غيتو إسلامي

المهاجرون من الفجوة الثقافية إلى الهوة النفسية

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(160)]

تكشف الصدام بين الغرب والمهاجرين العرب والمسلمين أخيرا. كان هذا الصدام متوقعا بما حفلت به السنوات السابقة من احتكاكات هنا وهناك. مرة عن النقاب ومرة عن بناء جامع ومرة عن تسلسل الأفكار المتشددة إلى المدارس. هذه المرة صار اللعب على المكشوف.

واقع الهجرة للعرب والمسلمين هو واقع منوع. موجات أولى من الأثرياء الذين ضايقتهم الاجراءات الاشتراكية الاعتباطية، ثم موجات أخرى من المثقفين ممن فضلوا الغربة على مواجهة قسوة التفسيرات الضيقة للثقافة في انظمة منغلقة فكريا، ثم موجة من السياسيين المعارضين الذين لم يكونوا مخيرين بالأصل بين السجن وحبل المشنقة من جهة والاغتراب من جهة ثانية، تبعهم عدد كبير من المبتعثين الذين قدموا إلى الغرب ليدرسوا ثم قرروا الاستقرار، وأخيرا موجات الهجرة الانسانية التي بدأت مع الحروب التي عصفت بالمنطقة منذ عام 1990 وحتى الآن. هذا الكلام لا يشمل المهاجرين الذين ارتحلوا مع الارث الاستعماري من شمال افريقيا.

ما كان يجمع الموجات الأولى، أي قبل موجات النازحين، أن القادمين جاءوا بتطلعات منفتحة تريد الاستقرار وضمان التعليم للأبناء والاندماج النسبي في المجتمعات الغربية. لا أزياء مختلفة ولا اكل يميز إلا في حالة ما ذكر في النص المقدس صريحا بالتحريم. كان المهاجرون انفسهم صورة عن بقايا العصر المنفتح في البلاد العربية في مرحلة الاربعينات والخمسينات والستينات وبدايات السبعينات.

لكن شيئا ما تغير. صار ما يجمع المهاجرين هو الحلقات الدينية التي انشأتها جماعات الاسلام السياسي أكثر مما تجمعهم نوادي المغتربين. تحول دكان التسوق العربي الذي كان يربط المغتربين بتراث موائدهم وما اعتادوا عليه من أكلات، إلى دكان لبيع المنتجات “الحلال”. بعض المنتجات الحلال وصلت إلى درجة الطرافة: جاكيت من جلد بقرة مذبوحة حلال أو حمص مسلوق حلال. ومع الحلال، انتشرت كتيبات الدعوة، ثم مراكز “ثقافية” إسلامية.

تقوقع المهاجرون أكثر مع هجوم الفضائيات ومن ثم الانترنت، ثم وصول الموجات الجديدة من مهاجري الحروب ما بعد التسعينات. تغير شكل الجاليات وصار أبناؤها يميزون انفسهم باللباس والأكل والتجمعات التسوقية وحلقات الدعوة.

كل هذا لا مشكلة فيه. سبق العرب المهاجرين اليه الصينيون والافارقة والهنود مثلا. الصينيون حافظوا على اكلهم والهنود على عمائمهم والأفارقة على الأزياء المزركشة بالوانها الفاقعة التي يرتدونها يوم الاحد عند الذهاب للكنيسة.

الخلل الثقافي كان عند المهاجرين العرب والمسلمين. استهوتهم عقلية الانعزال والتميز والتفكير بالجالية كغيتو إسلامي. ما عاد اللقاء في صلاة الجمعة كافيا.

الآباء والأمهات من جيل المهاجرين المنفتحين استسلموا بمرور الوقت لتأثيرات القادمين الجدد أو لضغوط ابنائهم الذي صاروا يتماهون أكثر وأكثر مع ثقافة إسلامية مجتزئة تعيش نموذجا مصطنعا في الغرب المسيحي.

لم يعر الغربيون الكثير من الاهتمام لتطور ظاهرة عزلة الجالية العربية والإسلامية. الحق في العبادة والحق في اللباس والحق في اختيار نمط الحياة يضمنها القانون. أوروبا تعلمت من دروس التمييز ودفعت اثمان باهظة منذ عصر “حروب الاسترجاع″ القشتالية الاراغونية في الأندلس ونفي اليهود والمسلمين كنتيجة لها ولمحاكم التفتيش، وصولا الى الهولوكوست في عصر النازية.

لكن حروب الشرق غيرت كل هذا. غزو العراق وتدميره وانفلات عقال الحروب الطائفية في الشرق الأوسط وتأسيس الجهاد السلفي والإسلام الخميني لقواعد على الارض، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبتواطؤ من الغرب أو مشاركة مباشرة، جعل مسار الجاليات يأخذ وجهة تصادمية فيما بينها ومع المجتمعات الغربية الحاضنة.

يمكن القول أن الغالبية العظمى من الجالية تريد ان تنأى بنفسها عن المشاكل حتى وان حافظت على الفجوة الثقافية مع المجتمعات المضيفة. كانت تحتمي بالخصوصية الثقافية ونجحت في هذا إلى حد كبير إلى أن قامت القلة القليلة ممن ذهبت بعيدا في تطرفها، بالتحرش بأمن المجتمعات.

هنا توقف التعامل الغربي مع ما يحدث على انه تباين ثقافي لا أكثر.

الغربي كان ينظر إلى المسلمة المحجبة قبل عشرة أعوام على انها تلتزم بثقافة مختلفة.

نفس الغربي، مع زيادة وعيه بالاسلام، صار ينظر إلى المحجبة قبل خمسة أعوام على انها تلتزم بالشريعة، أو هكذا يعتقد على الأقل.

الغربي، مع احساسه بالقلق من خطر الارهاب قبل عام او عامين، بدأ ينظر إلى المحجبة بأنها انسانة لا تقول أنا مسلمة ملتزمة بل هي إمرأة لا تثق بالمجتمع وتحتجب منه بغطاء للشعر أو بنقاب كامل. لكنه كان يسكت ويقول انها حرية شخصية.

اليوم الغربي، ومع الهجمات الارهابية، ما عاد يسكت على انعدام الثقة هذا ويرد ويقول: أنا أيضا لا اثق بك ولا بما تخفين.

هنا ما عاد الحديث يدور عن فجوة ثقافية، بل عن هوة نفسية تزداد اتساعا. هنا دخلنا حقا مرحلة الخطر.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة