المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(154)]

التعصب أو الجنون الجماعي

كيف نفهم أن أفرادا يمكن أن يهجموا في شكل جماعات لقتل آخرين ؟ عادة ما يعزى ذلك إلى التعصب، كمرض ذهني عابر للأزمنة، لا يمكن القضاء عليه إلا بالعنف، ليجتث كما يجتث الورم الخبيث. ولكن جيرار حداد، أستاذ التحليل النفسي المطلع على مختلف الكتب السماوية، يذهب مذهبا آخر إذ يقترح في كتابه “في يد الرب اليمنى” تحليل مختلف العوامل، التي شجعت التعصب في الماضي والحاضر. ويغوص في أعماق النفس ليعرف كيف يصبح المرء متعصبا، والمنابع السيكولوجية التي تروي متعة الذي يتصور أنه يملك وحده الحقيقة، ويصف هوس المؤامرة والإيمان بأن اللحظة الحاسمة التي ستكشف له العالم قد أزفت، ليقترح قراءة أنتروبولوجية ونفسية لجنون جماعي، لا تخلو منه مختلف الأديان والحضارات. ويرى أن معرفة العدو هي خير وسيلة لمحاربته على قدم المساواة.

من أجل تاريخ آخر

جديد المؤرخ مارك فيرّو كتاب بعنوان “العمى – تاريخ آخر لعالمنا” يتساءل فيه عن العمى الذي ضرب على أبصار العالم منذ الحرب العالمية الأولى حتى صعود الإسلام الراديكالي مرورا بالفاشية والنازية وسقوط الشيوعية وأحداث 11 سبتمبر والأزمات الاقتصادية التي فاجأتنا، ولا تزال، برغم تطور الإعلام، حيث تصل المعلومة الآن في التو واللحظة إلى أقصى بقعة في الأرض. فترات حرجة لم تستطع، أو لم تشأ، بلدان وساسة ونخب وشعوب مواجهتها إلا بعد فوات الأوان، بسبب جملة من العوامل كغياب الشجاعة أو سوء التقدير أو التحليل الخاطئ أو الإنكار أو نتيجة وطأة الأوهام والنظريات. ويتساءل الكاتب في خضم هذه الهزات العنيفة التي لا نزال نشهدها حتى اليوم هل يمكن توقع كل شيء، وهل نكتفي بالفهم أم نمر إلى المواجهة ؟ وهل يمكن تصور مخرج لما يجدّ عبر العالم من أزمات ونزاعات ؟ كتاب لا يكتفي بطرح تلك الأسئلة بل يستكشف أسباب عمى العالم رغم وجود زعماء ومفكرين يملكون رؤية نافذة.

داعش وخطر التقسيم

“داعش، التهديد الأكبر” عنوان كتاب جديد للمؤرخ والمحلل السياسي ألكسندر أدلر، صاحب أسبوعية “البريد العالمي” يؤكد فيه أن كل المؤشرات تفيد بأن الشرق الأوسط دخل في منطقة زوابع غير مسبوقة، حيث يتوقع أن يعاد توزيع كل الأوراق على غرار ما حصل إثر تفكك الإمبراطورية العثمانية. فقد بدأ يتحلل بظهور داعش الذي شكل صدمة بنيوية تهز أسس عدة دول. ويتساءل الكاتب عن هذا التنظيم القوي الذي يتشكل في دولة تطمح أن تكون عابرة للقارات، وما دوافعه ؟ هل هو الحقد على الغرب، أم الوجه الراديكالي للإسلام، أم هو سمة من سمات منطقة مختلة التوازن من زمن بعيد ؟ وفي رأيه أن كل العناصر متوافرة في مصنع التاريخ : تردد أمريكا، قوة الهلال الشيعي، إيران الجديدة ومصر الجديدة، رهان الأقطار المجاورة كتركيا والسعودية والأردن، الحرب بلا رجال…

كسر الطوق الجهادي

في كتابها “كيف الخروج من القبضة الجهادية” الفائز بجائزة مجلة لكسيبريس للمقالة التحليلية لهذا العام، تحلل دنيا بوزار عالمة أنتروبولوجيا الأديان الوسائل التي يلجأ إليها الجهاديون في داعش وجبهة النصرة لاستقطاب الشباب الفرنسي، مستفيدة في ذلك من تجربتها الميدانية في وصف التحولات التي تطرأ على وقع تجنيده للجهاد، حيث يبدأ المجند بشطب عائلته والالتحاق بعائلة جديدة تعوضها هي الجماعات الراديكالية الإسلامية، وينوب التقليد والتكرار استعمال العقل، وتصبح الجماعة هي التي تفكر بدلا عنه وينعدم إحساسه بالناس وبالوجود فلا يفكر إلا في القتل والموت. فهل يستطيع الشباب المغرر به إيديولوجيا أن يكسر الطوق ويفك القيد ليستعيد حياة طبيعية كسائر الشبان ؟ تقول الكاتبة إن ذلك ممكن ولكنه عمل يستوجب إمكانات ونفَسا طويلا، حتى يستعيد الإنسان ذاته ويستعيد إحساسه بالحب، حب أهله وأصحابه وبلاه، وحب الحياة ومباهجها.

الجهادية وسبل مقاومتها

“الجهادية” كتاب يجمع مساهمات ثلاثة متخصصين في الإرهاب الإسلاموي هم الباحث الفرنسي فيليب ميغو والباحث الإيراني فرهاد خسروخاور وقاض لمكافحة الإرهاب دفيد بنيشو، يطرحون الأخطار المحدقة وسبل التصدي لها. يقدم الأول بسطة عن مختلف الجهاديين وبنيتهم الإيديولوجية وقدرتهم على التعامل الاستراتيجي، طرقهم في الضغط، وسائل إعلامهم، شبكات تواصلهم وتكوينهم، أهدافهم وتشظيهم إلى مجموعات صغيرة مزروعة في كل مكان. أما الثاني فيتناول الظاهرة من زاوية اجتماعية ليبين كيف يستقطب الجهاديون في العالم الإسلامي وكذلك الغربي شبانا من الأقلية المسلمة ومن معتنقي الإسلام وكيف تنجذب الإناث إلى إيديولوجيا تعاملهن كالإماء، وكيف استطاعت هذه الصيغة المتطرفة للإسلام أن تقترح شكلا توتاليتاريا لـ “الكل الديني”. أما الثالث فيعالج القضية من زاوية قضائية، ويحلل هوامش المناورة المتاحة للغرب وللعالم الإسلامي والوسائل التي يمكن توفيرها لمقاومة هذا الوباء المعاصر.

تصدع المجتمع الفرنسي

جديد الباحث المتخصص في جماعات الإسلام السياسي جيل كيبل كتاب بعنوان “رعب في فرنسا”، ينطلق فيه من السنوات العشر التي تمتد من أحداث الشغب في ضواحي بعض المدن الفرنسية التي اندلعت في خريف 2005 إلى غاية عملية شارلي هبدو ثم اعتداءات الباتاكلان، ليبين كيف أن فشل السياسات الاقتصادية وتهميش شباب الهجرة ما بعد الكولونيالية اجتماعيا وسياسيا دفعا ببضعهم إلى التوسل بنموذج “إسلام شامل” مستوحى من السلفية للالتحاق بالقطب الجهادي الذي يريد تدمير الغرب “الكافر”. وكان لظهور جيل جديد من مسلمي فرنسا والتحولات الإيديولوجية للجهادية دور في انبهار عدد من الشبان الفرنسيين بالمعارك في سوريا والعراق، ثم انضمامهم إلى جبهات القتال، قبل أن ينقلوا عملياتهم داخل فرنسا. في الوقت نفسه صار صعود اليمين المتطرف وخاصة حزب الجبهة القومية يهدد بتصدع المجتمع الفرنسي الذي يواجه اليوم خطر أطراف متطرفة من الجهتين تريد أن تفرض مناخ رعب وربما حربا أهلية.

مؤرخ فرنسي يرثي تدمر

بعد مؤلفاته عن السوسيولوجيا الرومانية والأساطير الإغريقية وترجمته الرائعة للإنيادة، صدر لبول فاين الأستاذ الشرفي بالكولاج دو فرانس وواحد من أكبر المؤرخين الفرنسيين المتخصصين في العصر الروماني القديم كتاب جديد بعنوان “تدمر، الكنز الذي لا يعوّض”، بعد أن استولى عليها برابرة داعش وعاثوا في كنوزها تدميرا وتقويضا، ليذكر بظروف تأسيسها على يد سليمان كما جاء في التوراة، ومكانتها كقوة مشرقية عظمى ومركز اقتصادي وتجاري مزدهر ودور الزباء في توسيع نفوذها في المنطقة وصراعها ضد الإمبراطور أوريليان في القرن الثالث الميلادي. ويصف معالمها الباهرة، التي قامت على هندسة معمارية زاوجت بين الفن الغريكو روماني والمؤثرات المحلية، ليبين في حسرة مرة أي كنز فقدت الإنسانية بتدميرها. في عرضه لهذا الكتاب كتب ماتياس إينار المتوج بغونكور هذا العام : “لا رثاء أصدق وأنبل من الرثاء الذي يخص به بول فيان مدينة تدمر.”

الثقافة لمقاومة الظلامية

“فولتير أو الجهاد” عنوان كتاب جديد لجان بول بريغلّي، عن دور الثقافة في مقاومة الظلامية. يبين فيه كيف انغرست “ثقافة التعويض” ( وهو مصطلح عادة ما يستعمل في مجال تعاطي المخدرات ) كثقافة الضواحي وثقافة الشباب في أدمغة أفرغت بعناية وصارت سهلة الاختراق أمام هجمة الإسلام السياسي، معتبرا أن الوسائل التقنية الحديثة هي سبب ذلك التعويض. والكاتب يدين كافة الأطراف من ساسة ومربين وإعلاميين، آثروا في رأيه الاستسلام دون مقاومة أمام الجهل الزاحف الذي مثل ذورته موقف ساركوزي من رواية أميرة كليف لمدام لافاييت. وفي رأيه أن الثقافة الفرنسية، كوريثة لعصر الأنوار، مدعوة إلى مواجهة الثقافة الظلامية. يقول: هل نحن حقا ورثة فولتير أم أننا ننحدر إلى البربرية دون أن نعي ذلك ؟ وهو السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب على المسؤولين كافة، والمتواطئين مع تلك الاستقالة.

الهجرة كسبب للقلق الفرنسي

كتاب آخر عن تردي الأوضاع في فرنسا عنوانه “التحلل الفرنسي : كيف وصلنا إلى هذا ؟” ومؤلفته مليكة صوريل وهي باحثة فرنسية من أصل جزائري، وعضو بالمجلس الأعلى للاندماج. تنطلق الكاتبة من المنظومة الإدارية والسياسية لتبين مقدار الإفلاس الذي أصاب نخبة فرنسية تنهشها عيوب لا حصر لها كالتذلل والتهاون والعجز وعدم الكفاءة واللامبالاة، إلى جانب الجبن وما يتبعه من احتقار للحرية، حرية الفكر خاصة. وترى أن المنحدر الذي سارت فيه تلك النخبة التي تكاد لا تتغير بدأ منذ مدة طويلة، فهي نفسها التي بيدها السلطة والنفوذ من زمن طويل، منحدر من سماته التخلي عن تحليل المشاكل بعمق والاعتراف بالأخطاء واستحضار الأسئلة المؤلمة التي تكون خواتيمها في الغالب لا تسر. فالكاتبة، وهي ابنة مهاجرين، تدين الماسكين بالسلطة، الذين يدركون في رأيها الصعوبات المتعلقة بالهجرة والاندماج والتي تطرح اليوم بحدة، فهي المصدر الأكبر للقلق الجماعي الذي ما انفك يسيطر على الفرنسيين.

موسوعة الإرهاب

نعيش اليوم عصرا عجيبا يجمع بين نقيضين، ثورة تكنولوجية وعلمية مذهلة تريد أن تسمو بالإنسان، وثورة تدميرية تنتهك حرمة الإنسان وتقوض منجزاته، قديمها وحديثها، بأعمال إرهابية ما انفكت تتطور لتأخذ أشكال إبادة جماعية أحيانا. حتى صار الإرهاب حديث الساعة دون أن يكون المتدخلون في الميديا وسواها على اطلاع شامل بهذه الظاهرة وجذورها. “تاريخ الإرهاب، من العصر القديم إلى داعش” كتاب ضخم أراده مؤلفاه جيرار شاليان وأرنو بلان موسوعة شاملة عن الإرهاب في شتى أوجهه، لا تستعرض نشوءه وتطوره في مختلف الحضارات منذ القدم حتى أشكالها الحالية بقدر ما تحلل الأسباب التي هيأت لهذه الظاهرة عبر التاريخ، بالاستعانة بخبراء عالميين، أكدوا أن إدراكنا لها تطور بدوره. فالراديكالية الإسلامية مثلا توضع هنا في إطارها التاريخي، لحصر الرهانات الحالية لهذه الظاهرة لم تستنفد مفعولها. واعتمد الباحثان على جملة من الوثائق من خطب رسمية وبيانات ورسائل ونصوص نظرية لأهم الإرهابيين في العالم من باكونين إلى بن لادن والبغدادي.

القضية الفلسطينية في عيون مستشرق

“مسألة فلسطين” هو الجزء الرابع للكتاب الضخم الذي وضعه المؤرخ هنري لورانس أحد المتخصصين البارزين في العالم العربي وقضاياه. ويغطي المرحلة الحساسة الممتدة من 5 حزيران 1967 تاريخ الهزيمة العسكرية النكراء لجيوش العرب أمام الكيان الصهيوني، إلى 4 حزيران 1982 تاريخ الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وفي رأيه أنها مرحلة مهمة بلغ فيها الصراع العربي الإسرائيلي أوجه قبل أن يتحول إلى صراع فلسطيني إسرائيلي. هذا الجزء يستعيد الطابع الفريد للمراحل التاريخية لتلك الفترة المضطربة، التي صار فيها الصراع الأساس بين قوة غاصبة وشعب مقاوم يطرح لأول مرة في شتى المحافل الدولية والإقليمية. والكتاب هو خلاصة عدة سنين من التدريس في الكولاج دو فرانس، وفضله أنه يصف ما جرى في تلك الحقبة ليساعد على فهم الآليات السياسية في الشرق الأوسط المعاصر وتطور مجتمعاته، والقواعد التي تنظم العلاقات الدولية في هذه المنطقة من العالم.

التاريخ المشترك

جديد جان بيير فيليو، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهد العلوم السياسية بباريس كتاب بعنوان “العرب، مصيرهم ومصيرنا” يعود فيه صاحبه إلى الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 ليقدم للقارئ تاريخا مغايرا عن العرب، وهو تاريخ وثيق الصلة بتاريخ الغرب، وأوروبا، وفرنسا تحديدا، من جهة الحملات العسكرية والاستعمارية العنيفة والوعود الكاذبة والمناورات الدبلوماسية ومن جهة مساندة الدكتاتوريات المجرمة أو الأنظمة الرجعية المستبدة. هذا “التاريخ المشترك” سبب مأساة العرب، لا ينبغي أن ينسينا تاريخا آخر، مهملا وغير متداول، ألا وهو تاريخ الانفتاح الثقافي، الذي بدأ مع “أنوار العرب” في القرن التاسع عشر، وكذلك تاريخ الغليان الديمقراطي والثورات الاجتماعية التي عادة ما تسحق سحقا قاتلا. وكلاهما تعبير عن رغبة في التحرر من الهيمنة الغربية ومن الاستبداد لكي يكتب العرب تاريخهم. وفي رأي الكاتب أن العالم العربي، برغم تراجيديا الحاضر، بصدد كتابة تاريخ يولد الآن على مرأى من الغرب، ولو بأحرف من دم.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا