بيدق في لعبة الشطرنج

الجديد  نهار حسب الله [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(147)]

الزمن داخل رقعة لعبة شطرنج المربعة. احترت في نفسي واختلفت معالم الكون في رأسي.

حاولت استرجاع قواي، لملمتُ نفسي ووقفت مرغماً على واحد من المربعات الأربعة والستين المميزة عن بعضها بالأبيض والأسود.

أيادٍ خفية حَركتْ البيادق المبعثرة من حولي، وأحدثت صراعاً كبيراً وتدافعاً غريباً بين البيادق قبل بدء المعركة.

اصطف الجيشان، الأبيض والأسود، على نحو متقابل. وقف كل في مكانه متأهباً لأوامر الحرب.

وكعادة لعبة الشطرنج وكأيّ حرب طائشة. زج الجنود الشبان في صفوف الموت الأمامية.. فيما اختفى الملكان وحاشيتيهما خلف السواتر التي شُكلتْ بالجنود الثمانية لكل طرف.

وجهي الأسمر وقصر قامتي، نسباني إلى الجيش الأسود، وسرعان ما تحولت إلى بيدق مستعد للموت.

تنبهت لنفسي ومن معي من الجنود في الصف الأول المواجه للموت. كنت مسحوراً بتلك الوجوه الصامتة من حولي، لا أحتاج لتخمين الحكايات التي يخفيها الصمت بداخل كل واحد منهم، ربما يكون لكل واحد منهم حكاية تشابه حكايتي.

اختلفت ملامحي والجنود من حولي على الرغم من تعاون القلق والخوف على صبغ وجوهنا بلون باهت مُتعبْ.

قفز أو دُفعَ جندي أبيض من مكانه في الجهة المقابلة. تحرك خطوة مرتجفة واحدة، معلناً بداية اللعبة.

الخوف إحساس عدمي، غير مرئي.. ولكنه كان يختلط مع عرق زملائي ويقطر من مساماتهم في تلك اللحظة.

اشتعل فتيل الحرب وسرعان ما تحوّلت المربعات داخل رقعة الشطرنج إلى فخاخ تتصيد الضحايا وتبعث بهم إلى الهلاك..

شبح الموت بدا مرئياً، يتحرك ببطء ما بين الخطوط، يتصيد الضحايا ويسلب حياة من دفعته تعاسة قدره للمرور بجواره.

سقط جندي هنا وآخر هناك. محاصر هنا، ومقيد هناك.

لم تُفرز دماء البيض والسود عن بعضهما، ولم تعزل الجثث حسب اللون والفريق، وإنما تعانقت على الأرض رغم خصامها وشكّلت رُكاماً بشرياً وأبعدت عن لعبة الموت إلى الهامش خارج البلاط، واعتلى منها رائحة بخور المقابر.

كان الخوف يغتالني آلاف المرات، يجرّد الروح ويبعدها عن الجسد كلما لمست رأسي تلك اليد الخفية وغيرت موقعي.

حاولت الخلاص من مأزقي ولو بالموت العاجل. تخيّلت أساليب الموت كلها. شاهدت أبشع الجثث. حلمت بأقلّها وجعاً.

تغيرت وجهة اللعب إلى الزاوية الأخرى. ابتعدت الأنظار عنّي.

يبدو أن القدر أمهلني فرصة الخلاص.. لم أنتظر طويلاً. رميت نفسي بين الهالكين على الهامش. حبست أنفاسي مراقباً مجريات المعركة بصمت ثقيل، متحمّلاً قساوة الجثث التي ترمى على جسدي بين لحظة وأخرى.

أفرغت ساحة المعركة من الجنود البسطاء وسيطر الملكان وحاشيتهما على الأرض.

تقابلا وجهاً لوجه بمواجهة تاريخية لم أشهدها من قبل.. مواجهة حاسمة دامية لمحاصرة أحدهما والإطاحة به.

انتظرت لحظة نطق (كش ملك) من أحد الطرفين. غير أنهما قالا بصوت مسموع (كش يا شعب) وتعانقا عناق الأحبة، وشربا نخب النصر من بقايا الدم المنهمر على البلاط، واختنقا بضحكة لم أسمع لها مثيلا.


كاتب من العراق