رداً على عزيز العظمة.. تفكيك أهوال الإرهاب وتحرير الاسئلة

ليس من السهولةِ بمكانٍ مواجهة حوار البروفيسور السُّوري عزيز العظمة (مجلة الجديد، ع 11)، ذلك أنّ القراءة التاريخية التي ينتهجها وتتأسّس بموجبها خرائط القراءة وتمتدُّ، لا تكتفي بملاحقةِ توحُّش الإرهاب الإسلاموي وإنما، وفي الوقت ذاته، تطارد نظائره في المجتمعات الأخرى؛ وذلك في سياقٍ مكثّفٍ من تحليلات سوسيو ــ ثقافية مسنودة برشقاتٍ من المعلومات الاقتصادية وحزمة العلائق العائمة والمضمرة التي تربط هذه الجماعات بمراكز المال الرسمي واللارسمي؛ لتغدو معها ظاهرة الجماعات الإرهابية، وتحت وطأة استراتيجيات المقاربة التاريخية الصارمة برؤيةٍ واضحةٍ ولغةٍ جديدةٍ، حدثاً تاريخياً يتنزّل في سياق أحداث العالم عموماً بشكل عامٍ وأحداث العالم العربي بشكلٍ خاصٍ.

الجديد  خالد حسين [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(102)]

تقتنص بداهة البروفيسور عزيز الأسئلة المغلقة للمحاور ليوسّعها عبر ربط أهوال الإرهاب بالأهوال التي ارتكبها النظام السوري، فالمحاور ـوكما يظهر للقارئ من أسئلته ـ يبئّر الحوار في ثيمةِ إرهاب الجماعات الأصولية فحسب وجعلها مسؤولةً وحدها عن الجحيم الذي ابتلع وما يزال يبتلع الفضاء السوري بتغييب المسؤولية المباشرة ــ ربما عن غير قصد منه ــ لإجرام النظام بترتيب مشهد الجحيم وإشعاله ومن ثمَّة المشاركة الفعّالة فيه؛ فالأصولية الجهادية ـ والحقُّ يقال ــ تقابلها أصوليةٌ علمانيةٌ مشوّهةٌ يدّعيها النظام، كشفت أحداث سوريا أنها أشدُّ هولاً في جرائمها وتدميرها من الأصولية الجهادية عبر تعاضدٍ بين ادّعاء علماني كاذبٍ ظاهرٍي وبنية طائفيةٍ (تتجاوز الفضاء السوري إلى لبنان والعراق وإيران وأفغانستان)، بنية ما قبل تاريخية لم تخرج من ماضيها أصلاً. ومن هنا يكتشف القارئ أن ثمة مساحة مسكوت عنها في أسئلة المحاور ذاتها بخصوص أهوال النظام السوري!

يقطع عزيز العظمة مع توجهات ما بعد الحداثة النكوصية، كما يصفها، عندما ينحّي جانباً سؤال المحاور الذي يستدعي إلى حيّز الحوار قولتي هايدغر “إله فقط بإمكانه إنقاذنا الآن” وبول دانهار “الربُّ قد عاد إلى الشرق الأوسط”، وإذ يَصِمُ حضور هايدغر بالشؤم في بداية الحضور؛ فإنه يرفض تماماً قولة دانهار بعودة الدين إلى الفضاء السوسيو ــ ثقافي للشرق الأوسط؛ ومن هنا يموضع ظاهرة الأصولية في سياق تاريخي تتعالق فيه هذه الجماعات الأصولية مع المصالح المادية في سياق عالمي. ولكن ما يسترعي الانتباه هنا هو الهَيكلة الجديدة التي يقدِّمها في توصيف انفجار التوحُّش الإرهابي من خلال استقدام مصطلح “اللامكان”، وبهذا الصدد يقول “اللامكان بمعنى نبذ المنشأ وإعادة تشكيل الذات ثم اللامكان، أي المكان الخيالي والافتراضي (دابق، الشام، القسطنطينية، رومية في خطاب داعش)، على نحو يضارع هذه الذات الجديدة. واللامكان بمعنى الخروج عن كل الأزمنة التاريخية والخروج عليها”. وربما يمثّل تشكيل داعش الإرهابي مثالاً ساطعاً على اشتغال مفهوم ” اللامكان” في تأسيس كينونة هذا التنظيم وانتشاره السرطاني الأفقي، ليس في سوريا والعراق فحسب، وإنما تفخيخ الفضاء العالمي على شساعته بهذه الكينونة ــ الكابوس/الرعب (الأحداث الأخيرة في فرنسا وأميركا)، وذلك عبر تدفُّق الإرهابيين من أمكنة مختلفة ــ وقد باتت (لا ـ أمكنة) إلى مكان مستقر(سوريا، العراق) وقد غدا في حوزة “اللامكان”، كما لو أنَّ الكينونة الإرهابية ـ وهي كذلك فعلاً وواقعاً ـ لا عمل لديها سوى إخراج المكان إلى اللامكان ومن ثمّ إخراجه من التاريخ ذاته، أقصد المكان ــ التاريخ أي العمران من حيث العلاقات والثقافة والكينونة. ولكن السؤال: ماذا بشأن نجاعة أفهوم “اللامكان” في هيكلة إرهاب “الدولة” وتوصيفه؟ ألم يعتمد النَّظام الأسدي على قوى بهيمية (الشبيحة) وميليشيات شيعية (لبنانية وعراقية) والحرس الثوري الإيراني ثم التقنية الروسية في أعتى أشكالها المدمِّرة مؤخراً؛ ليجري تدمير المكان بوصفه ذاكرةً وتاريخاً وكائناً، أي بمعنى الدفع بالأمكنة الحضارية ذاتها إلى اللامكان وخارج التاريخ؟ بيد أنّ عزيز وفي حمأة الاحتفاء بالمصطلح الجديد يدع هذه المساحة نهباً للمسكوت عنه!

إن استمرار و/أو تفريخ الجماعات الجهادية في”مكان ـ اللامكان” الذي تقطنه وتشغله يتعلق بالحاضنة الشعبية، فوجودها يرتهن بتوفُّر هذا الحضن الذي يسمح باستمرارها واتساعها وممارسة توحشها وتغوّلها، هذه النقطة المهمة تقود البروفيسور عزيز إلى نتيجة تفتح مساحةً من الاختلاف معه، يقول في حواره ” إنني أذكر كل هذا لأقول إنّ داعش ليس لديها على نحو كبير بيئة حاضنة بقدر ما لديها بيئة غير ممانعة وفي بعض الأحيان متواطئة”. ورغم إيراده أسباب اقتصادية وعنفية مقنعة سادت الفضاءات الريفية في سوريا للخروج بهذا المآل من القول؛ فإن الحقل الدَّلالي تتضاءل فيه الاختلافات بين المفهومات المذكورة من حيث المعنى: حاضنة، غير ممانعة، متواطئة، فالعوامل الاقتصادية والعنفية لا تفي بتأويل القبول الشعبي من عدمه لداعش وأخواتها، ومن هنا يطلُّ الرأسمال الرمزي للمجتمعات (قضايا الهوية، الموقف من الآخر، البنية الثقافية،.. إلخ) بقوةٍ في هذا السياق الذي يرحّله العظمة من مجال التفسير السوسيولوجي. وهنا تمكن الإشارة إلى أن الموقف المتأرجح للكتلة البشرية العربية (أو الشوايا بلغة عزيز العظمة) في الجزيرة (شمال شرق سوريا) من النظام والحراك الثوري والدواعش، فقد ظلت هذه الكتلة نهباً لقلق الاختيار، وإذا نحينا جانباً جزءاً ضئيلاً من ذوي الاتجاه الديني من أفرادها الذين شاركوا في الحراك؛ فإن هذه الكتلة لم تحسم اختيارها وظلت في النهار مع النظام وفي الليل مع داعش.

مفهوم ” الهوامش” في ظلّ سياسات السلطة السورية ذات النهج الطائفي لم يعد يُقصر على الريف ذاته وإنما بات يمتدُّ ليستغرق الضواحي والأحياز المكانية الشعبية وحتى البلدات

يقدّم عزيز العظمة مقاربةً عميقةً للأصولية الدينية في العالم العربي من خلال تحديدها بنوعٍ من النُّكوصي الأهوائيِّ الذي يَحِنُّ إلى بداياتٍ كاملةٍ وناجزةٍ (عصر النبي عادةً) وغالباً ما يجري “مناقضة صورة هذا العصر الذهبي بصورةِ حاضرٍ فاسدٍ منحطٍ”؛ وهذا النكوص الذي يمثِّل العودة بالمجتمعات نحو تاريخٍ ماضٍ أو الخروج من سياق التاريخ والتلذُّذ بالإقامة في “اللاـ تاريخ” ولكن تحت طائلة العنف، هذا التجلي للفكر النكوصي والأصولي بنشوئه وانفجار عنفه يجد مرجعيته الأساسية في القراءة الحرفية للقرآن التي دشّنها رشيد رضا، حيث تقوم هذه القراءة على إزاحة التآويل المحتملة للخطاب القرآني لحساب الفهم الحرفي وتجفيف الممكنات الدلالية للسياق النصي ثم انسداد الآفاق بين النص والتاريخ.

هذا الاتجاه ــ وعكس ما مضت فيه إصلاحية محمد عبده ــ هو الذي أتاح تفريخ الأصولية وسمح لها بأن ترفع من نفير صعودها في العالم العربي. وهنا يكشف عزيز العظمة الجذور والجذامير التي تبيح للعنف أن يرتبط بالخطاب؛ فالعنف أصلٌ في الخطاب الديني الذي يلازم أي كيانات يمكن أن تسعى إلى تأسيسه هذه الجماعات “إن قرآن العنف والحق والتقويم شأن قديم قِدَم الأديان التوحيدية، وفي رسائل وعِظات القدّيس أوغسطين بيانات بالغة الفصاحة على ذلك وحوله”. وإذا تجاوزنا حَدَّ الاتفاق مع العظمة في هذا الشأن؛ فإنه في الوقت ذاته يتغاضى عن بعدٍ أساسيٍّ في تفسير “الصعود الأصولى” وتفريخ الجماعات الجهادية (في سوريا) من خلال القفز على الممارسات الإرهابية للدولة وتغييبها من السياق التفسيري؛ فالمرء لا يحتاج إلى جهد كبير لملاحظة الصعود الأصولي في مناطق الأكثرية السنية بعد أن تُركت هذه حقولاً مكشوفة للموت المجاني الذي مارسته قوى السلطة مدعومة بميليشياتٍ تتغذّى على ثارات الحسين وزينب والاستغراق في حقدٍ تاريخيٍّ لا مبرر له. وهذا يعني أن الكثير من علوِّ نفير الصعود الأصولي لم يكن إلا أمراً طارئاً وبفعل سياسات التطييف التي أجادها نظام بشار الأسد.

وهنا ينبغي أن نتذكر أن توصيم الباحث لما بعد الحداثة بالنكوصية والتبشير بما قبل الحداثة عبر توصيف حضور هايدغر بالحضور الشؤم هو في الواقع تمسُّكٌ بنجاعة مشروع الحداثة للمجتمعات ونفي تهمة الفشل عن مشروع الحداثة؛ لكن الواقع على ضديد من ذلك؛ فتجربة الدولة الوطنية المزعومة التي اتخذت من الحداثة سبيلاً لها قد فشلت وانهارت وشكّلت أرضية خصبة للصعود الأصولي وهذا ما لا يقترب منه عزيز العظمة.

يلجأ عزيز العظمة إلى لغةٍ جديدةٍ في بَنْيَنَةِ مفهوماته في سياق توصيف الجحيم الذي يبتلع الفضاء السوري والصّراع الدائر بين النَّظام والجماعات الأصولية (بعد أن تمكّن النظام والجماعات من الفتك بالقوى الوطنية من جهةٍ) والصِّراع الذي يطحن هذه الجماعات ضد بعضها البعض من جهة أخرى؛ ولذلك ينبثق مفهوم “الهوامش” تعبيراً جديداً يعضد تأويله للصعود الأصولي. ويعكس موضوعه بصورة أدق، وهو بذلك يصوّب سؤال المحاور “أرياف تقاتل أريافاً” إلى “هوامش تقاتل هوامش”، يقول بهذا الصدد توضيحاً وتصحيحاً “ليست المسألةُ أريافاً ضد أرياف بقدر ما هي هوامش ضد هوامش، وذلك في رقصات الموت في ظل تشبيح متبادل من قبل العديد من العناصر المنتمية إلى الفئات المهمّشة إلى درجة الرثاثة”، وفي واقع الحال؛ فإن النظام السوري الذي أحدث منعطفات من التشويه في كينونة السوريين، لم يكن له من شاغلٍ خلال الأربعين سنة سوى اتّباع استراتيجية تهميش جهنمية متعمّدة “للمكان” ولا سيما الريف عبر التدخل السافر لأجهزة الأمن بتخريب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والاستيلاء على الأراضي، الأمر الذي أسّس فضاءً مناسباً لتدفّق الأفكار الأصولية والنمو السرطاني لهذه الأفكار التي باتت الآن تجتاح الريف وتمضي به إلى رقصة الموت المأساوية.

لوحة: صفوان داحول

إن مفهوم ” الهوامش” في ظلّ سياسات السلطة السورية ذات النهج الطائفي لم يعد يُقصر على الريف ذاته وإنما بات يمتدُّ ليستغرق الضواحي والأحياز المكانية الشعبية وحتى البلدات؛ فـ”الهامش” كان سمةً سيميائية للمكان السوري في زمن هذه السلطة الطائفية بلبوسها القوموي؛ ولذلك لا يستغرب عزيز العظمة الانتقام الخالص والأعمى للسكان من هذه السلطة التي “لم تترك للسكان (ومن تبقّى من السكان) سوى الاستياء والإذلال والإهانة والفاقة؛ وهذا، بشكل ما يختصر الأربعين سنة الماضية في التاريخ السوري الذي تدهور فيه الشعور القومي والكرامة الشخصية والشعور الطبيعي بالتضامن بين الناس إلى مستويات بدائية أسفرت عن الرغبة في الانتقام الخالص والأعمى، مع تهتّك بيّن للقيم ومنها قيم المواطنة والمصلحة العامة والوطنيّة والتكافل الاجتماعي المدعوّة أحيانا بالنخوة (عادت الأخيرة للبروز والفعل المتقطّعين أيّام الحراك”. إن علاماتٍ جمةً تشير إلى اتباع النظام سياساتٍ طائفية ٍ خلال الأربعين سنة الماضية، بل وتفاقمت هذه السياسات بعد استلام الابن للسلطة مما عجّل بانهيار قيم المواطنة والكرامة الشخصية والتعليم إلى الحدود القصوى.

ويقدِّم الأستاذ العظمة ما يفاجئ القارئ بخصوص المسار السوسيولوجي لمجتمعات الشرق الأوسط نحو الديمقراطية بوصفها تحقيقاً لبرنامجٍ سرديٍّ تتقدَّم به نحوها قوى هذه المجتمعات، لكن ما يقول به يستند إلى أرضية سوسيولوجية ملموسة ـ ولا سيما ما حدث ويحدث في مصر وليبيا واليمن (وحتى تونس) ومحاولات روسيا وإيران الحثيثة لتعويم بشار الأسد ــ أي من حيث طارئية الأنظمة الديمقراطية ورسوخ الاستبداد، يقول “فإنّ فكرة الاستبداد، أو على الأقل السلطوية، تصبح أفضل تمأسساً من رؤى الحركة الحتمية نحو الديمقراطية، واندفاع اليوتوبيا المنجزة ونهاية التاريخ التي أتت مع نهاية الحربالباردة. ما أصبح أكثر تمأسساً ورسوخاً هو فكرة أنّ الأنظمة الديمقراطية ربما كانت شاذة تاريخياً”. ولا شك أن هذه القولة تعاكس التوقُّع المأمول عادةً وتعصف به في مهبّ التمني الميتافيزيقي وتقذفه إلى مسار الهامش واللاتوقع؛ ليغدو برنامج المسار السوسيولوجي للمجتمعات رؤية معيارية لا تصدم أمام الوقائع الفعلية، هكذا عاد الاستبداد بقوة ليبتلع مصر، وتونس غدت على مسار الاستبداد أما بقية الدول الأخرى فحدّث ولا حرج.

إن كون “الأنظمة الديمقراطية” شاذة تاريخياً في مقابل رسوخ الاستبداد إنما يشي بجذامير أرسطيّةٍ تتسلل على نحوٍ واعٍ إلى تفكير عزيز العظمة حول عبوديةٍ ثاويةٍ بل قارّة في البنية الذهنية للمجتمعات الشرقية واستحباذها للاستبداد، الأمر الذي يجعلنا أن نموضع ملاحظته هذه في استمرار تناسل ثنائيات تتحكّم ببنية التفكير التي تقود مقاربته: الغرب/الشرق/ الديمقراطية/ الاستبداد،…إلخ. مع الاعتراف بأن هذه الثنائية حتى هذه اللحظة تدعم قراءة البروفيسور العظمة.

إن الرؤية التي ينطلق منها البروفيسور عزيز تنطلق من وقائع مرتبطة بالزمان والمكان، هذه الرؤية الواقعية ــ التاريخية تكتسب تجليها من قراءة مستقبل سوريا، هذا المستقبل الغامض الذي يتناسب مع ما يقول به العظمة في توصيف عميق الدلالة “ولكنّ ثمّة سلوى قابعة في أمل غير واضح المعالم”، فاختراع هذه الفضاء ثانية ـ الفضاء السوري ــ يرتبط على نحو فعليٍّ بلوحة القوى الفاعلة والمتصارعة، مع الأخذ بعين الاعتبار القوى الإقليمية والعالمية التي تشكّل خلفيةً لصراع القوى الداخلية. وبناء على ذلك يمكننا تضييق مساحة الاختلاف بين ما يقول به العظمة حول مستقبل سوريا الغامض وقولة هايدغر التي انتقدها في البداية “إله فقط قادر على إنقاذنا”، فالأمل الغامض لدى عزيز العظمة ليس إلا إله هايدغر الغائب. وهكذا يعود بنا عزيز العظمة من حيث لا يدري إلى حلول ما قبل حداثية أو ما بعد حداثية كان قد اعتبرها نذير شؤم.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا