الأسئلة المرايا وإطلاقية الإجابات.. مستهل حوار مع المفكر مراد وهبة

تتحرَّك المُقابلة مع المُفكِر المصري مراد وهبة، والمنشورة في العدد السابق من مجلَّة 'الجديد'، على مِحور تتشكَّل حلقات دوائره المتشابكة من مصْطَلحاتِ وألفاظٍ وعبارات ذات محمولاتٍ ثقافية ومفاهيم فكرية عديدة ومتنوِّعة، غير أنَّها تعودُ، في خاتمة المطاف، إلى ثنائية فقهية - فكرية، وربما فلسفيةٍ إلى حدٍّ ما، تأسَّست في الوعي العربي، وفي الواقع المجتمعي لبلاد العرب، وتابعت الحضور في كليهما، منذْ ما يربو على الألف عام.

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(112)]

لوحة: صفوان داحول
الإرثُ المهيمن والإرثُ الهامشي

أحدُ طرفي هذه الثُّنائية هو إرثُ ابن تيمية، المُهيمن على نحو قطعيٍّ طاغٍ، وثانيهما هو إرثُ ابن رُشد، المقموع والمُحتجزة إمكانيات تطوره وممكناته على نحو أبقاهُ هامشياً. وبالطَّبع، فإنَّ كلا الإرثين يمتدُّ عبر الزَّمن وصولاً إلى زمنٍ قديم يَصِلُهُ بمرجعياته الثَّقافية الأولى التي تبلورت في سياق واقعٍ اجتماعي وسياسي وثقافي متسمٍ بمعطياتٍ، ومُنْحَكِمٍ إلى شروطٍ، ليست هي، بالضَّرورة وفي واقع الحال، المعطيات والشُّروط التي تحكمُ الواقع الآخر، المتوالي عبر أحقابٍ زمنية ومراحل تاريخية متغايرة وممتدة في الزَّمن لما يزيد على الألف عام، وهو الواقع الذي أُريدَ له أنْ يُتابعَ حَمْلَ الإرثَ الماضوي المهيمن على تلك الثنائية، أي إرث ابن تيمية، بكل ما تراكم عليه من ثقلٍ باهظٍ وسُخامٍ يُغلق إمكانية الانفتاح على صيرورة الحياة فيحتجزُ إمكانية الذَّهاب إلى أي مستقبل ممكن! والذي هو الإرثُ الذي لا يُمكن لعقلٍ إنسانيٍّ متفتِّح، أو لإنسانٍ يُعمِلُ عقله أنْ يقبل لنفسه العاقلة أنْ تنوء بثقلِ قيوده، أو أن تستمرئ التَّقيُّدَ بأغلاله الكابحه العقلَ عن تأمُّل العالم، والمًسمِّرة الأقدام في قاع قبوٍ معتمٍ يُغلق العين عن التَّطلُّع صوب قبَّة ضوءٍ ويكبح الخطو عن الذَّهاب نحو أفق إنسانيٍّ أبعدَ!

وإلى ذلك، وفي سياق الأعم الأغلب من إجاباته عن أسئلة الجديد، وبحسب ما نستخلصهُ مما تنطوي عليه هذه الإجابات من إحالات فكرية وسياسية مُباشرة أو ضمنية، نجد أنَّ المُفكَّرُ مُراد وهبة يُكثِّفُ تشخيصه للصِّراع المُتشعِب الذي استعر ولا يزال يستعرُ، بوتائر تتباين درجاتُ استعارها في المجال العربي، في الإحالة إلى مكونات الصِّراع ما بين هذين الإرثين: إرثُ ابن تيمية المُهيمن، وإرثُ ابن رشدٍ الهامشيِّ، وذلك مندُ اللحظة التي فيها "أعلن ابن تيمية كُفْرَ ابن رشد، مما جعله على هامش التَّاريخ العربي"، أي ابتداءً من قرب نهاية القرن الثاني عشر الميلادي حتَّى الآن.

فما هي، بإيجاز ومن غير إغراقٍ في المصطلحات الفقهية والفلسفية أو تَقَصٍّ للخلفيات السياسية والمذهبية التي باتت معروفةً تماماً ومتداولة، الملامحُ العامةُ لكلا الإرثين، على نحو ما تتبدَّى في إجابات المُفكِّر مراد وهبة على أسئلة الجديد، وبحسب ما يُمكننا قراءته مضمَّناً في الخلاصات والرُّؤى التي تبثُّها تلك الإجابات المنطوية على إحالات مُباشرة، أو ضمنية، لما تناولته، أو خلصت إليه، مؤلفات وكتابات ودراسات عديدة أنجزها المُفكِّر الفيلسوف؟

ثنائية تناقضية لا تنتهي ولا تتناهى

نستطيعُ، قبل الذَّهاب إلى عرض ما يلزم من توضيحاتٍ، ومن دون أدنى قدرٍ من تعسُّفٍ أو مبالغة، أن نُوجزَ هذه الملامح عبر صوغها في عبارة واحدة تقولُ إنَّ الإرثَ المهيمن في عالم العرب إنما يُلحُّ على تعطيل العقل وإعمال النَّقل في الأعم الأغلب من الأمور الجوهرية، فيما يدعو الإرثُ الهامشيُّ إلى إعمال العقلِ في كُلِّ أمرٍ، ووفق طبائع فطرية ومُحدِّداتٍ منهجيةٍ واضحةٍ يُمْلِيها العقلُ نَفْسُهُ.

إنَّها، إذنْ، ثُنائيةٌ تناقضية لا تنتهي ولا تتناهى، فحين يُعَطَّلُ العَقْلُ، الذي هو سِمةُ الإنْسَانِ الفارقة وعلامةُ تميُّزه عن غيره من الكائنات الحيَّة والنباتات والحيوانات والمخلوقات والموجودات والأشياء، بجميع أنواعها وأصنافها ومُسَمَّياتها، يُؤخذُ الإنسانُ، أو هو يأخُذُ نَفْسَهُ بنفسهِ، إلى كُنْهِ يُناقضُ فِطْرته، وإلى طبيعة تُفارقُ ما جُبِلَ، أصلاً، عليه.

هكذا تنفتحُ هذه الثُّنائية التَّناقضية المُتشعِّبة على اللاتناهي، لتضمَّ كلَّ الثنائيات المتناقضة، والتي تبدو، في فكر مراد وهبة، وكأنَّما هي ثنائيات ينغلقُ كلُّ طرف منها انغلاقاً تاماً على نفسه على نحو لا يتيح إمكانية العثور على وسيط يفتح واحدهما على نقيضة، بأي درجة ووفق أي معيار ومن أي جهة: المُغْلقُ والمفتوحُ؛ الجامدُ والمتحرِّك؛ المُعْتِمْ والمُضيئ؛ العبودية والحرية؛ الظلامية والاستنارة؛ الجهل والعلم؛ التَّخلُّف والتَّقدُّم، المنقول والمعقول؛ الماضي والمستقبل؛ السَّلفية والمستقبلية؛ القبو والقُبَّة؛ المرونةُ والتَّحجُّر؛ الثَّبات والتَّحول؛ الاتِّباع والإبداع؛ الزِّيفُ والأصَالة؛ الإبصار والعماءُ، الخُرافةُ والحقيقة؛ السُّكون والحركة؛ التَّدني والرُّقي؛ السُّقوط والصُّعود؛ الغفلة واليقظة؛ القُعُود والنُّهوض، المُطلق والنِّسبي، وذلك إلى آخر ما تكتنزهُ ألفاظُ اللُّغة من ثُنائياتٍ متقابلةٍ تَقَابلَ الضِّدين اللذين لا يجتمعان أبداً، وليس من واسطة تصلُ بينهما، ولا يُمكنُ، ببديهة العقل، إزاحة أو رفع ما بينهما من تناقض وجوديٍّ قاطعٍ، من حيث السَّلب والإيجاب، والعدم والوجود، والافتقار إلى الملكة والتَّوافر عليها، أو من حيثُ انعدام إمكانية الالتقاء أو التَّضايف، غياباً وحُضُوراً، في آنٍ واحدٍ معاً، إلا في سياق صراعٍ تتعدَّد أنواعه، وتتنوَّعُ مجالاته، وتتباين درجات اسْتِعَارِهِ وضَرَاوَتِه.

الحوار مع الأفكار والرؤى لا يتوخَّى، ولا يُمكن له قطعاً أنْ يتوخَّى، قبضاً على حقيقة من أيِّ طبيعةٍ أو درجةٍ أو نوع، وإنَّما هو سعيٌ دؤوبٌ لإثارة الأسئلة وتلمُّس الإجابات التي تُفضي إلى ترقية الفهم وتعزيز الاستيعاب وتعميق الإدراك

السُّلالة الرَّشدية المُتنوِّرة

وتأسيساً على خُلاصةٍ مُعْتَمَدَةٍ من قِبَلهِ وفق تحليله ورؤيته تقولُ إنَّ "التَّغلُّبَ على الواقع المتردِّي يكونُ باستدعاء فلسفة ابن رشد التي ساهمت في تطور الحضارة الغربية"، يذهبُ المُفكِّر مُراد وهبة إلى تأكيد انتمائه إلى السلالة الرُّشدية المًتنوِّرة، إي إلى الإرث الهامشي في الثَّقافة العربية وعالم العرب، وفي صُلْب صُلْب هذا الإرثِ الفَلْسفةُ العقليةُ المستنيرة التي تبلورت، عربياً، على يد الفيلسوف ابن رشد، مُسْتَلِهَماً الفيلسوف الإغريقي "أرسطو" الذي كانَ هو شارحهُ الأكبر، وبانياً على مُنجزه الفلسفي العقلي الشامل، المتماسك والرَّصين.

وكأَنِّي بمراد وهبة لا يعدو في إعلانه ذلكَ التأكيد، المؤكَّدِ أصلاً، إلا أنْ يُضيءَ على ما قدَّمه هو نفسهُ من عطاءِ، طوال ما يربو على سبعة عُقود من العطاء الفكري الفلسفي والاجتماعي والسِّياسي والتَّعليمي والتربوي، ومن إسهامات رصينة، جريئةٍ ومُقدَّرة، تتوخَّى، ضمن مقاصد وغايات نبيلة أخرى، "إحياء فلسفة ابن رشد في مُواجهة فكر ابن تيمية"، وذلك على نحوٍ يتجلَّى، بوضوح ساطع، في حياته العلمية وسلوكه العملي وتجاربه الفكرية والمجتمعية، ومؤلَّفاته وكتاباته الفكرية والفلسفية والإبداعية ومقالاته السياسية العديدة، المتنوَّعة الموضوعات والقضايا، والتي توخَّت، ولا تزالُ تتوخَّى، مُباشرةً أو ضمناً، إنهاض وعيٍّ عربيٍّ مستنير يُسهمُ في إطلاق حركة تنويرية عميقة شاملة تؤسِّس لنهضة عربية عميقة وشاملة أيضاً؛ نهضة تنقل العرب من "الواقع القائم" إلى "الواقعٍ الممكن"؛ هذا الذي يُفضِّل المُفكِّرُ مُراد وهبة أنْ يستبدل به مصطلح "الواقع القادم"، وهو الاستبدال الذي سنحاول تبيُّن دوافعه، ومسوغات اعتماده من وجهة نظر المُفكِّر، وذلك في إطار مناقشةٍ أوَّلية سنذهب إلى إثارتها في فقراتٍ لاحقةٍ وضمن سياق يتصل بموضوع حواري ملائم.

إنَّ إطلالة أُوليَّة على عناوين مؤلَّفات المُفكِّر مراد وهبة وكتاباته المتنوِّعة الحقول والمجالات على مدى ستة عقودٍ، وفي ظروفِ نشرٍ صعبةٍ، أو في ظلِّ أحوالٍ وأوضاعٍ لم تكن مواتية تماماً، لكفيلة بأنْ تكشف النِّطاق الواسع والمُتشابك من الموضوعات المُلحة والقضايا الشائكة والمشاكل المُزمنة والإشكاليات المُعقَّدة التي تتصلُ بالواقع العربي (ولا سيما المصري) القائم، والتي سَعى إلى تغطيتها فلسفياً وفكرياً عبر مُساءلتها، وربما كذلك عبر السَّعي إلى تقصِّي جذور مُسبِّبَاتها، وتشخيصها، وإثارة حوار خلاق حول معالجات سابقة لها، وصولاً إلى استخلاصات وخلاصات وتوصيات عميقةٍ، ومؤصَّلة تتساوق مع منهجه الفلسفي العقلاني المنطقي، ويسهم إدراكها والأخذ بها في إدراك الواقع المُتردي القائم والشروع في تأسيس وعيٍّ نهضويٍّ جديد، واستنباط رؤىً مستقبليةً، وامتلاك وسائل وأدوات وطرائق عملٍ تُمكِّن النَّاس من تجاوز واقعهم الاستبدادي اللاإنساني الضَّاري عبر الانخراطِ في حراكٍ مجتمعي واسع ودؤوب يدركون، وهم يعبرون مساراته المتشعِّبة، أنَّ مستقبلاً ممكناً يتساوق مع رؤى فلاسفتهم ومفكريهم وصنَّاع الرأي عندهم وقادتهم المخلصين الأوفياء، فيما هو يستجيب لإزاحة آلامهم، وتحقيق تطلعاتهم، وتلبية آمالهم، قد أوشك على القدوم.

وإلى ذلك، وسيراً على نهج السلالة الرُّشدية، وتأسيساً على حقيقة أنْ " لا أحدَ يملك الحقيقة المُطلقة"، ومتابعة لنهج التَّساؤل والشَّك وتحويل كل جواب إلى سؤالٍ تفضي الإجابة عنه إلى تأصيل إجابة سابقة عبر تعديلها أو تقليصها أو الإضافة عليها لضبطها وتطويرها، أو إبدالها تماماً لثبوت الحاجة العقلية والمنطقية إلى ذلك، فإننا نذهبُ إلى إثارة حِوارٍ فكريٍّ مفتوحٍ مع ما طرحه المُفكِّر الفيلسوف مُراد وهبة، في المُقابلةِ المُشار إليها، من أفكارٍ وتبصُّراتٍ ورؤى وخلاصاتٍ. وبطبيعة الحال، فإنَّ الحوار مع الأفكار والرؤى لا يتوخَّى، ولا يُمكن له قطعاً أنْ يتوخَّى، قبضاً على حقيقة من أيِّ طبيعةٍ أو درجةٍ أو نوع، وإنَّما هو سعيٌ دؤوبٌ لإثارة الأسئلة وتلمُّس الإجابات التي تُفضي إلى ترقية الفهم وتعزيز الاستيعاب وتعميق الإدراك لتفتح أفق التماس يقينٍ لا يُعتِّم ظلُّه المسكون بالشَّك على يقينيته الرَّاهنة التي يُسوِّغها العقلُ بوصفه ملكة إدراك عقليٍّ من جهة، وباعتباره حيِّزاً معرفياً يكتنزُ معرفةً مُتحصَّلة تمَّ تأصيلها عبر ملكة الإدارك العقلي على نحوٍ رسَّخ حقيقتها اليقينية الرَّاهنة، من جهة أخرى.

هيكلية المُقابلة وبنى الأسئلة والإجابات

وفي واقع الأمر، فإنَّ قراءة المُقابلة، ولا نقول المُحاورة، من حيث كونها أسئلةً تتأسَّس على مُدركاتٍ سابقة وإجاباتٍ تبثُّ خلاصاتٍ وتبصُّراتٍ جديدة، ومُعاودة قراءتها مرَّاتٍ ومرَّات، والسَّعي لإضاءة الإجابات وتدقيقها وإدراك مُسوِّغاتها عبر متابعة الذَّهاب إلى استشارة المظانِّ القريبة الصِّلة بها في كتابات مراد وهبة المتنوِّعة، ومن ضمنها مؤلفاته الخاصَّة ودراساته المنشورة ضمن كتب مشتركة، ومقالاته المتواترة في المجلات والصُّحف، إنما تفتحٌ المجال واسعاً أمام انهمار أسئلة تتنوَّعُ أشكالها وأنماطها وغاياتُ انبثاقها ومقاصدها، فلا نكادُ نجاوز قراءة فقرة من الفقرات التي يخصِّصها المُفكِّر للإجابة عن سؤال، حتِّى تُمسكُ أصابعُ الكفِّ بقلمٍ يتهيَّأ لخطِّ أسئلةٍ يُمليها العقلُ المُحفَّزُ بما تنطقه أو بما لا تنطقه الإجاباتُ، وبما تبثهُ مباشرةً أو تنطوي ضمناً عليه من تبصُّراتٍ وخلاصات. وتلك، فيما أحسبُ، ميزةٌ تُحسب للسائل والمجيب، ولا تحسب على أيٍّ منهما إنْ تمَّ تقديمها في سياق جدالي، وبوصفها مقترحات قابلة للجدل؛ فما الفكرُ إلا أسئلةٌ تبحثُ عن إجابات ما أنْ يجدها المُفكِّرُ حتَّى يحولها عَقْلُهُ المُحفَّزِ والمُحَفِّزُ، كما عقلُ المتلقي المتفاعل النّاقد، إلى أسئلة جديدة تتوخى فهماً أوسعَ، وإدراكاً أعمقَ، واستيعاباً أعلى، ويقيناً ذا ظلالِ شكٍّ أقلَّ.

العنوان الرئيس: تحييد الدلالة وتحفيز العقل

لوحة: غفران يونس

فلنبدأ إذنْ من حيثُ ينبغي أنْ نبدأ، أي وفق تسلسل عملية القراءة، رأسياً وأفقياً، أي أننا سنبدأ من العنوان الرئيس والاستهلال، ثمَّ ننتقل إلى الأسئلة والإجابات، وذلك على نحوٍّ يُمكننا، عبر توالي القراءات، من إدراك هيكلية المُقابلة وتوزُّع أقسامها، ومن تعرُّف بُني الأسئلة والإجابات عبر تلقي رسائلها وتحليل عباراتها وتبيُّن كيفيات صوغها لإدراك منطوياتها والشُّروع في مناقشة خلاصاتها استجابة لما تثيره هذه الخلاصات من أسئلة تتوق للعثور على إجابات تفتحُ بدورها الحوار مع المقابلة على متَّسَع يتوخاهُ أي فكرٍ يريد لنفسه أنْ يكون مُستنيراً.

يحضِّىرنا العنوانُ الموزَّعُ على سطرين مترابطين يحملُ أولهما عبارة تأتي في صيغة مضافٍ ومُضاف إليه هي عبارة "تحرير العقل" التي تتكون من مصدرٍ واسم مفرد مُعرَّف، والتي تبدو، لعدم اكتمالها في صيغة جملة، عبارةً مُحايدةً لا تتوخَّى شيئاً سوى لفت انتباه القارئ إلى أنَّ ما سيقرأهُ لاحقاً إنما يتعلَّق بموضوع "تحرير العقل"، فيما يحملُ السطر الثَّاني عبارةً أخرى تعطفُ صيغة الإضافة "سجون الماضي"، المكونة من اسم جمعٍ أضيفَ إليه اسم مُفردٍ مُعَرَّف، على صيغة النَّعت "المحرَّمات الثقافية" المكوَّنة من اسم جمع مُعرَّف وصفة هي بدورها اسمُ جمع مُعرَّف توضِّح أنَّ المحرمات الموصوفة هي محرَّمات ثقافيةٌ فحسب، لتضعَ القارئ أمام ثلاث صيغٍ لغوية نحوية تعتمدُ، كما لاحظنا، الأسماءَ، مُضافةً ومنعوتةً ومعطوفةً، وذلك على نحوٍ يُغيِّب حضورَ الفعل والخبر فيحول دون اكتمال المعنى في تركيبة العنوان الذي يبدو أنَّ واضعه قد توخَّى ألا يكون إلا مُحايداً في دلالته المباشرة التي سعى، عبر استدراج دلالات ضمنية غير محايدة، إلى وسمها بالمُراوغة، وذلك من خلال وسم المُحرَّمات بصفة "الثَّقافية" وتُحدِّيدها بها، وخصُّ السُّجونَ بالزَّمن "الماضي" وتُحدِّيدها به عبر إضافتها إليه، وكأنَّما تحرير العقل أمرٌ لا يخصُّ إلا تحرير هذا العقل من المحرمات الثَّقافية التي شيَّدتْ في الماضي "سجونَ الماضي"، والتي هي العلَّة الأصلُ والمُسبِّب الأساسُ لتلك السُّجون المعلولة برسوخ وجودها في الماضي الذي مضي، أو في الماضي الذي يتمدَّد في الأزمنة إذْ لا يزال حاضراً في الحاضر بوصفه الغطاء الثَّقافي المهيمن على هذا الحاضر على نحو يجعله مُرشَّحاً للهيمنة على المستقبل الذي يُنبئُ بمجيئه من أغوار ماضٍ بعيد!

هكذا يُحضِّر العنوانُ، المُستلُّ من فحوى المقابلة بذكاءٍ يحرصُ على تفادي الوقوع في شرااك ما اتسمت به أقوال المُفكِّر وخُلاصاته الواردة فيها من يقينية قاطعة وحاسمة ومُعمَّمة لا يعتورها شكٌ حتَّى لو كانَ هذا الشَّكُ ظلَّ يقين، يُحَضِّرُ القارئ لتلقي المُقابلة بعقلٍ مُتفتِّح ناقد لا يكفُّ عن تفحُّص الأسئلة وإدراك الإجابات بوصفها ولَّادة أسئلةٍ أخرى تقترحُ إجابات مُغايرة لا تني تفتحُ، بدورها، أفقَ السُّؤال.

الاستهلال: إثارة وتشويق وتلميع مرايا

غير أنَّ الاستهلال يُغادرُ منطقة المُحَايدة ومنطقها، ويتخلَّى عن ما أسَّسه العنوان لدى القارئ من تحفيز للاطِّلاع على المقابلة ومقاربتها بعقل مُتحفِّزٍ، مُتَسَائلٍ وناقد، فما أنْ تقعُ عين القارئ على مُستهلِّ الاستهلال حتَّى تقرأ عبارة خبرية، أو جملة اسمية في محل خبرٍ، محذوفٌ مبتدأها، لتنتمي إلى صحافة الإثارة والتشويق "أخطر أستاذ جامعي في الجامعات المصرية"، غير أنَّ هذه الإثارة سرعان ما تخفتُ حين تكشف التوضيحات اللاحقة أنَّ المعنيَّ بعبارة الخبر الواصفة هو " المفكر والأكاديمي مراد وهبة"، وأنَّ نعته بالـ "أخطر"، إنما ورد في " التقارير الأمنية"، وذلك لأنَّهُ عارض"بعض السِّياسات الاقتصادية في عصر الرئيس السادات". ولكنَّ خفوت الإثارة سرعان ما يختفي جرَّاء معرفتنا أنَّ الأعمَّ الأغلب من المفكرين والأكاديميين والمثقفين المصرين، على تعدُّد توجهاتهم الفكرية والسياسية، قد عارضَ، ليس "بعض السياسات الاقتصادية في عصر السادات" بل السَّادات نفسه وجُلَّ سياساته غير السَّوية على امتداد مرحلة حكمه مصرَ، أي طوال ما يسميه الاستهلال "عصر السَّادات" بأكمله، ثمَّ يعود ليشتعلُ من جديدٍ، وعلى الفور، إذْ تخبرنا جملة الاستهلالُ أنَّ صفة الخُطورة تلك لم تُبارح المُفكِّر والأكاديمي مراد وهبة، فـ "ذلك الخطر ... لا زال [كذا في الأصل] يلازمه حتى الآن"، ولكن لأسباب أخرى مؤداها أنَّه "رافض على طول الخط أن يقمع عقله أو يساير الواقع أو أن يقبع في برج عاجي بعيدَا عن المجتمع الجماهيري، والذي يسكنه غيره من المفكرين القانعين بضرورة انفصالهم عن العامة باعتبارهم “نخبة”.".

ويزدادُ اشتعال الإثارة التي يتوخَّاها الاستهلالُ مقرونةً بالأحكام القاطعة، وذلك في تعارض مع مقاصد العنوان الرئيس، مع توالي وقوع العين على جمل وعباراتٍ من قبيل أنَّ أستاذ الفلسفة قد "سعى على مدار سنواته التسعين، أن يكون سقراط في القرن العشرين، أن يتنازل عن “عرش الفلاسفة” إلى حيث يوجد الجماهير، يحاورهم ويغيِّر من معتقداتهم السائدة المتوارثة عن غير تفكير، وتحمَّل في سبيل ذلك الكثير من الهجوم والحملات الشعواء التي اعتبرته خطراً على المجتمع."، أو من قبيل أنَّ المُفكِّر مراد وهبة يمتلك "العديد من الأفكار التي تعد صادمة للكثيرين" وأنَّه "ضد الجماعات الدينية والإسلامية بكافة تفرعاتها"، وأنَّه لا يرى تبايناً بين هذه الجماعات وفروعها يُوجبُ الفصل بينها، وإنما هي لا تعدو أنْ تكون "فروعا كثيرة من أصل واحد هو “الأصولية الدينية” ... التي ساهمت في تخريب العقل العربي، وحرمانه من التفكير الناقد الذي يجعله ينظر إلى المستقبل"، وأنَّه "يقبل بالعلمانية التي تدفع نحو تطور المجتمعات والتي تعد البديل الوحيد للدوغماطيقية الفكرية."، وما إلى ذلك وغيره من أقوالٍ حاسمة وقاطعة تنطوي على إثارة تُجافي طبيعة الفكر التنويري الحُر ومقتضيات التفكير الفلسفي الرَّصين، ومغالطات لا تؤيدها الوقائع المشهودة والحقائق التاريخية ذات الصِّلة، ولا سيما تلك المتعلِقة بما قدَّمه المفكِّرون التَّنويريون العرب، على تعدُّد توجهاتهم، وعلى مدار القرنين الأخيرين من الزَّمان على الأقل، من "أفكار صادمة"؛ ومن رفضٍ لأنطمة التَّابو المتعدِّدة والمتشابكة مع أنظمة الاستبداد، المتعدِّدة والمُتشابكة أيضاً؛ ومن كشف عن مخاطر الأصولية والتَّطرف والتفكير الظلامي أياً كانت مصادرها ومقاصدها المتنوِّعة والمتشابكة والمتضافرة مع قوى الاستعمار والاستبداد وأنظمة التَّابو؛ ومن قبول بالعلمانية (وفق مفهوم متبدِّل لكونها مصطلحاً متحوِّلاً وحمَّال أوجه)، ومن إطلاق للفكر التنويري النَّاهض على الإعلاء من شأن العقل الحُرِّ لإنهاض وعي قادر على تمكين النَّاس من إطلاق مسيرة نهضوية شاملة تُمكِّنهم من مغادرة الماضي المتمدِّد في حاضرهم والذّهاب إلى مستقبل يستدعيه وعيهم من مستقبل يتصوَّرونه بوعيٍّ مؤصَّل لا يُفارق إدراك شروط نقل الواقع القائم المرفوض إلى واقعٍ ممكنٍ منشود، ومقتضيات فعل ذلك وفق رؤية مستقبلية، شاملة ومتماسكة، وتتسمُ بالواقعية العملية وإمكان التطبيق!

العنوانُ، المُستلُّ من فحوى المقابلة بذكاءٍ يحرصُ على تفادي الوقوع في شرااك ما اتسمت به أقوال المُفكِّر وخُلاصاته الواردة فيها من يقينية قاطعة وحاسمة ومُعمَّمة لا يعتورها شكٌ حتَّى لو كانَ هذا الشَّكُ ظلَّ يقين، يُحَضِّرُ القارئ لتلقي المُقابلة بعقلٍ مُتفتِّح ناقد

وعلى ما يبدو ، فإنَّ ما يُؤخذُ على استهلال المُقابلة، ولا نقولُ المُحاورة، من إثارة وتشويق، أو من تلميع مرايا لا تعكسُ إلا مقولات المُفكِّر وخلاصات تفكيره، ولا يلتقطُ سطحها ملمحَ ظلٍّ يعودُ إلى فكرٍ آخر، مُغاير أو مناقضٍ، يُحاوره، إنما يعودُ في الأصل، وعلى الأغلب، إلى وقوعه في شراك الإجابات عبر تعمُّده تصعيد ما انطوت عليه هذه الإجابات من إثارة وتشويق ينبعان بدورهما من اكتسابها قدراً هائلاً، وغير مسبوقٍ في مجال الفكر والفلسفة على الأقل، من الوثوقية اليقينية والتَّعميم غير المؤسَّس والحسم القاطع!

جرثومة التَّخلُّف ومُضادُّها الحيوي

وفي حقيقة الأمر، فإنَّ كتب المُفكِّر الفيلسوف مراد وهبة ودراساته ومقالاته لا تفتقر وجود عناوينَ وأقوال وعباراتٍ ومقولات مفعمة بالإثارة والتشويق وغيرهما من السِّمات التي أشرنا إلى اقترانها بها، ومن ذلك، مثلاً، حرصه المكثَّف على تشبيه الأصولية، أو التيار اللاعقلاني المُحافظ ممثلاً بابن تيمية وأتباعه، بـ "جرثومة التَّخلُّف"، واعتباره فلسفة ابن رشد بمثابة "المضاد الحيوي للتَّخلُّص من هذه الجرثومة" [مراد وهبة (مُحرِّر): حوار حول ابن رشد، مقدمة الكتاب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1995، ص 10]، وذلك في اقتران مع تأكيد خلاصة حاسمة وقاطعة تقولُ إنَّ "تطبيق العلمانية ... [هو] المخرج الوحيد من هيمنة التيارات الأصولية" [تحرير العقل، مجلَّة الجديد، العدد 11، ص 66].

وكأنما التَّخلُّف لا يعدو أنْ يكون إلا جرثومةً تُمْلِي طريقةً في التَّفكير يُمكن التَّخلُّص منها بتعاطي العلمانية التي هي "مضاد حيوي" يتكفَّلُ بالقضاء عليها، فيتعافي العقلُ ويستعيد صحَّته وجميع ملكاته وطاقاته ليشرعَ في نقل النَّاس من حال التَّخلُّف إلى نقيضه! وكأنَّما نحنُ، في هذا العصر، غير مُطالبين، كي نُقضي على التَّخلُّف ونغادر أزمنته، إلا بخوض صراع فكري قديم نستعيده كي ننتصرُ فيه لـ"ابن رشد" على "الغزالي"، ثمَّ على وريثه الذي صار رأس سلالته "ابن تيمية"، وكأنَّما ابن رشد كانَ علمانياً من القرن الحادي والعشرين يعيش في القرن الثاني عشر، فيما كانَ "غزاليُّ" القرن الثاني عشر، أو "ابن تيمية" القرنَ الثالث عشر، محضَ فقيهين ظلاميين، أو داعيتي إسلامٍ سياسيٍّ مسكونٍ بمحمد بن عبد الوهاب، وحسن البنا، وسيد قطب، وبالكائن الخفيِّ المدعو أبا بكر ناجي الذي يُزْعَمُ أنَّه مؤلِّف كتاب "إدارة التَّوحُّش"، أو حتَّى البلطجي المُنصَّب من قبل قوى الاستعمار والاستبداد والعنصرية السَّوداء "خليفة للمسلمين" في دولتهم الكرتونية المُصطنعة المُسمَّاة بـ"الدَّولة الإسلامية" التي يُراد لها أنْ تعرضَ أمام البشرية بأسرها صورة مُصطنعةً للإسلام تُجافي حقيقته، أو غيره وغيرهم، فهل نحنُ قد قرأنا ابن رشد والغزالي وابن تيمية عن كثبٍ وأولينا مؤلفاتهم، وسيرهم، وسلالاتهم، وامتداداتهم السابقة واللاحقة، عناية العقل النَّاقد ففهمناهما حقَّ الفهم وأدركنا، حقَّ الإدراك، شروط عصورهم ومسبِّبات صراعاتهم التي أسهمت في تأسيس عصرنا ووسمت حاضرنا؟ وهل نحو تسعة القرون التي تفصلنا عن زمن اندلاع ذلك الصِّراع لم تكنْ إلا زمناً جَمُد فيه الزَّمنُ وانتفتْ صيرورته إذْ امتنعَ وجودُ النَّاس، فَخَلَتْ مراحله وأحقابه من أي صراع، من أي طبيعة أو نوعٍ، ولم يعتورها تحوُّل أو تغيُّر في أيِّ حَيِّزٍ مكانيٍّ أو حقلٍ معرفيٍّ أو مجال؟!

شراكُ التَّواطؤ : الأسئلة المرايا وإطلاقية الإجابات

ويكادُ أمرُ الوقوع في الشِّراك الذي أخذ الاستهلال إلى ما أخذه إليه، أنْ ينطبق، بدرجة أو بأخرى، على أغلب الأسئلة التي من الطَّبيعي أنَّ يكون إعدادها جميعاً قد تمَّ اعتماداً على اطلاعٍ وافٍ من قبل مُعدِّها على كتابات المُفكِّر المعنيِّ ومفكرين آخرين ذوي صِلة، ولا سيما تلك المتعلِّقة بموضوعات المُقابلة ومحاورها الأساسية المُقرَّرة سلفاً، أو تلك التي نجمت عن تحديث ذلك الاطلاع عقبَ تقرير زمن إجراء المُقابلة. ومع ذلك، يبدو أنَّ لعبة الوقوع في الشِّراك قد صارت تبادلية تتسمُ بالتَّواطؤ ما بين السائل والمجيب، فإذْ تبَنَّت الأسئلةُ مقولات وأقوالاً بدا أنَّها "مُسلَّمات" و"بديهيات" و"خلاصاتٍ مُؤصَّلة"، لكونها متواترةً، أو مُتداولةً بكثافةٍ وإسراف، أو لأنَّ المُفكِّر قد اعتبرَ ها خلاصات يقينية وحقائق راسخة لا يعتورها ظلُّ شكٍّ، نجدُ أنَّ المُفكِّر يشرعُ في الإجابة تأسيساً على ما أضاءه السؤالُ من بداهةٍ أو حقيقةٍ راسخةٍ أو مقولةٍ يقينيةٍ موسومةٍ بإطلاقيةٍ تؤهلها للتَّعميم. وكأنَّما الأسئلة لا تعدو أنْ تكون إلا مرايا لا يرى فيها المفكر إلا صفحاتٍ من مؤلفاته السابقة أو ملامحَ تدلُّهُ، من جديد، على ما كان قد رآهُ أو توصَّل إليه وصاغه، من قبلُ، من خلاصاتٍ ورؤى وأفكار!

لوحة: إبراهيم الصلحي

وكي لا نطيل الوقوف عند هذه الملاحظة أو نُغفلَ أهميتها، نلفت انتباه القارئ، بإيحاز، إلى بعض الأسئلة ومستهل الإجابات التي تندرج، للوهلة الأولى، في هذا الإطار: السؤال الأول (ترنُّح الفكر العربي بين الجمود الأصولي والتَّمرد العاجز)؛ السؤال الثاني (تجذُّر المُحرَّمات في المجتمعات العربية)؛ السؤال الثالث (هامشية فلسفة ابن رشد واستبعادها عن التطبيق)؛ السؤال الرَّابع (الإبداع والتَّعليم، وانحطاط التَّعليم في شتَّى بلاد العرب)؛ السؤال السابع (المصير المُخزي الذي وصلت إليه الدول العربية إبَّان ما أطلق عليه "ثورات الرَّبيع العربي"، وعجز المثقف العربي عن أداء أي دور إيجابيٍّ إبَّان هذه الثَّورات)؛ السؤال الثاني عشر (التَّطور يقف مع العلمانية لكنَّ المجتمع يُساند الدوغماطيقية والأصولية)؛ السؤال التاسع عشر (الهوَّة القائمة بين العقل الأوروبي والعقل العربي في نواحٍ عديدة)؛ السؤال العشرون (الفكر العربي في غيبوبة وجميع تياراته يُعاني من سيطرة المُحرَّمات الثقافية)؛ السؤال الثالث والعشرون (التَّساؤل عمَّ إذا كانت "الرأسمالية الطفيلية" قد لعبت دوراً حاسماً في التَّاسيس لـ"الأصولية الدِّينية" وذلك في صيغة يحيل فيها السؤال على إجابة معلومة تؤكِّد أنها قد فعلت)؛ السؤال الرَّابع والعشرون (إخضاع التُّراث للرؤية المُستقبلية وتجريده من القداسة)؛ السؤال الخامس والعشرون (تخليص الثقافات العربية من العنف المُقدَّس الذي اجتاحها)؛ السؤال التاسع والعشرون (المأزق المتمثِّل في عدم وجود "فلاسفة عرب" أو ما يمكن أنْ يُسمَّى "فلسفة عربية" وكيفية الخروج منه)؛ السؤال الثلاثون (من هم الفلاسفة العرب. وما هو الفرق بين المفكِّر والفيلسوف)؛ السؤال الواحد والثلاثون (ارتفاع نسب الإلحاد في العالم العربي وتوتر العلاقة بين الإيمان وإعمال العقل).

وإذْ يبدو أن اغلب الأسئلة الواردة أعلاه، وإجابات المفكِّر عنها، تتضمَّنان مقولات قُدِّمت في هيئة بديهيات مؤصَّلة فكرياً، أو راسخة في التَّاريخ، أو ذات صدقية تستجيب لمعايير قائلها، فإنَّ مجرد تقديمها على هذا النَّحو إنَّما يستدعي مُساْلتها ليفتحها على الجدل؛ فهل يُمكن تشخيص الفكر العربي وتلخيص حاله من جميع الأوجه بـ"التَّرنُّح" بين جمودٍ أُصولي وتمرًّدٍ عاجز؟ وما معنى "الـتَّرنُّح" في سياق يتصدَّى لتشخيص الفكر؟ وهل نحنُ قد أدركنا إدراكاً حقيقياً، عمقياً وأفقياً، زمانياً ومكانياً، "الأنساق" التي حكمت الفكر العربي عموماً، والنَّسق الفلسفي الشامل والمتكامل الذي أسفرت عنه فلسفة كُلِّ فيلسوف فيما كان هذا النَّسق مؤسِّساً لفلسفته، منبثقاً عنها وحاكماً جميع تجلياتها، وضمن هؤلاء الفلاسفة، بل في مقدمتهم جميعاً، ابن تيمية وابن رشدٍ، وسلالتيهما، وذلك بوصفهما الفيلسوفين، أو الفقيهين، أو الفقيه والفيلسوف، اللذين هما، حتَّى اللحظة، طرفا الثنائية التناقضية الخالدة في أزمنتنا؟! وهل يُمكن إدراك الفكر بمعزل عن سياقاته وارتباطاته وأنماط تجليه وأحوال المجتمعات التي حكمتها شروطٌ موضوعية وكانت هي الحاضنات، أو المستنبتات، أو المجالات الحيوية أو الكهوف المعتمة، لانبثاق هذا النوع أو ذاك من الفكر، وتنميته وتمديده، والسَّعي إلى تحقيق وجوده في أحياز الحياة العملية، أأقبية كانت أم قبابا، عبر آليات تطبيق تنبع منه، أو تُفرضُ عليه؟!

وهل يكفي أنْ نُكرِّر القول إنَّ "المُحرَّمات الثقافية مُتجذِّرة في المجتمعات العربية"، مُكتفين بإرجاع ذلك التَّجذُّر إلى "ماضوية العقل العربي" الذي "يستمتع ويشتهي أنْ يحيا في الماضي"، أو إلى "الخوف من تلقي صدمات في المعتقدات الرَّاسخة"؟ فإين العلَّة وأين المعلول هنا؟ ما الذي أكسبَ العقل العربي ماضويته؟ وما الذي أوقف العقل النَّاقد عن العمل؟ أو ما الذي أسَّس، أصلاً، لإلغاء العقل؟ وهل الخوف من تلقي صدمات في المعتقدات الرَّاسخة هو الذي جذَّرها فقدَّسها وأحاطها بنظام تحريم؟ أو ليس في إدراك الخوف والاستجابة لمقتضياته تفعيلُ عقل، بدرجة أو بأخرى؟ وهل الاستجابة للخوف لا تكون إلا بإلغاء العقل أو بالإمعان في الخضوع لأنظمة التَّحريم؟ أليس ثمة من استجابات ممكنة أخرى طالما أنَّ الإنسان لا يقدر على العيش طويلاً مع الخوف في دهاليز الخوف؟! وهل الأمر مقتصرٌ برمَّته على ذلك الدوان في مجال الفكر بمعزل عن تطبيقاته العملية وآلياتها، وعن الشُّروط الموضوعية المتباينة والمتغايرة التي حكمت المجتمعات وتحكمها وستحكمها؟ وهل يمكن لأيِّ فكرة أنْ تتجلَّى في الواقع العملي على نحو مُطابق لصورتها المرتسمة في العقل أو لظلِّها المرسوم في المًخيَّلة؟ وهل كان للتطبيق العملي أنْ يغيِّر الأفكار ويُعدِّلها أو يأتي بأفكار جديدة تُعزِّزها أو تناقضها، أم أنه لم يفعل؟

إننا لفي حاجة لأنْ نعرف، بعمق تشخيصيٍّ تحليلي ودقة علمية تُجافي الانطباعات الأولية والأقوال الانفعالية والأحكام الموروثة والمتداولة، الأسباب الجذرية، الحقيقية لا المتخيَّلة، التي أفضت بمجتمعاتنا العربية، على تباين أوضاعها ومساراتها والشروط الموضوعية التي تحكمها أحيازها، لأن تبقي موسومةً، على مدار ألف عام، بجمودٍ وتخلِّفٍ تتباين درجاتهما بين أنماطٍ متباينة من السكون والجمود والعجز المهيض والموت؟!

عزل الصِّراع عن مسبِّباته الجذرية

ولعلَّ الكلامَ عن تكفير ابن رشدٍ، وتهميش فِكْره (العقلاني المُستنير) استناداً إلى تكفيره من قبل الفقيه ابن تيمية (النَّقلي السَّلفي)، مع استمرار هيمنة فكر الأخير وبقاء فكر الأول مُهمَّشاً طوال تلك القرون وفي جميع المجتمعات والثقافات العربية، لا يُمكن أنْ يُحْمَلَ، من جوانب عديدة، إلا على الارتجال أو التَوظيف الإيديولوجي والسياسي أو في أحسن الأحوال، على استسهال إطلاق الأحكام واستنباط الخلاصات من خلاصات سابقة، أو من معلومات وردت في كتب تراثية، لم تُخْضَع لأي نوع من المراجعة أو التَّفحُّص المُعمَّق والتدقيق الرَّصين. وفي حقيقة الأمر، فإنَّ المسألة لا تتعلَّق بصراعٍ معزولٍ بين مذهبين فلسفيين، أو بين فقيه وفيلسوف، أو بوشاية رفعها إلى "الخليفة" أو إلى "ولي الأمر" أو إلى "الحاكم" أحدهما ضدَّ الآخر، أو فتوى أطلقها أولهما في النَّاس ضدَّ الثاني، أو كيد كاده نفرٌ من المقربين من رأس السلطة السياسية ضدَّ هذا أو ذاك، فكانت نتيجةُ ذلك كُلِّه، أو بعضه، أو ربما محضَ أمر واحدٍ منه، فيما يخصُّ ابن تيمية ومناصريه وابن رشد ومناصرية، أنْ "أصدر المنصور [الأمير المُوحدي المنصور بن أبي يعقوب يوسف، ع ب] أمراً بنفيه [أي ابن رشد] إلى إليسانة"، وإحراق كتبه. ولكن، وبحسب ما تذكرُ كتبٌ مرجعيةٌ أخرى ذات صِلَة، ما هما إلا عامان حتَّى تبيَّن الأميرُ؛ الذي هو رأسُ السلطة السياسية، حقيقة الوشاية الكيدية أو التُّهمة التي لم تكن إلا سياسيةً، فاستدعاه واسترضاه وأكرمه كواحد من كبار رجالات دولته! فهل يُمكن عزو تهميش فكر ابن رشد وفلسفته إلى أي من تلك الأسباب أو حتَّى إليها مجتمعة في ظلِّ عدم استمرار محنته الشَّخصية إلا لعامين؟

ربما نستطيع العثور على مستهلِّ جواب عن هذا السؤال الأخير، في المفارقة التي تقيمها الجملة التالية مباشرةً للجملة التي اقتبسناها أعلاه من إجابة المُفكِّر عن سؤال "الجديد" حول "السبيل إلى إخراج فلسفة ابن رشد من الهامش إلى التَّطبيق". ومن المفيد، هنا، أنْ نقتبسُ كامل الفقرة التي تقيمُ المفارقة وفق ما وردت في سياق الإجابة. يقول مراد وهبة: "وأُجهضت فلسفة ابن رشد في العالم العربي حين أصدرَ المنصور أمراً بنفيه إلى إليسانة، في حين أمر الإمبراطور فريدريك الثاني بترجمة كتبه في مواجهة الصِّراع مع رجال الدِّين المسيحي".

كأنما التَّخلُّف لا يعدو أنْ يكون إلا جرثومةً تُمْلِي طريقةً في التَّفكير يُمكن التَّخلُّص منها بتعاطي العلمانية التي هي "مضاد حيوي" يتكفَّلُ بالقضاء عليها، فيتعافي العقلُ ويستعيد صحَّته وجميع ملكاته وطاقاته

ليس مستهلُ الجواب الذي تمليه هذه المُفارقة إلا سؤال آخر نستلُّه من دراسة، أو ربما هي مقالة فحسب، للمفكِّر مراد وهبة بعنوان "مفارقة ابن رشد" [ابن رشد مُفكِّراً عربياً ورائداً للاتجاه العقلي (كتاب مُشترك)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993، الصفحات 31 – 38]، والسؤال هو: هل من الجائز، عقلياً ومنطقياً وبحسب أي منهج تحليلي كان، أنْ نُفسِّر الشِّقَّ الثاني من المُفارقة، أي الشِّق المتمثَّل في كون ابن رشد ممهِّداً للتنوير في أوروبا، تفسيراً موضوعياً يُدرك المسبِّبات والشروط الموضوعية الحاكمة والضرورات والعلل، ولا نعتمدَ التَّفسير نفسه في مقاربة الشِّق الثاني، أي الشَّق المثمثِّل في كون ابن رشدٍ "موضع اضطهاد في أُمَّته"، بقصد تفسيره وإدراك مُسبِّباته؟!

مُفارقة ابن رُشد ومحنة العقل

في مستهلِّ تفسيره الشِّق الثاني من المُفارقة، يتساءل مراد وهبة عمَّ إذا كان "ثمَّة علاقة بين ترجمة مؤلفات ابن رشد والتغير الاجتماعي [في أوروبا ع ب] في القرن الثاني عشر [كذا]؟ ثمَّ يشرع في توصيف ذلك التَّغير، ليؤكِّد وجود تلك العلاقة، وليبيِّن أنَّ "سلطان الطبقة الثالثة" قد بدأ في النُّمو، وأنَّ ذلك كُلِّه قد تواكب مع "بزوغ الرُّوح العلمانية التي ترفضُ وجود حكوماتٍ ثيوقراطية يكون مركزها روما". ويربطُ مراد وهبة العوامل الموضوعية التي اعتمدها أساساً لتفسيره بالعوامل الذَّاتية المتصلة بالمكونات والخصائص التي وَسمت هُوية الحاكم فأملت توجهاته وأوامره، وبالدّوافع الفعلية لإقدام هذا الحاكم، أي فريدريك الثاني، على الأخذ بمشورة مستشاريه وإصدار الأمر بترجمة مؤلفات ابن رشد، وذلك لأنَّ "فلسفته تستجيبُ لمناهضة الثيوقراطية كنظام اجتماعي تُساندهُ الكنيسة الرُّومانية".

مُفارقة في تفسير المُفارقة

غير أنَّ المفارقة التي تنبع عن منهج تفسير المُفارقة، إنما تكمن في اكتفاء مراد وهبة، في تفسيره للشِّق الثاني من المفارقة التي أضاءها أمام عقولنا، بإعادة إثارة السؤال: "ماذا حدث لابن رشد في العالم الإسلامي؟ وفي اختزال الجواب بعبارة: "لا رشدية"، وفي تقليص تجليات تهميش الفلسفة الرُّشدية بعدم ورود اسم ابن رشد، أو أيٍّ من مؤلفاته، في المراجع التراثية ذات الصلة، إلا عرضاً وفي مناسبات لا تتجاوز أصابع الكفِّ، وذلك على نحو جعل هنري كوربان يُقرِّر أنَّ "الرُّشدية في الشَّرق مرَّت من غير أنْ يشعر بها أحد" [مراد وهبة: مفارقة ابن رشد، مقال ضمن كتاب: ابن رشد مُفكِّراً عربياً ورائداً للاتجاه العقلي (كتاب مُشترك)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993، ص 37]، ثمَّ في الخلوص، بعد هذا العرض الموجز، إلى تفسير أسباب اضطهاد ابن رشد (في العالم الإسلامي بحسب مراد وهبة وفي الشرق بحسب هنري كوربان) بـ "اضطهاد الفلسفة والفلاسفة"، وكأنَّما المُفكِّر يجيب عن السؤال بتعديل صيغته ليصبح جواباً لا ينطوي على إضافة ذات مغزى، بالرغم من كونه مُعادلة منطقية: لماذا كان الفيلسوف ابن رشد موضع اضطهاد في أمَّته؟ الجواب: لأنَّ أمَّة ابن رشد اضطهدت الفلسفة والفلاسفة، ولأنَّ ابن رُشدٍ فيلسوف، فقد اضطُّهد في أُمَّته! هكذا يتبدَّى الاضطهاد الذي يتوخَّى السؤال معرفة أسبابه علَّة نفسه؟ فسبب الاضطهاد هو الاضطهاد! وسبب تهميش الفلسفة والفلاسفة وإقصائهما هو تهميش الفلسفة والفلاسفة وإقصائهما! وسبب اضطهاد ابن رشد هو كونه فيلسوفاً في أُمَّة تكره الفلاسفة وتضطَّهدهم لأنها تكرهُ الفلسفة وتُنكر حاجتها إليها!

وفي خلاصةٍ مُكثَّفة ومُركَّزة تتسم بتعميم مُخلٍّ، يفصح المُفكِّر عن تقديره لأسباب الاضطهاد فيقول: "وفي تقديري أنَّ من أسباب اضطهاد ابن رشد اضطهاد الفلسفة والفلاسفة"، ثمَّ يذهب إلى توضيح هذه الخلاصة بخلاصة ثانية تقول "إنَّ اضطهاد الفلسفة كان مستحباً لدى الجماهير"، وثالثة توضِّح الأمر فتقول "إنَّ الجماهير في حاجة لمن يحرضها لأنها عاجزة عن قراءة الفلسفة وفهمها ... وإنَّ علماء الكلام هم المُحرِّضون"، وإلى غير ذلك من أقوال مماثلة تختزل أسباب الاضطهاد بالصراع بين علم الكلام والفلسفة، ذاك الذي تبلور في الخلاف بين الغزالي وابن رشد، مؤسَّساً على، أو مُسْفِراً عن، تكفير الغزالي الفلاسفةَ بسبب تأثرهم بالفلسفة اليونانية.

وهكذا ينهي مراد وهبة مقالة المكرَّس لتفسير مفارقة ابن رشد بتفسير شقها الأول تفسيراً موضوعياً، فيما هو يختزلُ تفسير الشَّق الثاني بالعامل الفكري، أي بهيمنة الفقه والفقهاء والمتكلِّمين من أصحاب علم الكلام، ثمَّ يعودُ في الفقرة الأخيرة لينسب الغزالي إلى الفلسفة، لا إلى الفقه أو علم الكلام، وليخلص من ثمَّ إلى القول "وإذا كُنَّا قد انتهينا إلى أنَّ فلسفة ابن رشد هي في جذور التنوير، في أوروبا، فإنَّ فلسفة الغزالي ضدَّ التنوير. وإذا كان ابن رشد ما زال غائباً في كل من المشرق العربي والمغرب العربي، فمعنى ذلك أنَّ التنوير غائب.".

وينتهي الأمر باجتزاء منهجي وتعميمية قاصرة لا يحققان سوى العجز عن تقديم أي تفسير موضوعيٍّ لسيادة الاضطهاد في عالمنا العربي، وذلك لتفاديهما حتَّى مُجرَّد الإشارة، ولا نقول التناول المنهجي الاستقصائي، إلى الاستبداد المزمن، والاستعمار الخارجي المتعاقب، اللذين حكما كلَّ أحياز هذا العالم طوال ما يربو على ألفية كاملة، أي منذُ أواخر الدَّولة الموحّدية حتَّى الآن، نعم حتَّى الآن!

ولا شكَّ في أنَّه لا يُمكن اختزال تفسير محنة العقل، في عالمنا العربي المتردي منذ ألف عام، بالعامل الفقهي، أو الفكري، الذي لا يلامس إلا حيِّزاً ضئيلاً، وإنْ كان مؤثِّراً، من أحياز البنىية الفوقية للمجتمعات العربية، ناهيك عن إغفاله بُناها التَّحتية جميعاً، فالتفسير العميق إنما يكمن في تحليل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لإدراك مُسبِّبات التَّخلُّف المُزمن، والاستبداد المُتشعِّب والمتشابك والمتمدِّد، داخلاً وخارجاً، وفي أطواء الضَّمائر وثنايا العقول، وهو الأمر الذي لا نشكُّ في أنَّ المفكِّر مراد وهبة يدركه تماماً، ولكننا نتساءلُ، عن دوافع إغفاله وعدم الأخذ به من قبله في تشخيص الواقع الذي نعيشه ونعانيه، أمراضاً وسموماً، كي يُحسن تشخيصه وتحليل جراثيمه ومُسبِّبات أمراضة ليتمكَّن من تزويدنا بالمضادَّات الحيوية والترياقات ووصفات العلاج التي تعافينا من أوجاع هذا الواقع وآلامه، فتعفينا من مكابدة آلام السقوط المُروِّع في مهاوي مآلاته المأساوية المُهلكة!

وهكذا ينهي مراد وهبة مقالة المكرَّس لتفسير مفارقة ابن رشد بتفسير شقها الأول تفسيراً موضوعياً، فيما هو يختزلُ تفسير الشَّق الثاني بالعامل الفكري

إغفالات منهجية وأجوبة جدالية

لا يتأسَّسُ الإلحاح على نقد هذا الإغفال غير المُسوَّغ، مع الحرص على تبيان مثالبه وتبيُّن متضمَّناته ودلالاته، على افتقار النَّهج الذي اتبعه مراد وهبة، في تفسيره مفارقة ابن رشد، إلى الموضوعية والدِّقة العلمية والرَّصانة الفكرية، فحسب، وإنما يترسَّخُ بسبب من تواتر تكرار تجلياته مقترناً بإغفالات منهجية أخرى يتطلَّبها العقل النَّاقد والتفكير الحُرِّ مع النَّاس بغية إنهاض وعيٍّ نهضوي يحملهم إلى مستقبل أفضل يتوقون إليه ولا يمتلكون القدرة على تكوين رؤية واضحة ومتماسكة بشأنه، في إجاباته عن أسئلة المقابلة التي نتحاور معها، هُنا. ولعلَّ هذا التَّرسخ قد عمق لدينا إذْ أدركنا، عقب مُعاودة الإطلال على بعض مؤلفات المفكِّر وكتاباته ومقالاته ذات الصِّلة، أنَّ المسألة تقترب من أنْ تكون ظاهرةً، أو نهجاً مُعتمداً من قبله. ولهذا الإدراك أنْ يُفسِّر، فيما نحسب، الأعم الأغلب من المقولات والأقوال والخلاصات التي وردت في إجابات المُفكِّر، وآليات التحليل والاستنباط المجتزأة التي اتَّبَعَهَا، والتي يأبى علينا العقل النَّاقد أنْ نأخذ بها فيما هو يلحُّ على ضرورة إخضاعها للتَّفحُّض والتدقيق والنَّقد، وذلك على نحو يستجيب لتعريف ابن رشد للحكمة بوصفها "النَّظَرُ في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان" وهو التعريف الذي يضعه مراد وهبة في رأس مقالته، أو على نحوٍ يُمكن واحدنا من أنْ يُلبِّي دعوة إيمانويل كانط للكائن البشري: "كُنْ جريئاً في إعمال العقل"، فيما هو يأخذُ نفسه بمقولة رينيه ديكارت التي ألزمَ بها نفسه:"لا أومن بفكرة إلا إذا كانت واضحة ومتميَّزة" وهما الدَّعوة والمقولة اللتان لا يكفَّ مراد وهبة عن الإشارة إليهما مُحَفِّزاً عقولَ النَّاس على إدراك مقتضياتهما ومقاصدهما، داعياً إلى تلبية الأولى، والاقتداء بالثانية!

وتدليلاً أوَّلياً على ما نذهبُ إليه، وبقصد فتح الأسئلة وإجاباتها على حوار نُريده موضوعياً وخلاَّقاً، نوردُ أقوالاً وخلاصاتٍ تتطلَّبُ الإخضاع إلى التفحُص والنَّقد بغية فتحها لمناقشة مُعمَّقة قد تُفضي إلى تأصيلها، فكرياً ومنهجياً، على نحو يتيح الأخذ بها وفق مُسوِّغاتٍ وآليات تحليل وإدراكٍ يقبلها العقل النَّاقد، أو يملي ضرورة رفضها تماماً لافتقارها تلك المُسوِّغات أو لتجرُّد عملية الوصول إليها وإقرارها عن إعمال تلك الآليات، أو لكلا الأمرين معاً.

نوردُ هُنا، على سبيل التمثيل لا الحصر، بعضاً من هذه الأقوال والخلاصات، التي تندرجُ في نطاق مسألة واحدة هي مسألة ترنُّح الفكر العربي وغياب الرؤية المستقبلية التي أثارها سؤال المقابلة الأوَّل، وسنعمدُ في هذا السياق إلى تثبيت الأسئلة الأوَّلية التي تستدعيها قراءةُ هاته الخلاصات من قبل عقلٍ يُريدُ لنفسه أن يكون عقلاً ناقداً يتوسَّلُ البرهان سبيلاً للإدراك، فيعملُ نفسهُ بتفتُّح وجرأةٍ، ولا يُدْخِلُ رحابه إلا ما كان جليَّاً، متميِّزاً ومؤصَّلاً، من الأفكار أو من خلاصات القول:

يستهلُّ مراد وهبة إجابته عن السؤال الأوَّل المتعلِّق بقصور الفكر العربي وعجزه عن إنهاض ثورة فكرية، بالقولِّ إنَّ "ترنُّح الفكر العربي وعجزه عن القيام بثورة فكرية شاملة يرجعُ إلى عجزه عن تكوين رؤية مستقبلية"، ويُضيف إلى ذلك توضيحاً هو أقربُ إلى خلاصة أخرى تقول إنه "بغياب الوضع القادم أو الرؤية المستقبلية يظلُّ الوضعُ القائم في حالة أزمة"، ثُمَّ يُردف قائلاً "عندما يكون الوضع القائم مأزوماً ولا يُوجد رؤية مستقبلية لتغييره، هنا يحدث التراجع والتخلُّف".

ما أنْ نقرأ ما قرأنا حتَّى تشرعُ الأسئلة في الانهمار: ألا يبدو الأمر، هنا، وكأنَّ المسألة برمَّتها تتعلَّق بصراع فكري مُفارق للواقع، أو كأنَّما الوضعين "القائم" و"القادم" يسبحان في فضاء بلا هُويَّة سواء أكان هذا الفضاء هو مساحات المجتمع أو مدارات العقل؟ ثُمَّ كيف لفكرٍ عاجزٍ أنْ يترنَّح؟ وما هو معنى ترنُّح العجز أو ترنُّح الفكر العاجز؟ أليس الفكرُ الحرُّ، المتفتِّحُ المُستنير، الملتصق بالواقع على نحو يمكِّنه من سبر أغواره لتشخيصه وتعيين أمراضه وإدراك ممكناته الفعلية وتحديد موارده وطاقاته، هو وحده القادرُ على بلورة رؤية مستقبلية؟ وحتَّى لو أمكن الحصول على رؤية مستقبلية، واضحة ومتماسكة، أو مهوَّشة ومُفكَّككة، أو غائمةٍ عائمة، أو غير غائمة وغير عائمة - ولعلَّ مثل هاته الرؤى أنْ يكون متوفراً، على مستوى الفكر المُطابق للواقع أو المُفارق للواقع، في كتب الأولين والمعاصرين من المفكِّرين الاصلاحيين والتنويرين على تباين اتجاهاتهم ومشاربهم - فهل لتوفُّر الرُّؤية المستقبلية أن يُشكِّل، وحده، رافعةً راسخةً وصلبة تُنهضُ ثورة فكرية شاملة؟ وما هي معايير الرؤية المستقبلية التي يُمكن أنْ تُهيئَ للتغيير وأنْ تسهم في إنجازه؟

ثمَّ ما حاجة المقهورين من النَّاس إلى ثورة فكرية شاملة تسقط عتادها من علٍّ عليهم وعلى واقعٍ يعانون ضراوته ولا تتأسَّس على مُشاركتهم العملية في سبر أغواره وإدراك ممكناته فيما هُم يسبرون أغوار أنفسهم ويدركون ممكناتها، ويهيئون أنفسهم لإطلاق ثورة يتواكب فيها الفكر مع حراك النَّاس في تضافر وتفاعل يثري كليهما ويعزّزه ويُرسِّخ حضوره في العقل وفي الواقع اللذين هما المجال الحيوي المُشترك للتغيير المفضي إلى الانتقال من "الواقع القائم" إلى "الواقع الممكن"؟

ما الذي دفع المُفكِّر مُراد وهبة لأنْ يستبدل مصطلح "الوضع القادم" بالمصطلح "الوضع الممكن" الذي هو مصطلح مؤصَّلٌ وراسخُ الحضور في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وفي نظرية الأدب النَّقد الأدبي، مُذْ صَكَّة المُفَكِّرُ الفرنسي، المُنظِّر والنَّاقد البنيوي التكويني، لوسيان غولدمان، مُستلهما المُفكِّر المجري جورج لوكاتش

ثمَّ ما الذي دفع المُفكِّر مُراد وهبة لأنْ يستبدل مصطلح "الوضع القادم" بالمصطلح "الوضع الممكن" الذي هو مصطلح مؤصَّلٌ وراسخُ الحضور في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وفي نظرية الأدب النَّقد الأدبي، مُذْ صَكَّة المُفَكِّرُ الفرنسي، المُنظِّر والنَّاقد البنيوي التكويني، لوسيان غولدمان، مُستلهما المُفكِّر المجري جورج لوكاتش؟ وكذلك ما المُسوِّغ العقلي، المنطقي والفعلي، لاستبدال مصطلح الرؤية المستقبيلة" بمصطلح "رؤية العالم" أو "الرؤية للعالم" الذي صكَّه غولدمان، أيضاً، في سياق نسق فلسفي مُتكامل مع المصطلحين الأوَّلين؟ ثمَّ ما هو المسوِّغ الفلسفي أو العملي أو المنطقي لجعل "الرؤية المستقبلية" رديفاً لـ "الواقع القادم"؟

ليس ثمَّة من متَّسع في الحيّز المتاح، هُنا والآن، على صفحات "الجديد" لكتابة أيٍّ من الإجابات التي يقترحها العقل بوصفه ملكة تفكير واستقصاء وتحليل، وحيِّزاً معرفياً يكتنز معرفة تتأسَّس على معلومات مُدقَّقة ومعطيات مُرجَّحة وأفكار مؤصَّلة، فما غاية الأسئلة التي طرحناها، هنا، إلا إثارة التَّفكير في إطلاق حوار ثريٍّ وخلاَّق. وليس لكاتب هذه السطور إلا أن يكون صوتاً خافتاً لعقل يتوق لتلقي عطاء عقول أخرى فيكتزه في عقله إذْ يتيح لتلك العقول أنْ تسكن عقله، ليفكِّر فيها وبها ومعها لاستجلاء صدقية حقيقةٍ، أو جوهر فكرة، أو رصانة تشخيص أو تحليل .

ومن الحقِّ أنَّه ما كانَ لهذه الأسئلة أن تنبثق على النَّحو الذي تقدَّم لولا ثراء الإجابات الجدالية التي قدَّمها المُفكِّر مراد وهبة على أسئلة "الجديد"، وهو الثَّراء الذي يكمن جوهره في الطَّاقة الهائلة التي تملكها تلك الإجابات على توليد الأسئلة، وعلى تحفيز العقل على إمعان التفكير، وحثِّ أصابع الكفِّ على مواصلة الكتابة، متابعة للحوار، وتوسيعاً له بما يستجيب للسِّعة، الهائلة أيضاً، من الموضوعات التي تطرقت إليها المُقابلة التي يبدو أنَّها قد توخَّت إتاحة المجال أمام المُفكِّر مراد وهبة ليقول شيئاً عن كُلِّ شيء، وليلامس بأقواله وخلاصاتة كُلَّ مسألة وموضوع ذي صلة بتوق العرب إلى فتح نافذه في جدران سجونهم لعلهم ينفذون منها إلى واقع جديدٍ ممكن.


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا