انتماءات بعض الفلاسفة المسلمين لبعض الفرق الكلاميّة المختلفة فإننا نجدهم يفكّرون بشكل مستقل عن الكلام.

لكن تجب الإشارة هنا إلى أن الكثير من المواضيع الفلسفيّة الّتي فكّر فيها فلاسفة الإسلام تقترب من المواضيع التي فكر فيها اللاّهوتيون المسيحيون. فكلا الفريقين اهتما بالمنطق الأرسطي، وبمفهوم السّعادة الأخلاقي، وبموضوع الله.. وغيرها من المواضيع الفلسفيّة. إننا نلاحظ أن المسلمين استطاعوا أن يفصلوا بين علم الكلام والفلسفة، رغم وجود بعض الخلط أحياناً بين العلمين، في حين أن المسيحيين مزجوا بين اللاّهوت والفلسفة ليتشكل عندهم مبحث الإلهيات بقسميه الطبيعي والاعتقادي Théologie révélée الذي يعرفه القديس أوغسطين بأنّه: المجادلة بالمنطق أو المناقشة بشأن الألوهيّة. وقد استخدم أفلاطون في كتابه الجمهورية مصطلح الإلهيات اللاّتيني بمعنى “محادثة عن الله”. ويعتقد علماء الإلهيات أن علمهم يساعد على فهم الدّين والدّفاع عنه وإضفاء المعقوليّة على العقائد الدّينيّة.. إلخ. وهذا قريب مما يراه المتكلّمون أيضاً، إلا أنّ اللاّهوت المسيحي اهتم بالفلسفة أيضاً وببعض مباحثها كالميتافيزيقا، ولهذا ظهر في أوروبّا الكثير من الفلاسفة الذين كانوا لاهوتيين أمثال توما الأكويني وليبنيز وغيرهما.

خلاصة القول: يبدو لنا أن علم الكلام تأثر باللاّهوت المسيحي في شقه المتعلق بالردّ على الديانات الأخرى، أي في اللاّهوت الاعتقادي، غير أنه لا يمكن أن نقول أن علم الكلام هو اللاّهوت بصيغته الإسلاميّة، وذلك لاختلاف النشأة وأهداف العلمين. فعلم الكلام، كما قدّمنا مع الفارابي، هو صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة الّتي صرح بها واضع الملّة، وتزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل. وأمّا اللاّهوت المسيحي فهو يشترك مع علم الكلام باعتباره صناعة لنصرة الآراء الدّينيّة، إلا أنّه أيضاً فلسفة مسيحيّة نظرت في مفاهيم أخلاقيّة وفي نظريات عقليّة. يمكن أن نقول أن اللاّهوت الإسلامي ــ إن صحت التّسميّة ــ ينبغي أن يضم علم الكلام والفلسفة الإسلاميّة ليكون مماثلاً للاّهوت المسيحي ومقابلاً له.

ولا يفوتنا هنا أن نسجل الملاحظة التّالية وهي إغفال الكثير من الباحثين لتأثر المسلمين باللاّهوت المسيحيّ، فغالباً ما يتم إرجاع نشأة علم الكلام إلى الفتنة الكبرى أو إلى المعتزلة. بل ونجد البعض يعتقد أن علم الكلام هو النتاج الخالص للمسلمين (علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج 1، دار المعارف، ط: 9، ص: 54 ). ولهذا نطرح هذا السّؤال: ألا يكون الكلام نشأ على إثر المناظرات المسيحيّة الإسلاميّة خاصّة وأن فرقة القدريّة وهي من الفرق الكلاميّة الأولى ظهرت على إثر التّأثر باللاّهوت المسيحي كما يرى بعض الباحثين أمثال زهدي جارا الله؟!(عبد الرحمن سالم، التّاريخ السّياسي للمعتزلة، رؤية للنشر والتوزيع، ط: 1، ص: 37). لعلّ البعض يرفض القول بتأثر المتكلّمين المسلمين بغيرهم لأنه قول المستشرقين الذين يوظفون منهج التأثير والتأثر، ولكن ما العيب في هذا المنهج؟ إن كان حتّى المسيحيون تأثروا بالإغريق وبفلسفتهم، مثلما تأثرا اليونانيون بالأفكار المشرقيّة المتعلقة بالتنجيم والحساب.. إلخ.

نأتي الآن لموضوع فلسفة الدّين بعد أن تناولنا موضوعي الكلام الإسلامي واللاّهوت المسيحي. فما هو مبحث فلسفة الدّين؟ إن فلسفة الدّين مبحث فلسفي يُعرف بأنّه التّفكير الفلسفي في الأفكار الدّينيّة. وحين نقول التّفكير الفلسفي فنحن نقصد “العقل” “الاستشكال” “التّأمّل”. وهنا يتجلّى الفرق بين فلسفة الدّين واللاّهوت وعلم الكلام. إذ أن علم الكلام واللاّهوت يتأسسان على الفكر الدّيني الذي بدوره يقوم على مسلّمات، ويهدف إلى إثبات الحقّ. وإذا كان المتكلّم أو اللاّهوتي ينطلق من الدّين ومسلّماته، فإن الفيلسوف الدّيني، أي المشتغل في مبحث فلسفة الدّين، ينطلق من العقل ومن الأسئلة. فضلاً عن أنه لا يدافع عن القضايا الدّينيّة، وإنّما يتأمّلها.

إن فلسفة الدّين لا تنطلق من الدّين وليست مرتبطة به كالفلسفة الإسلاميّة أو الفلسفة المسيحيّة، ويمكن أن يتطرق لمواضيعها الملحد واللاّديني أيضاً. ومن هنا، كان يجب الانتباه لخصوصيات هذا المبحث، فلا يتمّ الخلط بينه وبين علم الكلام أو اللاهوت. صحيح أن بعض محاور فلسفة الدّين تناولتها بالدراسة الفلسفة الإسلاميّة والمسيحيّة كموضوعي الخير والشّرّ مثلاً، إلا أنّه يبقى أن منهج تفكير الفيلسوف الدّيني مختلف عن مناهج اللاّهوتيين والمتكلّمين.

ختاماً، هكذا نكون قد حاولنا أن نوضّح الفرق بين مباحث فكريّة تقترب من بعضها كثيراً غير أنّها لا تقابل بعضها. هذه المباحث هي: علم الكلام، اللاّهوت، وفلسفة الدّين. وإذا كان علم الكلام عند المسلمين واللاّهوت عند المسيحيين قد كُتب فيهما مؤلفات كثيرة منذ ظهورهما وازدهارهما وتطوّرهما، فإن فلسفة الدّين مبحث فلسفي جديد بدأ التّفكير فيه بشكل كبير في العقود الأخيرة، خاصّة بعد أن عرف العالم عودة للدّين بمظاهره المختلفة: الرّوحانيّة، الإرهابيّة، المؤسساتيّة.. إلخ، أو حتّى من حيث التّفكير فيه سلباً أو إيجاباً. ومع الأسف، فرغم أهميّة مبحث فلسفة الدّين، فإن هذا المبحث قليل الحضور في العالم العربي من حيث التّأليف والدّراسة والتّرجمة. ثم إن هناك من يخلط بينه وبين علم الكلام واللاّهوت. فنأمّل أن نكون في هذا المقال قد وفّقنا في تبين وتوضيح الفرق بين الكلام، اللاّهوت، وفلسفة الدّين.


كاتب من المغرب