معضلة المصطلح في الثقافة العربية

مما لا شك فيه أن اللغة العربية اليوم تعاني من وضع صعب في ظل العجز الرهيب الذي يمنعها من متابعة مختلف التطورات العلمية والمعرفية، أو أن تكون لغة العصر، سواء شئنا أم أبينا فنحن نعيش سقفاً رمزيا عولميا خارج لغتنا العربية، فهي لغة مُشبعة ميتافيزيقيا ووجدانيا وتحتاج إلى كمٍّ من التحييد لهذه الشحنة اللاهوتية من أجل أن تكون لغة علم. بل إن الأمر لا يقتصر على عجز المستعملين لهذه اللغة على المضي بها قدما نحو أن تكون لغة علم، بل وأن تساير على الأقل العصر الحديث حتى أن المرء يشعر كأن هناك موانع داخل اللغة ذاتها تمنعها من الإبداع العلمي، أو كأن هناك عوامل خارجية تشتغل بقوة لثني اللغة العربية عن الدخول في التجارب الفعالة ما يعني أن لغتنا تعاني مأزقا حقيقيا على مستوى أفق الرؤية، وكذلك على مستوى المصطلح، وهي إشكالية متعددة الأبعاد لها ثلاث مستويات وهي: مستوى الرؤية، والمنهج والمصطلح.

الجديد  اليامين بن تومي [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(38)]

لوحة: بطرس المعري
لقد عالجت دراسات وأبحاث كثيرة هذه المسألة في ارتباطها ببنية اللغة العربية ومرجعياتها الأصلية، وفي ارتباطها بحالة المجتمع الجديد والرهانات التي باتت تهدد اللغة ذاتها، ذلك لأنه من الصعوبة بمكان فصل الكلمة المترجمة إلى اللغة العربية عن حمولتها الأيديولوجية واللاهوتية والاجتماعية، وبالتالي فإن انتقال المصطلحات إلى اللغة العربية تفتح لها مجالا جديدا بفضل الحمولة الثقافية للغة المنقول منها.

أمام هذا الوضع الصعب والمعقد تجد اللغة العربية نفسها في حالة عسيرة، وهكذا ينطبق عليها المثل القائل “مكره أخوك لا بطلا”، حيث يستحيل على الثقافة العربية أن تبقى على هامش الثقافة الإنسانية.

في هذا السياق يمكن القول بأن الترجمة هي التي ستمكن اللغة العربية من ضخ دماء جديدة في جسدها، ولكنه بقدر ما تثري الترجمة اللغة العربية، فإنها تحمل معها أيضا الخيانة لثقافة الآخر وتشنّ الحرب على اللغة المترجم منها، ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة نحت وصياغة مصطلحاتها، خصوصا تلك المصطلحات التي لم تنبت في تربة اللغة العربية، ولعل هذا الوضع قد شرحه جيدا الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن حين نظر في ترجمة أو تعريب الكوجيتو الديكارتي “أنا أفكر إذن أنا موجود” بشكل أدى إلى هدم المعمار الفلسفي لديكارت، وذلك جراء عدم انسجام هذه العبارة الاصطلاحية في ترجمتها للعربية مع المقصد الفلسفي العميق للفيلسوف ديكارت. وهكذا وجدنا الكوجيتو يختزل في الترجمة العربية في هذه الجملة التالية وهي “أنظر تجد” بحسب تعبير طه عبدالرحمن.

لأن الترجمة لا تراعي الشروط اللغوية فقط بل فإنها تراعي كذلك الشروط الفكرية، لأن أيّ لفظة تعبر عن معنى، والمترجم يحوّل المعاني إلى ألفاظ، وهذا ما عبّر عنه الغزالي في قوله “إن ما هو موجود في الأعيان له صور تنطبع في الأذهان، وهو منطوقات على اللسان”، وهذا يعكس أن العالم له صورة تنطبع في الذهن، وأيّ تحليل للذهن سيجعلنا بصدد تحليل اللغة كما يقول علماء فلسفة اللغة من أمثال غتلوب فريجه وبرتراند راسل وفيجنشتاين. ومع تطور الدراسات والأبحاث أصبحت اللغة الركيزة التي يُعتمد عليها في فهم العالم، وهذا ما جعل الفيلسوف الألماني هيدغر يقول بأن اللغة أخطر النعم، بل ويرى أن اللغة مثوى الوجود.

بناء عليه؛ فإنه عندما نترجم ينبغي علينا أن نحترم خصوصيات اللغة المترجم منها وإليها لأن كل لغة تعكس رؤية العالم الذي نشأت فيه، هذا وتتطلب الترجمة من اللغات الحية المتطورة فهما عميقا لمصطلحاتها ولكيفية اشتغالها وتطبيقها على الحقول العلمية، ولكي يتم نحت المصطلحات في اللغة المترجم إليها يتوجب علينا استيعاب وتمثل قوانين اللغة ذاتها وشروطها التي يجب أن تتوفر فيها، وهذا ما ناقشه الدكتور محمد عابد الجابري في أبحاثه حيث طرح مسألة مثيرة للجدل حين درس نظام اللغة العربية والأسباب التي أدت بها إلى هذه الوضعية التي يصعب فيها أن تصبح لغة علم، وفي هذا السياق نجده يتساءل: هل اللغة العربية لغة مفاهيم أم أنها وقَّافة عند الألفاظ فقط؟

ينبغي التذكير هنا أن المجامع العربية قد حاولت كثيرا أن تتجاوز هذه المعضلة بإرسائها لاستراتيجية تتحكم في ضبط المصطلح، لكن هذه الجهود قد اصطدمت بحواجز كثيرة وذلك نظرا لعدم الالتزام باستراتيجية موحدة، أو بسبب المشكلات السياسية بين الدول القطرية التي حالت دون تنسيق الجهود فيما بينها.

ويمكن لنا إعادة أسباب هذا العجز أساسا إلى عدم استخدام المصطلحات في الحياة العامة ممّا جعلها تبقى منفصلة عنها، أي أنّ الفارق بين اللغات الحية واللغة العربية، يتمثل في أن اللغات الحية لغات استعمالية وتداولية يومية، بينما اللغة العربية لغة جامدة في قوالب قديمة، حيث لم تتم معالجة اللغة من الداخل، وهذا ما أدي إلى انشطار اللغة العربية بين نموذج فصيح قديم، وبين لغات يومية دارجة واستعمالية يصعب معها إيجاد اللغة التي يمكن أن تبني عليها الترجمة رؤيتها الصحيحة للمصطلح.

ويلاحظ كذلك أن المصطلح العلمي والفكري لا يزال عندنا خارج دائرة الاستعمال، لأن العرب لم يشاركوا بشكل جدي وفعّال في بناء السقف الرمزي الحالي للعالم، بل فإنهم قد بقوا خارجه وصاروا يعيشون في عزلة عنه. وجراء كل هذا فقد كان بحثهم المصطلحي في شكل تجميع سخيف لعدد من المصطلحات دون أن تكون لديهم فعالية علمية في اختبار المصطلحات، ولعل هذا ما أدى بالعرب إلى وضع بنك لتجميع المصطلحات وإحصائها كما هو الحال مع البنك السعودي للمصطلحات العلمية، وهذا يجعل هذه البنوك أو المعاجم بعيدة عن ساحة التداول اليومي، فضلا عن غياب تجانس فعلي بين وضع المصطلح وبين اختباره أو إبداعه لأن الثقافة العربية لم تتجاوز في تعاملها مع المصطلح حدود الجمع والإحصاء وهذه عملية تبحث عن إيجاد مقابل للألفاظ دون فهم ودون وعي.

لوحة: بطرس المعري

إن الإشكال الحقيقي -فيما يقول الشاعر اللبناني يوسف الخال- الذي تواجهه اللغة العربية الآن هي أنها تعاني خللا وظيفيا، حيث أن هناك هوة سحيقة بينها وبين لغة العالم الحديث، أي أن المستعملين لهذه اللغة العربية لم يتجانسوا مع الوضعية المعرفية للعالم الجديد. أي أن المشكلة لا تتمثل في المصطلحات فقط، بل إنها توجد داخل اللغة ذاتها التي تنتمي حضاريا إلى العالم القديم، حيث لم يهتم مستعملوها بتخليصها من تلك الشحنات الوجدانية التي تطفو على السطح كل مرة في صورة شوفينية بالغة في التضخم، بسبب التعامل معها كلغة الكتاب المقدس أو لكونها تعتبر لغة أهل الجنة. إن عدم الانتقال باللغة العربية من وضع قديم إلى وضع جديد تتجانس فيه مع قضايا وموضوعات العالم الحديث هو الذي أدى إلى تلك العوائق وهي في جلها عوائق فقهية وبنيوية ترفض غالبا الانتماء إلى العصر الحديث.

ففي تقديري فإن اللغة العربية تعاني من ثلاث إشكاليات وهي:

1- إشكالية متعلقة بنسق اللغة العربية وانتمائها للعالم القديم.

2- إشكالية تتعلق بالتحديات التي ترسمها الثقافة الغربية على اعتبار أنها السقف الرمزي للراهن.

3- إشكالية تتعلق بالترجمة وكيف نترجم وما هي حاجتنا للترجمة في راهننا؟

بما أن الحال هو هكذا فإنه من اللازم علينا وضع عدة اعتبارات مبدئية لفهم إشكالية المصطلح في الثقافة العربية، والتعامل مع الترجمة كسبيل يؤدي إلى إعادة انخراط اللغة العربية في عالم اليوم، من خلال إيجاد سبل علمية تعمل على تحريك فاعلية هذه اللغة، وذلك من خلال ثلاث توجهات أساسية والهدف منها هو إغناء وإثراء الثقافة العربية:

أولًا: تجديد وعينا بالمسار النظري الغربي، وثانيًا: تجديد طريقة التفاعل مع هذه النظريات الغربية، وثالثا بيان معوقات ترجمة المصطلح للثقافة العربية، وتحدّي الوضع البنيوي للغة ذاتها في حال عدم قبولها لمصطلح معين، خصوصا وأن العربية لها ميزانها الخاص في سك المصطلحات.

لذلك، فإن فهم المصطلح ووعي حدود اشتغاله يجعلنا نتفادى حالة الخلط والفوضى الرهيبة في نقل المصطلحات كما نشهد ذلك في ساحتنا العربية. إن المصطلح كائن يحتاج منا مقاربة عميقة له باعتباره مكونًا لكينونة الكائن، وباعتباره كيفية أساسية لوجوده ومقاربته للعالم ولذاته، لذلك تفرض علينا ترجمة المصطلح معوقات جسيمة تلحق المصطلح ذاته كما تلحق بنية اللغة المنقول إليها. وبهذا فقد ترتبت على ترجمة المصطلح الغربي إلى اللغة العربية إشكاليتان أساسيتان وهما:

1- الإشكالية الأولى وليدة المحمول الغربي.

2- الإشكالية الثانية هي وليدة المأصول العربي.

أما الإشكالية الأولى فهي تجسد صراع الرؤية الغربية مع نظيرتها العربية لأن المصطلح يحمل بداخله حمولة أيديولوجية وثقافية عن اللغة المنقول منها إلى اللغة المنقول إليها، والتي تتوفر هي الأخرى على حمولتها الأيديولوجية والثقافية، وهنا نلج حالة يسميها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بصراع التأويلات، حيث أنه في كثير من الأحيان لا نجد مقابلا دقيقا للمصطلح في اللغة العربية لاختلاف في طبيعة اللغة أو النتيجة لأن الحقل الثقافي المدروس لم يتأصل بشكل دقيق في الثقافة العربية، ولذلك فإن الترجمة لا يجب أن تعتمد المعنى الحرفي بقدر ما يجب أن تعتمد تأويلا معينا للمصطلح يتناسب مع خصوصيات الحقلين العلمي والعملي للمصطلح ذاته، ويتماشى مع ترجمته في اللغة المنقول إليها.

أما الإشكالية الثانية فهي وليدة تراث اللغة العربية وقوامها. وهنا نتساءل: كيف يمكننا أن نستخرج من داخل التراث اللغوي العربي المعادل للمصطلح الغربي، الذي يجعل الثقافة العربية تتبناه بشكل سلس ويحفظ لهذه اللغة بنيتها ويحفظ للمصطلح حدود اشتغاله الأصلية دون أن نقع في التناقض بين الحقل المعرفي للمصطلح داخل ثقافته الأصلية، وبين معادله في اللغة العربية؟

لقد عالج النقاد والفلاسفة العرب وضعية المصطلح وانتهوا إلى نتيجة وهي أن النقل أو الترجمة لا يعنيان أبدا استبدال كلمة بأخرى، بل يعني استبدال ثقافة بثقافة.

وفي هذا الإطار نجد الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن قد عالج هذه المسألة حين تعرض لإشكالية الترجمة في الوطن العربي، وعاين حالها في الثقافة العربية، وشخَّص العراقيل المختلفة التي تعاني منها، حيث خلص إلى القول بأنه ليس هناك إجماع بين المترجمين العرب على طريقة واحدة تجمعهم، لعدم وجود هدف مشترك بينهم، ولعدم التنسيق فيما بينهم أيضا حول موضوع الترجمة. وبهذا الخصوص ميّز طه عبدالرحمن بين ثلاث مستويات من الترجمة، ويشتغل كل مستوى في مجال محدد وعن هذا يقول “وحتى نبين صحة أنموذجنا النظري في الترجمة ذات المراتب النقلية الثلاث: “التحصيل” و”التوصيل” و”التأصيل” نترك الخوض في عموم الترجمات التي وضعت لجملة من نصوص ديكارت والتي قام بها ثلة من المتفلسفة البارزين منهم محمد الخضيري، وعثمان أمين، ونجيب بلدي، وكمال الحاج وجميل صليبا. ومفاد قول طه عبدالرحمن هو أن مشروع الترجمة بالنسبة إلى المترجم العربي يخضع لرؤية أيديولوجية سابقة على الهدف المعرفي، مما يجعل ترجمته غير عميقة، ولكي يقيم الدليل على رأيه قدم لنا نموذجا لترجمة المبدأ الديكارتي “أنا أفكر إذن أنا موجود” وكيف تعامل معه المترجم العربي، حيث اختلف المترجمون في فهم هذا المبدأ بسبب اختلاف في المنطلق فأفرغوا المبدأ من محتواه، وصنّف هؤلاء المترجمين إلى ثلاثة أصناف بحسب النموذج الترجمي الذي اعتمدوه وهي كالتالي:

ترجمة تحصيلية؛ وهي ترجمة لا تحفظ في قوله أيّ خاصية من خصائص التجديد للفلسفة.

ترجمة توصيلية وهي ترجمة تحفظ بعض خصائص التجديد في الفلسفة.

ترجمة تأصيلية؛ وهي أرقى أنواع الترجمة لأنها تحفظ جميع خصائص التجديد، وهي ما يراعي فيه المترجم حال خصائص اللغة مع روح المعني. و تأتي العبارة المترجمة على موازين لغة العرب مع المحافظة على القيمة الفلسفية للكوجيتو.

وعليه، فإن المصطلح صناعة تشترط فهم سنن اللغة المترجم منها وسنن اللغة المترجم إليها.


كاتب وأكاديمي من الجزائر