نصوص أوغاريت.. هنا يبدأ التاريخ

ثمة أسئلة معلقة بانتظار الإجابة عليها منذ عام 1929 م، وهو عام اكتشاف مدينة أوغاريت في رأس شمرا قرب مدينة اللاذقية السورية. هذه الأسئلة تتعلق بالهوية الحضارية لكنعان القديمة وبجغرافية الملاحم التي عثر على نصوصها في هذه المدينة التي أعطت للبشرية الأبجدية الأولى، وعلاقة الأساطير والملاحم والنصوص الأدبية المكتشفة بما يسمى الملاحم والأساطير الإغريقية وكذلك بما يسمى بالكتاب المقدس لدى اليهود.

الجديد  تيسير خلف [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(148)]

الآلهة السورية القديمة عنات
لقد يمكن التغافل بأيّ شكل من الأشكال عن الهوية الكنعانية- العمورية لحضارة أوغاريت، فهذا الأمر بات بحكم المسلّمة التاريخية، لقد بدأ الكنعانيون بالاستقرار في أوغاريت قادمين من جنوب أرض كنعان (فلسطين القديمة) منذ مطالع الألفية الثانية قبل الميلاد وحتى عام 1250 قبل الميلاد، أي عام خراب أوغاريت، بحيث أنهم منحوا المدينة بشكل تدريجي الهوية الثقافية الكنعانية- العمورية، على الرغم من الطبيعة الدولية لها بحكم موقعها التجاري المتميز، ووجود جاليات متعددة فيها، حورية، وحثية، وغير ذلك.

اللافت للنظر هو أن مجمع الآلهة الأوغاريتي هو نفسه مجمع آلهة الكنعانيين المعروف في فلسطين القديمة. فهنا أيضاً كبير الآلهة إيل ومعه داجون وبعل وعناة وعشيرة وعشتاروت ويم وموت وكوثر ورشف وغير ذلك. بالإضافة إلى أنصاف الآلهة الذين يسمون الرفائيين الذين نقرأ أسماءهم في الملاحم الأوغاريتية وهم الملك كرت (الذي أصبح عند الفينيقيين ملقرت)، وزوجته حورية وابنه يصب والملك دانيل وابنه أقهات وابنته فجت [فتجاية] وغيرهم.

ولذلك يبدو كنعانيو أوغاريت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد (وهو الوقت التقريبي لتدوين هذه الملاحم) مرتبطين بموطن أسلافهم القديم، أي أرض جنوبي كنعان (فلسطين القديمة) برابط الجغرافيا المكانية لمعتقداتهم.

لقد نقل الكنعانيون معهم إلى أوغاريت؛ ملاحمهم وآدابهم التي طوروها في أرض كنعان القديمة، ولذلك كان الفضاء الجغرافي الذي تحركت فيه هذه الملاحم هو فضاء جنوبي أرض كنعان (فلسطين القديمة)، فالملك كرت ملك بيت خبر الذي أمره في الحلم أبو الآلهة إيل أن يذهب إلى النقب ويتزوّج من ابنة ملك أدوم حورية، اقتضى تحرك جيشه من مملكته بيت خبر إلى أدوم سبعة أيام، وبأيّ حال من الأحوال فإن حركة جيش كبير كما هو الوصف في الملحمة لمدة سبعة أيام لا يمكن أن تتجاوز مئة إلى مئة وخمسين كيلومتراً. ولذلك فبيت خبر لا يمكن أن تكون خارج فلسطين الحالية، وأما محاولات البعض جعلها في جنوبي لبنان أو قرب أوغاريت نفسها، فهي محاولات غير منطقية ولا تنسجم مع سياق الملحمة، الذي ركز على التعامل مع المواقيت بدقة لافتة.

والأمر نفسه يقال عن ملحمة أقهات بن دانيل فمسرحها في النقب جنوبي فلسطين الحالية كما يذهب أغلب العلماء الذين درسوها، استناداً إلى النصوص نفسها، وأيضاً إلى البيئة الجغرافية والغطاء النباتي. وليس في جنوب لبنان، كما حاول أتباع المدرسة التوراتية أن يبرهنوا، وعلى رأسهم الأب ديفو مدير المدرسة التوراتية في أورشليم (القدس).

إنّ تلف الكثير من مقاطع هاتين الملحمتين أضاع بعض التفاصيل المفيدة، وخصوصاً البدايات والنهايات، وهي التي كان من المفترض أن تربط الملحمة مع تسلسل لاحق، يرى بعض الدارسين أنه يكمل بعضه بعضاً. ولذلك فإن ملحمتا كرت وأقهات ربما يكونان فصلين متتابعين لملحمة واحدة تلخّص تاريخ كنعان الأسطوري. فالملك دانيل يوصف في بعض الكسر بأنه ابن الملك كرت، وإن صحّ ذلك فملحمتا كرت وأقهات هما فصلين كبيرين من فصول ملحمة الكنعانيين الكبرى.

ثمة ملاحظة لا بد من التنويه لها في هذه العجالة؛ وهي الإلهة فتجاية أو بتجاية التي ورد ذكرها بوصفها الإلهة الرئيسة لدى شعب التجكر، الشعب الشقيق للفلستيين، ورد ذكرها في ملحمة أقهات باسم فجت أو بجت بوصفها ستعيد الحياة لشقيقها بعد موته، ولذلك فإن معنى اسمها باللغة الآرامية فجة ينسجم تماماً مع دورها في هذه الملحمة، فهو يعني المنعشة أو المحيية، وثمة أكثر من معبد أقيم على نبع ماء في سوريا اليوم أطلق عليه هذا الاسم مثل: نبع الفيجة ونبع البجة على اعتبار أن المياه هي التي تحيي وتنعش المخلوقات.

سؤال يطرح نفسه أيضاً حول موقع الجبل المقدس لدى الكنعانيين القدماء، والذي يسمى جبل بعل، وهو جبل صفون، لقد قيل إن هذا الجبل هو الجبل الأقرع قرب اللاذقية، ولكن الجبل الأقرع سمّي بذلك لأن قمته جرداء من الأشجار فيما تحيط الغابة به من كل جانب. فصفون تعني الأجرد وهي صفة مطلقة لخلو الجبل من الأشجار والنباتات، وليس قمته فقط، فالصفاة في الآرامية ووريثتيها السريانية والعربية، هي الصخرة الجرداء التي لا يمكن أن ينبت عليها أي نبات، ولذلك فجبل صفون يجب أن يكون في كنعان القديمة، وربما هو أحد جبال القدس، ومن المرجح أنه هو نفسه جبل صهيون بعد أن سادت الثقافة الآرامية في عموم سوريا القديمة في الألفية الأولى قبل الميلاد. لأن صهيون باللغة الآرامية تعني العطشان أو القاحل. فقداسة هذا الجبل سابقة على اليهود، بل هي قداسة كنعانية دون ريب.

هذا السؤال يقودنا إلى نقطة على غاية من الأهمية وهي سعي أتباع المدرسة التوراتية في التاريخ لأن يعقدوا المقارنات بين ما يسمّى الكتاب المقدس اليهودي، وبين نصوص ملاحم وآداب أوغاريت، وكأن التوراة هي الوريث الشرعي والوحيد لهذا التراث، على اعتبار أن نصوص أوغاريت هي النصوص الوحيدة المكتشفة حتى اليوم التي تعبّر عن ثقافة الكنعانيين القدماء. إن هذه المحاولات المحمومة، والتي استندت إلى بعض التعبيرات الأدبية وتشابه بعض الحوادث والشخصيات، قد ساهمت في التشويش على هوية أوغاريت الكنعانية وعلاقتها بكنعان القديمة (أي فلسطين فيما بعد)، وقصرتها على المقارنات غير العادلة مع نصوص الكتاب المقدس لدى اليهود، هذه المقارنات التي انجرف وراءها الكثيرون، ومنهم بعض الباحثين والنقلة العرب. بحيث أنك لن تجد كتاباً حول أوغاريت في اللغة العربية إلا وفيه فصول موسّعة عن علاقة نصوص أوغاريت بما يسمّى الكتاب المقدس اليهودي.

وبعد.. فإن ملحمة كنعان الأسطورية التي نجد بعض فصولها في نصوص أوغاريت، هي السلف المباشر لملحمتي الإغريق الإلياذة والأوديسة. فهناك جبل مقدس يقطنه كبير الآلهة وفيه مجمع الآلهة وهناك مخلوقات ملكية نصف إلهية، وتفاصيل كثيرة مشتركة، مما يرجّح التأثير الأسطوري الكنعاني والفينيقي فيما بعد على الذهنية الأسطورية للإغريق، فالرابط بين ملاحم وأساطير الخلق السومرية والبابلية مع الملاحم الإغريقية كان بحاجة إلى حلقة وسيطة ضائعة، لا شك في أنها الحلقة الكنعانية – الفينيقية.

موضوع أوغاريت وعلاقتها بكنعان القديمة أي فلسطين فيما بعد، موضوع كبير لم يأخذ حظه من العناية والدرس بسبب هيمنة أتباع المدرسة التوراتية على معظم مراكز الأبحاث التاريخية والآثارية، وهو موضوع بحاجة إلى الكثير من الباحثين والبحوث، والدارسين والدراسات، لأن تاريخ فلسطين القديمة المغيَّب يبدأ من هنا.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات