فاضل الجعايبي ..قتل الأب والتناكر بين الأجيال

من تجربة المسرح الملحمي لرائدها برتولد بريشت، والمسرح الفقير لجيرزي غروتوفسكي، ومسرح اللامعقول عند بكيت ويونيسكو، ثم مسرح المواقف عند سارتر، خلق المسرحيون تجربة إبداعية تستوحي نموذجا فكريا فلسفيا، يشكل بالنسبة إلى الإبداع المسرحي، ذلك الوعي الذي يسنده ويوجهه نحو اختيارات جمالية معينة، ويفتح له آفاق التأمل الذاتي والكشف عن مظاهر التحول والتطور. والجدير بالذكر أنّ السمة المميزة لهذا الوعي هي كونه وعيا جماليا مفتوحا على أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية ملازمة لزمان ومكان المبدع، ولعل هذه الخاصية هي التي جعلت الدراما الحديثة تتحول إلى حقل لصراع الأفكار المسرحية في آن واحد، ومجال لتنازع التصوّرات الجمالية حول المسرح في علاقته بالمبدع والمجتمع الذي يعيش ضمنه وداخله. ويبدو أن المبدع المسرحي اليوم قد استفاد كثيرا من التجارب المسرحية الحديثة، لأنه اقتنع بضرورة الخروج من بوتقة المسرح الجامد، إلى مسرح حافل بالأحداث، والجهر بمواقفه الخاصة إزاء ما يكتبه، وتوضيح بعض خلفياته السياسية والجمالية والأيديولوجية. وفي ضوء تطور الفكر الإنساني، واتساع آفاق المعرفة في البحث عن ماهية الوجود والذات وسبر أغوارها في مدى ارتباطها بأحداث عصرها وظواهر واقعها المتغير برزت عدة تجارب مسرحية في العالم العربي أيضا، رغم حداثة عهدها، تحاول الربط بين التجربة الإبداعية وفلسفتها وأثر المجتمع والأحداث فيها، ومن بين هذه التجارب تجربة المخرج التونسي الفاضل الجعايبي، والتي انبنت وتأسست وتواصلت انطلاقا من ثقافته كمخرج وفلسفته ووعيه كفنان ومبدع، وهي في الواقع حصيلة دراسة وتكوين وتجريب متواتر طامح دائما إلى التجدد والارتقاء، ولا بد في مثل هذه الحالة من وجود منهج فكري يؤطر التجربة الإخراجية والإبداعية، لأن نسق العمل الفني وصيرورته وتواصله هو في الواقع نسيج التجربة الفردية والذاتية من الناحية الفنية، وهذا النسيج هو جزء من خبرة المبدع التي تفرز بدورها وعيا جماعيا ومشروعا مسرحيا تكون فيه الذات الحاملة له مشعة ومؤثرة في الآخرين ولنا في هذا الإطار لقاء مع المسرحي التونسي الفاضل الجعايبي حول مساره المسرحي المتواصل من أكثر من خمسة وأربعين سنة، وعن عمله الجديد الذي يعرض هذه الأيام “العنف”. رجل يفكر ويبدع، يتخيّل ويتنفس مسرحا، يدير مسرحا ويخلق فرجة مسرحية. يقضي أغلب وقته في تهيئة وتوفير وتطوير الأرضية المناسبة والضرورية والناجعة للارتقاء بالفن المسرحي وضمان استمراريته داخل نسق فكري وجمالي ومنهج واضح دقيق ومنظم. يعتبر الجعايبي أن العمل الجماعي مبدأ في مساره المسرحي، وهو أساس التوليد والتوليف والتأليف التشاركي الجدلي، الذي ينطلق من الوعي الفردي الذي يفرز ويحقق بدوره وعيا جماعيا يعطي دفعا حقيقيا للإبداع المسرحي في مختلف تمفصلاته ولغاته التقنية والفنية والجمالية. لذلك فالمسرح عنده جماعي تشاركي جدلي أو لا يكون.

الجديد  عماد المي [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(75)]

تجربة ثرية
كيف كانت بداياتك المسرحية، ، حدثنا عن تجاربك المبكرة وبداياتك المؤثرة في المسرح؟

الجعايبي: بداياتي المسرحية كانت سنة 1970 في فرنسا، وأنا شاب في سن الخامسة والعشرين، من خلال مسرحية “ثلج في الصيف” للكاتب المسرحي الصيني” قوان هان تشينغ”. ثم بدأت تجربتي بمسرح الجنوب بقفصة من 1972 إلى 1976، والتي أخرجت خلالها ثلاث مسرحيات وهي “جحا والشرق الحائر” و”محمد علي الحامي” و”البرني والعطراء” وهي نصوص أعدها واقتبسها محمد رجاء فرحات.

بداياتي عبارة عن مرحلة تجريب ومخاض أولي سابق للبداية الحقيقية الأكثر وعيا ونضجا فنيا وجماليا سنة 1976، مع تأسيس فرقة المسرح الجديد مع مجموعة من المبدعين المسرحيين من بينهم الحبيب المسروقي ومحمد إدريس وجليلة بكار، فكانت مسرحية “العرس" هي البداية الحقيقية والفعلية في مساري المسرحي، إضافة إلى ذلك كانت مسرحية “العرس" عملا تأسيسيا لجميع مؤسسي المسرح الجديد الذي تواصل من خلال مسرحية “الورثة” سنة 1976 و”التحقيق” سنة 1977 و”غسالة النوادر” سنة 1980 و”لام” سنة 1983 و”عرب” سنة 1987، وتميزت الأعمال الست الأولى للمسرح الجديد بالإخراج الجماعي. لتكون مسرحية “العوادة” سنة 1989 نصا وإخراجا مشتركا مع الفاضل الجزيري.

وقد اختتمت تجربة المسرح الجديد سنة 1991 بمسرحية “كوميديا”، وهي نص وإخراج وسينوغرافيا لي، لأتجه بعدها إلى تأسيس شركته الخاصة “فاميليا” رفقة المبدعة والفنانة المسرحية جليلة بكار. وقد أنجزت في “فاميليا” عدة أعمال مسرحية أذكر من بينها مسرحيات “فاميليا” و”سهرة خاصة” و”عشاق المقهى المهجور” و”جنون” وثلاثيته المتكونة من “خمسون” و”يحي يعيش” و”تسونامي”، التي طرحت من خلالها قضية التطرف الديني. ونبّهت لما يمكن أن يحدث من صراع وعنف وتدمير للإنسان الحديث والمثقف المستنير في مسرحية “خمسون”، مستشرفا سقوط الحاكم المستبد والطاغية الظالم في مسرحية “يحي يعيش”.

وقد تطرقت في ذلك للرجعية والظلامية ودعاة الخراب تحت غطاء وفهم ديني رافض للحرية والإنسان المبدع ولكل أشكال الحياة الحيوية والإنسانية المحبة والمسالمة في مسرحية “تسونامي”.

الوطنية فعل دائم

هل ساعدتكم كل تجاربكم السابقة على إدارة المسرح الوطني اليوم؟

الجعايبي: هذا مؤكد لأن عملنا متواصل ومستمر ونشقه بثبات ووعي كبيرين ونقد ذاتي دائم حتى نستمر في التقدم والتطور والرقي، لأنه لا خيار لنا إما الارتقاء أو الهلاك، ونحن نعمل ونشقى من أجل الارتقاء المتواصل، ولا ندخر جهدنا سعيا منا إلى الإضافة والتميّز. وقد كانت لنا تجارب في الإدارة، ولكنها كانت تأسيسية ومتباعدة نسبيا ومختلفة، فمثلا إدارتنا لمركز الفن المسرحي كانت تنحصر في إصلاح مؤسسة تكوينية نسعى من خلالها إلى الدفاع عن مشروع مسرحي مهني جامع وحاضن للممثل والكاتب والمخرج، ولم تكن للمركز صبغة أكاديمية نظرية على شاكلة المدرسة الحديثة اليوم، بل كان يرتكز على الجانب التطبيقي أكثر، حيث أنه كان بإمكان من لم يحصلوا على البكالوريا التمتع بالتكوين المقدم من قبل المركز، لكن للمؤسسة اليوم مقاييس أخرى ومهام متعددة لا بد أن تكون منسجمة ومتناغمة فيما بينها حتى تحقق النجاح.

”التلفزة” لا تهتم بالمسرح ولكنها تستنزفه وتفرغه من الممثلين، وتساهم في إنتاج صور وخيالات وهمية لأشباح وأشباه ممثلين بوسائل تسويقية انتهازية وتافهة قائمة على الابتذال

التكوين جزء مهم في العمل المسرحي، لذلك أسسنا مدرسة للممثل منذ قدومنا إلى المسرح الوطني، محاولة منا في المساهمة في إعداد ممثلين حرفيين وتكوينهم، على أن يكونوا من الشبان الجامعيين حتى يستفيد المسرح الوطني من خدماتهم بعد تكوينهم، سعيا منا إلى إرساء ركائز مسرح شاب وخلق تواصل بين الأجيال داخل المؤسسة، وسنسعى في السنوات القادمة إلى فتح اختصاص يعنى بالكتابة والدراماتورجيا وكذلك فن الإخراج، ليكتمل العمل على تكوين الثالوث الأساسي الذي يقوم عليه العمل المسرحي الجماعي، المخرج والكاتب والممثل.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى انطلقت تجربتنا في الإدارة مع فرقة قفصة، ولكنها كانت بطريقة متواضعة، وتطورت المسؤولية مع المسرح الجديد وشركة “فاميليا”، وكان العمل خلالها جماعيا وهذا ما عملنا عليه اليوم داخل المؤسسة وطورناه، فمثلا لولا عمار مطاوع وأسامة الجامعي وخليل ومحمد بن يوسف وكامل الفريق الإداري والتقني والفني العامل بالمؤسسة لما استطعنا تحسين البنية التحتية للمسرح الوطني وقاعة الفن الرابع، ولما تحصلنا على فضاء دار المستيري الذي سنحوله إلى إقامة فنية ومتحف للذاكرة المسرحية، ولما استطعنا إحداث خلية إنتاج وتسويق ساهمت بدورها في إنتاج خمسة أعمال مسرحية خلال سنة واحدة، ولما كنا قادرين على إعداد استراتيجية لإنتاج أربعة أعمال جديدة للموسم القادم 2016.

فنحن نسعى من خلال رهاننا على المجهود الجماعي إلى فتح المجال للمسرحيين التونسيين والذين لهم مشاريع واضحة وجديّة للإبداع في ظروف مميزة وذات جدوى. وهذا كله يعود بالنفع على المسرح التونسي. كما أننا نحرص على حسن التصرف في المال العام والحفاظ على مال الشعب التونسي الذي له الحق في التمتع بفن مسرحي يليق به ويحترم ذائقته الفنية. فالوطنية فعل دائم وحقيقي وليست شعارا وتشدقا وتخليا وتهاونا في المسؤولية، كما أنها ليست وليدة وقتية أو هي دافع سريع الزوال يعيش غالبا بعد زوال التهديد المجتمعي الذي بعثه.

الارتقاء ممكن

كيف يرى المسرحي فاضل الجعايبي حال ومزاج الإنسان التونسي اليوم وما هو موقع المسرحي في المجتمع والوطن؟

الجعايبي: الإنسان التونسي للأسف يكره البلد، وليس له اعتراف لا بالآخر ولا بالذاكرة، وهذا يمكن أن يكون ناتجا عن الحركات الاستعمارية، والتي خلقت في الإنسان التونسي مجموعة من العقد، وجعلته دائم الخوف، يحس بانعدام الحرية ولا يسعى لافتكاكها والتمتع بها. هذا إضافة إلى قتل الأب وتغييب جيل لآخر فهي ظاهرة مرضية. ولكن هذا لا يجب أن يثنينا عن التواصل مع الآخر والبحث، ونحن كمجموعة شعارنا مسرح آخر ممكن وارتقاء بالذوق العام ممكن. ويجب أن تكون هنالك رجات متتالية وأجيال متتالية قابلة لهزائمها ونقائصها وتصنع ركائز لتوجهاتها لتؤسس ذاتيتها الخاصة لا تقوم بالاحتفاء بالأب والاحتماء به، ثم تدعو إلى قتله.

يعتبر البعض من المسرحيين التونسيين أن فاضل الجعايبي وهو في سن السبعين قد أشرف مسرحه على التهاوي والنهاية، ما تعليقك على هذا؟

الجعايبي: اليتم اللغوي والفكري والمعرفي يجعل من هؤلاء زاعمين بهذا القول مرتكزين على عامل السن، لأنهم لا يقدرون على النقد الحقيقي للأثر الفني، فهم ينشغلون بالشخص. وبعد كل مسرحية يقع قتلك ودفنك وأنت مثل طائر الفينيق. هناك مجانية واعتباطية مرعبة وكأن وجودك يرمي الظلال عليهم، وفي حقيقة الأمر هذا يكشف عن كبتهم وقسرهم. فالفن لا يقيّد بالسن فالكبار مثل “النبيذ المعتق”، بيتر بروك مازال يبدع وهو في سن التسعين وأريان منوشكين تبدع وهي في سن السادسة والسبعين. لذلك فالحديث عن السن المتقدم في الفن بمثابة شعوذة كبيرة والحقيقة نحن نقدم اليوم عملنا الجديد “العنف” بكل وعي ودقة وثبات.

الجعايبي في سطور

ولد فاضل الجعايبي سنة 1945 بمدينة أريانة التونسية، درس المسرح في جامعة السوربون الفرنسية وتحصل فيها على الماجستير في العلوم المسرحية، كما درس بالجامعة الدولية للمسرح ومدرسة شارل دولان للتمثيل والإخراج.

ساهم في تأسيس فرقة الجنوب للمسرح بقفصة سنة 1972 والمسرح الجديد بتونس سنة 1975، كما ساهم في تأسيس شركة الفيلم الجديد وقد أدار ودرس وشارك في إعداد هيكلة مركز الفن المسرحي بتونس سنتي 1974 و1978، ليستقر سنة 1993 على تأسيس فرقته الخاصة "فاميليا".

وبعد تجربة ثرية ومميزة في العمل المسرحي إخراجا وكتابة وتكوينا وإدارة، يشرف الجعايبي الآن ومنذ 2014 على إدارة المسرح الوطني التونسي.

إذا ما اعتبرنا بداية فاضل الجعايبي سنة 1970 في الفرقة الجهوية بالكاف في مسرحية "فصل دون كلام"، فإن للمخرج 45 سنة من التجربة المتواصلة في الفن المسرحي.

التلفزة خطر

ما الذي يهدد الفن المسرحي في العالم العربي ما أسباب تراجع المسرح؟

الجعايبي: أولا المسرحيون أنفسهم، فهم مطالبون بالعمل الجدي وتطوير وعيهم الخاص والذاتي بمشاكل الإنسان الحقيقية، ولا بد أن يكون ذلك داخل مشروع فكري وفني واضح وعليهم التخلي عن فكرة “الله غالب” وتوجيه إصبع الاتهام لأنفسهم لا لغيرهم، وعلى كل مسرحي أن ينظر إلى نفسه في المرآة ليرى حقيقته ويواجه أخطاءه حتى يتقدم بثبات وصفاء ويكون حاملا لمشروع إبداعي مسرحي حقيقي. ثانيا التهديد الذي يسلط على المسرح من قبل “التلفزة” وهو خطر حقيقي يدمر الفعل المسرحي فـ”التلفزة” لا تهتم بالمسرح ولكنها تستنزفه وتفرغه من الممثلين، وتساهم في إنتاج صور وخيالات وهمية لأشباح وأشباه ممثلين بوسائل تسويقية انتهازية وتافهة قائمة على الابتذال وعدم احترام عقل المواطن التونسي، وإلهائه عن مشاغله وهمومه الحقيقية، فهي تنظر إلى المواطن على أنه كائن مكبوت ولا يفهم. التلفزة أيضا ساهمت في تخريب المسرح في لبنان وفي مصر وفي سوريا، ففي هذه البلدان المسرح يعاني من المسلسلات التي همشته إلى أبعد الحدود وتبقى المعضلة مسؤولية كل المسرحيين المؤمنين بهذا الفن المسرحي كفن نبيل وحي وقادر على تغيير المجتمعات والارتقاء بها إلى درجة إنسانية مميزة.

“العنف” عمل استثنائي

قدمت المسرح الفني الجديد “العنف” في سلسلة من العروض المتتالية منذ شهر نوفمبر بقاعة الفن الرابع بتونس العاصمة وكان الإقبال الجماهيري غفيرا. ما هو “العنف”؟

الجعايبي: “العنف” مسرحية من إخراجي وكانت صياغة السيناريو مشتركة بيني وبين رفيقتي في مساري الإبداعي الفنانة جليلة بكار. والتي ألّفت بدورها نص المسرحية بشكل حرفي راق.

وكانت السينوغرافيا تشاركية متكاملة بيني وبين قيس رستم الذي صاغ ووقّع موسيقى حيّة للعرض، وشخّص أدوار المسرحية كل من جليلة بكار وفاطمة بن سعيدان ونعمان حمدة ولبنى مليكة وهي مجموعة من الممثلين اشتغلت معها، إضافة إلى ممثلين شبان من خريجي مدرسة الممثل بالمسرح الوطني وهم أيمن الماجري وأحمد طه الحمروني ومعين مومني ونسرين المولهي إضافة إلى فريق تقني متكامل وكل حسب تخصصه.

كيف كان تطرقك للعنف مسرحيا الآن وهنا في حاضرنا المليء بالعنف على الرغم من أزلية العنف؟

الجعايبي: موضوع العنف معروف ومفضوح منذ الإنسان الأول وليس لدينا ما نخفيه، وليس لدينا ما نعرّيه، فالعنف في الممثل وفي المتفرج وفي عالمنا بأسره، لذلك نسرد بعض الحالات منه ونقوم بمسرحتها ولكم أن تتساءلوا عنها وفيها أيها المشاهدين.

العنف فعل إنساني يمكن الامتناع عنه ومساءلته مهما كانت دوافعه. فأسباب العنف لا تهمّ درجتها مادام خالق الأسباب ومنتج الأفعال العنيفة هو الإنسان ذاته. لذلك فالطرح المسرحي ينطلق من فعل العنف الذي ينتجه الإنسان بشكل اعتباطي ويكون دافعا للتحول إلى وحشية إنسانية مدمّرة ومخربة للإنسان ذاته.

ثم إن الذات مقسّمة إلى ذوات متنافرة ومتباعدة ومتصادمة، وهذا ما يظهر من خلال الطرح الواضح لمسألة الشخص والشخصية، فالممثلون، في العرض، هم أشخاص بالأساس يحملون أسماءهم الدنيوية، ويمنحونها لشخصياتهم الوهمية التي يلعبونها مسرحيا ليقع التساؤل حول الأنا المنقسم إلى جزأين، مثل لبنى ولبنى الأخرى، وفاطمة وفاطمة الأخرى.

وإن دور الفنان لا أن يجد حلولا للعنف أو أيّ قضية يطرحها، بل منوط بالفنان والمبدع أن يقدم قضاياه كما هي، دون تكلف أو مواربة، لكن دون طرح مباشر سطحي أيضا، والمسرحي يظهر ويخفي ما يراه ناجعا وذا جدوى في العرض.

لذلك فعملنا يقدم للآخر حالات كما هي، في قالب فني طبعا، ما يجعل هذا الآخر، الجمهور، يتساءل بذاته عن ذاته، وينتج بمفرده أفكاره أو نقده لذاته أولا، ثم ينطلق منها إلى الآخر ممثلا كان أو غيره.

مسرحية “العنف” تسرد خمسة حالات للعنف فالزوجة التي تقتل زوجها وهو يقرأ كتابا بدافع صراعها مع سائق تاكسي هو قتل اعتباطي على وجه الخطأ. والأم التي تقتل ابنها بحرق نصفه الأعلى اعتباطي هو الآخر، والمثليّ الذي يقتل عشيقه لأنه أحبه، والطلبة الذين قتلوا أستاذة الفلسفة دون أيّ سبب، هي حالات من العنف كلها تشترك في كونها اعتباطية وغير منطقية لنتحول من القتل إلى دافع القتل، وكأننا أمام بطل الغريب لألبير كامو الذي كان يقول “الإنسان يمتنع″، وعلى الإنسان فعلا أن يمتنع عن إخراج الوحش الذي بداخله ذاك الذي يتحين أن تأتي الظروف الخصبة ليخرج، لذلك ندعو الجميع إلى التساؤل حول العنف والامتناع عنه، ونؤكد في المقابل على الحب كميزة إنسانية تحمي الإنسان من الكراهية المؤدية للعنف.

فنحن جميعا مسؤولون عن العنف ولا بد لنا أن نحاكم ونحاسب ذواتنا المنتجة للعنف قبل أن نحاسب الآخر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

فالفرد هو المسؤول أمام ذاته وأمام الآخر، وكل فرد لا بد أن يتحمل مسؤولية في ما نحن عليه اليوم من دمار وخراب للإنسان

الحوار أجري في تونس


مخرج مسرحي من تونس

مقالات أخرى للكاتب:

  • الكرة الممزقة