النخب‭ ‬المغاربية‮ ‬في‭ ‬سنارة العلمانية‭ ‬المغشوشة‬‮‬

انتشرت المسيحية في العالم كدين ذي عقائد وقيم ثقافية وكذلك فعل الإسلام‭.‬ لكن يتميز الدين الإسلامي عن المسيحية في كونه انتشر في ما يسمى اليوم العالم العربي كعقيدة حاملة معها أيضا اللغة العربية لغة القرآن الكريم‭.‬ ومن ثم، فمنطقة الوطن العربي تدين أغلبيتها بالإسلام وتتحدث اللسان العربي‭.‬ وفي نظر علم الاجتماع، فاللغة والدين هما أهم عنصرين يحدّدان الهويات الجماعية للشعوب‭.‬ ومنه، يصح القول إن المجتمعات العربية صاحبة هوية عربية إسلامية في الصميم‭.‬ أي أن الدين الإسلامي واللغة العربية هما القطبان الرئيسيان لتلك الهوية‭.‬

الجديد  محمود الذوادي [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(16)]

لوحة: أسامة دياب
تفيد معطيات البحث في منظومة الهوية العربية الإسلامية أن الاستعمار الغربي المعاصر للشعوب العربية قد أثّر سلبا على تماسك الدين الإسلامي واللغة العربية في هوية الكثير من النخب العربية الحديثة‭.‬ ويتجلى ذلك أكثر لدى النخب المغاربية بسبب ثقل الاستعمار اللغوي الفرنسي على شعوب المغرب العربي ونخبها‭.‬ تركز سطور هذا المقال على كشف الحجاب عن معالم تصدّع هوية النخب في قطبيْ الهوية العربية الإسلامية: الإسلام واللغة العربية‭.‬

طرح جديد لتصدّع الهوية في حضن العلمانية

يطرح هذا المقال موضوعا جديدا لا نعرف أنه قد تمّ التطرق إليه من قبلُ بالصيغة التي تقدمها هذه السطور‭.‬ إنها ظاهرة العلمانية في تونس‭.‬ تبيّن مقولة هذا الطرح أن العلمانية في المجتمع التونسي بعد الاستقلال والثورة هي علمانية منحرفة عن الأصل ومن ثمّ مشوّْهة أو مغشوشة‭.‬ ترفع راية هذه العلمانية في المقام الأول النخب الثقافية والسياسية‭.‬ ومن ثمّ، يمكن وصفها بأنها نخب تسيء حتى إلى عملية تقليدها اللاهث للغرب بسبب عقد مركبات النقص التي أنبتها ورسّخها في شخصيتها القاعدية المستعمر الفرنسي‭.‬ ومنه، فالتحليل المنهجي -كما سنرى- يجعل الثقة أمرا صعبا جدا في ما تطرحه تلك النخب من مشاريع للمجتمع التونسي بعد الثورة وقبلها‭.‬ وقبل أن نختصر مقولتنا في هذه القضية، دعنا نتعرف أولا على أصل معنى كلمة العلمانية لنتمكّن لاحقا من المقارنة بينه وبين معالم العلمانية اليوم في هذا المجتمع وغيره لنرى بشفافية قوة أو ضعف مشروعية تسمية علمانية تلك النخب بأنها مشوَّهة أو مغشوشة‭.‬

أضواء على فكرة العلمانية العادية

تفيد مفردة العلمانية عملية انحسار تأثير الدين على سلوكيات الأفراد وحركية المجتمعات‭.‬ فكلمة Secularisationالإنكليزية تطلق على العلمانية‭.‬

انتشرت العلمانية في المجتمعات الغربية المعاصرة الأمر الذي أثّر أيضا على سلوكيات أفراد وبنيات مجتمعات العالم الثالث‭.‬ وهو سلوك وليد لعلاقة الغالب بالمغلوب كما أكد ابن خلدون “المغلوب مولع أبدا في تقليد الغالب“‭.‬ فعلى سبيل المثال، وقع طلاق صريح بين الدين والعلم في المجتمعات الغربية منذ عصر النهضة بسبب الصراع بين الكنيسة والعلماء والمفكرين‭.‬ فحدث تقليد هذا الأمر بطريقة واسعة من طرف علماء ومفكري نخب المجتمعات النامية‭.‬ تضرر البعد الديني عموديا لدى تلك النخب ثم أفقيا لدى عامة الناس في تلك المجتمعات‭.‬ وكما تؤكد بحوث العلوم الاجتماعية، فالدين يمثل جزءا مركزيا من هويات الناس والشعوب‭.‬ ويجوز وصف انحسار البعد الديني بأنه ضرب من التصدع الثقافي في منظومة الهويات التي تتكوّن من مجموعة من العناصر الثقافية وفي طليعتها اللغات والديانات‭.‬

العلمانية ذات البعد الواحد

أما لغات المجتمعات الغربية فلم يقع تهميشها بين أفرادها ومؤسساتها‭.‬ فالإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية بقت اللغات الأولى في الاستعمال بين المواطنين وفي المؤسسات في تلك المجتمعات الأوروبية‭.‬ ولا تقتصر مكانة تلك اللغات على مجرد الاستعمال الشامل والكامل لهذه اللغات‭.‬ بل توجد علاقات نفسية حميمة بين مواطني ومؤسسات تلك المجتمعات ولغاتها الوطنية‭.‬ إذ أن وجود علاقة سليمة للغات في مجتمعاتها يشمل جبهتين: الاستعمال الشامل والكامل للغات الوطنية في كل أنشطة تلك المجتمعات، من جهة، وحضور مواقف نفسية قوية تدافع وتتحمس وتغار على اللغات الوطنية، من جهة أخرى‭.‬ وهكذا يتبين أن العلمانية تمس في المجتمعات الغربية الحديثة قطب الدين المسيحي بفروعه المختلفة‭.‬ أما التصدع في قطب اللغات الوطنية فهو مفقود في شكليْه: عدم الاستعمال الكامل والشامل وضعف الشعور النفسي لدى الخاصة والعامة نحو اللغات الوطنية‭.‬

العلمانية المغشوشة

مقارنة بمفهوم العلمانية ذات البعد الواحد في المجتمعات الغربية كما رأينا، فإن النخب السياسية والثقافية التونسية ومجتمعها تتبنى علمانية ذات رأسيْن‭.‬ فبينما حصرت وتحصر النخب الغربية ومجتمعاتها تعاملها مع العلمانية في تهميش دور الدين في حياة الأفراد والمجتمعات، جنحت وتجنح النخب التونسية ومجتمعها بعد الاستقلال إلى تهميش كل من الدين الإسلامي واللغة العربية من حياة الناس الشخصية والحياة الاجتماعية‭.‬ فيجوز القول هنا إن تقليد هذه النخب ومجتمعها للعلمانية الغربية هي عملية مغشوشة‭.‬ إذ أن تلك النخب ومجتمعها انحرفا وينحرفان عن المثال الأصلي الغربي للعلمانية الذي يهمش الدين فقط، بينما أضافت تلك النخب أيضا عملية التهميش إلى لغتها العربية‭.‬

وعلى مستوى آخر، يتمثل الغش كذلك في عجز تلك النخب ومجتمعها في الوفاء لأخلاقيات المناداة بقيم المجتمع المدني‭.‬ فالعناية باللغة العربية وحمايتها وإعطائها المكانة الأولى كلغة وطنية مطلب مدني في الصميم لدى مجتمعات تقول إن العربية هي لغتها الوطنية الوحيدة‭.‬ فممارسة العلمانية المغشوشة عند النخب التونسية ومجتمعها ذات جذور استعمارية أحدثت نوعين من التصدع في هوية تلك النخب ومجتمعها أديا إلى ميلاد علمانية مشوَّهة تهاجم ليس الجانب الديني فقط من هوية الشعب التونسي وإنما تَنقضُّ أيضا بأكثر قوة وحدّة على الجانب اللغوي لمنظومة هويته العربية الإسلامية‭.‬

يكفي ذكر مثال حيّ واحد يجسّم مدى التصدع اللغوي أفقيا وعموديا (العلمانية المغشوشة) في المجتمع التونسي حيث تُكتب اللافتات في قسم بيع الفواكه باللغة الفرنسية فقط في متجر التسوق المسمى المونوبري

إجماع تونسيعلى الهوية العربية الإسلامية

يجمع أفراد وفئات أغلبية الشعب التونسي أنهم أصحاب هوية عربية إسلامية يمثل الدين الإسلامي واللغة العربية قطبيْ هذه الهوية‭.‬ تفيد المؤشرات الكثيرة أن الاستعمار الفرنسي للمجتمع التونسي قد أثر سلبا خاصة لدى نخب هذا المجتمع على القطبيْن المذكورين‭.‬ يجوز وصف هذا الوضع بأنه يرقى إلى مستوى تصدع قوي في تماسك منظومة الهوية العربية الإسلامية الذي جاء نتيجة للاحتلال الاستعماري الفرنسي الذي نشر لغته ومدارس أفكاره خاصة بين النخب الثقافية والسياسية المديرة لشؤون هذا البلد في العصر الحديث‭.‬ والمجتمع الذي يُبتلى بتهميش وسرقة لغته وثقافته فقد خسر كأفراد ومجتمع روحه أعز شيء لديه‭.‬ ولتسهيل بيان معالم هذا التصدع لدى الشعب التونسي اليوم نفحص جوانب هذا التصدع على مستوى قطبيْ الهوية العربية الإسلامية‭.‬

أدوات رسم طبيعة التصدع اللغوي

ولتشخيص معالم هذا التصدع اللغوي بين النخب وسواد الشعب التونسي أنشأنا مجموعة من المفاهيم لقياس هذا التصدع اللغوي بطريقة مجسمة شبه كميّة في المجتمع التونسي‭.‬ نقتصر هنا على ذكر مفهومين فقط هما «الثنائية اللغوية الأمارة» (1) و»فقدان التعريب النفسي» (2)‭.‬ نُعرّف المفهوم الأول كالتالي: الثنائية اللغوية الأمارة هي تلك التي تجعل عددا كبيرا من التونسيات (أ)والتونسيين قاصرين على الذود عن لغتهم الوطنية (العربية) وغير مبالين إزاء عدم استعمالها في شؤونهم الشخصية وفي ما بينهم وفي أسرهم ومؤسساتهم بحيث تصبح عندهم في حالات عديدة لغة ثانية أو ثالثة‭.‬ أما مفهوم فقدان التعريب النفسي فهو يتمثل في ضُعف وجود علاقة حميمة مع اللغة العربية لدى هؤلاء بحيث لا تكون لها في سلوكياتهم اللغوية المكانة الأولى في قلوبهم وعقولهم واستعمالاتهم فلا يغيرون عليها ولا يدافعون عنها بكل حماس في الدوائر الخاصة والعامة في مجتمعهم‭.‬ تفيد الملاحظات الميدانية للسلوكيات اللغوية أن انتشار كل من فقدان التعريب النفسي وقوة الثنائية اللغوية الأمارة حاضر بشدة في المجتمع التونسي بعد كل من الاستقلال والثورة‭.‬

التصدع اللغوي مغاربيا

نقدم عينة سلوكية لغوية تتمثل في الموقف المتصدع للأكاديميين التونسيين وغيرهم من نظرائهم في الجزائر والمغرب نحو اللغة العربية لنبيّن أن جذور التصدع اللغوي في الأقطار الثلاثة هي جذور استعمارية في الصميم‭.‬

حضرنا ندوة حول نمو المدن المغاربية عبر العصور في 26ـ 27/ 05/ 2005‭.‬ أُقيمت هذه الندوة من طرف المركز الأميركي للدراسات المغاربية بتونس ‭.‬كان أغلبية المشاركين الأكاديميين من التونسيين الجزائريين والمغاربة‭.‬ اختار هؤلاء اللغة الفرنسية للقيام بمداخلاتهم وتقديمها ماعدا مشاركة مغربية واحدة اختارت اللغة العربية لإلقاء بحثها‭.‬ وقد أثار ذلك حيرة وصدمة واستهزاء بين زملائها وزميلاتها توحي بعدم استحسان الأمر بين معظم هؤلاء‭.‬ يشير ذلك إلى مدى استمرار رواسب الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي بين النخب الثقافية في هذه المجتمعات وذلك بعد عقود من الاستقلال‭.‬ وهو تصدع لغوي بيّن المعالم لدى تلك النخب يفقدها التحرر من الاستعمار وأصالة روحها اللغوية والثقافية المميّزة لها ولمجتمعها‭.‬ فكل الأمثلة السابقة للتصدع اللغوي دليل قاطع على الحضور القوي للعلمانية المغشوشة ليس في تونس وحدها، بل أيضا في الجزائر والمغرب، لأن السبب واحد ألا وهو الاستعمار الفرنسي‭.‬

التصدع الديني لدى النخب التونسية

إن ظاهرة التصدع اللغوي في المجتمع التونسي نجد لها أختها على مستوى التصدع الديني‭.‬ فالنخب السياسية الحاكمة ونظيراتها المثقفة بعد الاستقلال لا ترحب بوجود التيارات الإسلامية‭.‬ ونتيجة لذلك، برزت سياسات معالم تجفيف المنابع الإسلامية بعد رحيل الاستعمار‭.‬ فقد اتُخذت في هذا المجتمع سلسلة من القرارات أذن بها بورقيبة وأشرف عليها ومارسها شخصيا على الملأ بمساعدة رجال ونساء نظامه‭.‬ نقتصر على ذكر أهمها: الحط من مكانة جامع الزيتونة منذ بداية الاستقلال ودعوة الرئيس بورقيبة للإفطار في شهر رمضان وقيامه بذلك جهارا على الملأ وإلغاء نظام الحبس وإقصاء الزيتونيين ومن لهم ثقافة عربية إسلامية مشرقية من المشاركة في الحكم على أعلى مستوى هرم السلطة السياسية‭.‬ وقد مُنع الإسلاميون من النشاط السياسي في عهديْ بورقيبة وبن علي وسُجنوا ونُكّل بالذين لم يهربوا من البلاد إلى المنفى‭.‬ فمثل كل هذه السلوكيات تشير إلى أن بورقيبة وبن علي وجلّ النخب السياسية والثقافية في عهدهما وبعده لم يكونوا متحمسين للإسلام‭.‬ يمثل هذا التوجه النخبوي التونسي النافر من الدين الإسلامي تقليدا منسجما مع أخلاقيات العلمانية الغربية‭.‬ ولكن، تغلب مسحة التقليد الأعمى على هذا الموقف النخبوي الذي كان يمكن أن يكون صاحب رؤية نقدية لموقف العلمانية نفسه من الأديان‭.‬ فهذه الأخيرة ليست متجانسة في موقفها من العلم‭.‬ فالإسلام مثال حيّ على ذلك:

أ- يدعو القرآن إلى العلم بطريقة لا فتة للنظر في عصره‭.‬ فأول كلمة وحي فيه هي «اقرأْ» كمفتاح لكسب رهان العلم والمعرفة بدلا عن غيره من الأفعال الأخرى المناسبة أيضا لبدء الوحي بها‭.‬ إذ كان ممكنا ومناسبا جدلا أن يُخاطَب الرسول (ص) في أول لقاء مع جبريل بأحد الفعليْن في العبارتين “تاجرْ باسم ربك أو فلّحْ باسم ربك”‭.‬ وهي مسألة لا يثيرها المفسرون في تحليلاتهم لمعاني أول سورة قرآنية نزلت على النبي ألا وهي سورة العلق‭.‬ فعلى سبيل المثال، يصمت كل من السيد قطب ومحمد عابد الجابري عن هذا الموضوع في مجلداتهما لتفسير القرآن الكريم‭..‬

ب- والحضارة الإسلامية لم تعرف صراعا مشابها لصراع الكنيسة⊇مع العلماء والمفكرين‭.‬ فآيات القرآن تؤكد أن العلم الحقيقي يقود إلى خشية أكبر من الله لدى العلماء “إنما يخشى اللهَ َمن عباده العلماءُ”‭.‬

عاصم الباشا

تصدّع ثقافي في قطبيْ الهوية

بناء على خلفية التصدعيْن اللغوي والديني لدى النخب التونسية، يمكن القول بأننا أمام تصدع فعلي في قطبيْ هوية الشعب التونسي: اللغة العربية والإسلام قاده وزكاه وأشرفت عليه بالنيابة عن المستعمر نخب سياسية وثقافية تونسية متصدعة الهوية على مستوييْن (3)‭.‬ وهو ما يؤكد أن العلمانية في تونس هي علمانية ذات رأسيْن لا رأسا واحدا كما هي في الغرب‭.‬ فهي، إذن، علمانية مغشوشة‭.‬ وهو عكس ما نجده في بعض المجتمعات الآسيوية: لا تشكو نخب تلك المجتمعات الناهضة والصاعدة والحديثة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين من تصدع في هوياتها الثقافية خاصة على مستوى التصدع اللغوي الذي لا تصمت عليه النخب التونسية فقط بل كامل المجتمع الأمر الذي يعطي مشروعية للقول إن ظاهرة العلمانية المغشوشة لا تقتصر على فئة النخب فحسب اليوم في المجتمع التونسي بل تشمل كذلك سواد الشعب التونسي‭.‬ وهو أمر مفهوم من وجهة نظر علم الاجتماع على الخصوص‭.‬ فهي معلم وقعت عولمته بين معظم التونسيات والتونسيين قبل الثورة وبعدها‭.‬ يلخص مَثلُ اللهجة التونسية “تعرفش العلم قالو نزيد فيه” مصدر التشويه والغش في علمانية النخب والمجتمع التونسي المتأثر بها‭.‬

وفي الختام يكفي ذكر مثال حيّ واحد يجسّم مدى التصدع اللغوي أفقيا وعموديا (العلمانية المغشوشة) في المجتمع التونسي حيث تُكتب اللافتات في قسم بيع الفواكه باللغة الفرنسية فقط في متجر التسوق المسمى المونوبري Monoprix، على سبيل المثال‭.‬ سألتُ المسؤول في قسم الفواكه: ما هي نسبة التونسيات والتونسيين الذين احتجّوا على تلك اللافتات التي كُتبت بحروف غير عربية فحسب على الأصناف المتعددة من الفواكه؟ فكانت إجابته أنه لا يتذكر أبدا وقوع أيّ احتجاج على ذلك من طرف الجنسين في كامل المدة الطويلة التي عمل فيها في المتجر‭.‬

أثر اللغة والدين على الهوية

يرى المختصون في ا لعلوم الاجتماعية الحديثة أن عامليْ اللغة والدين هما أكثر العوامل الثقافية المحددة للهوية الثقافية للأفراد والشعوب (Kivisto 2002: 14)‭.‬

فالهوية الجماعية للمجتمع التونسي هي هوية عربية إسلامية في الصميم، بمعنى أن كلا من اللغة العربية والدين الإسلامي هما العاملان المشتركان لدى الأغلبية الساحقة من مواطني هذا المجتمع‭.‬ ترى مقالتنا أن الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي أصابها التصدع على مستوييْ اللغة والدين منذ مجيء الاستعمار الفرنسي بالتحديد‭.‬

وبالتالي فليس من الموضوعية دراسة مسألة الهوية في المجتمع التونسي بعد الاستقلال دون الأخذ بعين الاعتبار الأثر الاستعماري اللغوي والثقافي الفرنسي الذي حملته وتحمله النخب السياسية والثقافية التونسية منذ العهد البورقيبي الأول للاستقلال في 1956‭.‬

ترى منهجيتنا هنا أن دراسة هوية المجتمع التونسي تتطلّب النظر إليها من خلال منظومة هوية هذا الشعب المكوَّنة من قطبين رئيسيين: اللغة العربية والعقيدة الإسلامية، كما أشرنا سابقا‭.‬ تأتي مشروعية هذه المنهجية من ثقل دور النخب التونسية السياسية والثقافية ذات التعليم الاستعماري الفرنسي/الغربي لغة وفكرا في إدارة البلاد بعد رحيل الفرنسيين الأمر الذي أدى إلى بروز مشاكل لدى معظم تلك النخب لا مع الدين الإسلامي فقط وإنما أيضا مع اللغة العربية كما تشير إلى ذلك ظاهرة العلمانية المغشوشة المذكورة في صلب هذه المقالة‭.‬ وبعبارة أوضح ، يصح القول بأن النخب التونسية السياسية والفكرية صاحبة التعليم الفرنسي/الغربي تشكو قبل الاستقلال وبعده من أعراض مختلفة غير سليمة مع قطبيْ الهوية العربية الإسلامية للتونسيات والتونسيين: اللغة العربية والإسلام (الذوادي 2002، 2006، 2013)‭.‬

مشروعية العامل اللغوي في هوية المجتمعات المغاربية

قد يتساءل البعض عن مشروعية إثارة قضية اللغة العربية في البحث في مسألة الهوية لدى الشعب التونسي‭.‬ وهو تساؤل مقبول بالنسبة إلى من درسوا، مثلا، المسيحية في المجتمعات الغربية‭.‬ فالدين المسيحي هو عقيدة أغلبية تلك المجتمعات التي تتحدث عشرات اللغات المختلفة‭.‬ أي أن المسيحية انتشرت كدين دون أن يصاحبها نشر لغة الإنجيل‭.‬

وهذه هي نقطة الاختلاف الكبيرة التي يتميز بها انتشار الإسلام في ما يسمى اليوم العالم العربي‭.‬ فالدين الإسلامي دخل المجتمعات العربية كعقيدة كتابها الأول هو القرآن الكريم الناطق باللغة العربية‭.‬ فاعتناق الإسلام من طرف معظم سكان العالم العربي لم يشجعهم على تعلم لغة الضاد فقط وإنما على تبنيها كلغة وطنية للشعوب العربية‭.‬ ومن ثم، فالعلاقة وثيقة جدا بين اللغة العربية والإسلام عند مسلمي الوطن العربي حتى صارت كلمة مسلم في حالة بعض مجتمعات المغرب العربي تساوي كلمة عربي والعكس صحيح (مسلم = عربي، عربي = مسلم)‭.‬ وبعبارة أخرى، فقد عُرّب لسان أغلبية سكان المنطقة العربية بعد أن اعتنقت الإسلام‭.‬ وهكذا، نرى أن العلاقة عضوية بين اللغة العربية والإسلام لدى المسلمين العرب بحيث إن وضع كل منهما يؤثر في وضع الآخر سلبا أو إيجابا‭.‬

كتبت آسيا جبار الجزائرية بالفرنسية باعتبارها عضوا في الأكاديمية الفرنسية‭.‬ غير أن معظم أعمالها الروائية تناقش هذا التفصيل الجوهري بالذات: مشكلة الكتابة بالفرنسية عند بنات وأبناء المستعمرات السابق

تضرر الهوية اللغوية العربية في المغرب العربي

إن التركيز في هذا الجزء من المقالة على العلاقة غير السليمة وغير الطبيعية بين المجتمعات المغاربية ومواطنيها العرب والبربر مع اللغة العربية (اللغة الوطنية الأولى لتلك المجتمعات) يطرح قضية الهوية اللغوية لدى الشعوب المغاربية لأن اللغات تمثل بطاقات هويات في المجتمعات البشرية‭.‬ تبرز سطور هذه المقالة تشخيصا أكثر وضوحا ودقة لمسألة العلاقة بين اللغة والهوية كما يتجلى ذلك في مفاهيمنا مثل (الثنائية اللغوية الأمارة والتعريب النفسي…)‭.‬ التي تساعد على كسب رهان تشخيص ملموس للعلاقة بين الهوية واللغة على المستويين النظري والميداني بحيث لم يعدْ الخطاب حول أسس ومكوٍّنات الهوية أمرا فضفاضا بل أصبح يتمتع بكثير من الشفافية والمصداقية في طرح العلوم الاجتماعية للموضوع‭.‬ فبحثنا المنشور حديثا حول العلاقة بين الهوية واللغة يشخّص معالم الهوية اللغوية التونسية المرتعشة والمتصدعة بالنسبة إلى الانتماء القوي والمتماسك للهوية اللغوية العربية‭.‬ وهذا ما نجده كذلك في بعض مفاهيمنا الأخرى حول الهوية اللغوية العربية المغاربية المرتعشة والمتصدعة مثل المفهوم الآخر في مقالة بعنوان «التخلف الآخر في المغرب العربي»‭.‬ وهكذا، يجوز القول إن تحليل هذه المقالة يرسم خريطة للهوية اللغوية المرتبكة في المجتمعات المغاربية وذلك، من ناحية، عبر سلوكيات لغوية فردية وجماعية تُضعف من الانتماء الصلب إلى الهوية اللغوية العربية حتى لدى المواطنين الناطقين بالعربية كلغة أولى، ومن ناحية أخرى، عبر استعمال مجموعة مفاهيمنا الجديدة والمبتكرة لفهم وتفسير الأسباب التي أدت /تؤدي إلى إفراز ظاهرة الهوية اللغوية العربية المرتعشة والمتصدّعة في مجتمعات المغرب العربي المعاصر‭.‬

تتمثل أبرز المؤشرات على حالة الارتعاش والتصدّع في الهوية اللغوية العربية للمجتمعات المغاربية في فقدانها لعقد التطبيع مع اللغة العربية والذي يعني أن تكون اللغة العربية لدى المواطنين الناطقين بالعربية خاصة في هذه المجتمعات وفي مؤسساتها هي اللغة الوحيدة المستعملة شفويا (العاميات العربية المغاربية النقية أو العربية الفصحى) وكتابيا‭.‬ إذ تلك هي العلاقة الطبيعية التي تسود في المجتمعات صاحبة السيادة اللغوية الكاملة في الشرق والغرب‭.‬ فمن الواضح أن حضور الاستعمار اللغوي الفرنسي في القرنين التاسع عشر والعشرين وتبني نظام التعليم الثنائي اللغة (العربية والفرنسية) في المجتمعات المغاربية هما العاملان الرئيسيان اللذان أفسدا ويفسدان عملية تطبيع تلك المجتمعات لعلاقتها مع لغتها الوطنية/العربية كما تُفصح عن ذلك فقرات هذه المقالة‭.‬

وهكذا، فالمقالة هي عبارة عن كشاف لقضية تنافس وتنازع اللغة الفرنسية مع اللغة العربية في مجتمعات المغرب العربي حيث تمتّعت لغة المستعمر بالغلبة في حالات كثيرة على اللغة العربية قبل الاستقلال وبعده وما لذلك من آثار سلبية على هويات هذه الشعوب إلى حد ارتباكها وتصدعها بطريقة خطيرة جدا خاصة لدى بعض الفئات المتأثرة كثيرا باللغة الفرنسية وثقافتها‭.‬

الكتابة باللغة الأجنبية تمزق الذات

لقد كتبت آسيا جبار الجزائرية بالفرنسية باعتبارها عضوا في الأكاديمية الفرنسية‭.‬ غير أن معظم أعمالها الروائية تناقش هذا التفصيل الجوهري بالذات: مشكلة الكتابة بالفرنسية عند بنات وأبناء المستعمرات السابقة، وطبيعة الإشكاليات التي تنجم عن هذا الاستخدام اللغوي شبه القسري في الواقع‭.‬ ففي نهاية روايتها البديعة “الحب الفانتازيا” لا تترك آسيا جبّار ظلا للشك في طبيعة هذا الانقسام الثنائي “حين أكتب وأقرأ بلغة أجنبية فإن جسدي يسافر إلى فضاء تدميري‭.‬ الكلمات التي أستعملها لا تعكس واقعا من لحم ودم‭.‬ وجميع ما تعلمته في القراءة والكتابة يقذف بي نحو موقع ثنائي الانقسام وضربة الحظ هذه تضعني عند حافة الانهيار”‭.‬ فتلك الثنائية في استخدام اللغة، أو ذلك التعارض بين الانتماء والاقتلاع، وبين الذات والآخر، تختزل المتكلم إلى كائن تتشكل هويته على حقلين لغويين وثقافتين منفصلين، يتكاملان في ترسيخ الثنائية وتجريد الهوية من سياقاتها التاريخية والاجتماعية والثقافية والنفسية/السيكولوجية‭.‬ فجبّار، هنا، هي ضحية تلك الإشكالية التي عذّبت أقرانها من أدباء الجزائر الذين اضطروا إلى الكتابة بالفرنسية، أمثال مالك حداد وكاتب ياسين ومحمد ديب ومولود معمري‭.‬

العلمانية المغشوشة و"التخلف الآخر"

يساهم مفهومنا للعلمانية المغشوشة في فهم مفهومنا لـ”التخلف الآخر”‭.‬

فعند النظر إلى مفهوم “التخلّف الآخر” بعنصريْه الثقافي والنفسي وفروعهما الخمسة نجد أن هذا المفهوم يكوّن نسقا متكاملا: أي وحدة تتأثر فروعها بعضها البعض‭.‬ فالشعور بمركّب النقص (التخلّف النفسي 1) إزاء الغرب، مثلا، يشجع أصحابه على التحمّس لتعلّم لغة (لغات) الغرب وثقافاته على حساب اللغة والثقافة الوطنيتين، والعكس صحيح‭.‬ إن معرفة الكثير من سكان العالم الثالث للغات والثقافات الغربية أكثر من معرفتهم للغاتهم وثقافاتهم الوطنية اقترنت عموما عندهم بالشعور بالدونية إزاء الحضارة الغربية وبالاضطراب والارتباك على مستوى تماسك هويتهم الثقافية‭.‬

وهكذا، يتضح أن مشروع التنمية في مجتمعات العالم الثالث يشمل مستويات متعددة ليس أقلها أهمية كسب رهان التنمية الثقافية والنفسية‭.‬ ولا شك أن رياح العولمة العاصفة شرقا وغربا اليوم تدعو أصحاب القرار وشعوبهم في المجتمعات الضعيفة والمهيمن عليها إلى سياسات تحميهم من الضياع والذوبان في حضارة «الآخر» صاحب القوة والتفوق‭.‬ إن التغلب على تجليات “التخلّف الآخر” يعزز بالتأكيد من توازن مشروع التنمية في المجتمعات النامية، من جهة ، ويضعف من إمكانية فقدان الهوية والمرجعية الحضارية، من جهة أخرى.


كاتب من تونس