'الروائي الساذج والحساس' أورهان باموق

يحتلّ أورهان باموق، المولود في مدينة إسطنبول عام 1952 والحائز على جائز نوبل عام 2006، مكانة طيبة لدى القارئ التركي، فكثيرٌ من رواياته حقّقت مستويات عالية في التوزيع، كما أنّ باموق مهمومٌ لحدٍّ بعيد بجغرافية الأماكن والبشر، وأصدر باموق العديد من الرِّوايات المهمّة مثل: جودت بك وأبناؤه، وإسطنبول مدينة الذكريات، وثلج، ومتحف البراءة، والقلعة البيضاء وغيرها.

الجديد  ممدوح فراج النابي [نُشر في 01/12/2015، العدد: 11، ص(150)]

في أحدث كتبه صدورًا بعنوان” الروائي السّاذج والروائي الحسّاس الذي ترجمته ميادة خليل وصدر عن دار الجمل ببيروت 2015، وهو الكتاب الذي يحوي «محاضراته المتعلقة بالرواية التي ألقاها في جامعة “هارفرد” عام 2009»، يقدّم لنا هذه المرة ليس سيرته أو سيرة إسطنبول، وإنما سيرة الكتابة وكيف تحوّلت الصُّور الذهنية لهذه الروايات إلى كلمات؟ ثمّ السؤال الأهم كيف نقرأ الرواية؟ ومَن هو القارئ الساّذج والقاري الحسّاس؟ ماذا يدور في خلد الكاتب عن القارئ؟ وكيف يخطِّط لروايته؟ وما هو محور الرواية؟ أيّ أجزاء الرواية يمثل الحقيقة وأيها خيال؟

سيرة الكتابة جزءٌ مهمّ لفهم العمل ومع الأسف قليلون الذين مارسوا هذا، وقدّموا كتابات ما قبل النص، كيف خُلقت هذه الشخصيات؟ ومِن أين استقوا المادة الأصلية/أو القماشة التي حاكوا منها نسيج هذه الرواية؟ وكيف رُكِّبَتْ هذه العناصر، وكيف جاء هذا المشهد الوصفي للمكان، هل يتطابق مع الواقع أم أنّه لا يمتّ له بصِلة؟

يتحدّث باموق عن أسلوبه في كتابة الروايات، ولكنه لا يطرح أفكاره بشكل شخصي، أو بالأحرى، لم يكن هدفه تقديم تجربته الشخصية مع الرواية، بل أراد تقديم أمثلة واقعية من حياته الشخصية كروائي، بالإضافة إلى ما عرفه من خلال القراءة عن روائيين آخرين كقارئ وروائي. فهو يضع مشاعر القارئ السّاذج والحسّاس في مقابل مشاعر الرِّوائي السّاذج والحسّاس، والفارق بينهما أن القارئ والروائي الساذج هو الذي لا يولي الأساليب والنواحي الفنية للرواية عناية، بعكس الروائي والقارئ الحساس أو العاطفي أو المتأمل، فهو يولي اهتمامًا كبيًرا للأساليب الروائية والطريقة التي يعمل بها عقل القارئ. إن المصطلحين في الأصل ليسا من اختراع باموق وإنما هما في الأصل من مقالٍ للشاعر الألماني شيلر حينما فرّق بين شعراء عصره آنذاك.

الروائي والقارئ

في المحاضرة الأولى التي جاءت بعنوان: كيف تعمل عقولنا عندما نقرأ رواية؟ يقرُّ باموق في بادئ الأمر بأن الروايات حياة ثانية مثل الأحلام التي تحدّث عنها الشاعر الفرنسي جيرارد نيرفال، فالتأثر بالرواية وعالمها الخيالي والواقعي، يأتي من شعورنا بأن عالم الرواية أكثر واقعية من الواقع نفسه. ومن واقع خبرة وصلت إلى أربعين عامًا في القراءة، يرى أن ما تمنحه لنا الرواية عندما نقرأها يختلف عن الإحساس الذي تمنحه لنا الصورة ومشاهدة الفيلم أو عند الإصغاء إلى الشعر حتى لو كان شعرًا ملحميًّا. فالتأثير الفريد الذي منحه إحساس القراءة جعل العالم المادي، الذي كان يعيشه في حي بشيكتاش في إسطنبول مع الحركة التي فيه والمختلطة بأصوات لعب الأطفال وأصوات صفارات العبّارات، كلّه يهرب وينزوي من عقله ليتكشّف عالم جديد تمامًا ويصبح أكثر وضوحًا مثل الرسومات التي تظهر ببطء.

لا يُقدِّم باموق انطباعات ثابتة عن تأثير الرواية عليه أثناء القراءة، وإنما يقدِّم تأثيرات مختلفة لمشاهد قبعت في ذاكرته من أعمال روائيين كبار مثل تولستوي في “آنا كارنينا” أو ستندال في “الأحمر والأسود”، وهو يجعله لا في موقع القارئ بل في اختياراته وتعليلاته وشروحاته أشبه بالناقد، الذي يُحلّل هذه الاستهلالات والمشاهد ووضعية الشخصيات داخل العمل، وفي هذا يقدِّم تحليلات منطقية أشبه بقواعد نظرية، فمثلاً يقول إن “المتعة الحقيقية في قراءة الرواية تبدأ من قابلية رؤية العالم ليس من الخارج، ولكن من خلال عيون الشخصيات التي تستوطن ذلك العالم” (ص، 17).

باموق ناقدا

صورة باموق الروائي الذي يتساءل عن كيفية صياغة مشهد ما تتحول إلى صورة ناقد متمرس يمرِّر آراء نقدية في غاية الأهمية، فيرى أن فكرة المحور هي الأساس الذي تقوم عليه التفرقة بين الرواية والشعر الملحمي بوصفه رواية القرون الوسطى. فالروايات كما يرى تُقدِّم شخصيات أكثر تعقيدًا من شخصيات الملاحم. وفي جانب آخر يُعرِّف الرواية بأنَّها «تركز على الحياة اليومية للناس وتخوض في كل جوانب الحياة اليومية». فمفهوم الرواية عنده يتمثل في استحضار الحياة كما وصفتها الرواية، كما أن الروايات يجب أن تخاطب أفكارنا الأساسية عن الحياة.

ومن أرائه النقدية أن الإبداع الروائي هو خدعةٌ تمكّننا من الحديث عن أنفسنا كأنّنا شخص آخر وعن الآخرين كما لو كُنّا مكانهم. ويرى أنّ الزمن عنصر مهمٌّ في الرواية، فهو الذي يميِّز السّرديات الطويلة كما يقول، لكنه يعتمد الزمن المجرّد الذي هو عنده بمثابة الإطار الذي يوحِّدُ عناصر الرواية، ويجعلها كما لو أنّها في لوحةٍ أو منظر طبيعي، ولكن مِن الصعب رؤية هذا الإطار، ولهذا يحتاج القرَّاء لمساعدة الراوي. وعن فن كتابة الرواية يقول إنه القدرة على فَهم أفكار ومشاعر الأبطال داخل المشهد، ويقصد بالمشهد وسط الأشياء والصور المحيطة بهم ، كما يفرِّق بين الكُتّاب اللفظيين الذين يكونون أكثر في محاكاة خيالنا والكُتّاب البصريون، الذين يخاطبون خيالنا البصري، والرواية عنده في جوهرها خيال أدبي بصري تمارس تأثيرها علينا بصورة خاصة من خلال محاكاة ذكائنا البصري وقدرتنا على رؤية الأشياء في مخيلتنا وتحويل الكلمات إلى صورٍ ذهنيةٍ.

لا يقدِّم الكاتب أفكاره عن الرواية أو الكتابة الروائية في شكل استرسال أو كتابة سيرية رغم أن سيرة الكتابة مُتحقِّقة داخل النص، لكنه يقدِّم وجهات نظره وتساؤلاته عبر تحليلات ومقتبسات وشواهد من أعماله الخاصة وأعمال آخرين، بل يُدعّم تجاربه الخاصّة والاستنتاجات التي وصلت إلى مُسلمات بشواهد من نصوص أخرى تدعمها، فالسؤال المـُلِّح الذي طارده: سيد باموق هل أنت كمال؟ يُقدِّم لنا كجواب عن هذا السؤال منظوراته في أدبه الشخصي كروايته «متحف البراءة» التي كانت سببًا للتساؤل، وأيضًا في الفن السينمائي وكيف أن جمهور السينما أيضًا يربط بين البطلة الحقيقية والشخصية السينمائية متخذًا من النجمة التركية في السبعينات «توركان شوراي»، وتعمداتها هي بعد الفيلم على ترقيع الشّق بين حياتها الخاصة والشخصية، وهو الأمر الذي جعل الجمهور يُصدِّق أن توركان شوراي على الشاشة الفضية تقدّم توركان شوراي في الحياة الواقعية، كما يستشهد بما اشتكى منه روسو في «اعترافاته» أنه بعد كتابته «لجولي أو هلويز الجديدة» فقد صارت النساء محبات له، لاعتقادهن أنّه كَتَبَ عن ذاته البطل الرومانسي. ينتهي باموق مِن هذه الاستشهادات إلى قاعدة قد تقبل الخرق مفادها أننا نحبّ أن نقرأ الرواية من أجل خلط الواقع بالخيال.

الروائي أورهان باموق: متعة قراءة الروايات

الرسم بالكلمات

يصف لنا باموق إحساسه أثناء قراءة الروايات في فترة شبابه: بأنه إحساسٌ مُثيرٌ من الحرية والثقة بالنفس. كما يعترف بأن القول بأن خلق الشخصيات ينبغي أن يكون هو الهدف الرئيسي للروائي يتناقض مع ما نعرفه عن حياتنا اليومية، والدليل أنه مع عمره الذي وصل إلى السابعة والخمسين أثناء كتابة المحاضرات، لم يستطع أن يتعرّف على نوع شخصيته من خلال شخصيات الرواية. فعن شخصية البطل التي يرسمها في أعماله يقول إنها تتخلق «بنفس الطريقة التي تتشكّل بها شخصية الإنسان في الحياة، من خلال الظروف والأحداث التي يعيشها». فالقصة أو الحبكة هي خط يربط بشكل فعّال الظروف المختلفة التي أريد الحديث عنها. فالبطل «هو شخص ما شكّلته هذه الظروف وساعد هو على إظهارها بأسلوب حكائي».(ص،61)

يقصد باموق بالرسم بالكلمات أن يستحضر ذهن القارئ صورة واضحة جدًا ومفهومة من خلال استخدام الكلمات، وهو الأمر الذي جعله لا يستغرب مِن سعي الروائيين الكبار ليكونوا مثل الرسّامين، أو حتى لماذا كانوا يغارون مِن فن الرسم، ولماذا يأسفون على أنّهم لم ينجحوا في الكتابة مثل رسّام. فمهمة كاتب الرواية هي تخييل العالم، عالم يبدأ وجوده كصورة قبل أن يأخذ شكل الكلمات في النهاية. فباموق يُولي عناية كبيرة للصورة، حتى أنه على غرار مقولة الإنجيل “في البدء كانت الكلمة” ينسج عبارته “في البدء يبدو أن هناك صورةً، لكن يجب أن نصفها بالكلمات” (ص، 95)

متاحف اللغة

يرى باموق أنه مثلما تُحافظ المتاحف على الأشياء، فإن الروايات تحافظ على الفروق الدقيقة؛ النبرات وألوان اللغة، التعبير بمصطلحات عامية عن أفكار الناس العادية والطريقة العشوائية حيث يقفز العقل مِن موضوع إلى آخر. كما لا تحفظ الروايات الكلمات، العبارات اللفظية واللغة فقط، ولكنها تسجِّل أيضًا كيفية استخدامها في التعاملات اليوميّة. فتسجيل اللغة اليومية سمة مميزة للنثر الروائي.

ويقارن باموق بين الروايات والمتاحف، ويجد أنهما يتشابهان في الحفظ والخَزْن ومقاومة النسيان، فالقرّاء يجدون مُتعةً عظيمةً في اكتشاف أنّ الرواية تحتوي على جوانبٍ من حياتهم الواقعية، وسبب هذه السّعادة هو الشعور بأن التاريخ ليس فارغًا ودون معنى وأن هناك شيئًا من الحياة التي نعيشها سوف يبقى محفوظًا. وإن كان يجد أن المتعة التي تتحقّق من قراءة الرواية تختلف نوعًا ما عن تلك التي يَشعرُ بها زائر المتحف فإن المتحف يحفظ الأشياء نفسها، أما الروايات فتحفظ مواجهتنا مع هذه الأشياء، أو بعبارة أخرى إدراكنا لهذه الأشياء.

مطابقة الأعمال الروائية لحياة بعض الأشخاص، قد لا تسعد باموق أحيانا، فعندما يأتي إليه شخص ويقول له: سيد باموق، هذا بالضبط ما رأيته، وبالضبط ما شعرت به، كأنّك كتبتَ عن حياتي ذلك أن “حالة التباين بين السّعادة والفرح يُفسِّرُها باموق من خلال شعوره بأنّه ليس روائيا مبدعًا، يؤلِّف القصص مِن لا شيء بواسطة مخيلته، فيتحوّل إلى مؤرخ يُسجِّل الحياة التي نشترك فيها كمجتمع مع كل تعبيراته وصوره وأشيائه.

كتاب باموق على رغم بساطة وسلاسة عرضه إلا أنه وجبة دسمة لكلّ المهتمين بالرواية والروائيين على وجه الخصوص لأنّ الرّجلَ أجابَ عن أهمّ شواغلهم أثناء الكتابة، وعن طرائق الكتابة ذاتها، بل نجحَ أيضًا في أن يضعَ القارئ معه في معينٍ واحدٍ أثناء الكتابة، عبر هذه التساؤلات العفوية التي كانت تصدر عنه.


كاتب من مصر