عزيز العظمة.. الصعود الأصولي

يعدّ المفكر السوري عزيز العظمة، من المثقفين العرب القلائل الذين انشغلوا كليا بقراءة الحركات الإسلامية ونقدها، ولم يتسامحوا يوما مع الاتجاهات التي أرادت الهيمنة على الحياة العامة من خلال بسط مظلة فكرية دينية، ترى كما يقول العظمة، أن لها الحق بحكم الناس وتسيير حاضرهم ومستقبلهم، وهو الذي رأى أن من الخطأ الحديث عن وجود إشكالية حول علاقة الإٍسلام بالديمقراطية، على اعتبار أن الديمقراطية لا يمكن أن يُفكر بها بأسلوب ديني، وأن هذه الإشكالية افتعلها بعض المثقفين العرب الذين أصبحوا في نهاية المطاف بمثابة الرديف للدعاوى الأيديولوجية الإٍسلامية التي روجّت لهذا الأمر. في هذا الحوار، الذي تنشره الجديد مكرّسة بحثها في ملف “تحرير العقل”، يتعمق عزيز العظمة في تحليل السؤال: كيف يفكّر الأصوليون؟ ويوظف من أجل هذا الكثير من الشواهد التفصيلية، الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية، بعضها كان مشغولا عليه بعناية، والبعض الآخر، تنقصه الدقة، في رصد تكوّن تلك الذهنية التي تسمى “الإسلاموية”، ويعترف أننا في حاجة إلى لغة جديدة ما دمنا نتعامل مع ظواهر جديدة، لطالما اعتبرت وكأنها لا تستحق النظر، وكأنها مجرّد انحرافات عن السويّة، مثل فشل الدولة، والفاعلين السياسيين والاجتماعيين خارج نطاق الدولة، وبروز وتوسع نفوذ الجهادية المتطرفة، من وقائع الجزائر منذ أكثر من عشرين عاما إلى وقائع أفغانستان والشيشان والصومال واليمن وشمال أفريقيا والزرقاء والكرك، وصولا إلى الرقة والموصل وأماكن أخرى. هناك ظواهر اجتماعية تُناظِرُ الأخيرة هذه في خروجها على بنى النظام الدوليّة والقانونيّة وغيرها من البنى الرسميّة. يقابل العظمة ما بين التطرف الإسلامي والآخر المسيحي، فيعتقد أن ما يماثل الفرق الدينية المشاكلة للجهادية الإسلامية، في كل مكان، تمرد تايبينغ في الصين مثلا (1850-1864) وإقامة مملكة تايبينغ المسيحانيّة السماوية على الأرض في نانجينغ، حيث مورست كل أشكال العنف ودرجاته (وتم الردّ أيضا بشكل كامل من قبل أعدائهم الصينيين وكذلك الفرنسيين والبريطانيين، على أساس العين بالعين والسن بالسن)، ما خلّف عشرين مليون قتيل. ويضرب العظمة مثالا آخر في جيش الربّ بأوغاندا. معتبرا أنّ التربية على التوحش جزء لا يتجزأ من إعادة التنشئة الاجتماعية للفرق الخلاصية هذه، ولسيناريو الفتن والملاحم. إن شكلا جديدا من الإسلام ما برح يطغى على الساحات العامة، ويلوث أيضا حتى بعضا من الفكر الإسلامي السمح والمنفتح، من خلال ما يطرحه من تشدد غير مسبوق وصل حدود التزمت الكامل المؤسس على القراءة الحرفية للقرآن. حوار كثيف يغامر فيه عزيز العظمة بالتنبؤ شبه اليقيني بالغد، حول الحروب المتعددة، الأهلية منها وغير الأهليّة، التي تدور في المشرق العربي، ليخلص إلى أنه من غير المرجح أنْ تكون قصيرة، أو أنْ يظهر تحسّن أو استقرار في الفترة القريبة القادمة. والأسوأ هو تقوية الوضع الأصولي، وتفاقم العمليات الجارية على الأرض، في نهاية المطاف، فإن النتيجة ستعتمد على الفائزين. إذا كان هناك فائزون. قلم التحرير

الجديد  حمّود حمّود [نُشر في 01/12/2015، العدد: 11، ص(35)]

بريشة الفنان مينبرت جوزفين فان ستوش
رغم أنّ الحوار قد انطلق أساسا من باعثِ لحظة مفصلية تعيشها المناطق المشرقية، وتحديدا السوريّة منها، لحظة تشهد صعود كل أشكال الشياطين الأصولية، بيد أنه حوار نقدي ابتغى به عزيز العظمة تقديم قراءة تاريخية عمومية في درس تجليات الأصولية وركائنها العدمية وآفاقها المستقبلية: حوارٌ بمقدار ما يخاطب هذه اللحظة السوريّة من خلال تحليلها تاريخيا، بمقدار ما يمثّل خطابا نقديا يتجاوزها إلى ما هو أعمّ، أي الأصولية مقروءة في فضائها التاريخيّ الواسع. والمثالُ السوريُّ لهو اليوم أفصحُ مثال على هذا.

ولأن الصعود الأصوليَّ الإسلاميَّ (بنسخه السنية والشيعية) يتّسِمُ بيباب يصعب القبض تماما على مفاصله والتنبؤ بمستقبله (طالما أنه صعود أصوليٌّ أخطبوطي)، فإنّ، الحوار لكي يتغلب على ذلك، يحاول تحليل العملياتِ التاريخيةَ، بقدر ما أمكن، لهذا الصعود. هكذا، فإنه يناقش مسائل: كيف ارتبطت العوامل المادية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فضلا عن الشروط المحلية والتغيرات السياسية الدولية، بتحويل الأصولية من شرطها «الهامشيّ» إلى فضاء «المركز»، الفضاء الذي تعيش الأصولية في كنفه اليوم؟ كيف يمكن لمخلوقات عدميّة أصوليّة نبتت في جغرافية اللامكان أنْ تحوز على المكان كله؟ ما هي الشروط الثقافية والدينية التي يمكن الحديث عنها في ظل هذا الصعود؟ ثم، كيف تمكن الإجابة عن الإشكاليات الطائفية المرتبطة به؟ وأخيرا، وليس آخرا، ما هو دور السياسات الدولية والإقليمية (بل وحتى السياسات الثقافية، سواء الدولية أم حتى السورية منها) بالدفع قُدما بصعود الأصولية؟ كيف تمكن قراءة الأصولية في ظل شرطِ لحظة «الربيع»، أو كما أطلق عليها هكذا؟

مثل هذه الأسئلة، وغيرها، هي ما يحاول عزيز العظمة الإجابة عنها تاريخيا: صعودُ الأصولية مُمثّلا بلحظته السوريّة والمشرقيّة.

الصعود الأصولي

أنت غني عن التعريف؛ فاسمك وجهودك النقدية والتاريخية تشهد على ذلك. لكنْ اسمح لي أنْ أقدم تهانيّ على صدور كتابك الأخير «The Emergence of Islam In LateAntiquity, Allah And His People, Cambridge University Press, 2014»، والذي يأتي في ظل فوضى نقدية ودرسية هائلة تشهدها ميادين الدراسات الإسلامية، وتحديدا في مسألة صعود الإسلام. ورغم الرغبة الشديدة التي تنتابني في الحديث عن هذا الكتاب القيّم، إلا أنه بسبب ضغط اللحظة التاريخية التي تمرّ بها بلاد المشرق، وعلى رأسها سوريا، فإنني أحب الإفادة منك ومن خبرتك في تحليلك التاريخي في الحديث عما تشهده هذه البلدان حيال ظاهرة «الصعود الأصولي».

ربما أدركُ قليلا التعقيدات الدينية والسياسية والاجتماعية حيال هذه المسألة، لكن وبسبب هذه التعقيدات، فإنه لدي همّ نقدي هو أنْ أبدأ بتحديد ما الذي تراه في مفهوم «الصعود الأصولي». بداية، سأحاول توسيع نطاق الحوار قليلا، ثم نأتي تدريجيا إلى إشكالنا الأساسي في تناول الأصولية والجدل مع الأحداث الجارية. اسمح لي أنْ أبدأ معك:

«إله فقط بإمكانه إنقاذنا الآن. هذه الصرخة كان مارتن هايدغر قد أطلقها مرة. ورغم أني أقدّر ربما نفورك منها، أو من أشباهها، إلا أنها صرخة ما بعد الحداثة، صرخة عدميّة، صرخة نبي كبير من أنبيائها. اليوم أستذكرها بغية غايتين: الأولى، في سبيل إثارة بداية الحوار؛ حيث أُطلقت في مراحل منتصف القرن العشرين، أي في الوقت الذي بدأت فيه الأصوات تعلو معلنة فشل مشروع الحداثة في مقابل صعود الظاهرة الدينية شرقا وغربا، الصعود الذي عُبّر عنه لاحقا في استحقاقات ما بعد الثورة الإيرانية، حكم رجال الدين، ثم ما جرّته مسبحة الأصولية في التسعينات، إلى عمليات سبتمبر، ومن ثمة ما شهده العراق، وصولا إلى ما تشهده اليوم مناطق المشرق، رغم أنف ما يسمى بـ«الربيع». وبالفعل، فقد كان المدّ الأصولي خير تعبير، عند تلك الأصوات، وأكبر عنوان على فشل الحداثة.

الثانية، أستذكر جملة هايدغر وأنا اليوم أقرأ جملا تقول إنّ “الربّ قد عاد إلى الشرق الأوسط”، هذا حسب بول دانهار Danahar, Paul رغم اختلاف السياقات التاريخية والمفهومات. إلا أنها، مرة أخرى، جملٌ تصعد في ظل هذا المدّ الأصولي الكاسح في البلاد الإسلامية. حيال مثل هذه الجمل، وغيرها التي تنتشر في هذه الأيام على نطاق واسع، كيف تقيّمها في ظل المدّ الأصولي؟

العظمة: إنه لنذير شؤم أنْ نبدأ الحوار مع هايدغر، على الأقل إذا كنا نسعى إلى الوضوح، لا الإبهام، فيما يتعلق بالقضايا ذات الأهمية. ربما قد نتحدث عن هايدغر في وقت لاحق إنْ أردتَ؛ لكن الآن، دعنا نحاول ونفكر سوية على نحو خلاق بطريقة قد تساعدنا على فهم الأحداث الجارية في سوريا، في سياقها الأوسع، وهذا ما يدعو إلى تفكير جديد بدلا من استخدام مفاهيم وقضايا مثل الحداثة والتحديث وانتقام مختلف الآلهة والمصائر والمنايا في اللعب معنا واللعب بنا. إننا بحاجة إلى لغة مناسبة: لكن دعني أقول في البداية إنّ المفاهيم الأقدم في هذا هي بالغة الأهمية، ومقاصدها كذلك مهمة وحاسمة، وينبغي أنْ نعود إليها في مرحلة ما، ليس أقلها، دحض الأطروحات الشائعة حول فشل التحديث والحداثة. إنه طرحٌ سهلٌ، ومناسب وممالئ للعقول الكسولة أو العقول التي تبتغي ذلك عن قصد (وهناك أسباب كثيرة لسوء الإدراك المتعمد هذا بين المثقفين العرب من دون التقليل من أهمية الكسل الصرف والبسيط)، إنه تبسيط شديد فظيع، وهو ببساطة خاطئ تماما وتمثيلٌ زائف لهذه المسألة. هكذا أيضا مسألة «عودة» الدين؛ فإنها لا تصمد أمام النظر والتحريّ، لكنْ يتم إعادة اختراعها بطرق مبتكرة، وخاصة بين المسلمين.

لغة جديدة

إننا بحاجة إلى لغة جديدة طالما أننا نتعامل الآن مع ظواهر جديدة، ظواهر اعتبرت وكأنها لا تستحق النظر، وكأنها مجرّد انحرافات عن السويّة، مثل فشل الدولة، والفاعلين السياسيين والاجتماعيين خارج نطاق الدولة، وبروز وتوسع نفوذ الجهادية المتطرفة، من الجزائر منذ أكثر من عشرين عاما إلى أفغانستان والشيشان والصومال واليمن وشمال أفريقيا والزرقاء والكرك، إلى الرقة والموصل وأماكن أخرى. هناك ظواهر اجتماعية تُناظِرُ الأخيرة هذه في خروجها على بنى الانتظام الدولتيّة والقانونيّة وغيرها من البنى الرسميّة، وبالتالي استعصاؤها على المسارات التحليليّة المعتادة والمبتناة على افتراض التنظيم والتمأسس الرسميّين: ظواهر مثل عصابات المخدرات في كولومبيا أو الجيوش الميليشياويّة في وسط أفريقيا (حول مناطق الثروات المعدنية في الكونغو وغيرها) وفي غربها حتّى زمن قريب، وفي المثلث الذهبي في جنوب شرق آسيا، حيث نجد حركات لا تزال وقائمة على تجارة المخدرات نشطة ومتماسكة كانت قد رعتها وكالة الاستخبارات المركزية سي آي إيه من الستينات في لونغ تينغ في شمال لاوس. إنّ العديد من هذه الجماعات (وربما كلها)، بما في ذلك الجماعات الإسلامية، لها أو كان لها اتصال مع الـ سي آي إيه، أو على الأقل بعض الأجهزة السرية الأخرى التي عملت بمثابة داعم أساسي ولوجيستي لها. لكل فاعليات هذه الجماعات أسس اقتصاديّة واضحة وأساسية.

بعبارة أخرى، لدينا ظواهر نتجت عن وضع حيث «اللارسمي» (الاقتصاد غير الرسمي أو “الأسود”، من خلال شبكات المافيات، أو السياسات اللا-دستورية ذات الوزن الغالب للأجهزة الأمنية- لكن أيضا، ولا ينبغي علينا أنْ ننسى هذا، العديد من المظاهر الراهنة للأسواق المالية -الخارجة على القانون ولكن المتمتعة بحماية سياسية، من أنشطة صناديق التحوط والاقتصاد الافتراضي والتجارة الإلكترونية السريعة جدا في الأسهم والأموال) يتطلب منا اليوم اهتماما أكبر من «الرسمي»، مع نتائج أكيدة لفهم العلاقة بين النظام القانوني الرسمي والأساليب والبنى غير الرسمية من التنظيم. وعلى نحو متلازم، لدينا أوضاع غدت فيها نسب وتوازنات الأهمية النسبية للمركزي والهامشي مشوشة: إنه وضع الانكماش البيّن لعناصر وأدوات الترابط والتكامل المركزية (سواء أكان ذلك جغرافيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا)، وتوسع مدى الهوامش بكافة معانيها وانقلاب بعضها على المركز مشكلة ترتيبات جديدة وانقلابا نوعيا في الأوضاع التي كنّا قد اعتدنا عليها وتدرّبنا على النظر فيها. وفي مسام انحسار النظم الدولتيّة وغيرها، تقوم نظم تدير التوحّش انطلاقا من بقايا النظم السابقة الجغرافية والبشريّة والعمرانيّة والبترولية والمنجمية.

العديد من الجماعات الإسلامية، وربما كلها، لها أو كان لها اتصال مع الـ سي آي إيه، أو على الأقل بعض الأجهزة السرية الأخرى التي عملت بمثابة داعم أساسي ولوجيستي لها. لكل فاعليات هذه الجماعات أسس اقتصاديّة واضحة وأساسية

إنّ أوجه التشابه بين الحالات التي ذكرتُها (وسوف أنحّي جانبا حاليا الأيديولوجية) لهي مهمة وعديدة، وقد نظر إليها بازدراء من قبل المراقبين، تم اعتبارها على أنها مجرّد حالات غير سويّة ملؤها الإجرام والانحراف، ولم تؤخذ على محمل الجد بما فيه الكفاية، ولم يتم التعامل معها بأدوات ولغة ملائمة لفهمها. فإن المشترك بينها هو، أولا، أنها حركات تعيد إنتاج نفسها وتستمر في أوضاع تناحريّة. وأنّها ظواهر بنيوية مرافقة لضمور أو تهتّك أو للانهيار الكارثي لبنى وميكانيزمات ضبط وتماسك سابقة عليها باستخدام مادّة هذه البنى السابقة الاقتصادية والبشريّة. كما أنها تشترك (وهذا مهم للغاية) بميزة أنها تأتي من اللامكان.

ما حدث في شرق سوريا في الأشهر الأخيرة كان تماماً غير متوقع ومن غير المرجح على الإطلاق: هكذا، فقد أصبح غير المحتمل وما كان عصيّاً على التصور، من يوم إلى آخر، أمراً واقعاً. هذا تصور للأمر يؤكده تنظيم داعش الذي له خاصية الكابوس- وغالباً ما تعيق الكوابيس الفهم وبشكل آخر تتحداه، لهذا يحتاج المرء أنْ يبقى متزناً في مثل هذه الأوضاع. إن لداعش علاقة غريبة مع المكان، كما يفهم عموماً: أي المكان بكونه ليس مجرد إحداثيات خطوط طول وعرض، أو مجرد اسم، ولكن المكان بها هو نظام مستديم من العمران ومن البشر والحجر ضمن شبكة من الأماكن المرتبط معه. وفي المقابل، ليست هذه الحركة مجرد جيوب متّصلة فحسب، أُخذت غالباً بالعنوة، بل هي تنشأ من اللامكان وتصدر عنه، هذا رغم أنها حينما تتشكل تقوم ببناء علاقات محلية، وهي علاقات، بحكم طبيعة الأشياء، هشة وغير مستقرة؛ وهذا يعود، ليس أقله، بسبب أنّ هؤلاء الدواعش آتون من اللامكان - للعراق بهذا الاعتبار، بالمناسبة، وضع آخر.

لقد قدّم بعض زعماء الرقة (وأمكنة أخرى) البيعة، وفاوضوا بشأن المصالح والامتيازات مع إبراهيم السامرائي البغدادي الهاشمي الحسيني وممثّليه، وهو في الواقع إبراهيم عواد الذي قَدِمَ من اللامكان، رغم عراقيته: طالب متوسط في التجويد القرآني وإمام مسجد، كان يلعب كرة القدم في الشارع، قد دُفع ورُعِي َمن قبل أبي مصعب الزرقاوي الذي جاء هو نفسه أيضاً من اللامكان؛ أي من سياق الهوامش المضاعفة المتضافرة والمتشابكة مع “مكان” آخر هو شبكات غير منظورة للبعث العراقي وأخري متبقيّة من أزمنة أخرى هي العشائر المستعيدة الروح. كان على الزعماء المحليين المتبقيّن أو الجدد أو المتجدّدين في سوريا التفاوض مع أبي عمر الشيشاني وهو كذلك شخص من اللامكان: هو في الواقع طرخان باترشفيلي، جورجيّ المولد والجنسية، خدم في الجيش الجورجي، ومن عائلة مسيحية قد يكون لها أصول إسلامية. وهذا إضافة إلى تونسيين وليبيين وبلجيكيين وأستراليين وسعوديين، وهلم جرّا. نقول هذا، رغم أن كل هذه الترتيبات والتحالفات المحلية هي، في طبيعتها، غير مستقرة على نحو شديد، وليس أقل من ذلك لأنها علاقة بين مكان مستقر واللامكان: اللامكان بمعنى نبذ المنشأ وإعادة تشكيل الذات ثم اللامكان، أي المكان الخيالي والافتراضي (دابق، الشام، القسطنطينية، رومية في خطاب داعش)، على نحو يضارع هذه الذات الجديدة. واللامكان بمعنى الخروج عن كل الأزمنة التاريخية و الخروج عليها.

علاقات هشة و غير مستقرة

هذا إذا لم تولّد داعش وما شاكلها من داخل الحركات الجهادية عناصر داخلية للاستمرارية والتجذّر ومن المقدرة على الاستنساخ الذاتي محلّيّاً: غالباً المال والأسلحة والانضباط ومناطق فارغة لحكمها، شريطة أن يتاح مستمر من الزمن كافٍ للاستقرار على وتائر وممارسات قابلة للاستنساخ ثمّ الاستقرار لدى قطاعات محوريّة من المحكومين أو للاستقرار باعتباره نسقاً لهيمنة وإدارة للفوضى.

لدى الحركات الجهادية (وهذا واضح جداً في سوريا) انشقاقات مستمرة وصعود وهبوط لحركات، مثل انشقاق «أحرار الشام» في ريف دير الزور والاندماج مع داعش ومثل التداخل المنظور في مخيم اليرموك في نيسان 2015، ثم الاندماجات و التحالفات في ربيع 2015. دعنا لا ننسى أنّ البيعة (تاريخياً وفي استخدامها الحالي من قبل داعش أو عائلة الأسد أو السعوديين) هي إشارة على الخضوع وليس الشراكة. وهذا قد ينشأ عن اتّقاء الشر، أو لغياب سلطة أخرى، أو بالتواطؤ، كما شاهدنا في الموصل وجبل سنجار، حيث انتهز بعض السكان هذه الفرصة لسلب الأملاك والبضائع والأراضي العائدة لجيرانهم. إنني أذكر كل هذا لأقول إنّ داعش ليس لديها على نحو كبير بيئة حاضنة بقدر ما لديها بيئة غير ممانعة وفي بعض الأحيان متواطئة. وعلاوة على ذلك، المهم أنْ لا ننسى أنّ شرق سوريا قد تصحّر سكانياً نتيجةً لتطورين اثنين في السنوات الأخيرة: الأزمة الزراعية، ومن ثمة، بالطبع، العنف الذي حلّ منذ سنة 2011 والذي ربما كان قد آزر وعورة الطباع في بعض البوادي والأرياف، وأخرجها من عُقالها. وأخيراً، إننا بحاجة إلى أنْ نتذكر أنّ داعش، رغم اندماجها مع الطائفية في بعض الأوساط وفي ظل ظروف معينة (لا سيما في بعض أجزاء من العراق) فإنها لا تسلب وتقتل وتسرق وتهجّر وتطرد المسيحيين والشيعة فحسب، بل إنها تقوم بمثل هذه الشناعات ضد السنّة من غير الموالين أيضاً. وفي الواقع، إنّ العشائر التي قدمت البيعة في أجزاء من سوريا تعي تماماً هذا الأمر.

وبالرغم من قدوم هذه الجيوش الخاصة من اللامكان، في العالم العربي كما أيضاً في لاوس أو الكونغو أو كولومبيا، فإنها قد نجحت بدرجات متفاوتة في الاستمرار والدفاع عن الجيوب والمناطق التي استقطعتها. لدى البعض منها طموحات أيديولوجية في جعل هذه الأراضي يوتوبية، حيث تحاول تحويل الأراضي التي تسيطر عليها من لامكان إلى مكان يوتوبي قادم (هكذا، نجد أنّ داعش وما ناظرها تريد خلق أطفال مجاهدين متطبّعين بالقتل وكذلك استيراد مقاتلين، فضلاً عن مجاهدات النكاح، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والسلوك الشخصي، بل الدين الإسلامي على صورة غريبة غير مألوفة، مع جرعة قصوى من السُمّية التي تحملها جميع الأديان التوحيدية)، في صراع دائم مع العالم الخارجي الماثل أبداً كنقيض ترسم بموجبه صورة الذات. إنهم يتوسلون ويستندون إلى مفهوم وحشي للهوية، وهو مزيج من طائفية محلية حادة ممتزجة مع جيلٍ في سوريا والعراق لم يشهد إلا القليل مما ابتعد عن الوحشية والبؤس.

أول من قام باستلال نظرية سياسية ونموذج سياسي من القرآن بشكل منهجي كان سيد قطب، وإن أول من بنى نظرية شاملة ومتكاملة في السياسة كان الأسقف بوسويه Bossuet (المتوفّي عام 1704)، واعظ الملك لويس الرابع عشر

هم يستندون أيضا في الخطاب والتعبئة إلى نتائج التعددية الثقافية الأوروبية، وهي تمثل تصوراً عن الذات باعتبارها متفرّدة ومتوحدة ومستوحشة، على نحو جمعي. ومعظم تلك التنظيمات تجعل من أفرادها، ومنهم الأطفال أيضاً، متوحشين على نحو كامل ومقصود، وذلك من أجل زيادة التماسك الداخلي والتأكيد على التمايز النوعي بل الجوهري وحدّة الانفصال عن الخارج. لقد ظهر هؤلاء ذوو الهوى الإسلامي مع مسرح سياسي مغرق في الإغراب، شاهد على خيال محدود مشدود نحو بورنوغرافيا دموية. كما أنهم يعملون على إعادة التنشئة الاجتماعية للأعضاء كلياً وذلك على صورة تسمح بتفكيك الهيئة الاجتماعية والروابط الاجتماعية السابقة على الانتماء لهذه الجماعات، وتفكيك الشخصية الفردية ودمجها في كتلة من الغوغاء لا حدود لمطالبها: إنه انتقال من الإنساني إلى الوحشي لتحقيق الكمال. نجد دوماً في سياق هذا الضرب من التنشئة الإسلامية المستأنفة سلوكيات تتبدى فيها الفظاظة أو قلّة الأدب على أنهما من باب الالتزام بالواجب الديني: الزجر و التدخل في شؤون الآخرين، مثلاً، أو التمنّع عن مصافحة الأفراد من الجنس الآخر. وهذا ما يماثل الفرق الدينية المشاكلة للجهادية الإسلامية في كل مكان: لقد أقام تمرد تايبينغ في الصين مثلاً (1850-1864) مملكة تايبينغ المسيحانيّة السماوية على الأرض في نانجينغ، حيث مورست كل أشكال ودرجات العنف (وتم الردّ ذلك أيضاً بشكل كامل من قبل أعدائهم الصينيين وكذلك الفرنسيين والبريطانيين، على أساس العين بالعين والسن بالسن)، مما خلّف عشرين مليون قتيل. مثال آخر هو جيش الربّ في أوغاندا. إنّ التربية على التوحش جزء لا يتجزأ من إعادة التنشئة الاجتماعية للفرق الخلاصية هذه ولسيناريو الفتن والملاحم.

دعنا نؤكد أيضاً على أن كل هذه الحركات هي كذلك مشاريع اقتصادية وأرباب عمل على نطاق واسع. كل أولئك، من حركات خلاصية وغيرها ممن نتكلم عنه، يعملون على السيطرة على الموارد الاقتصادية الضخمة: النفط والآثار والصوافي والغنائم والرسوم على البضائع والأفراد (ما يسمّى بالجزية والزكاة) في سوريا، والمخدرات في كولومبيا ولاوس، الذهب والماس والمعادن النادرة الثمينة (التي تعتمد عليها الهواتف المحمولة) في الكونغو ورواندا، هذا إضافة إلى الخوّة والغنيمة والفدية، وبالطبع الدعم المالي الخارجي ذا الدوافع السياسية.

سياسات مافيوية عالمية

ولهذا حقاً، فإنّ اعتبار هذه المجموعات تحت عنوان الانحراف أو الشواذ ليس كافياً أبداً لفهمها؛ كلّها عصابات نهب و قطّاع طرق، ولكن العبارة المختصرة هذه لا تقرّبها من ملكَة الفهم. إنّ هذه الآن تُمثّل ثوابت بنيوية لنظام عالميٍّ ناشئ، وتحتاج لأنْ تدرس على هذه الصورة، لا على أنها انحرافات. كذلك أيضاً التحولات الجارية نتيجة للتحولات والتبادلات الاقتصادية الدولية، التي تعتبر عموماً انحرافات، وتخضع في كثير من الأحيان إلى محاكمة أخلاقية بدلاً من أن تدرس تحليلياً على نحو سليم: الاقتصادات المافيوية والسياسات والاقتصادات السوداء والسياسات المفترسة للبنوك والمؤسسات المالية وبعض أجهزة الدولة، فضلاً عن الأموال الافتراضية التي يتم إنشاؤها وإعادة تدويرها تباعاً في ثوان معدودة، والسمات الأخرى للرأسمالية المتأخرة بعد سنة 1989 التي تحررت من تحديات النماذج الاشتراكية البديلة. لدينا أيضاً تشظ داخلي اجتماعي-اقتصادي وفي مستويات أخرى، لجميع المجتمعات دون استثناء، وبروز سمات العالم الثالث في أجزاء كثيرة من العالم الأول، ولدينا كذلك سياسات الهوية، بما في ذلك النزاعات الأهلية (العرقية والطائفية والدينية) التي تحل محل الأسس الأخرى لبناء الأنظمة السياسية، وغالباً في تلازم مع سياسات التشاركية القائمة على أساس المحاصصة. وينبغي على المرء ألاّ تفوته الإشارة إلى التحولات في وظائف الدولة، خصوصاً منذ 1989: أي النزعة في تقليص وظائفها التمدينية ووظائف الهيمنة، وخصخصتها لصالح بعض الجماعات في كثير من الحالات (كما هو الحال مثل سوريا). لدينا هنا حقيقةٌ وهي أنّ الديمقراطية الليبرالية ليست حقاً تعويذة تحتوي حلاً شاملاً لجميع المشاكل، ومن المرجح بقاؤها في مناطق معينة من العالم فقط. وبالطبع، لدينا ظواهر ثقافية مثل ما بعد الحداثة والتي تشكل رديفاً أيديولوجيا لهذه التحولات النكوصية العالمية، ذلك أنها تجذّر تمثّل بعض النخب الثقافيّة في البلدان المتخلفة لدونيّة أممهم و استعصاء الترقّي عليها.

وهذا يعيدني إلى أب كنيسة ما بعد الحداثة، مارتن هايدغر: نحن بحاجة إلى تطوير لغة كافية لفهم الظواهر الجديدة، وعدم استحضار وحي الألفاظ المنتفخة. لا ينبغي على المرء اتخاذ الطريق السهل في افتراض أنّ كل ما يحدث لنا نحن العرب هو أمر حتمي، وناتج عن تخلفنا الخلقي، وغير ذلك مما يمكن استنتاجه من قَدَريّة هايدغر وفكر ما بعد الحداثة، وهو في جوهره نعي على الحداثة وانتصار لما قبلها. ولكن هذا لا يعني أنه لا ينبغي أن نتناول أسئلة الحداثة، والقومية وبناء الدولة، والعودة المزعومة للدين، والإسلامية (ودعنا لا ننسى دور المؤسسات الدولية التابعة للإخوان، بما فيها الإعلام، التي ساعدت على صعود المزاج الذي نجده في داعش)، فضلاً عن سؤال الدولة، ومجموعة كبيرة أخرى من المسائل. صحيح أن ثنائية التخلف/الحداثة قد تعرضت إلى انتقادات أساسية. و لكنني أرى أنها ما أصابت، وأنها سجالية في الأساس رامية الانتصار للفوات، وأن المقدرة التحليلية والمفهومية الكامنة في هذه الثنائية لم تستهلك، مع الاعتراف بان استخدامها على نحو فجّ أمر شائع ومستسهل.

مفهوم الأصولية

نقاط كثيرة، ربما كل واحدة منها بحاجة إلى تفسير وتفصيل منهاجي لوحدها لغاية الدرس، رغم ارتباطها، بعضها ببعض، في ظل الظاهرة الأصولية وصعودها. وطالما أنك رسمت هذه الصورة الواسعة (في سمات صعود الحركات الجهادية، في أسبابها المادية والدولية، في السياقات الكبرى، وحتى داخل حدود الدول التي تصعد منها، مثل سوريا… الخ)، هل من الممكن أنْ نحدد النقاط أكثر، علّنا نعود إلى الظاهرة الجهادية، تحديداً، التي تغزو سوريا اليوم بكثافة كبرى أكثر من أيّ وقت مضى؟ ما الذي يمكن أنْ تقرأه من مفهوم «الأصولية» نفسه إذن، وبخاصة في ظل التخبط الكبير الذي يُستخدم به عالمياً ومحلياً؟

العظمة: يشكل سؤالك هذا فرصةً جيدة يمكن من خلالها الانتقال من العام إلى الخاص. وهو أيضاً يمثّل فرصة لإعادة الارتباط مع عالمٍ أكثر ألفةً وقيمةً، وحامل للتاريخ، من تلك الجيوش الخاصة التي تحمل حِسّاً غريباً بالمكان، وللنظر كذلك في الترابط بين هذين العالمين. إنّ هذا العالم الأكثر ألفةً هو أيضاً ذاك الذي يحوّل عنه انتباهنا لانشغالنا بعظائم الأمور المداهمة لنا: عالم التقدم، عالم للمواطنين المسيحيين، عالم القضية الفلسطينية، عالم المجازر الإسرائيلية المستجد في غزة. الحاصل ليس فقط تحويل الانتباه عن أمور الوطن والتقدم، ولكن أيضاً إنّ أهوال الدواعش والنظام السوري مجتمعة تنادينا بإلحاح، ناهيك عن طمس الإحساس والتمسحة تجاه مستوى من العنف تجاه الأفراد والمجتمعات والممتلكات أصبح بمثابة الحوادث اليومية العادية. كل هذا بغض النظر تماماً عن موقف أيّ شخص تجاه حماس والتشكيلات الإخوانجية الأخرى وتفرعاتهم التي أخذت غزّة كلها رهينة، كما فعل حزب الله بلبنان، يقايضون خطاب النصر المنمّق وبادي الوهن اليوم بمديح الدمار على حساب الآلاف والآلاف من الأرواح.

ما هي الأصولية؟ لقد اكتسبت هذه اللفظة معنىً اصطلاحياً يشير إلى أشخاص أو جماعات أو أمزجة وأهواء تنطوي على مفارقات تاريخية وتستند إليها، وتُسلّم ببدايات وتفترض بدايات كاملة وناجزة (في معظم الأحيان على نحو خيالي) لجماعية معينة، أي الأمة في كلا المعنيين: الأمة الوطنية والجماعة الدينية (اشتراك في المعنى يقود إلى غموض عام وتشوش أو ازدواجية في العربية) أو الطائفة أو أيّ شيء يُتخذ على أنه جماعة طبيعية ما قبل سياسية. تتم مناقضة صورة هذا العصر الذهبي بصورة حاضر فاسد منحط جاهلي. وأخيراً، إن القيام بمحاولة لإعادة تكوين الحاضر على صورة العصر الذهبي واستئناف البدء السمة المميزة لهذه الأصولية. تكمن المفارقة التاريخية في افتراض أنّه يمكن الرجوع بالزمان إلى الوراء، وأنّ التغير الذي حدث على امتداد أكثر من ألف سنة هو وهم أو على الأقل قابل للرد وللدحرجة إلى الوراء. وليس من قبيل الصدفة أن كل الحركات الأصولية التي تستولي على السلطة السياسية أو تحاول الوصول إليها تحتاج إلى ممارسة درجة هائلة من العنف ضد المجتمعات التي تسيطر عليها، ذلك أنها تفترض أن هناك جوهرا ما في هذه المجتمعات، جوهر بحاجة إلى إعادة النشأة ضد تحولات التاريخ و ضد الواقع، وأن إعادة التنشئة هذه إنما هي عملية تقويم واستعادة للأصول القارّة. سوف أحجم عن الحديث حول التقدم والنكوص في الوقت الراهن وقد أعود إليه لاحقاً.

إنّ هذا الاتجاه متضمّن في جميع الأديان التوحيدية، التي تشير إلى الكتب المقدسة وإلى بعض الحوادث والعِبر والشخصيات في الماضي، سواء كانت حقيقية أو متخيلة، كنماذج إيجابية أو سلبية. ولكن حتى الإصلاح البروتستانتي، وعلى الرغم من انتشار الدعوة إلى العودة الحصرية والشاملة إلى الأصول في سياق الحكم على الحاضر، فقد كان من النادر جداً وفي أقصى الهوامش فقط أنْ يؤخذ هذا الأمر على محمل الجد على صورة منهجية، المثال الأفضل لذلك هو المملكة المعمدانية في مدينة مونستر الألمانية (1534-1535) التي قامت على الاحتذاء بتفاصيل العهد القديم السلوكية حذو النعل بالنعل والتي تتبيّن فيها تناظرات أساسية مع رقّة أو موصل داعش.

ليس هناك مسلمون قبل عصر الحداثة أو الإصلاح الإسلامي (الذي يماثل البروتستانتية في نقاطها الأساسية) قد سعوا إلى استمداد نظام سياسي من القرآن، هذا رغم أنّ نصوصاً من القرآن قد استخدمت دوماً للجدال في كل أنواع المسائل، ولإضفاء الشرعية على هذه الحجة أو تلك في السياسة وفي غير السياسة. إن أول من قام بذلك، أي باستلال نظرية سياسية ونموذج سياسي من القرآن بشكل منهجي كان سيد قطب، وإن أول من بنى نظرية شاملة ومتكاملة في السياسة كان الأسقف بوسويه Bossuet (المتوفّي عام 1704)، واعظ الملك لويس الرابع عشر، وباني نظرية الحق الإلهي للملوك انطلاقاً من الأناجيل في عصر الإصلاح الكاثوليكي.

يحتاج المرء لأنْ يميّز بين اتجاهين في سياق الإشارة إلى الأصولية الإسلامية، ينبغي دعوة الاثنين بالسلفية على كل حال. الاتجاه الأول كان إصلاحياً في تراث سلفية محمد عبده، الذي اعترف بواقع وشرعية التحول التاريخي، وسعى إلى ملاءمة خطابية بين واقع التحوّل ومناط الأصول، ومنها أساسا القرآن الذي نظر إليه بكونه منفتحاً على تفاسير تتطور مع الوقت، أو بالأحرى ذهب إلى أنّ النص يمكن أن يفهم ضمناً على هذا النحو لاستيعاب المدلولات الأساسية للحداثة.

داعش، وعلى الرغم من اندماجها مع الطائفية في بعض الأوساط وفي ظل ظروف معينة (لا سيما في بعض أجزاء من العراق) فإنها لا تسلب وتقتل وتسرق وتهجّر وتطرد المسيحيين والشيعة فحسب، بل إنها تقوم بمثل هذه الشناعات ضد السنّة من غير الموالين أيضاً

وقد استمر هذا الاتجاه عند دوائر واسعة من المثقفين والسياسيين واندمج في الإسلام الرسمي (سعد زغلول وقاسم أمين وطنطاوي جوهري من أعضاء حلقة عبده المباشرة مثلاً؛ الأزهر لاحقاً في أوضاع معينة، خصوصاً في عهد عبدالناصر) حيث أخذ يتطور في البلاد العربية الأكثر تقدماً، على الرغم من أنه، أي إسلام الدولة، في العقود الأخيرة اتخذ مواقف محافظة بشكل متزايد من أجل حماية أطرافه المنفتحة على أفكار أكثر راديكالية وأصولية. أما الاتجاه الثاني الذي ابتدأ فعلاً مع رشيد رضا، فهو ما يمكن أنْ يسمّى على نحو دقيق بالأصولية: وهنا فإنّ الفهم الحرفي للقرآن (وغيره من النصوص المعتمدة) أو ما قارب هذا الفهم أو ادّعاه هو المبدأ الموجه، كما أنّه باعتبار هذا النزوع وهذا الهوى، فإن الواقع والممارسات الاجتماعية والقانونية وغيرها من الممارسات الفعليّة تحتاج إلى أن تقوّم بحيث يتم لها التطابق مع ما تم اختياره ليكون أصلا، لا أنْ يكون الأمر بالعكس. وقد أقرّ سيد قطب بهذا بشكلٍ واضح، حين قال بالجاهلية وبالتكفير، كما أنّ الأشكال الأصولية الأكثر تقادماً التي توسعت في الثلاثين سنة الماضية تندرج هي أيضاً ضمن هذا الإطار. ولئن كان تنظيم داعش من النمط الأخير، وكذلك بالطبع الإخوان الوهابيون القبليون، فإن جماعة الإخوان المسلمين (وخاصة منذ السبعينات) تدمج هذه النزعة الحرفية المتقادمة في فهم القرآن مع استعمالات اصطلاحية مستمدة من الإصلاح الإسلامي في القرن الفائت.

الشعور بالأحقية في الحكم

يتضاعف الأثر إن أضفنا عنصر الجهادية المقاتلة إلى هذا الخليط. بنيت الجهادية المقاتلة هذه على الشكلين التنظيميين اللذين أُخذا عن الإخوان (التنظيم السرّي والاستعداد للقتل المرتبط بالتضحية والشهادة)، كما بنيت على التمدد الفكري والثقافي لجملة من المواقف الإخوانية التي تدّعي للمسلمين طبيعة معزوّة وسجيّة حصريّة وتامّة التميّز والتمايز من جهة، وتشير إلى الذات الفئويّة هذه، أي إلى جماعة الإخوان المسلمين، على أنها تجسيد تامّ وحصريّ لهذه الطبيعة من جهة أخرى. يضاف إلى هذا نزوع الإخوان تالياً لسيد قطب إلى القول بالتكفير، ولشكري مصطفى للقول بالجهاد فريضة مغيّبة في المجتمع الجاهلي. ليس لهذا أيّ سوابق في تاريخ المسلمين.

لدى الإخوان، والإسلاميين على العموم، شعور قوي جداً بالاستحقاق فيما يتّصل بالسلطة السياسية لأنهم يعتقدون أنهم يمثّلون المجتمع عينه وبتمامه، المجتمع الذي فقد إلى حد كبير سبيلَه حسب زعمهم، أي المجتمع الذي سوف يقومون هم بتقويمه وبإعادته إلى سوية مزعومة له. وهذا ما توضّح خلال فترة حكم مرسي في مصر، أما نظيرهم التونسي (النهضة) فقد أظهر قدرة أكبر على الاتعاظ والاعتبار. إنّ ما اتضح هو أنّ الدعاوى هذه ليست لها علاقة واضحة بالواقع. يواصل جهاديو اليوم اتّباع هذا الزعم بإصرار شديد وبدمويّة استثنائية. ليس في هذا الأمر تفرّد للإسلام: إن قرآن العنف والحق والتقويم شأن قديم قِدَم الأديان التوحيدية، وفي رسائل وعِظات القدّيس أوغسطين بيانات بالغة الفصاحة على ذلك وحوله.

في جميع الحالات، وبغض النظر عن استخدام أو عدم استخدام مصطلح «الهجرة» لتحديد الانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك وموضعة الذات الناتجة عن الهجرة تلك خارج المجتمع القائم فعلاً، فإن لدينا علاقة انفصال بين التصور والواقع، انفصام بين هذه المجموعات وبين المجتمعات التي تسعى إلى تصحيحها وتقويمها، على الرغم من استخدام مفردات دينية مألوفة بل وحميمية في بعض الأحيان. ولهذا، فإنه من غير المستغرب أن قيام أنظمة إسلامية يتطلب درجة غير عادية من العنف، إنه عنف معلن يجلي الانفصال والاغتراب ويحتفل به، يضاف هذا إلى عدد من السمات الأخرى المؤكدة على الانعزال والتمايز: هكذا، نجد تحولات في الاصطلاحات المستخدمة في الكلام ونماذج غريبة من اللباس وعناصر أخرى من المشهدية السياسية التي تهدف أساساً لإعادة تكوين الذوات الفردية والتنشئة الاجتماعية على نحو كليّ، وهذا ما يشكّل هندسة اجتماعية على نطاق واسع. لدينا جملة متكاملة من عناصر الابتكار الذاتي في تفاصيل اللباس والمظهر واللغة والمواقف والفكر والسلوك وفقاً لنماذج وهمية، بإصرار وتركيز على التنصل من العادات السابقة كالاستماع إلى الموسيقى والتدخين والشرب واستهلاك المخدرات، إضافة إلى جوانب الحياة الطبيعية السابقة على انقلاب الأحوال هذا، فإنّ هذا التشكل الذاتي الجديد الذي يراد منه جمالية متقادمة هو ضرب من السخرية الذاتية. وكم كان حسين أحمد أمين على حق دون أن يكون معادياً للإسلام أو علمانياً، حينما قال إنّ ما هو حقاً غريب (بالنظر إلى التغيير على مدى القرنين الماضيين) على حياتنا هو الشريعة وليس القانون المدني الوضعي.

رقصات الموت

في البداية كنا نفكر ما الذي يحدث في «رقصات الموت» في سوريا، كما أطلقت عليها أنتَ مرة، أريافٌ تقاتل أريافاً؟ وهذا على اعتبار أنّ معظم القوى السورية الفاعلة في هذه الرقصات تنحدر من الأرياف.

لكنْ هل من الممكن التوضيح أكثر ما المقصود بالضبط أنّ الأصولية ترتبط بالمدن لا الأرياف؟ وهل هذه ظاهرة عامة في العوالم الأصولية؟ وهل لهذا الكلام من علاقة حول ما يُقال عن ارتباط الإسلام بالمدينة؟

العظمة: ليست المسألةُ أريافاً ضد أرياف بقدر ما هي هوامش ضد هوامش، وذلك في رقصات الموت في ظل تشبيح متبادل من قبل العديد من العناصر المنتمية إلى الفئات المهمّشة إلى درجة الرثاثة، البروليتاريا الرّثة بعبارة كانت دارجة أيام عزّ الماركسية. إنني لا أعرف بالتفصيل كيف صار حال الأرياف بعد الأزمة الزراعية في سوريا في السنوات القليلة الماضية خصوصاً (2008-2010) التي فاقم الإهمال من أثرها وفاقم منها غياب الكفاءة عن الشخص الذي كان آنذاك وزيراً للزراعة (عادل سفر) والذي عيّن رئيساً لمجلس الوزراء السوري عام 2011. علينا أن نأخذ بالحسبان أيضاً تصرّف عناصر الأمن في مفاصل نسيج العلاقات الاجتماعية، وبطبيعة الحال، في نسيج العلاقات الاقتصادية، وخاصة الاستيلاء على الأراضي وغيرها من الممتلكات بناء على هذا التبرير أو ذاك، وعلى امتداد حياة جيل كامل.

التجريد والاستلاب عن الممارسات الاجتماعية يكمنان حيث تعتزل الجماعات الجهادية البشر وتعزل نفسها، حاوية خليطاً كبيراً من «المهاجرين والغرباء»، من القفقاس وبريطانيا وماليزيا جنباً إلى جنب مع المال من الخارج

ما حدث في سوريا منذ بداية الحراك قبل تحوّله إلى حروب أهليّة هو أن الكثير من العناصر الشبابية المتعلمة، المستقلين والواعدين من المجموعات الشبابية، ممن كان لديهم المقدرة على القيادة والعمل على إنتاج تماسك سياسي ومعنوي وطني شامل ومنظور واسع للحراك، قد تم التخلص منهم قتلاً أو اعتقالا أو هجرة: أولاً، من قبل قوات أمن النظام (وأعتقد أن هذا كان سياسة متعمدة وجزء من استراتيجية أمنية هدفت إلى أن تتصدع سوريا إلى جزر أمنيّة تغرق الحراك في المحليّة وتمنع التكامل الوطني عن الداخل)، ولاحقاً، من قبل القوى الجهادية التي حلّت محل هذه المجموعات الشبابية وفتكت بما تبقّى منها أو امتصت القليل من بقاياها.

ارتبطت الإسلامية بشكل عام مع أشكال معينة من العمليات التربوية وهذه، كما قلت سابقاً، من منتجات التحديث. مواقع الإسلامية الأساسية كانت الفئات المتعلمة من الدرجة الثانية، من البرجوازية الصغيرة، والمتعلّمة تعليماً تقنياً على العموم والقاطنة في المدن، إضافة إلى مهاجرين جدد إلى المدن، وأنتلجنسيا مدن صغيرة ومهنيين. كل هذه الفئات عانت من نفس الانسدادات في التقدم إلى مواقع النخبة العليا، وهم دائماً مرتبطون عائلياً أو باعتبار مكان المنشأ. وطالما أنّ الإسلامية تعتاش في واقع متناقض مغاير لادعاءاتها عن هذا الواقع، فإنها تتطلب جهداً دؤوباً من التمثل الداخلي للوهم، وبالتالي وضعية تقبّلية لما هو غريب على الرغم من شيوع بعض مفرداتها وادعاءاتها المعيارية. الإسلامية، من الناحية السوسيولوجية، لهذا ولأسباب أخرى، هي أقل شيوعاً في الريف منه إلى المدينة، الأمر نفسه يمكن تطبيقه على أيديولوجيات أخرى مثل الشيوعية: لقد تمّ تعبئة فلاحي ماو من قبل الحزب والدولة، والعديد منهم لم يكن (إذا ما تحدثنا سوسيولوجياً) من الفلاحين أو لم يعودوا كذلك. تعتاش الإسلامية على تدمير الثقافة اليومية السائدة. إنّ نمط الإسلامية الذي نجده اليوم سائداً، على عكس سابقه (على الرغم من أن كليهما إلى حد كبير من منشأ حضري) يزدهر في فترة تعرضت فيه مؤسسات التعليم الحديثة إلى الاستنزاف والإهمال، كما هو الحال في سوريا، ما أدّى إلى انحطاط المدارك على المستوى الوطني، وعززّ الظلامية والتخلف الاجتماعي.

الإسلامية والريف الذي لم يعد ريفا

لقد بدأت الإسلامية بالانتشار في الأرياف، كما أشرت سابقاً، عندما لم يعد الريف ريفاً، وعندما أخضعت العلاقات المحلية إلى علاقة شائكة بالمكان جاءت مع الجهادية. إنّ الجهادية التي نشاهدها اليوم ليست فقط مولعة بالموت، بل إن لديها طقس موت ثمين تدعوه بـ«الشهادة». ثم إنها تشكك في حياة البشر وتتحفظ عليها، طالما أنّ هذه الحياة وتلك الحيوات لا تتوافق مع الخيال الجهادي لما يشكل حياة مقبولة وصحيحة وإجبارية للبشر. إنّ الحيوات السويّة في وضع الهجرة تقتضي خيالاً هلوسياً تركب فيه صور بدئية راجعة إلى العصر الذهبي المزعوم، ومع فكرة الطليعة التي طرحها سيد قطب وحسن البنا قبله؛ لا بل هناك البعض ممّن يعيش هوس صور الفتن والملاحم ودابق ويأجوج ومأجوج وفتح رومية. وتتم صياغة عملية لهذا كله بتوسل لغة الشريعة، ويفترض أنّ لهذه الرؤية الشرعية أن تكون بدهية وشاملة لكافة البشر الموجودين فعلاً.

بعض أغلفة كتب عزيز العظمة وجلها في قضايا الفلسفة والتاريخ والإسلام

هنا يكمن التجريد والاستلاب عن الممارسات الاجتماعية حيث تعتزل الجماعات الجهادية البشر وتعزل نفسها، حاوية خليطاً كبيراً من «المهاجرين والغرباء»، من القفقاس وبريطانيا وماليزيا جنباً إلى جنب مع المال من الخارج (ينبغي على المرء أن لا ينسى أبداً، مرة أخرى، أن الميليشيات أرباب عمل)؛ ويتفاعل هذا كله مع البنى المحلية التي تُقدِم على تحالفات محلية، والتي غالباً ما تكون انتهازية لكلا الطرفين، تتضمن امتيازات محلية للجماعات المحلية وقدراً من الحماية (حتى وإنْ كانت هذه الحماية غير مؤكدة أو غير مستقرة) من عمليات النهب التي ترتكبها الجماعات الجهادية نفسها، سواء أكانت محلية أو غريبة على حد سواء، و الاستيلاء على المرافق العامّة.

في سياق القرية أو القبيلة فإنّ المرأة التي تخطئ جنسياً في كثير من أرجاء سوريا تُعتبر مصدراً للعيب والعار باعتبار اجتماعي وليس قانونياً. كما أنّ معاقبتها في ظل مثل هذه الشروط مرتبطٌ بالشرف في سياق العلاقات والعقوبات الاجتماعية المحلية، وليس بنظام قانوني. إلا أنّ الجهاديين يتحدثون عن الحرام. وهنا يشار إلى الأسلمة الدّابة في مجتمعاتنا حينما يحلّ «الحرام» بديلاً عن «العيب»، هذا على الرغم من أنه يجب أنْ أشير إلى أنّ المفردات الدينية-القانونية التقنية قد تغدو عامية ودنيوية؛ هكذا نجد «يا حرام!» و«حرام عليك!»، ومثل هذه التعبيرات غيرها التي تشير إلى التعاطف والشفقة واللوم دون الإشارة إلى الدين أو إلى الشريعة. إنّ مثل هذين السجلين اللغويين الاجتماعيين يعزز كلّ منهما الآخر، ويستبدل كلّ منهما الآخرَ، أو يبقى متميزاً تماماً، وذلك وفقاً للشروط.

ما الذي حدث؟

اسمح لي أن أنهي هذا المحور بهذه الملاحظة التساؤلية. أليس هناك من اقتراب فيما قلته وبين ما كان يقول به إرنست غيلنر؟ أقصد على نحو محدد أنّ الأصولية تصعد من المدينة، بقوتها والكاريزما التي تمتلكها في الإحياء والبعث، من خلال العلماء والطهرانيين الذين يلعبون دور مجددي الدين، وهؤلاء يتحالفون مع أو هم بالأصل منخرطون مع برجوازيات المدينة، إلا أنّ الأصولية هنا لا تكتسب موطئ قدم إلا من خلال عناصر لها من أهل الريف أو الهوامش أو الإسلام القبائلي… الخ، والذين يمثلون تعبيرات الإسلام الشعبي؟

العظمة: لا، ليست المسألة تماماً كما هي عند غيلنر، فرؤيته غير تاريخية، كما أنّ العُنصرَين في نظرية البندول المشهورة التي قدمها هما من الأنواع المثالية خارج الزمن، وقد بناهما على تأويل مبالغ به لابن خلدون ولإثنوغرافيا المغرب المعاصر في آن، ثم قَدّم كليهما معاً في نموذج رؤية تفسيرية لا يمكن أنْ تتوافق مع الحقائق التاريخية. وعموماً، فإنني لا أحبّذ مثل تلك الرؤى التبسيطية حول إسلام النخبة وإسلام العامة، وأبني مقالاتي على استقراء الممارسات المحلية المرتبطة بالزمان والمكان.

تقتصر ملاحظاتي على التطورات التي جرت في القرن المنصرم، وهي ترتبط بشكل ملموس باتجاهات الحداثة، وخاصة صعود طبقة جديدة من الأنتلجنسيا الحضرية، التي استمدّت بعض مادتها البشرية من الأرياف أيضاً على صورة غير مسبوقة تاريخياً، وهذا التطور الأخير تمّ في ستينات القرن العشرين. أما ملاحظتي حول الهوامش، فهي مرتبطة بالعقدين أو الثلاثة الماضية، حيث عملت فيها الهوامش وكأنها مجردة عن المكان: إنها موجودة فيزيائياً على أطراف المدن، بيد أنها غير منخرطة في المدن التي تغيرت معالمها على نحو سريع جداً؛ تتظاهر الضواحي الهامشية والعشوائيّة بإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية لمناطق المنشأ، ولكن في ظل ظروف مختلفة، وبالتالي بأساليب وطرق جديدة. هكذا، فإنّ قطاع منطقة الطبالة خارج دمشق ليس مجرد استنساخ للقرى المسيحية في حوران. كما أنّ تلة عليا في المزة [مزة-جبل] ليست مجرد قرية تم نقلها من جبل العلويين.

إنك تطرح عدداً من أشد الأسئلة الملموسة ذات الصلة. لماذا انقلبت أجزاء كبيرة من الريف على الدولة، بعد أن كان قد فضّلها البعث واستقى من بعضها مادة للحزب والمخابرات (حوران) وبعض تشكيلات القوى المسلّحة (بادية حماة)؟ وهنا ينبغي أنْ نتذكر عمليات النهب والإذلال: فإذا ما انقلبت النفوس والأمزجة في أجزاء من حوران، التي كانت مصدراً لرجال المخابرات وقوى أخرى على الدولة، فإنه ينبغي للمرء أنْ يفكر أيضاً في عبارات بسيطة أنه منذ بداية الحراك كل هذه العوامل قد اتخذت زخماً خاصاً عندما تفجرّت سمة خاصة تعزى للحورانيين «طلعت حورانيّتهم» (كما يصطلح السوريون غير الحوارنة على ذلك). إنّ المناطق التي كانت خاضعة لنهب النظام منذ 2011، لم تترك للسكان (ومن تبقّى من السكان) سوى الاستياء والإذلال والإهانة والفاقة؛ وهذا، بشكل ما يختصر الأربعين سنة الماضية في التاريخ السوري الذي تدهور فيه الشعور القومي والكرامة الشخصية والشعور الطبيعي بالتضامن بين الناس إلى مستويات بدائية أسفرت عن الرغبة في الانتقام الخالص والأعمى، مع تهتّك بيّن للقيم ومنها قيم المواطنة والمصلحة العامة والوطنيّة والتكافل الاجتماعي المدعوّة أحيانا بالنخوة (عادت الأخيرة للبروز والفعل المتقطّعين أيّام الحراك).

الهوامش في العقدين أو الثلاثة الماضية عملت وكأنها مجردة عن المكان: إنها موجودة فيزيائياً على أطراف المدن، بيد أنها غير منخرطة في المدن التي تغيرت معالمها على نحو سريع جداً

وليس من المستغرب أنّ أجزاء كبيرة من حلب وأماكن أخرى كثيرة لم تنضم للحراك وأن ما حسب منها تالياً في خانة الثورة احتلّ من ميليشيات قدمت من ريف المدينة: النظام السوري لديه جذور وروابط اجتماعية، سواء أحببنا هذه الحقيقة أم لا، وكانت لديه مثل هذه الروابط في 1979-1981، ولا يزال يمتلكها بعد أن توسع بعضها وضمر البعض الآخر. وثمة أجزاء من الريف على حدود الصحراء، وخاصة في الشرق، كانت مناطق ذات أهمية للتجنيد العسكري بين الشوايا. إن الكثير من هؤلاء قد حوّل وجهة تحالفه إلى جهة داعش، الأمر الذي يمكن مقارنته بمرونة تشكيل التحالفات بين القبائل في غرب العراق، في أعقاب النزوع إلى تشكيل الجيوش الخاصة التي دعيت بالصحوة. وفي هذه انكسار الرابط الوطني لصالح الرابط الأهلي. وإن استخدام الحشد الشعبي في العراق، على ما هو معروف عنه من الدموية الطائفية، لا بد وأنه سيدفع بالكثيرين من ضحاياه السنة إلى التعاطف مع داعش والانضمام إليه.

ولكن ذلك يجب ألاّ يؤدي بنا إلى إهمال وقائع أنتجتها الحرب وخصوصاً دور الحرس الثوري الإيراني وأجهزته فيما يدّعي بفخر أنه نشر للثورة الإسلامية على حدود إسرائيل: ثمة ما يشي بتغيير متعمد للخارطة الديمغرافية في سوريا: ما بقي في حمص إلاّ عدد قليل من سكانه، ونرى أن حزب الله يعمل على ألاّ يعود أهل القلمون إلى قراهم بعد تدمير الأراضي الزراعية وقطع 10.000 شجرة مثمرة فيه. لعل الإيرانيين راغبون في استكمال ما بدأه حافظ الأسد عندما التمس موسى الصدر لاعتبار العلويين شيعة اثنا عشرية، وتعميم ذلك على قطاعات أوسع من الشعب السوري باسم تصدير الثورة الإسلامية، وربما رغبوا أن يشهدوا يوماً ما زوجة الرئيس الأسد مرتدية التشادور.

الرأي الذي يسود اليوم، وبخاصة في مراكز البحوث الأوروبية والأميركية، أنه يجب أنْ تأخذ هذه الأحزاب الإسلامية، ذات الطابع السياسي لا الحركي والعنفي، فرصتَها في أنْ تشارك بالمسار التحولي الديمقراطي وأنْ يكون صندوق الاقتراع هو الذي يحكم بين الأحزاب المختلفة. هل أنت مع هذا الرأي؟

العظمة: لا، بالطبع لا، إنني لا أتفق مع هذا الرأي. لقد مثّل هذا رأياً مستقراً لسنوات عديدة من قبل الحكومات الأوروبية والأميركية والرأي العام، والكثيرون منا كذلك. وقد أشرت إلى هذا كثيراً في سياق هذا الحوار. رؤية معيارية، إلا أنها رؤية تعرضت للكثير من الاضطراب في العامين الماضيين بسبب ما حدث في مصر وليبيا، وما يحدث في سوريا. ولم يعد يبدو هذا واضحاً جداً في أوروبا وبديهياً كما حدث في السنوات الثلاث الماضية. وإلى جانب ذلك، فإنّ فكرة الاستبداد، أو على الأقل السلطوية، تصبح أفضل تمأسساً من رؤى الحركة الحتمية نحو الديمقراطية، واندفاع اليوتوبيا المنجزة ونهاية التاريخ التي أتت مع نهاية الحرب الباردة. ما أصبح أكثر تمأسساً ورسوخاً هو فكرة أنّ الأنظمة الديمقراطية ربما كانت شاذة تاريخياً. كما أنّ الالتجاء إلى الإسلاميين كمنقذين ديمقراطيين يفقد جاذبيته، ليس أقله لأنّ الإسلاميين قد فقدوا بأنفسهم مصداقيتهم على نحو جديّ في السنوات الثلاث الماضية، وتشعر الحكومات الغربية (كما هو حال بعض الدول الخليجية) أنها قد لُدغت من المخلوقات السياسية التي جعلوها ممكنةً وقاموا برعايتها.

الكراهية والموت

اسمح لي الأستاذ عزيز أنْ أسألك على نحو مباشر أكثر: هل ترى أنّ الإسلام بات يشكل اليوم مشكلة عالمية؟

العظمة: بدلاً من أن يكون الإسلام، كما يحلو للبعض أن يتصور، بلسماً للعالم، وحلاً لمشاكله جمعياً، نجد أنفسنا اليوم وبعد عقدين من الغلو والتمدد العالميين في وضع أضحت فيه الكثير من ممارسات وتصورات هذا الدين مشاكل في كل مكان، إنه مشكلة للمسلمين وللآخرين، وبالفعل خطر في كل مكان، وهو الأمر الذي يتطلب، بشكل واضح وواضح جداً، وفيما يتجاوز الخطابية والكلام العاطفي والحماسي الاعتذاري والتبريري، تدخلاً جماعياً. صحيح أنّ الإرهاب ليس مقتصراً على المسلمين، وأن التفجيرات الانتحارية تمارس من قبل آخرين كذلك، الكاميكازي kamikaze في الحرب العالمية الثانية أو سناء محيدلي العضو اللبنانية في الحزب القومي السوري التي فجرت نفسها مع الجنود الإسرائيليين في جزين سنة 1985 أو فتاة نمور التاميل التي اغتالت بحزام ناسف رئيس وزراء الهند راجيف غاندي في عام 1991؛ ودعنا لا ننسى آرين ميركان التي فجرت نفسها لإزالة موقع لداعش في عين العرب في أكتوبر 2014. وكما يمكن للمرء النظر على نحو واضح إلى الدافع الديني في هجمات غاز السارين في ميترو طوكيو من قبل طائفة الأومو شينريكيو عام 1995 وقتلت نحو ثلاثة عشر شخصاً، أو تفجير أوكلاهوما في الولايات المتحدة من قبل الرجلين الأبيضين الذين حملا جرعة من التعصب مثل داعش وحملا مثلها هلوسات تتناول الفتن والملاحم الأخروية التي لا تبقي إلا على المنتصر، الجنس الأبيض، بعد تدمير كل ما يتبقى. وهذا الأخير ما عبر عنه في كتاب سنة 1978 تحت عنوان The Turner Diaries. ولكن بالرغم من ذلك فإنّه من الجليّ أنّ معظم الأعمال الإرهابية تخطط وتنفذ من قبل مسلمين تحت مظلة الإسلام وتستخدم حججاً دينية إسلامية. وإلى جانب ذلك، فإنّ فتاة نمور التاميل وسناء محيدلي كانت لهما أهداف محددة وعدو متعيّن، ولم تمارسا قتلاً عشوائياً وما قامتا بأعمال ضد الإنسانية جمعاء، أعمال محملة بكراهية نرجسية وحب مرضي للموت.

تحولات الجغرافية والبشر

هل هناك من شيء ترغب بإضافته فيما يخص مسار الصعود الأصولي في البلاد العربية؟

العظمة: إنه من الصعب التنبؤ بالنتائج، بالنظر إلى النسيج المعقد للعمليات المحلية من الاضطراب الاجتماعي والسياسي والتصحر الثقافي ووجود المنظمات ذات البنى التحتية الكبيرة التي تساعدها وتقويها وتشدّ من أزرها مجموعات متنوعة من الجهات الفاعلة، المحلية والعربية والدولية. بشكل واضح، لا يمكن، من الناحية الموضوعية، أن تحل مشاكل سوريا من قبل السوريين، ولا حتى مشاكل العراق أيضاً من قبل العراقيين، حيث دمرت تلك البلدان إلى درجة كبيرة من الهشاشة وعدم الاستقرار مع آفاق غير واضحة، إنها هشاشة وعدم استقرار تتواطأ فيهما العناصر المحلية والخارجية، وكل منهما يعزز نقاط الضعف في الآخر.

التطورات التي جرت في القرن المنصرم، وهي ترتبط بشكل ملموس باتجاهات الحداثة، وخاصة صعود طبقة جديدة من الأنتلجنسيا الحضرية، التي استمدّت بعض مادتها البشرية من الأرياف أيضاً على صورة غير مسبوقة تاريخياً

كل ما يمكن قوله هو أن هذه الحروب المتعددة، الأهلية منها وغير الأهليّة، في سوريا ستستمرّ، ومن غير المرجح أنْ تكون قصيرة أو أنْ يظهر تحسن أو استقرار في الفترة القريبة القادمة. والأسوأ هو تقوية الوضع الأصولي، وتفاقم العمليات الجارية على الأرض التي نوقشت أعلاه. في نهاية المطاف، فإن النتيجة ستعتمد على الفائزين: إذا كان هناك فائزون، إذ أن الحديث عمّا تبقى بعد استنفاد كل الأطراف والبلد الذي فقد الآن أكثر من نصف سكانه والجزء الأكبر من بنيته التحتيّة (الخسارة حتى عام 2014 تقدّر بـ145 مليار دولار)، والذي لم يعد له، في نهاية المطاف، من أهمية بحد ذاته، وفقد كونه مكاناً، مع أجسام وطنية تم اقتلاعها أو تمزقت جسدياً؛ النظام التعليمي ضمر وهزل، لا بل لم يعد له وجود في العديد من أجزاء البلد، مع تفشي الأمراض التي كان قد قضي عليها وارتبطت بالتخلف والفقر، وتدهور النواحي الأخرى من الصحة العامة (هبط معدّل السن لدى الوفاة إلى 55.7 عام 2014)، و هجرة ما زاد الآن على نصف الـ36000 طبيب العاملين فيها. كما أنّه سيتسارع الميل إلى فقدان البلد لمواطنيه الواعدين. المقارنة النهائية، في هذه النواحي ونواح أخرى بما في ذلك الانحدار الاجتماعي والثقافي، هي المقارنة مع أفغانستان والصومال واليمن.

ما تبقى من سوريا هو الموقع الجغرافي بالحدود المعترف بها بموجب القانون الدولي، والمفاصل الداخلية منها -الاجتماعية والإقليمية والاقتصادية والسياسية- أصبحت، إلى حد كبير، مدمرة ومنعزلة عن بعضها البعض. كما أنّ الانجراف الأصولي هو على حد سواء من أعراض هذا الدمار وعنصر لاستفحاله، ويمثّل اضطراباً قاتلاً للاتجاه التاريخي الذي اتخذته البلاد لأكثر من قرن ونصف. إننا ومع هذا التعليق ننتقل بالدائرة ونرتبط ببداية الحوار الذي شرعنا به.

دعني أستجمع في هذا المقام خيوط ما سبق وأن قلت، وأن أقترح تصوراً لما أرجّح أنه سيحصل في سوريا في المستقبل، أن أستجمع الخيوط وأحرّفها على أسس الناظم الأساسي لها، وهو الوضع على الأرض، و على الصورة المتجلية الآن، أي في نهايات نيسان 2015. و إنني أجازف هنا، وتعزّ عليّ المجازفة السوداوية بتوقّع ما كان لوقت قريب عصيّا على التصوّر وما هو أبشع ما يمكن تصوّره. قد يكون في ذلك انتصاراً للتجربة على الأمل؛ ولكنّ ثمّة سلوى قابعة في أمل غير واضح المعالم وقائم على إدراك تعقّد الوضع في سوريا وفي المجالين العربي والعالمي، ووجود متغيّرات قد تتسارع وتقلب من الوجهة التي تسم ديناميت الوضع الحالي: تحوّل نوعي مستديم في التوازنات العسكرية غير المستقرّة، تحوّل نوعي في السياسات الدولية.

تداخل الإسلام الأصولي والجهادي مع سقوط الأنظمة وتنظيم الفوضى، وشبكات الإرهاب مع أنابيب ومنابع النفط وأزمة الغرب مع مهاجريه، وشبكات الاتصال العالمية، وأجهزة المخابرات المختلفة، والعشائر المتجددة، وفساد المقاومة، والهويات القاتلة والخطابات السياسية المتقادمة. الحاصل أن أي تفكير في مستقبل سوريا ينبغي أن ينطلق من هذه المعطيات وليس من وهم الاستمرار في عمليات سياسية فقدت أسسها البنيوية والديمغرافية، فقد أضحت أجزاء كبيرة من سوريا مجرّد مواضع ونقاط تقاطع الطول والعرض دون عمران: أشك في أن المهجرين سيعودون، والأرجح أنهم سيصبحون بروليتاريا رثة شاملة للمنطقة. وإذا استثنينا غزوا عربيا- عالميا لسوريا (أو نصرا للميليشيات الجهادية المدعومة تركيّاً وخليجياً، تتلوه مذابح طائفيّة) تال لتضعضع الموقف العسكري للنظام في ربيع 2015 واهتزاز إيران بعد قصف الحوثيين، فإنه لن يتبقى لدينا من قوى تقوم على إعادة اختراع سوريا إلا القوى في مناطق سيطرتها حيث تدار الفوضى، مع شيء من الأخذ والرد والكر والفر مع قوى النظام. بموازاة ذلك لدينا النظام، ولكنه أصبح الآن نظاماً تكاثرت عناصره الداخلية ومراكز السلطة فيه ولذلك فإن أيّ تسوية قد تؤدي إلى إعادة اختراع البلد تقتضي إرضاء القوى التي أنقذت النظام: الشبّيحة، وإيران، والميليشيات الأجنبية في سياق نظام ميليشياوي مافيوي، والوسائط في التعاملات الاقتصادية (كالنفط بين داعش والنظام بوساطة السيد جورج حسواني). هناك بوادر لإسكان العناصر الميليشياوية المعبأة طائفياً في دمشق القديمة، وتشييع بعض ضواحي لدمشق وغير دمشق. والمرجّح أن تتم عملية تشييع لبسطاء الناس الباقين في مناطق أساسية من البلاد، ولم يفت بعض قادة الميليشيات تذكيرنا بأن جل سوريا كان شيعيا حتى العصر الأيوبي (بِنِحَل مختلفة). ليس لي اعتراض على التشييع، وعلى تبديل الإنسان لدينه أو الانخلاع عن الدين بالكليّة، ولست معنياً بكون أكثرية سوريا سنّية أم شيعية. اعتراضي على جعل سوريا سنية أو شيعية، أي على أنْ يُجعل للوطن نِحلة. فلا أريد لسوريا أن تكون هذا ولا ذاك إذ أن ما أريد لها هو أن تكون سوريا لا يصفها دين ولا تصفها نحلة أو طائفة. أما شكل النظام المتحول والمعتضد بالميليشيات والشبيحة، فإن صورته ستعتمد في تصوري على من سيربح الصراع على سوريا داخل إيران وبين أجنحة النظام الإيراني، وذلك بعد أن يقرر أرباب القصر في دمشق التخلي نهائيّاً عن المناطق الشرقية وبعض المناطق الشمالية والجنوبية لمن هو قادر على الاستبداد بها. قد تتخذ البلد الواحد من شكلين: إما دولة ذات مظهر علماني، مع طابع أهلي ذي غالبية شيعية (والافتراض هنا هو أن المهجرين لن يعودوا- انظر مثال حمص- بل سيتبددون)، وإما دولة تلتزم ضوابط الحرس الثوري الإيراني. إن ما قاله بشّار الأسد يوم 8 /5 /2015 لهو ذو دلالة على معرفته بدستور بلاده وبفهمه للتناظر الدستوري مع إيران. فهو ادّعى أن الدستور السوري ينصّ على كون الشريعة مصدراً أساسيا للدستور (وهذا غير صحيح: إن الدستور السوري النافذ يعتبر الفقه الإسلامي أحد مصادر التشريع، و البون بين الاثنين واسع)، ووجد في ذلك مقابلاً فيما يتعلّق بشكل الحكم لمبدأ ولاية الفقيه.

كان خوسيه كازانوفا قد رأى حديثاً أنّ أيّ نقاش في العلمانية يتوجب عليه الأخذ بالاعتبار أنها انبثقت أولاً كـ«تصنيف ثيولوجي للمسيحية الغربية، ولم يكن لها مماثل في التراثات الدينية الأخرى، حتى في المسيحية الشرقية». وهو بنفس المسار يؤكد أن «الحداثة الغربية العلمانية هي أساساً وحتمياً ما بعد مسيحية». ألا ترى أنّ مثل هذه التأكيدات الآن التي تنتشر على نطاق واسع في ميادين الدرس الغربي تنسجم مع تلك المقولات الستاتيكية التي كانت تصعد، وما زالت، في البيئات الأصولية الإسلامية والتي تشدد على أنّ العلمانية لها «مسار غربي خاص»، قامت أساساً ضمن سياق الصراع الديني الغربي ولا علاقة لنا به… الخ؟ أين يقع بالضبط هذا التناغم؟

العظمة:: نعم أتفق مع هذا تماماً. موقف كازانوفا ليس فريداً في هذا ويشترك فيه العديد، وهو في فحواه ومعناه ومقصده خطابي وجدالي. إنه يفتقر إلى أيّ أساس في واقع التاريخ الذي نراه هنا مفصّلاً وفق هوى أيديولوجي. بيد أنه مع ذلك منتشر على نطاق واسع. كما أنه يتموضع في تناقض افتراضي بين تواريخ يفترض أنها مغلقة غير متعدّية، يُدعى أحد هذه التواريخ بـ«الغربي»، والآخر بـ«الشرقي»، واحد غربي، الآخر مسلم، واحد مسيحي، والآخر مسلم: وكل هذه الآراء شائعة جداً، ومن السهل مباشرة تصريفها على نحو أيديولوجي. حيث إنها تستخدم في سياق أطروحة صراع أو حرب الحضارات، أو في نظيرتها أطروحة الحوار الحضاري. كما أنّها تعبير استشراقي قديم جداً كذلك، يسعى للتوكيد على أنّ العلمانية ليست غربية فحسب، بل إنها مستحيلة في المناطق الأخرى. ومن المهم أنْ نذكر أنّ هذه الأطروحة تخلط بالأسلوب المعتاد بين الجذور المفترضة والنتائج الآيلة. لكن أيضاً هذه الأطروحة هي من التعبيرات الإسلامية القديمة والمستمرة. والحال، أنّه لطالما كان الإسلاميون والمستشرقون من الأجيال السابقة يعكس كلّ منهما الآخر. فكلاهما يخلط الجذور بالنتائج، وكلاهما يفترض أن هذه الأصول المفترضة هي دينية حصراً، يتم تقليصها إلى نص مقدس. كلاهما يتحدث عن الشروط الثقافية أو الأسس الحضارية التي لا تتغير مع مرور الزمن.

وفي الوقت الحالي، نجد أنّ كلا هذين الطرفين قد تعزز بعد نهاية الحرب الباردة، مع ضمور الفاعليات التمدينية للدولة وانحسار الآفاق التطورية في الاقتصاد والمجتمع، مع ذوبان نصاب المدنية في الروابط الأهلية، كل ذلك جنباً إلى جنب مع سياسات الهوية والدم والأصل. ينخرط كازانوفا، وغيره الكثيرون الذين يقدمون وجهات نظر متشابهة، في جدال ضد أفكار التنوير، وبعضهم على نحو واضح من منظور كاثوليكي اعتذاري يعتقد أنه يؤكد نفسه بنفيه للواقع الذي يراه نقيضاً له. وبالتالي، فإنّ «التناغم» الذي تشير إليه هو تناغم تصوري، وهو ليس جديداً بل هو يناظر استشراق القرن التاسع عشر الذي عكس صورة الدين الإسلامي من مرآة الإصلاح اليهودي، ولاحقاً الإصلاح الإسلامي (إن ذلك التراث الذي ينطلق من الكتاب على شاكلة، النموذج البروتستانتي، أما التاريخ فهو شأن عرضي في هذا الشأن). هو ليس جديداً، ولكنه وليد ظرف معين. إذ أنه نشأ من الشروط التي تلت الحرب الباردة، الشروط التي يمكن أنْ نطلق عليها عبارة سياسات الهويّة.

أما بالنسبة إلى أولئك المثقفين العرب غير الإسلاميين الذين افتتنوا بهذه الآراء حول إمكانيات واستحالات العلمانية، وهم كثر، فإنني أريد أنْ أقول أنّ هذه الآراء قد ساهمت في الواقع إلى حد كبير في انتقال الأفكار الإسلامية حول مجتمعاتنا تاريخياً ومستقبلاً من الهامش إلى المركز، وذلك بتلقّيها وتمثّلها لمقالات الإسلاميين حول ماضينا وحاضرنا ورفعها إلى منزلة المسلّمات. لقد كان البعض مدفوعاً بانطباعات سطحية تم استجماعها تحت ضغط تحولات الدين في العقود الماضية. انتقد العديد من هؤلاء فكرة العلمانية على نحو غير مختلف في المضمون عن نقد الإخوان المسلمين لها. اعتقد آخرون أنّ ذلك عماد فهلوة سياسية موجهة إلى «الشارع» الذي اعتبر مفطوراً على التديّن بمعناه الأصولي ومطبوعاً على التخلّف والفوات، مما ساعد في تحول الشارع إلى الإسلامية: هذه هي الحال في ممالئة جمهور مفترض من قبلِ أشخاص ليس لديهم جمهور ويتخيلون الجمهور وفقاً لقالب أيديولوجي شعبوي.

بالطبع، هذا تقصير في الواجب التثقيفي للمثقف، والذي يزداد سوءاً طالما أنّ هؤلاء المثقفين يعتقدون أنّ هذا الجمهور مطبوع على عدد من الميول والسجايا القارة، وأنه بطبيعته متخلّف ومناهض للتقدم. إننا نجد أموراً لا تختلف في هذا القبيل في جانب العديد من المثقفين العلمانيين الأتراك، والذين اعتقدوا أنه من الشطارة الوقوف إلى جانب أردوغان ضد العسكر والقوى العلمانية التركية، والذين يعضّون أصابعهم ندماً الآن. مثل ذلك العالم الوهمي غير المسؤول يستمر اليوم: بمنح هذه السنة جائزة ابن رشد لراشد الغنوشي، وذلك لأسباب يمكن للمرء عزوها إما إلى حكمة لدنيّة لست قادراً على استكناهها، وإما إلى البلاهة أو الخرف؛ هناك مجال كبير للاجتهاد هنا حول هذا السلوك الذي حط من قدر هذه الجائزة.

استشراق وأصالة

فقط لتذكير القارئ، فهناك عنوان مهم لك هو “استشراق الأصالة” ضمن كتابك “التراث بين السلطان والتاريخ”، حيث تناول ذلك التقاطع الاستشراقي-الأصولي الذي تحدثت عنه في ميدان الثقافة والإحالة إليها وما إليه. أنا بصراحة كنت متفاجئاً إلى حد ما بآراء كازانوفا الأخيرة الفاقعة جداً، وهو عالم اجتماع كانت له جهود مهمة جداً في مسائل «الدين العام» و«الدين الخاص». وما زلتُ أدين له بإفاداته في هذه الجهود. على أيّ حال، طالما أننا دخلنا في هذه النقطة على نحو مباشر، دعني أسألك: ألا يمكن للفضاء الديني الأصولي، ومن “داخله” أنْ يُعلمن توجهه؟ أليس هذا ما حدث في علمانية الفضاء الأنغلو-ساكسوني، وما لم يحدث في اللائكية الفرنسية؟ أليس هذا هو ما يُمكّن الباحثين من الحديث عن تصنيفين اثنين للعلمانية في المسار الغربي (وربما يضيفون العلمانية الدستورية الأميركية، وكذا الهندية)؟ عن علمانية بروتستانتية، وعن لائكية كاثوليكية فرنسية، لائكية حادة، يعقوبية؟ ربما بالفعل كازانوفا يقصد هذا في بعض المناحي له (إنني غير متوافق معه على الإطلاق لكن فقط لإضاءة ومناقشة هذه النقطة): كيف أنّ العلمانية الأنغلو-ساكسونية قامت أولاً كرد على الثنائيات التي يعبق بها الفضاء الديني من داخل الكنيسة، في حين أنّ اللائكية الفرنسية اتخذت مساراً آخر. لكن، بنفس الوقت إنني لاحظت سابقاً في هذا الحوار أنك تشير إلى أنّ بريطانيا هي «واحدة من أكثر الدول علمانية تماماً في العالم» (رغم استمرار التزام ملكيتها بخط تنصيب الكنيسة). هذا الكلام ربما يتوقف عنده كثيرون. لا شك أنّ العملية التاريخية هي في النهاية ما تُجبر هذا الفضاء الديني على الانصياع لحركة التاريخ وتقدمه، وبخاصة أن الفضاء الديني عموماً فضاء مطاطي مرن يتحول لونه مع التغييرات التاريخية.

لكن، إذا لم يكن للفضاء الديني من دور تأثيري في السياق الغربي على المسار العلماني، لماذا إذن هناك مساران للعلمانية، لائكية يعقوبية فرنسية، وأخرى أنغلو-أكسونية؟

العظمة: التشوه الأساسي في توجهات آراء كازانوفا، والآراء الأخرى التي تعرضها حول الاختلافات بين العلمانية الكاثوليكية والعلمانية الأنغلو-ساكسونية (وبالطبع، لا بد من التسجيل منذ البداية أن شروط المقابلة هذه تمثل مشكلةً: أحد الطرفين يعرّف بالانتماء الكنسي الكاثوليكي، والآخر بالانتماء اللغوي والجغرافي) هو أننا نرى فيها طبائع العمران معكوسة. ليست العقائد هي التي تحرك التاريخ، بل التاريخ هو ما يجعل العقائد ملائمة لأزمنة وأمكنة محددة. إنّ الافتراض بانفصال المسارات الكاثوليكية والأنغلو-ساكسونية للعلمانية، وعدم إمكانية جمعهما تحت مظلة مفهوم واحد يستغرقهما، هو افتراض غير مفيد يستبطن قولاً بالحتمية الثقافية، ويهمّش العمليات الاجتماعية والسياسية والمعرفية الفعلية ويعطي العمليات الافتراضية أو الثقافية المتخيّلة أولوية عليها، بل هو أيضاً ضمناً إنكار للتحول التاريخي ولوجود القطيعات التاريخية.

وبصرف النظر عن هذا، ثمة العديد من التفاصيل (ويطيب للشيطان المقام في التفاصيل) تشير إلى انتهاج نمطية انطباعية في النظر إلى القضايا التي يتم تقديمها. يمكن القول حول العلمانية الأنغلو-سكسونية المزعومة إنه بينما العلمانية الدستورية للولايات المتحدة الأميركية عملت على استقلال الممارسات والمؤسسات الدينية والطوائف المختلفة من سيطرة الدولة، علينا أنْ نلاحظ أنّ بريطانيا، رغم أنه من المحتمل أنْها أكثر الدول علمانيةً، هي بلدٌ له كنيسة دولة رسمية يرأسها ملوك وملكات المملكة المتحدة، وإن بريطانيا دولة يقرر فيها البرلمان -وليس الكنيسة أو الشعب- العقائد الرسمية لكنيسة إنكلترا.

لطالما كان الإسلاميون والمستشرقون من الأجيال السابقة يعكس كلّ منهما الآخر. فكلاهما يخلط الجذور بالنتائج، وكلاهما يفترض أن هذه الأصول المفترضة هي دينية حصراً، يتم تقليصها إلى نص مقدس

اليمين الديني الأميركي

دعنا هنا لا ننسى كيف أنّ اليمين الديني في الولايات المتحدة منذ أيام ريغان أضحى يحاول استخدام الدولة كأداة. لهذا، فإنّ بريطانيا هي دستورياً نقيض الولايات المتحدة في هذا المضمار. أما التمايزات والاختلافات هذه فهي عائدة للمسارات المختلفة للتطورات الاجتماعية والسياسية في البلدان المعنية التي تتشارك في البروتستانتية (على الأقل من حيث الأساس في الولايات المتحدة: فالبروتستانتية مخففة في كنيسة الدولة البريطانية، وتدعى طقوسها الأكثر رسمية في الواقع بالأنغلو-كاثوليكية). لقد قام الملوك البريطانيون في القرن السادس عشر بعلمنة ممتلكات الكنيسة وأخضعوا الكنيسة للملك. وبهذا المعنى، ترتبط الدولة بالمؤسسة الكهنوتية بشكل مضارع لما كان عليه الحال في الإمبراطورية العثمانية في علاقة السلطان مع الفرق والطوائف والكنائس كافة، ونحن في سوريا وتونس ومصر ورثة ذلك.

وأخيراً، إذا ما نُظر عن كثب في سؤالك ينتاب المرء تساؤل عما هو المقصود بـ«الثنائية» في الحقل الديني في الكاثوليكية. لقد كانت الكاثوليكية، وحتى المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينات، تعاند بحزم التيارات الرئيسية للتاريخ من أواخر القرن الثامن عشر فصاعداً. وإذا ما نظرنا إلى الوراء في التاريخ، نجد أن الكنيسة اتخذت طابعاً ملكياً (وفي الواقع، ولعدة قرون، كان الباباوات من الناحية الوظيفية ملوك معظم إيطاليا)، بينما نجد أنّ الملكية في أوروبا في العصور الوسطى وحتى في وقت حديث اتخذت طابعاً إكليريكياً. أما كون العلمانية الفرنسية كانت نشطة وقوية جداً فهذا من نتاج مقاومة الكنيسة الإمبراطورية التطلع لنتائج الثورة الفرنسية، وقبل ذلك مقاومتها محاولات القصر للسيطرة عليها: ولكن دعنا نتذكر أنّ الأمر قد تطلب أكثر من قرن، حتى سنة 1905، لكي يُنص على العلمانية في الدستور الفرنسي (المادة الأولى). لقد شهد القرن التاسع عشر سلسلة من النزاعات والمفاوضات بين الكنيسة الكاثوليكية والدولة الفرنسية في سياقات اجتماعية وسياسية بالغة السعة والتنوع. أما إيطاليا الموحّدة في القرن التاسع عشر فقد احتاجت إلى التغلب على الدولة البابوية من أجل استكمال عملية التوحيد الوطني. الحال في إسبانيا أنها تعلمنت أساساً بعد فرانكو، وذلك بعد فترة من التعاون الوثيق للغاية بين الكنيسة الكاثوليكية والفاشية، وبأثر من تطور المجتمع بسرعة بالغة.

لهذا، لا يمكننا في الحقيقة أن ننمّط ونبسّط، لأن هذا يجعلنا عرضة للهجمات السجالية والشتائم الأيديولوجية. أما بالنسبة إلى إشارتك أن النسوية قد ولدت من داخل الكنيسة، فلا أعلم بالضبط ما الذي تشير إليه.

الحوار جزء من حوار أوسع يصدر هذا الشهر في كتاب عن دار رياض الريس في بيروت