سلطة الخطاب فرس الرهان في ظاهرة الجماهير

تحتل الجماهير في التاريخ البشري موقعًا أساسيًا لجهة الأدوار التي لعبتها ولا تزال على مسرح التغيرات السياسية والاجتماعية، وهي أدوار منها ما اتسم بالسلبية عبر الدعم الذي أعطته لقوى استبدادية أو لأيديولوجيات فاشية وأوصلتها إلى سدّة الحكم (صناعة الطاغية)، أو عبر التضحيات العظيمة في سبيل قضايا وطنية واجتماعية (حروب التحرير والثورات)، مما يجعلها تجمع بين القدرة على التدمير والقدرة على التضحية الكبرى في آن واحد.

الجديد  أشرف صالح محمد [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(18)]

لوحة: بطرس المعري

من المعروف أن السفسطائية قد وقفت عند سلطة الخطاب عندما اكتشفت الإمكانيات التي تحملها اللغة كالمغالطة، والقدرة على التمويه، وإيقاع الخصم في الخطأ، ودور الخطابة في تغيير الرأي والموقف، ومُنْذُ ذلك التاريخ على الأقل، والسلطة تعي قدرة الخطاب الديني والسياسي في السيطرة على الشعب، لأن “هؤلاء الذين يعرفون كيف يتكلمون، وكيف يقنعون الجمهور، يتمكنون من تسخير الجمهور لخدمتهم، ويمكنهم بسهولة سلب هذا الجمهور ما يمتلكه”.

الخطاب الديني

على الرغم من الدور الهام والتأثير العميق للدين في المسيرة الإنسانية والحضارية للشعوب، إلا أن هذا الدور يتم استحضاره وتوظيفه بشكل أكثر فعالية من قبل الزعامة الشعبية أو القيادة السياسية خلال الأزمات، فمُنْذُ أَزْمِنَة سَحِيقَة والأيديولوجيا الدينية هي التي تهيّج الجماهير وتجيّشها، وجمهور هذا الخِطَابِ الديني يكون سلبيًا إزاء قضاياه الاجتماعية والاقتصادية، لكنه سريع الانفعال فيما يتعلق برموزه الدينية المقدسة ومعتقداته، فتشير الدراسات الاجتماعية والسياسية الحديثة المتعلقة بالمجتمعات العربية، ومجتمعات الدول النامية عمومًا، إلى أن الدين بالنسبة إلى هذه المجتمعات ذات الثقافة التقليدية يُعَدّ عاملاً فاعلاً ومؤثرًا في بلورة وصياغة هذه الثقافة، وبالتالي يصبح مساهمًا في تشكيل الوعي الجماعي لهذه المجتمعات، ومن هنا تصبح عملية التحريك والحشد السياسي لأفراد هذه المجتمعات سهلة جدًا وذات فعالية أثناء الأزمات، حيث يتمّ الاعتماد على عناصر الثقافة التقليدية ويأتي الدين في مقدمتها. لذا لجأت الزعامات والقيادات في تاريخ مِصْرَ على مر العصور إلى الباعث الديني أثناء فترات الأزمات.

فعقب ثورة 1952، عاصر النظام السياسي الناصري خلال فترة حكمه (1956 – 1970) أكثر من أزمة سياسية خارجية كادت تطيح به في بعض الأحيان، لذلك لجأ الرئيس عبدالناصر إلى استخدام الدين لدى الجماهير في تعبئتهم سياسيًا ضد العدوان الثلاثي 1956، وتعدى هذا الاستخدام مجال الفكر إلى مجال السلوك السياسي، فاتجه إلى الجامع الأزهر يخطب في الجماهير أثناء العدوان إدراكًا منه لتاريخ الأزهر الجهادي ودوره في عملية التعبئة السياسية. وقد مّثلت هزيمة 1967 ضربة قاسية للرئيس عبدالناصر ولنظامه السياسي ومشروعه النهضوي، كما أدت هذه الهزيمة إلى ارتفاع أصوات بعض الأنظمة العربية المعادية لعبدالناصر، معللةً أسباب الهزيمة ببعد عبدالناصر عن الدين، وبمعنى آخر، استخدمت سلاح البعد عن الدين، إلا أن عبدالناصر رفع سلاح الدين من أجل الصمود والمقاومة، وهنا اضطر للدفاع عن نفسه بالسلاح نفسه، وحاول أن يثبت أن اشتراكيته تختلف عن الماركسية وأنها مؤمنة بالله وبرسالات الأنبياء وليست ملحدة، وإنها لا تقوم على الصراع الطبقي، بل ترتكز على تحالف قوى الشعب العاملة، ورأى في الإسلام والخِطَابِ الديني وسيلة لنيل رضا الجماهير وتعبئتها لمواجهة الاستعمار الخارجي، وقرر تطوير الإرسال الإذاعي، بحيث أصبح يشمل إذاعات كالقرآن الكريم، لتفسير الدين تفسيرًا يؤكد على الاستسلام للمقادير والصبر على الشدائد، وتشجيع الناس على الانغماس في مظاهر التعبد عسى أن ينصرفوا عن التفكير في أمور الحاضر.

وفي مجرى ما يسمّى بـ”الربيع العربي” كانت فئة البروليتاريا سلاحًا ناجعًا في يد التيارات الدينية التي امتطت موجة الاحتجاجات الجماهيرية، حيث كان القاسم المشترك بين مؤيدي التيارات الدينية المتطرفة أو المعتدلة على حد سواء، هو أن الغالبية منهم ترزح تحت أشد الظروف الاجتماعية قسوة ولا تؤدي دورًا في قاعدة الإنتاج المادي أو الخدمات، بمعنى أن قابلية هذه الشريحة للانخراط في المعسكر النقيض كجمهور نفسي للدين تتناسب طرديًا مع وضعها الطبقي والمادي، وعكسيًا مع الوعي، في الحين الذي لم تستطع قوى التحرر استقطابها به لضعف البرامج البديلة والضمور الفكري الكبير الذي تعاني منه.

وفي سياق متصل؛ يمكننا أن نلحظ بسهولة كيف تمكّنت جماعة الإخوان من تعبئة الجماهير الفقيرة دينيًا لتمرير برنامجها السياسي في أخونة مفاصل الدولة، وكادت تنجح في ذلك المسعى، فالمكون الأساسي لقاعدة الإخوان الاجتماعية، والإسلام السياسي بصفة عامة، هو فئة واسعة من الطبقات العاملة الأقل تنظيمًا وتعليمًا، والمهمّشين، الذين طالتهم سياسات النيوليبرالية والإفقار المُمنهج.

إذن الخِطَابِ الديني من أقوى الْخِطَابِات المؤثرة في تحريك الجماهير، إلا أن الْخِطَابِات الدينية مهما اختلفت، فإنها تعبير عن مصالح طبقية بمظهر أيديولوجي بعيد مرتين عن طموح الجماهير المشروع بتحسين أحوالهم الحياتية والاجتماعية؛ مرة كونها أداة تجهيل للناس تعتمد الأسطورة والخرافة في منطقها، ومرة كونها ممثلة لنخبة تلفعت بجلباب الدين وأضفت على نفسها المهابة والقدسية، فلم يكن الخِطَابِ الديني ضابطًا روحيًا للخطاب السياسي بل وسيلة يستخدمها الخِطَابِ السياسي لتحقيق أهداف معينة، لذلك قال كارل ماركس (1818 – 1883) “الدين زفرةُ الإنسان المسحوق.. إنّه أفيونُ الشعب”.

استطاعت الحكومات المستبدة عبر رسائلها المرئية والمقروءة والمسموعة صياغة عقول الجمهور والتأثير في أفكاره وتوجيه أفعاله، لكن العالم المعاصر شهد تحولاً حاسمًا ببزوغ ما يعرف بـ”ظاهرة الجماهير الغفيرة”، التي من الممكن أن تثور فجأة

الخطاب السياسي

الخُطبة السياسية كلام شفاهي يُلقيه سياسيون أمام جمهور، ويتناولون فيه أمور الحكم وقضاياه، وهي وسيلة من وسائل التواصل بين النخب السياسية والشعب، وبين النخب السياسية فيما بينها؛ وظلت الأداة المُثلى للتأثير في الجماهير وحشدهم في أوقات السلم والحرب على مدار آلاف السنين. لكن تاريخ البشرية احتفى بقوة السيف أكثر مما احتفى بقوة الكلمة؛ ويعلل هذا غياب الخطابة السياسية أو تدهورها في أنظمة الحكم التي تحصل على السلطة بحد السيف، وتستخدم البطش والقهر للاحتفاظ بها. الواقع أن الحكام لا يلجؤون بإلحاح إلى الخطابة السياسة إلا عندما تصبح الشعوب قوة يُحسب لها حساب، ولعل هذا يفسر أنه على مدار أكثر من ألفيْ عام، خضعت مِصْر فيها لأشكال مختلفة من الاحتلال، لم تكن الخَطَابة -بل غالبًا السيف- هي وسيلة التواصل الأساسية بين حكام مِصْر والشعب المِصْرَي.

في العصور الحديثة حلت الأيديولوجيات السياسية محل الأيديولوجيات الدينية، وبدأ تيار الوعي القومي والوطني في الانتشار في العالم العربي، وأصبحت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية هي التي تعبّئ الجماهير وتجعلها تنزل إلى الشارع، “فقد حلت السياسة محل الدين، ولكنها استعارت منه الخصائص النفسية نفسها، بمعنى آخر أصبحت السياسة دينًا معلمنًا، وكما في الدين فقد أصبح البشر عبيدًا لتصوراتهم الخاصة بالذات”.

ومُنْذُ سبعينات القرن التاسع عشر أصبحت الخطابة ملمحًا بارزًا من ملامح الحياة السياسية المِصْرية، وكانت الصحف والحضور المباشر هي وسائل نقل الخطب إلى الجماهير، وقد أضيفت إليها في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين الإذاعة المِصْرية التي عُنيت ببث خطب الملك بشكل خاص، غير أن انتشار الخطب السياسية كان محدودًا بالقياس لما أصبح عليه الحال في عصر ثورة الاتصالات (الراديو والتلفزيون) والتعليم في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

فقد حرص النظام الناصري على أن يكون الخطاب السياسي في متناول الفلاحين والعمال في البيئات الفقيرة أو البعيدة عن العاصمة في أطراف القرى والكفور والنجوع، وهكذا انتقلت الخطابة السياسية المِصْرية من عصر الجماهير المحدودة إلى عصر الجماهير الحاشدة. وانقطع الوصل بين الحركات والتيارات السياسية المتباينة وجماهير المِصْريين، ليحل عصر هيمنة الصوت الواحد على المشهد السياسي المِصْري.

وهنا أصبح الخطاب السياسي خطابًا إقناعيا بامتياز، يؤدي إلى تغيير النفوس والعقول والأفكار، فعلى سبيل المثال لا يوجد خطاب سياسي استطاع أن يحرك الأفراد بشكل كبير وعلى مساحة كبيرة مثلما فعل خطاب التنحي (يونيو 1967)، وبرغم عفويته التامة إلا أنه كان مؤثرًا، واستطاع عبدالناصر أن يجعل الناس تتعاطف معه، فكان يلقيه وهو في غاية التأثر بل يكاد وفى أجزاء منه يبكى. وعلى الرغم من فداحة ما حدث من هزيمة (النكسة)، ومسؤوليته عنها، إلا أنه بسماع هذا الخطاب لا يملك المرء إلا التعاطف معه، بسبب البراعة التي كُتب بها هذا البيان، والذي لم يوضّح الفساد الحقيقي الذي حدث، حتى الاعتراف بالخطأ لم يقدم على نحو يجعلك تثور على الشخص بل يجعلك تتعاطف معه.

وهذا ما حدث في خطاب مبارك الثاني (فبراير 2011) الذي استطاع فيه دفع شريحة ضخمة من المِصْريين للتعاطف معه، بعد أن استخدم بلاغة أبوية تقدم الرئيس بوصفه أبًا للمِصْريين من غير المقبول مخالفته، كذلك اللعب على بعض القيم الاجتماعية المِصْرية المحببة مثل مسألة التمسك بأرض الوطن، والتشبث بالموت على ترابها، أضف إلى ذلك؛ الأداء البلاغي الجيد للخطبة التي كانت على وشك إجهاض الثورة المِصْرية.

الحقيقة أن الخطاب السياسي ظل حكرًا على مؤسسة الرئاسة عبر منافذ الإعلام الجماهيري حتى أواخر القرن العشرين، من خلال خطابات ذات بعد أيديولوجي واحد تسعى لتجنيد الفرد والمجتمع لأهداف سياسية، تهمل الحقائق والمعارف فهي لا تهمها بقدر ما يهمها توظيف كل شيء في سبيل تعبئة الجماهير وحشدها لخدمة مآربها.

الخلاصة؛ لقد استطاعت الحكومات المستبدة عبر رسائلها المرئية والمقروءة والمسموعة صياغة عقول الجمهور والتأثير في أفكاره وتوجيه أفعاله، لكن العالم المعاصر شهد تحولاً حاسمًا ببزوغ ما يعرف بـ”ظاهرة الجماهير الغفيرة”، التي من الممكن أن تثور فجأة بعد أن أمضت أوقاتا طويلة تعاني من البؤس والمشقة، يفعلون ذلك في اللحظة الحاسمة أي نقطة الذروة، حينما يصبح من الأرجح أن مواصلة العيش في ظل النظام الموجود أكثر سوءا من المخاطر الأكيدة للتمرد ومن تكلفته، ومن المؤكد أن يسود الاعتقاد آنذاك أن هناك فرصة معقولة للنجاح، وتحسين حياة عامة الناس. هكذا ثار العبيد على الأسياد، والمستعمَرون على المستعمِرين، والمظلومون والمقموعون على السلط الظالمة والقامعة، وهكذا ثار المِصْريون.


كاتب من مصر