شيء عن دوما.. الشهوة حينما تضج على رأس طاغية مثقف

لا يملك أبناء دوما مقوما جيدا للحياة مثلنا نحن من نحيا في الخارج أو في محافظات ومناطق سورية شبه آمنة. نحن العاديون في الحياة داخل سوريا مثلا نملك لأطفالنا متاجر لألعاب الأطفال، وشوارع كُلها بضائع صينية، ألعاب من كافة الأصناف ويكون سعرها مقبولا ومن السهل التعامل به نظريا وعمليا. إن قطعة صينية رخيصة تكفي لرغبة طفلنا في اللعب.

الجديد  نوار جابر [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(144)]

لوحة: جواد
مُقوم الرغبات مفتوح أمامنا، أقله نراه ونشتهيه ونكبتهُ، وقد نَحلمُ به. نمتلك صورة الرغبة وآلياتها واشتهاءها وممارسة الاستمناء عليها إن لزم الأمر في اختزال الشهوات ومحاولة تفريغها. إننا نتمكن من اكتشاف الممكن المرغوب وهذا شيء جيد إنه شيءٌ من الحياة ولو كان قاسياً. نستطيع كي لا نقع في خطيئة الشهوة أن نصلي أيضاً، نملك في المحافظات الآمنة -وهي قليلة جداً- كاللاذقية أماكن الصلاة، الجوامع والكنائس تتسع لنا، ودوريات الأمن تحصّن الأبواب، وفي الغالب تُحصّن السماء فالصواريخ قليلة على محافظة اللاذقية ومعدومة في طرطوس (المحافظتان الأكثر أماناً في سورياً) .

نملك الصلاة والشهوة، الربّ والشيطان، كُل شيء تقريباً، إنما نحنُ العاديون مهجورون من كل شيء، يكفينا شَرفُ الرؤية لمحركات الرغبة. في دوما لا يملكون حتى المتاجر إذن، ولا حتى ذاكرة الرغبة. هذه مشكلة يعرفها الطاغية صاحب البراميل، هو يعرف أن رغبات أطفال دوما صفرية لم تنشأ لأنه يحاصرها لما يقارب الخمس سنين، ولا تتجاوز الرغبة عندهم حدود الغريزة كالتنفس، والرغبة في إسكات بعض المطالب الغريزية كالأكل بوصفهِ فِعلا فمويا محضا بلا أيّ شرط من شروط الاستذواق. وحتى اللعب بقذف البول في حمام مُعتم يبدو صعباً داخل البيت فلا كهرباء هناك البتة.

وكملاحظة مجدية يقول النفسانيون وعلماء الاجتماع إن اللعب هو أحد أهم طرق المعرفة فاللعب من أهم الوسائل التي يكتشف فيها الإنسان أدوات عيشه ويُنشئ عن اللعب الكثير من معارفه. لا فرق كبير بين الأسد وحُكام دوما الحاليين فهم يعرفون أن الأطفال غير مهمين إلا على مستوى النضج الذكوري المُسلح، مرحلة السلوك القضيبي المعمم الذي يكون فيه السلاحُ كُل شيء، وتعويضاً عن أيّ شيء. ولا داعٍ لآليات اللعب الغربية المائعة الحديثة.

زهران علوش حاكم دوما يمتطي فرساً في دوما أمام الأطفال مُحاكاة لوصية النبي مُحمد بتعليم الأطفال ركوب الخيل ، والأسد يمتطي البرميل كما يُتيح له هذا العالم الحديث من تقانة وسماح. ويقدس موالوهُ الأحذية كشيء من اغتراب الإنسان عن أصالته في فهم الشيء بذاته بجعل الحذاء في ذاتهِ معلماً لماهية الإنسان. فبدل التحدث بالفهم عن الشيء بذاته كالحذاء يصبح الحذاء بذاتهِ شيئاً معرفياً، ويتداركنا هو، ويتحول الموالون إلى عبيدٍ غرباء وشِبه منفصمين، فمشاهد الأحذية العسكرية في كل مكان تَليق بما يقدسه البشر لا بما يلبسونه! في أثناء تقبيل الموالين لأحذية العسكر يُخفي المُصور ويكتفي بوجوه متملقي النظام، في الغالب وجه العسكري الذي لا يُصدق رغم أنه صاحب القدم ما يحصل لهذا الحذاء، فالمعدة الجائعة لا تعرق قيمة هذا الأيقون المُستحدث ومن سيصدق بشراً تترامى لتقبيل حذاء فشل ممثلوه بالأصل عن حماية وجودهم في ثلاثة أرباع الأرض السورية.

أقله على الموالين البحث عن ممثلي أحذية أخرى لتأمين النجاة. الأطفال ها هنا حينما يمرون بقرب تماثيل الحذاء في اللاذقية أو طرطوس يخطئون في قول تميمة المرور، ويظنون أن كل هذا الورد الموضوع يخصُ شاناً إلهياً. هذا مرض شائع يُصاب به الدماغ (منطق تصديق الشكل المُدرك). أطفال الموالاة سيخطئون كثيراً في فك هذا الرمز المستحدث عن القداسة الدينية. الصلاة في دوما أمر استشهادي.

نظام البراميل يكره الصلاة، فهو يكره أن يُعكّر أهالي ضحايا مجازر الإبادة التي يقوم بها كُل يوم صفوة الله، فيضرب لهم المساجد، لكي يضجّوا ويصلّوا في الشوارع العامة المفتوحة، وليصرخوا كمجانين الشوارع فهذا أفضل من تنظيم الصلاة للرب. ولكي لا يُذعر الله من دعائهم المُشترك، ونحيبهم المقيت، فيضرب شوارعهم وبيوتهم ويُبيد صوتهم كاملاً. في البدء لم يكن الكلمة، بل الصمت والدم الذي يخترق بساتين عامرة. هذا هو إلهنا الحديث الأرضي، هذا ما لا يُمكن إنكاره. ما تبقى من أماكن صلاة جماعية لا يقف بوجهها مسلحون على الأبواب ليراقبوا صرخات الناس ومطالبهم كما في المناطق الآمنة، بل يدخل المسلح إلى الداخل ليخطب بهم وهو يحمل بارودته.

زهران علوش يدخل ببساطة ومرافقته تُسكت مطالب الناس بإيماءة تُرعب من يشاهدها على اليوتيوب فما بالك إن كانوا أمامك. عموماً كان مُحمد حكيماً حينما قال لأتباعه “لا تُدخلوا السلاح إلى مكان الصلاة” فالنبي كان يشعر بجُرمية السلاح واستوحاش حامله. لا أستطيع حفظ عدد البراميل والصواريخ التي تضرب ظهر مدينة دوما، هنالك أحدٌ ما يعرف العدد، لا بد أنه ذكيّ جداً فالإحصاء عملية جيدة للدماغ. هذا ما يجهله أمناء الأمم المتحدة الذين توقفوا عن إحصاء قتلانا وضحايا طاغيتنا الطبيب. نحن العاديون نستطيع أن نرى المأساة جيداً، في داخل كُتابنا بُعدٌ خفي للتنافس على أفضل ما يُكتب عن هذه المأساة المريعة، التي لا نشعر فيها إلا بالمرارة التي اعتدنا عليها وكأنها تكرار يومي، حِس المفاجأة يختفي في يومياتنا وهذا شيء سيئ أن تحيا هكذا بروتين يومي دموي بات مُحبباً، لطالما لا يَمسّك الموت.

الأكثر غرابة في كل هذا وفي جريمة دوما الأخيرة، استنطاق المُجرم للمعرفة في عمله. فهو يعي تماماً أن الإبادة شيء أصيل في طيات القرن الحادي والعشرين، وعليه أن يُدرك ماهية الكائن البشري، ومنشأ غرائزه ليقتل فيه بشريته، إنه قاتلٌ حديثٌ جداً، يُشبه شخصيات كرتونية شريرة يُبالغ في صنعها لفصل القيم وتعليم الأطفال والناشئة. وقلما تجسدت في الواقع، فاستجرار كل مخيلة ممكنة لإبادة الناس وترويعهم وإخافتهم وتشويههم هو شيء أسدي بامتياز وليس مُناطاً بواقعٍ آخر.

هذه اللذة الأسدية لا تبدو واقعية في أيّ كتابةٍ عنها بل تنتمي لأدب الغرائب لا العجائب. في أحوال دوما المُستجدة أن قصفها الدكتاتور بوسط سوقها التجاري، أو سوقها الغذائي، هذا ما روته صور المجزرة، صورٌ لعربات الفاكهة والخضار، شيئيات الغريزة الفطرية، مكنونات الرغبة البشرية البسيطة والساذجة. الفاكهة إحدى أكثر ما يستهدفه الدكتاتور في صواريخه و التي نستطيع نحن العاديون التقاطها من أي سوق ونحن نُكلم صديقاً على الموبايل دون أن ننظر إلى وجه البائع حتى. إلا أن الدكتاتور يعرفُ تماماً أن البهجة الوحيدة لأبناء دوما هي ما تبقى على عرباتها المتنقلة. فاكهة مقتصرة على ما توفر، وما يُمكن تهريبه أو زرعه، أو حتى خطفه.

نعم لقد ضرب الدكتاتور سوق الفاكهة لأنه يعرفُ جدواها البشرية، ليس متخلفاً هذا المجنون الذي يحكمنا، يَعلمُ أن الإبادة تحتاج قتل كُل رغبة، وكل مطلب دماغي ملح للبهجة. (fruit) الفاكهة بمعناها الآني تأتي من جذر لاتيني (fructose) أي البهجة، هذا ما يعلمه الاستبداد عن دوما، أن لأطفالها بهجة في أكل بعض الفاكهة، مما يجعلهم يشعرون ببهجة ما، وهو له واجب استئصال مباهجهم، لا يكفيهم شحهم بكل شيء، عليهم أن يحرموا من شيء يخص جسدهم، ذهنهم، كيميائية جسدهم، قد غفل الدكتاتور لبعض الوقت عن تذكره. ما يعرفه طاغيتنا عن الفاكهة لا يتوقعهُ أطفال دوما. نحن العاديون لسنا دومانيين البتة، ما يصعب تصديقه عِلم الطاغية في الإبادة.

الأدب الغرائبي ها هنا هو قصتنا الدائمة، عمّا يكتشفه الدكتاتور من مباهجنا، وما سنتحول إليه قبل زواله. المباهج التي سيرثها الدومانيون من فشلنا في حمايتهم، هو اكتشاف ألم الآخر أيضاً المزروع في عينيه كفكرة لاكتشاف ألم الناس الذين يفرحون لمقتلهم. على أمل أن يكونوا أحياء لا وحوشاً، ماذا تبقى لهم من الحياة حتى لا يتوحشوا؟ نحن العاديون لا نعرف من الوحش سوى صورِ توقّف فيها الزمن لبرهة وهي كافية لنعتاد على ما يحصل لهم. نحن العاديون زمننا بليد ويُسارع دماغنا لتقبّل ما يحصل لكم. أنتم ولأنكم تحت نار الإبادة سيكون دماغكم بطيئاً في تقبل كُل هذا الموت. إنها الفطرة لا المقصد.


كاتبة من سوريا