الخارج الذي هو داخلنا

“ليس الشعر دائما شعرا حقَّق نجاحا، كلُّ نجاح هو بمثابة نهاية للشعر. فالشعر هو البحث والبدايات المتجددة للشعر.. انه إعادة ابتكار تعالقات فيما بين عناصره” ينتهي الشعر بمجرد تحديده وتعريفه ذلك ما يؤكده هنري ميشونيك صاحب هذه الإفادة فالشعر بوصفه بحثا وبدايات متجددة وكل محاولة لتعريفه هي عملية تعليب تؤدي إلى فساد صلوحيته.

الجديد  عبد الوهاب الملوح [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(30)]

لوحة: حسين جمعان
لا تحتاج كتابة الشعر إلى ترتيبات لوجيستية كما أنها في غنيً إلى تنظيرات أكاديمية ولم تكن (أبدا) مادة للتصنيع ليتُمَّ تعليبها لقد جاء الخليل وأفسد الشعر وكلنا نعرف حكاية عبيد ابن الأبرص الذي قال شعرا خارج القطيع ولا فائدة من إعادة ترديد كلام أبي العتاهية “أنا أكبر من العروض” فعملية تقنين الشعر هي لحظة تدجين الشاعر (الشاعر) بالاستغراق كما هتف المعري في رسالة الغفران ليس الشاعر من يُدجن وليس الشعر مِمَّا يُفترض أن يُقال كان الشعر دائما ضد المبني للمجهول لأنه كان حاضرا بالعفوية. وهو ليس التعبير المجاني باعتبار أنه التحقيق الأزلي في حقيقة هذا الكون وهو أيضا هذي القدرة على التصدي بشكل لغوي فالت لكارثة اللغة المقدسة. لقد كان الشعر ومنذ الأزل حاجة الكائن للتصدي للميتافزيقيا. الشعر كائن غير ميتافيزقي؛ كائن لا يتحقق إلا بوجوده العيني وإنما وجوده خارج صفاته القيمية، هو كائن بوصفه لغة متمردة لذاتها، لغة تحتاج إلى من يتقنها يبحث فيها، يكونها من أجل أن تكون فالشعر ومادته اللغة كائن بالكلمات تحتاج إلى أن تتكلم بذاتها وليس بقيمتها المعنوية أولا فكما في السياسة هناك أولويات في الشعر أيضا ألا وهي سياسة الكلمات “إن الكلمات، في الشعر، لا ينبغي أن تُستخدم للدلالة على شيء، ولا أن تجعل أحداً يتكلّم، بل إن لها غاياتها في ذاتها” موريس بلانشو. ولهذا ليس من شأن الشعر أن يعبر على مقدمات نظرية أو فلسفية وليس من شأنه أن يتعالى بالمعنى الفلسفي هو يتعالى جماليا يحقق كينونته من خلال اللغة وليس من خلال القوانين واللغة متحولة عبر التاريخ. فالشعر ينهب نفسه من أجل البحث عن إيقاعاته المتجددة. لن يختلف اثنان في أهمية ما قدمته مجلة شعر ومنجزها الشعري والنقدي لقد سعى المشرفون عليها إلى تأسيس توجه جديد للشعر كتابة ورؤية. وفعلا كانت المساهمات الشعرية مختلفة عن السائد وقتها وصار بإمكان القارئ العربي أن يطلع على تجارب مغايرة للمألوف في الكتابة الشعرية، وكان هناك جهد واضح في محاولة التغيير وتحديث الكتابة الشعرية، غير أن هذا الجهد انبنى في توجهاته الكبرى على ما قام به الشاعر الكبير أنسي الحاج من محاولات في مرحلته الأولى التي اتسمت بالارتكاز أساسا على أفكار سوزان برنار.

ورغم أن هذه الأخيرة كانت في عملها “قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا هذه” تقدم مجموعة من المقترحات من خلال توصيفها لعمل قصيدة النثر من الداخل وكيفية تشكلها. فلقد تحولت إلى مجموعة من القواعد الصارمة والقوانين المضبوطة، حتى أن بعضهم أصبح يُعرِّف قصيدة النثر انطلاقا من هذه المقترحات التي لم تكن في حقيقتها إلزامية لكتابة القصيدة بالنثر، والدليل على ذلك أن من يتابع قصيدة النثر في بلدان أخرى لا يراها ملتزمة بما قدمته سوزان برنار، بل إن بعض الشعراء الفرنسيين لم ينتهجوا هذا النهج من مثل رينيه شار في قصيدته “أناباز" هذي القصيدة المطولة جدا، وكذلك أيضا جاءت كتابات ماكس جاكوب غير ملتزمة بما حدده وقتها أنسي الحاج مترجما ما قالته سوزان برنار الإيجاز والتوهج والمجانية.

ورغم أن صاحبة “قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا هذه” تؤكد أن هذه القصيدة هي “خلق حر، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجا عن كل تحديد وشيء مضطرب إيحاءاته لانهائية”. فلقد أصر الكثيرون على محاصرة هذا النوع من الكتابة والسعي إلى تعريفه تعريفا محددا وهم لا يدركون أنهم بهذا المسعى إنما ينسفون هذه الكتابة ويعدمونها. فقصيدة النثر هي هذا الانفلات من كل ما هو مُدسْتر، مُقوْنن، مشروط.. هي هذي الشعرية التي لا تلتزم بأي شيء سوى بما هو مبتكر في جمالياته وكما يقول باتاي “يَتَحَقَّقُ الشِّعْرُ الْحَقِيقِيُّ خَارِجَ الْقَوَانِينِ”. ذلك أنه الدهشة، والدهشة ليست ما يجيء وفق قواعد واشتراطات فهي البحث المستمر في اللغة وفي صنوف الإيقاعات غير المألوفة وفي أساليب القول الشعري غير المعلب هي “هذا القفز في المجهول” كما يراها بودلير. غير أنه ولما يتملك الكثيرون من رغبة في التعريف والتحديد والاطمئنان ظلوا يحاولون وضعها في أقفاص لا تتحرك وهي الكتابة المتحركة التي لا تتنفس إلا في الهواء.

فالشعر تجريب بالأساس بل إنه التخريب المتواصل، لذلك لا يمكن الحديث عنه كأفق نضال بل هو كينونة ليس وفق رأي هايدغر ولكن وفق ما يحاوله الشاعر من إقامة في هذا الوجود.

وما القصيدة إلا تجلٍّ من تجليات هذه الكينونة التي إنما هي خطيئة، لقد صدق سيوران عندما قول لا يهمنّي القارئ بقدر ما أن المهم هو محارب اللغة والإطاحة بكل الباستيلات، إنها كتابة الفراغ، والفراغ ليس كبياض فالبياض كينونة هو أيضا؛ الفراغ بوصفه حالة فيزيائية متغيرة وبوصفه انتظارا وبوصفه جرحا بالغ الإيحاء؛ صامت دائما جارح أيضا غالبا ما يكون صادما كيف يمكن تحويل الفراغ إلى شيء وقح أليس هذا من أسئلة الكتابة؟

البياض كون أيضا بل هو حقيقة لا تكشف عن أسرارها للعابرين حذوها بل لمن يحاول اختراقها وهذا واحد من مهام الشعر أيضا؛ وسيبقى النقد نقد الفن عموما معوقا كمن يركب حافلة في الاتجاه الخاطئ طالما لا ينكتب بلغة إبداعية تنسف أبراج النظريات وتُطيح بحيطان القواميس الصلبة، ومحصلة الأمر أن تخلخل عقلية السكونية وتحفر في أعماق الكائن فتزلزل ثوابته.

أليس النقد كتابة إبداعية أيضا؟

إنها حالة ملتبسة تُتَرْجمُ توق الذات المستلبة إلى التحرر من إلزامية وانضباطية السير داخل حدود مسار التاريخ؛ تفتح لها آفاق ابتداع تاريخها الشخصي وتمجيده؛ حالة ملتبسة بما أنها طارئة.. ولكنها متواترة أيضا. والحقيقة أن ما يجعل لبسها واضحا أنها تأتي في شكل قشعريرة تدهم الكيان وتهز جميع مقوماته؛ ليست المسألة متعلقة بدرجة تواطؤ هذا الكيان مع هذه الحالة غير أن ثمة ما يشبه التعاقد السري بينهما؛ إذن ما الذي يجعل هذه الحالة طارئة؟ ربما لأنها متغيرة ولا تضرب موعدا عندما تبدأ في الهبوب. عبارة هبوب مهمة جدا في هذا السياق؛ إنها تهبّ فعلا لتزعزع فتستولي فتسطو فتتملك دواخل الذات وتسكنها لمدة. المدة وحدة زمنية غير محدودة لكنها أوسع من اللحظة.

كصاحب ابن المقفع الذي وقع في الجب ينشدّ إلى شجيرة كي لا يسقط في الهاوية حيث الأفعى لكن يغويه عسل فينشغل به غير عابئ بالجرذان تقرض أسفل الشجيرة كذلك الكاتب/الشاعر وإذ هو في مهب الكتابة يتلذذ التماهي معها وقد تأخذه حيث لا يدري كما أوقعت جويس في الجنون وأوصلت ناظم حكمت إلى أقبية السجون وتوهت رامبو الضليل وأخذت بيد بول تسيلان إلى أعماق نهر السين والمسألة ليست هنا… بل إنها ملتبسة لأنها مزيج من الغبطة والكآبة يحضر فيها القلق المطمئن ويضجّ فيها الصمت ويمتلئ الحضور بالغياب. وإذ ينخرط صاحب الرؤيا في هذه الانخطافة يسوقه التردد وتدفعه الريبة وإذا به في مجاهل التيه وغيبوبة الرشد، يذهب بعيدا في استكشاف مدارات غير آهلة تأخذه في المغامرة؛ مغامرة لعل الحياء الديني وحده هو الذي دفع الفرزدق إلى وصفها “أشد من آلام ضرسي” ولم يجرؤ على القول مثل بيكيت إنها “جلسات تعذيب الروح” ولأن من شأن هذه الحالة أن تنعش الروح سيعمد الكاتب/الشاعر إلى تقويتها بموتيفات تعمل على إطالتها وجعلها تتلبث في قاع الدواخل وتمس أدق الخلايا كأن يلجأ إلى تغييب الوعي تماما عبر وسائل أخرى. حالة ملتبسة هي عبارة على تفجّرات إشرافية دفاقة ممتلئة بالحياة لا تشبهها غير حشرجة الموت للانولاد من جديد.

وأما القصيدة فهي في الخارج الذي هو داخلنا.


كاتب من تونس