عزلة اليهود وفكرة العزلة

الجديد  نائل بلعاوي [نُشر في 01/12/2015، العدد: 11، ص(136)]

لوحة: بطرس المعري
فما لديهم بحسب رؤاهم، من {كنوز جديرة بالحفظ والتقديس} لا بد وأن تصان. لا بد من كهف بعيد تأوي إليه، من أسطورة ترقى إلى علياء الأسطورة الأولى، تلك الغريبة والمثيرة في أن، حين راح الله شخصيا، وفي تناقض مذهل مع فكرة البحث القديمة للجموع الآدمية عن ربها، يبحث هو عن عباده، ليرفعهم إلى منازله أو ينزل هو، لا فرق، إلى حيث يرتعون. كي يتم الوصل، سحري الوظيفة والأداء، بين الحقيقة الأخيرة: (الله) وشعبه المفضل والى حدود الانصهار!

شاعرية تماما تبدو فكرة الوصل الغريبة تلك.. أكان موسى شاعرا في الأصل؟ أم مستشارا؟ أو طبيبا ربما في قصر أخناتون؟ أم نبياً جاء به القدر إلى قصر سيده المصري ليقطف ثمار فكرته الأسرة ويمضي {فكرة أن الله واحد} وأن ذلك الواحد يبحث عن مجموعة واحدة ومحددة الاسم والصفات ليودعها سره العلوي ويوصيها، إلى أبد الآبدين، بحفظه؟

أم مجرد هارب من مصير ما كان موسى، وهي الصفة الأبرز وربما الأهم التي كونت شخصية ذلك الرجل وحفرت تاليا آثارها البعيدة في التركيبة السيكولوجية العامة لقومه وانتهت، مع الوقت والتكرار، إلى ركيزة ثابتة وصارمة، خفية أحيانا وواضحة أحيانا أخرى، في النصوص اليهودية المقدسة الواقفة بجدارة وعنف خلف سيرورة التحول الدرامي لاتباع موسى من مجموعة سكانية عادية العلاقة بمحيطها الاجتماعي، حيث وجد وبصرف النظر عما يعبد من آلهة، إلى فرقة انعزالية تبتعد باضطراد وحذر متواصلين عن ذلك المحيط {المريب} لتدخل قوقعة الذات الجمعية المميزة.. تلك التي اختارها الله!

عزلة من طراز نادر لم ينقل لنا المكتوب من وقائع التاريخ مثيلا لها. فهي المرة الأولى، العزلة المحكمة الأولى، التي يختارها أصحابها ويرفعون من قداسة شانها ثم يحولونها إلى منهج للعيش المنسجم قلباً وقالباً مع فكرة الانتخاب الإلهي التي جاء موسى بها: (شعب الرب أنتم)، قال النبي لقومه، قبل أن يصعد الجبل ويرجع منه بالبشارة الأغرب والأهم، بعد حواره الشهير مع الرب: (شعب الله المختار أنتم). لتبدأ من هناك، بعيداَ عن التفاصيل التي لا مجال لسردها الآن، حكاية الرجوع إلى الذات ورفع الجدران على أشكالها من حولها، فأشباح الفناء المتخيل تترصد -الشعب المُنتخب- القابض إلى اليوم على وثيقة ربانية الوعود والأختام، لا تضمن له حق الدخول المؤكد للفراديس، فحسب، بل تحدد له أيضا ما رآه الرب من فراديس أرضية صالحة للبقاء الآدمي!

شاعرية تماما هي الفكرة تلك.. مثيرة، وعالية الإيحاء.. كأنها الشعر. ولكن الحكاية غادرت منابتها الأسطورية الأصلية، كفت عن لعب دور القصيدة/الأسطورة وذابت في الواقعي من المكائد والمصائب واللعب بنار الرغبات والأحلام والإحساس الجمعي بتفوق الأنا المتضخمة، وإلى حدود الاغتراب والسعي الحثيث في دروب العزلة وتمجيد دوافعها.

صار لتلك القلة المختارة ما يؤكد جدارتها ونخبويتها وحقها المكتسب بإقصاء ما هو عادي من كائنات بشرية {غير منتخبة من الرب}، الذي اختار مجموعة واحدة وميّزها عن ألكائنات الأخرى {غير المُنتخبة} وفتح أمامها الباب واسعاً، بالتالي، للغوص في بحور الأنا المتورمة، حبيسة التعاويذ والأوهام وأشباح الفناء.. ثم أسوار الغيتوات فيما بعد..

تؤكد وقائع التاريخ، المكتوب هذه المرة وليس الشفاهي، على أن فكرة الغيتو، تجسيد العزلة وتمجيدها، هي فكرة يهودية بامتياز. لم يتم اختراعها في حقول ثقافية أخرى ولم تفرض على الأقليات اليهودية عبر سلطة سياسية ما في مجتمعاتها الأصلية شرقية كانت أم غربية. بل العكس هو الصحيح تماما، إذ سعت الأقلية، شديدة الاحتفاء بنفسها وبعقدها الرباني الخاص، إلى نقل عزلتها الداخلية الصارمة من حقولها الثقافية/الدينية المجردة إلى فضاء جغرافي مرئي وملموس: تجمعات سكانية بعيدة عن مراكز المدن، بداية، ثم مساكن في قلب المدن تلتف حول بعضها البعض لتشكل معا ما نعرفه اليوم وعرفه التاريخ المعماري للمدن بـ: إحياء اليهود. وصولا إلى العزلة العمرانية الكاملة التي مثلها الغيتو في الجغرافيا الأوروبية تحديدا.

لا تساجل هذه الكلمات، بالطبع، حول حقيقة ما تعرض له اليهود عبر تاريخهم المعروف من اضطهاد فظيع، نعرف اليوم خاتمته البشعة الممثلة في الهلوكوست، فهناك ما لا يعد أو يحصى من أدلة تاريخية محفوظة بعناية اليوم في أراشيف الدول الغربية تؤكد مجتمعة على أصناف وأشكال ذلك الاضطهاد غير المبرر بالمعنى الإنساني أبدا، و{المبرر جيدا} في الأفكار العنصرية والنخبوية ومعاداة السامية التي انتشرت بكثرة في أوروبا، ما قبل عصر النهضة وبعده، وقادت في اللحظات الاستثنائية المظلمة إلى إنتاج النازية والفاشية وغيرهما من مدارس الشر الفكرية العديدة التي وجدت في مشروع الغيتو اليهودي {دليلاَ} على اعتداد اليهود بأنفسهم ودينهم: فكرة التفوق الديني الكامنة كبذرة سامة في أطروحة شعب الله المختار تلك. وربما التفوق العرقي أيضا، الكامن بدوره في حكاية {قدسية الدم اليهودي ورفعة أصحابه}، وهي حكاية ثابتة كما هو معروف في النصوص اليهودية المقدسة عموماً!

تعتبر تلك {الأدلة} التي عثر عليها أعداء السامية في فكرة الغيتو اليهودي وأسقطوا ما يحملون من مشاعر عنصرية عليها هي الواقفة، إلى جانب أسباب عديدة أخرى: (خيانة اليهود للسيد المسيح مثلا). خلف إنتاج المقدمات الأولية، فكرية الطابع، التي انطلقت من وحيها النزعات، تنفيذية المظهر، تلك التي عملت على عزل اليهود عن مجتمعاتهم الأصلية ثم صنفتهم في مراتب عرقية أقل قيمة وجدوى، وهو الأمر الذي سيقود مع الوقت إلى نتائج غير منتظرة عند أعداء السامية أو مستحبة في آن. لقد انقلب السحر على الساحر، إذا جاز التعبير، فعوضا عن تحجيم الطائفة اليهودية، كما كان منشودا آنذاك، وإبعادها عن فرص التطور الطبيعي، اقتصادية أو ثقافية كانت، جاءت النتائج مختلفة تماما عن الغايات والنوايا، فقد وجد اليهود الذين حرمتهم السلطات الأوروبية الحاكمة من ممارسة العديد من المهن المُعرفةَ رسميا “جميع الوظائف الحكومية بشكل كامل”. وجدوا أنفسهم في مواجهة حقيقية مع الواقع الصارم والجديد، فراحوا، انسجاماَ مع ذلك الواقع، يبحثون عن خياراتهم المعيشية البديلة التي توفرها المهن الصغيرة وقليلة التكلفة “إعداد الأواني الحديدية الخاصة بأعمال الطبخ. أدوات الصيد. وغير ذلك من مشاغل متنوعة تتصل جميعها بأعمال الحدادة التي ستفتح بدورها الطريق أمام تخصصات جديدة: صك المعادن المختلفة، مثل النحاس والفضة والذهب. كما احترف اليهود، إلى جانب تلك الأعمال، فنون النجارة بأنواعها وصناعة الأقمشة وغير ذلك من أعمال يدوية لا يمارسها السكان من غير اليهود”.

تحولت المهن الصغيرة مع الوقت وأسباب الاحتكار الطبيعية إلى مصادر عظيمة، لا توفر، لأصحابها موارد البقاء العادية، فحسب، بل تقود، مع دخول التجارة على الخط، إلى تراكم سريع لرأس المال الذي سيقود بدوره إلى توسيع مساحات الورش السابقة وتحويلها إلى مصانع صغيرة وكبيرة، كما سيقود في الوقت عينه إلى زيادة هائلة في أعداد الشباب اليهود “أبناء العائلات التي أصبحت غنية”، الذين فتحت أمامهم فرص إكمال دراساتهم المتقدمة والعليا في الحقول العلمية والفكرية المتنوعة، وهو الأمر الذي سيفرز مع الوقت ما يصعب حصره الآن من أسماء الكتاب والعلماء اليهود وعلى جميع جبهات العمل المعرفي في القارة العجوز.

عزل اليهود أنفسهم، تماهت رؤاهم وإلى الحدود القصوى مع فكرة -الانتخاب الإلهي لهم- فتبعوها وأعادوا إنتاج تطبيقاتها الحسية والملموسة وليس الروحية منها فقط، فكان الغيتو، معقل الفكرة شاعرية الأصل وجدارها الواقي في وجه محيطها الذي -لم ينتخبه الله- أو يمنحه أختامه الأسطورية. لتبدأ من هناك المقدمات التي نعرف اليوم تفاصيلها وآليات تحولها إلى إرهاصات أولية لأفكار معاداة السامية. إنها الأفكار التي يمكن اعتبارها بمثابة “ردة فعل شعبية إزاء مشروع الانعزال اليهودي”. ولكنها ردة فعل قوية سوف تجد تأثيرها الكبير في دوائر صنع القرار الرسمي وسنّ القوانين “منع اليهود من العمل في المصالح العامة”، وهو الأمر الذي سيقودهم، كما أسلفنا، إلى احتراف الأعمال البديلة التي ستنقل قطاعات واسعة منهم إلى ” مواقع اقتصادية ومعرفية متقدمة”، لترتفع بذاك وتيرة العزلة لديهم وتتعمق المشاعر المعادية لهم عند أصحابها بالتالي.

على ذلك المنوال من الشد والجذب واصلت العلاقة بين اليهود ومحيطهم غير اليهودي إفراز تجلياتها: قوانين توضع ضد اليهود وأخرى تُسحب أو لا تطبق. أعمال أدبية وفكرية تظهر وتنتشر على حساب الحط من قيمة الشخصية اليهودية والتقليل من شأنها، تقابلها أعمال أخرى مضادة وموضوعية النظرة ولا ترى في اليهود سوى “شريحة اجتماعية مكونة إلى جانب الشرائح الأخرى لفكرة المجتمع بشكل عام”، وكانت الفكرة الأخيرة هذه قد ظهرت عبر أطر عقلانية ومنهجية واضحة في كتاب كارل ماركس الشهير “المسألة اليهودية” حين اقترح الكاتب على يهود أوروبا فكرة “الاندماج الكامل في مجتمعاتهم المحلية” وليس “الانكفاء على الذات بين أسوار الغيتوات”، وهي الفكرة التي لاقت، قبل ماركس وبعده، صداها التطبيقي الفعلي في واقع تلك المجتمعات، حيث يمكن العثور وبسهولة على آثارها عند مراجعة سيرورة الحياة اليهودية على امتداد القرنين الثامن والتاسع عشر في القارة العجوز، فهناك، تؤكد المراجع وكتب التاريخ، مارس اليهود “فئاتهم الأكثر تعليما وقوة اقتصادية تحديدا”، أدوارهم الاجتماعية المعتادة والمفترضة “لقد أصبحوا جزءا عادياَ، إلى حدود بعينها، من أجزاء محيطهم الاجتماعي. صار ظهورهم على سطح تلك المجتمعات مقبولا وصار اختلاط الزواج بينهم وبين جيرانهم من غير اليهود مألوفا تماما”. ولكن أنساق الحياة العادية تلك لم تكتمل للأسف، إذ لم يُوفق اليهود من ناحية بالخروج النهائي من كهوف الغيتو، ولم يُوفق محيطهم الاجتماعي، ولعله لم يرغب، بجذبهم حقا إلى شباكه من ناحية ثانية. وما ظهور الفكرة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر سوى الدليل الحي على ذلك الفشل الذريع لموضوعة الاندماج. وكانت الفكرة الغريبة تلك قد لعبت هي الأخرى دورا هاما في رفع منسوب المشاعر المعادية للسامية هناك، فهي، الصهيونية، التي حملت بين طياتها عديد الإدانات للسلطات والمجتمعات التي يعيش تحت ظلها يهود العالم.. العالم وليس أوروبا وحدها بحسب هيرتسل! وهي التي سعت، من جهة ثانية، لخطف يهود القارة الأوروبية بما يحملونه من شهادات علمية متقدمة وخبرات اقتصادية وأموال والذهاب بهم إلى جغرافيا بعيدة. هذا يعني أن الصهيونية قد عملت والحال هذه على تفريغ تلك المجتمعات من قوة اقتصادية ومعرفية هائلة يمثلها اليهود. علاوة على ما حملته أدبياتها من إدانات أخلاقية وثقافية صارمة لمجتمعاتها المحلية التي اتهمتها بعزل اليهود واضطهادهم والتمييز ضدهم الخ. وهي الأمور التي لن تُقبل مجتمعة آنذاك، ولن تقود إلا لتوتير العلاقة، أكثر مما هي متوترة أصلا، بين اليهود ومحيطهم العام. لتكون الصهيونية، انسجاما مع منطق التحليل هذا، إن صحت فكرته؟ قد ساهمت، بعلم أو بدونه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الوصول المريع والسريع إلى فظائع الهولوكست؟

استعارة قصوى لفكرة العزلة هي الصهيونية.. مديح الذات الجمعية وأبعادها، بما يتفق تماماَ مع فكرة موسى، عن محيطها غير المُنتخب من الله مباشرة، فإذا كان ولا بد من غيتو لورثة الله على الأرض فليكن غيتو من النوع الجديد وغير المسبوق، فليكن حاضنا قويا لهواجس البعد والاغتراب الراسخة عن العالم، وبصرف النظر عن طبيعة المكان ومعالم الجغرافيا أو اسمها: موزامبيق.. ليبيا.. الأرجنتين، أو فلسطين، من سوء حظ أهلها. فالمهم هو تحقيق هوس العزلة واستحضار دوافعها، تلك التي نعرفها، منذ عرفنا الوجود اليهودي في فلسطين وإلى اليوم، ونعرف جيدا غياب طاقتها على الخروج من قوقعة الخروج الموسوي الأول من مصر والانصهار العادي في متون العيش الآدمي!

عزلة تُنتج الأخرى وتؤكد سطوتها.. عزلة تمتد وتتسع، تستفيد إلى المدى الأعلى من فكرة الانتخاب الإلهي الأولى وضرورات -إنقاذ الذات المُهددة بالفناء- فتنتج الغيتو. ثم تمتد وتتسع لتجيء بالصهيونية ومشروع -الدولة الوطنية- المنشود، لتعثر على ضالتها، مستفيدة هذه المرة مما هب ودب من الصدف والأحداث التاريخية القبيحة، في فلسطين.. في مشروع الدولة العبرية الذي قام منذ العام 1948 ولا يزال يقوم على قاعدة عزل الذات الجمعية وردها باستمرار إلى ينابيعها الهلامية الأولى، حيث على الأنا المتفوقة المختومة بختم الرب أن تبتعد، تنعزل، وأن لا ترى في الآخر غير مصدر للخطر المحتمل على وجودها.. فتقصيه، ترفضه، لا تمد يد السلام الفعلي والمقبول له، كما فعلت وتفعل إسرائيل اليوم، بل تراوغه.. تحاصره بالمزيد من الهلوسات وأسباب الإلغاء، ولا تتوانى، بما يتفق تماما مع هواجس العزلة الصارمة، عن إعلانها نفسها:-دولة ليهودها فقط-! كما لا تتوانى، بما يتفق، هذه المرة،مع عنف التماثل الأخير وفكرة الغيتو، عن تسييج الآخر -مصدر الخطر المحتمل-، أو تسييج نفسها ربما، بهذا الجدار القبيح الملتف من حول الأراضي الفلسطينية والذاهب عميقا في غيّ تقطيع أوصالها!

شاعرية البعد هي الفكرة الأولى لموسى، وشاعري الأداء كان صاحبها الذي دعاه الله لملكوته السحري فذهب خلف الوعد الرباني، محققاَ، رمزياَ على الأقل، ما يصعب على الشعراء والأطباء وكهنة المعابد والكثير من الأنبياء أن يأتوا به: انتخاب الأنا (اليهودية)، التي قادها موسى من مصر إلى الصحراء، انتخابها الريادي من ربها وليس العكس، ولكن الفكرة العبقرية تلك توارت نهائياَ اليوم، ذهبت في بلاغتها الأسطورية واستعاراتها الفذة ولم تعد شاعرية أبدا، لم يعد على الأرض منها غير رغبة ورثتها بتأكيد عزلتهم، بامتصاص ما يحيل منها على تفوق الأنا الفردية والجمعية في مواجهة محيطها الإنساني.

لم تعد فكرة النبي المصري شاعرية بالمطلق، بل هي العكس تماما من الشعر وجاذبية الفنتازيا.. إنها العزلة التي تمثلها الآن إسرائيل، وترفع من حولها هذا الجدار وذاك وترقد تحت ظلالها.


كاتب من فلسطين مقيم في فينا