الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬ومفهوم‭ ‬الحرية

قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬لويس‭ ‬عوض‭ ‬لتجربة‭ ‬دستورية‭ ‬مفلسة

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(38)]

لوحة: هبة العقاد
يمكن تلخيص ‘الليبرالية’ بالقول إنها فلسفة تقوم على الاحترام المطلق للفرد وتحرُّره من كل قيد أو تدخل من خارجه؛ أي أنها مذهب للحرية الفردية يتجسد في الشعار ‘دعه يعمل ‭..‬ دعه يمر’‭.‬ ولأن الليبرالية فلسفة اجتماعية أيضاً، فهي تقوم على أنَّ الإنسان الفرد ‘كائن اجتماعي’، ولذا تتضمن فهماً خاصاً لمسألة تنظيم العلاقة بينه والمجتمع، وترى أن هذه العلاقة تتجسد في إطار ‘دولة’ يحكمها قانونٌ؛ قواعده ثابتةٌ، وخالدة، وهي قوانين تحكم خطى الأفراد وتقودهم نحو تحقيق الصالح العام، فيما يقومُ كلٌ منهم بتحقيق مصلحته الخاصة“‭.‬

لم يكن لويس عوض في مرحلة تبنيه الديمقراطية الليبرالية، مفكراً منتجاً لفكر يذيعه في الناس، وإنما كان متلقياً محاوراً مبدعاً ينتج الفكر لنفسه ويعتنقه، فتأسيساً على مسار تحديث الدولة المصرية الذي استهله محمد علي ‭(‬1805 – 1848‭)‬، وما تراكم من تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية وقانونية تفتح طريق تحرير مصر من الاستعمار البريطاني، وتأسيس الدولة المدنية الحديثة، وتأسيساً على منجزات مسيرة التحرر الوطني المصرية، كان حزب الوفد يتبنى “عقيدة وطنية ديمقراطية ليبرالية“، تتوخَّى تحرير الوطن وإقامة الدولة المدنية الحديثة في مصر، وذلك باستلهام تاريخ حضورها في أوروبا بوصفها؛ أي الدولة المدنية، حاضنةً للتقدم الإنساني وإطاراً لإنجازه، ومجالاً حيوياً لممارسة الحرية‭.‬

إيمان أعمى بـ”دستور 1923“

تماشياً مع تكوينه العلماني المبكر الناشئ عن بيئة أسرية ليبرالية متنوِّرة، ويقظته المبكرة على الفكرة الوطنية بأبعادها القومية والاقتصادية والاجتماعية، اختار لويس عوض لنفسه أنْ يكون من أنصار الوفد، ومن معتنقي عقيدته المتحمسين، موضحاً أنَّ تلك الحماسة قد تجسَّدت في إيمانه “إيماناً أعمى” بدستور 1923، لاعتقاده أنَّ “الحفاظ عليه هو وسيلة مصر الوحيدة لتقييد الملكية وكسر شوكة بطانتها التركية من ناحية، ولطرد الإنكليز من ناحية أخرى، وذلك بقيام حكومة صلبة تعبر عن إرادة “الأمة”‭.‬ وكانت هذه بوجه عام هي وجهة نظر الوفد” ‭(‬لويس عوض‭:‬ العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح، ص 16‭(‬‭.‬

فما الذي كان لدستور 1923 أنْ يُقدِّمهُ للإنسان المصري المتطلع إلى الحرية؟ وما هو مفهوم الحرية في هذا الدستور؟ وكيف يُقَونن ممارستها ويضمنها؟ وقبل ذلك، أين نجد المهاد الفكري المؤسس لمفهوم الديمقراطية الليبرالية التي يُفترض أنَّ هذا الدستور يتوخى تأكيدها وقوننتها؟ وما هي المكونات التي ألهبت حماسة لويس عوض إلى هذا الدستور، وشكَّلت مفهومه للحرية في هذه المرحلة الفكرية؟

ولئن قيل إنَّ الحرية هي “الزبرجدة الخضراء” التي تتلهف إليها قلوب البشر، وهي “القلب” المراد إنعاشه لينبُض في حياة الناس مُجَدِّداً دم الحياة وروح التاريخ، فإنَّ طرائق السعي للعثور على هذه الزبرجدة تعددت سبلاً، وأنارت عقل الساعين وألهبت وجدانهم، بقدر ما أدمت أقدامهم الساعية على أشواك لم يكفَّ أعداء الحرية المستبدون عن طرحها في ذلك الطريق المتشعّب الصعب الذي عبره كتاب ومفكرون ومبدعون ومناضلون سياسيون، وفاعلون اجتماعيون، وقادة وطنيون، تعدَّدت طرق بحثهم، وتنوعت مشاربهم الفكرية، وتغايرت عقائدهم، غير أنهم توحَّدوا في الهدف، وأضاءت بصائرهم أنوار البحث عن منبع النور؛ وذاك هو مسار حركة التنوير في مصر منذ “صدمة الحداثة” والشروع في إقامة أسس المجتمع المدني والدولة المدنية الحديثة، وهو المسار الذي تضافرت جهود شيوخ الأزهر المستنيرين، والمفكرين والمبدعين العلمانيين الليبراليين، والزعماء والقادة السياسيين الوطنيين، مع جهود أفراد الأمة الفاعلين، من أجل حفر مساراته في التاريخ‭.‬

وفي هذا الضوء، لا يغدو دستور 1923 منعزلاً عن المسار التنويري الذي مهد له، أو الذي أسهم في صوغه، أو الذي أسس حضوره في حياة الأمة، ولا يكون منفصلاً عن العلامات الدستورية البارزة التي تراكمت على امتداد تاريخ هذا المسار، حيث شُكِّل في عهد محمد على “المجلس العالي” في العام 1834، وصدر “قانون سياستنامة” في العام 1837، و”فرمان الخط الشريف” في العام 1839، وحيث شُكِّل في عهد الخديوي إسماعيل “مجلس شورى النواب” في العام 1866‭.‬

وكذلك لا يكون هذا الدستور منفصلاً عن ثورة 1882 بقيادة أحمد عرابي، والثورة الوطنية المصرية التي اندلعت في العام 1919 بقيادة سعد زغلول، أو عمّا أسفر عنه اندلاعها وإجهاضها من نتائج لعلَّ أبرزها غلغلة الاهتمام بالسياسة وشؤونها في الشارع المصري، وتوجيه إرادة الأمة في تيار سياسي وطني عارم، والإسهام، بالتضافر مع عوامل داخلية وخارجية أخرى، في تمهيد الطريق أمام ترسيخ حقائق سياسية جديدة قادت إلى صدور تصريح 28 شباط ‭(‬فبراير‭)‬ 1922 الذي يعترف لمصر بالاستقلال، وإلى تشكيل اللجنة التي عُهد إليها صوغ مسودة الدستور، في العام نفسه، بعيداً عن حزب الوفد، بحيث أطلق عليها أعضاء هذا الحزب، متهكمين ساخرين، لقبَ “لجنة الأشقياء”‭.‬

ولا ريب في أنَّ إدراك لويس عوض آفاق هذا المسار التنويري وأبعاده، ومساحات وعوده، ووعيه العميق بالإطار المرجعي الذي تكوِّنه سمات الواقع الاجتماعي، ومقوماته، ومكوّناته، في تلك المرحلة، وتقديره العالي لضخامة التضحيات التي قُدِّمت، والجهود التي بذلت على طريق ترسيخ حضور هذا المسار التنويري وصيانة إنجازاته، قد أضاءت بصيرته السياسية الواقعية، وألهبت وجدانه الوطني بالحماسة لهذا الدستور توقعاً لما سيؤصِّله في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية من قيم إنسانية نبيلة، ومن حقوق متأصّلة في الطبيعة البشرية؛ قيم وحقوق تنبع من الحرية وتصبُّ فيها، لتوسِّع آفاقها، ولتُعلي مراقي تطورها المفضي إلى تقدم الوطن ورقي الإنسان‭.‬

فما الذي جاء به دستور 1923 مُؤَصِّلاً لهذا المسار التنويري الصاعد باتجاه استبدال الحرية بالاستبداد؛ المجتمع المدني بالمجتمع الديني؛ الدولة المدنية بالدولة الدينية، والساعي إلى إقامة نظام حكم برلماني يقوم على الديمقراطية الليبرالية؟

يحسنُ بنا قبل الشُّروعِ في البحث عن إجاباتٍ على هذه الأسئلة، أن نُمهِّد إلى ذلك، وإلى ما سيليه من مقارباتٍ ناقدةٍ، أنْ نوجز لإطلاع القارئ المُقدَّر أبرز المحمولات المفهومية لمصطلح “الليبرالية” في استخداماته ودلالاته الموَّسعة، ولمفهوم الحريّة على نحو ما تجلَّى في فكر جان جاك روسو‭.‬

يُوفق روسو بين الحرية والضرورة، ويحيل التبعية للإنسان إلى تبعية قانونية متفق عليها بين أعضاء المجتمع وبموجب اختيارهم الحر

الليبرالية‭:‬ فلسفة، ومنهج تفكير، ومذاهب

الليبرالية، كما نعلم، هي فلسفة، ومنهج في التفكير، ومذاهب عديدة، وهي وليدة الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، غير أنَّ إرهاصاتها الأولى ربما تعود إلى عصر دانتي اليجيري ‭(‬1260 – 1324‭)‬ الذي يعتبر أول من تكلم عن مسألة فصل الدين عن الدولة، واعتبار الأمة مصدراً للسلطات، وتأسيس الدولة الحديثة على القومية والعلمانية، مع القول بأنَّ التفويض الإلهي الذي يحصل عليه الحاكم “الإمبراطور” يأتي من الله مباشرة وليس عبر أي وسيط كـ”البابا والكهنوت”‭.‬

ويمكن تلخيص الليبرالية بالقول إنها فلسفة تقوم على الاحترام المطلق للفرد وتحرُّره من كل قيد أو تدخل من خارجه؛ أي أنها مذهب للحرية الفردية يتجسد في الشعار “دعه يعمل‭..‬ دعه يمر”‭.‬ ولأن الليبرالية فلسفة اجتماعية أيضاً فهي تقوم على أنَّ الإنسان‭-‬الفرد هو “كائن اجتماعي”، ولذا تتضمن الليبرالية فهماً خاصاً لمسألة تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وترى أن هذه العلاقة تتجسد في إطار “دولة” يحكمها قانونٌ؛ قواعده ثابتةٌ، وخالدة، وهي قوانين تحكم خطى الأفراد وتقودهم نحو ما يفضي إلى تحقيق الصالح العام، وذلك من خلال قيام كل فرد بتحقيق مصلحته الخاصة‭.‬

ومن هذه القواعد الثابتة الخالدة يستمد الإنسان حقوقاً إنسانية طبيعية هي حقوق عادلة بطبيعتها؛ لأنها متأصّلة في قواعد “القانون الطبيعي” الذي هو بؤرة الأساس العلمي لليبرالية، ومركزه، أي أنه هو الأساس الذي ينهض عليه المنهج الليبرالي الذي يستند إلى فكرتين عمليتين تتجسد أولاهما في القول بأن القوانين التي تحكم الطبيعة قابلة للتطبيق على المجتمعات البشرية، وذلك على نحو يُمْكِنُ أنْ يؤسس علماً جديداً هو علم “الفيزياء الاجتماعية” الذي سيكون بمقدوره أنْ يُفسرَ الحياة الاجتماعية باستخدام القوانين الرياضية، وفيزياء الأجسام المادية‭.‬

أما الفكرة الثانية، فإنها تتجسد في السعي لاكتشاف هذه القوانين انطلاقاً من مقولة أنَّ “الإنسان كائن اجتماع‭..‬ ولكنه حر”، وهي المقولة التي أوصلت الساعين من المفكرين والفلاسفة إلى اكتشاف ما أسموه بـ”قانون المجتمعات” الذي يُوفق بين حتمية التغيير الاجتماعي وحرية الإرادة الإنسانية‭.‬ وكان هذا القانون هو القانون الطبيعي الذي يتلخص مضمونه في القول “إنّ مصلحة المجتمع تتحقق حتماً من خلال عمل كل فرد في المجتمع على تحقيق مصلحته الخاصة”‭.‬ وقد تمَّت إعادة النظر في هذا القانون من قبل مفكري القرن الثامن عشر؛ أي مفكري “عصر التنوير”، الذين ميزوا بين القوانين التي تصدر عن السلطة والقوانين الطبيعية، وذلك من زاويتي الثبات والفاعلية التلقائية‭.‬

وفي ضوء معيارين هما “المصلحة الفردية” و”العرض والطلب”، كمعيارين ينطلق النشاط الإنساني، ويتجدد، بتفاعلهما، أوصى هؤلاء المفكرون بتقليص مهمة الدولة إلى أقصى حد، ومنعها من التدخل في شؤون الأفراد طالما أنَّ أعمال الفرد لا تمس أحداً غيره، فمهمة الدولة تتلخص في حراسة القانون الطبيعي وحمايته من أيّ محاولة لإعاقة فاعليته التلقائية‭.‬ وعندما نشر جان جاك روسو ‭(‬1712 – 1778‭)‬ كتابه “العقد الاجتماعي” في العام 1762، كان قد هزَّ شجرة الفكر السياسي عندما فرَّق بين نواميس الطبيعية والقانون، مؤكداً أن الملكية والحكم ليسا حقاً إلهياً أو تفويضاً سماوياً، وأنَّ القانون فعل إنساني، وأنَّ الناس يولدون أحراراً متساوين في الحقوق، وينبغي لهم أن يعيشوا أحراراً ومتساوين‭.‬

الحرية‭:‬ إطاعة قانونٍ حددناه لأنفسنا

يلخص روسو مفهوم الحرية بالقول “إنَّ الحرية هي إطاعة القانون الذي حددناه لأنفسنا”؛ فكيف تكون الحرية خضوعاً للقانون؟ تلك هي المسألة الرئيسة التي عمل روسو على توضيحها في كتابه “العقد الاجتماعي”، وفي مؤلفاته الأخرى، ومنها “في أصل عدم المساواة بين البشر”‭.‬ يفترض روسو أنَّ “البشر ولدوا أحراراً متساوين في الحقوق”، ويدعوهم إلى مواصلة العيش في الحياة “أحراراً ومتساوين في الحقوق”، وذلك لأنَّ أيّ إنسان لا يملك حق إخضاع إنسان آخر، مهما كان السبب، كما أنَّ الإنسان لا يملك حقَّ التنازل عن حريته، أو حرية أطفاله، لأن في ذلك تنازل عن صفته كإنسان، وعودٌ إلى الحيوانية، فليس من شيء يميز بين الإنسان والحيوان إلا “غريزة الحرية الكامنة في الإنسان”‭.‬ ويوضح روسو أنَّ العبودية هي أقسى أشكال القهر والارتداد إلى الحيوانية، إذ ليس لإنسان يستعبد إنساناً آخر أن يزعم أنه حر، أو أنه إنسان، لأن الحرية غريزة إنسانية ومن يفقدها “يفقد كل شيء وحتى الرغبة في الخروج من العبودية”‭.‬

ويرى روسو أنَّ ظهور الملكية هي في أصل عدم المساواة بين البشر، وفي أصل الحروب، ولذا ينتقد بشدة الفروق الاجتماعية بين الغني والفقير، ويجد أنه من المستحيل تبرير الدعوة إلى الحب في ظل الحرمان، ويتساءل “كيف يحب الفقير بلداً تحرمه من خيراتها، ويعيش فيها مطروداً؟”، وبناءً على ذلك يؤكد روسو أنَّ القوانين هي قوانين الأغنياء، وأنَّ حالة الحرب موجودة في المجتمع وليست من الطبيعة أو فيها، وأنَّ السلطة المطلقة، بتفويض إلهي أو من دون تفويض، هي أبشع صور القهر وفقدان الحرية، وأنَّ العلم والفلسفة والفن توضع في خدمة الأغنياء، وذلك لأنَّ العلماء والمفكرين يقبضون ثمن عملهم من أسيادهم الأغنياء الذين يقومون بخدمتهم وتبرير سلطتهم‭.‬

وإذ يشرع روسو في البحث عن الطريق المفضي إلى استعادة الإنسان حريته التي وجدت في الطبيعة وفقدت في المجتمع، يتوصل إلى “نظرية العقد الاجتماعي” التي تتأسس على فكرة “الاشتراك”، أي أنْ يشترك البشر في إدارة شؤون حياتهم، فالاشتراك يخلق القوة ويضعها في يد الإنسان من أجل مصلحته في المجتمع بعد أن كانت ضده في الطبيعة، ولا بدَّ للاشتراك كي يحقق ذلك من أن ينهض على أسس سليمة جديدة، فما تمّ في التاريخ كان خطأً فادحاً ينبغي تخطيه باعتماد عقد جديد يقوم على احترام مبدأي المساواة والحرية، وعلى تضافر الجميع ‭(‬جميع المتعاقدين بموجب العقد الاجتماعي‭)‬ في الدفاع عن الإنسان، وحماية كل عضو من أعضاء الجماعة أو المجتمع‭.‬ وهذا هو معنى العقد الاجتماعي، أو هكذا يُوفق روسو بين الحرية والضرورة، ويحيل التبعية للإنسان إلى تبعية قانونية متفق عليها بين أعضاء المجتمع وبموجب اختيارهم الحر بحيث تكون أقرب إلى التبعية للطبيعة، بينما هي في الحقيقة “قانون الإنسان” الذي يُكسب الإرادة العامة قوة حقيقية تتفوق على الإرادة الفردية أو الإرادة الخاصة‭.‬ وبهذا المعنى، تحوز الحرية على مضمون أخلاقي يتعانق مع مضمونها المدني المكتسب من خلال العقد الاجتماعي الذي يلزم كل عضو في المجتمع أن يضع قدراته وطاقاته وشخصه تحت تصرف الإرادة العامة التي يستطيع دائماً أن يرجع إليها كي تدعمه، وتيسر شؤون حياته وعمله، وتدافع عنه وتحميه‭.‬ وتلك علاقة عضوية تعاضدية، صميمية وحميمة، بين الفرد والمجتمع، بين الأنا والنحن، بين الجزء والكل‭.‬ وهكذا تكون الحريةُ حريةً حينَ تنهض على التمييز والاختيار والتقرير والفعل، بحرية، وحينَ تكون إطاعة للقانون الذي حددناه لأنفسنا، بأنفسنا، بحرية تامَّةٍ وناجزةٍ، وبلا أدنى قدر من قسر أو إرغام‭.‬

إنَّ الحرية هي إطاعة القانون الذي حددناه لأنفسنا”؛ فكيف تكون الحرية خضوعاً للقانون؟ تلك هي المسألة الرئيسة التي عمل روسو على توضيحها

دستور1923‭ :‬ مبادئ أساسية وقواعد عامة

لا ينبغي لتقييم ما أصَّله دستور 1923 أن ينفصل عن قراءة مكونات الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري التي كانت سائدةً في زمن صدوره سواء بقوة الأمر الواقع، أو بقوة نصوص القانون أو العرف، وهو الأمر الذي يلزمنا بتركيز الانتباه على التحولات التي أحدثها في منظومة القيم الفكرية، وفي بنية النظام السياسي، وفي منظومة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وذلك على نحو يمكّننا من استخلاص مفهوم الحرية الذي يتجلى في هذا الدُّستور، ومن اكتشاف أصوله الفلسفية، وأبعاده السياسية‭.‬

يبدو أنَّ المبدأ الأهم الذي يتأسس عليه هذا الدستور هو الإقرار بأنَّ “الأمة هي مصدر جميع السلطات“، وهو مبدأ يُرَدِّدُ رجع مقولة سعد زغلول “الدين لله والوطن للجميع” التي بلورها حزب الوفد وأسهم في تطويرها، وألحَّ على ضرورة حضورها في أيّ دستور ينظم حياة الأمة ويقيم نظامها السياسي‭.‬ وجليّ أنَّ هذا المبدأ يُمثِّل تكثيفاً مركزاً لنظرية “الحق الطبيعي” التي هي مرتكز الديمقراطية الليبرالية، ومركزها، والتي تُناقض مناقضةً حاسمةً نظرية “الحق الإلهي“، وتسعى للحلول محلها كأساس لشرعية الحاكم، ولتنظيم الحياة السياسية في المجتمعات الإنسانية‭.‬

ولئن كان لويس عوض يلحُّ على هذا المبدأ، ويعتنقه بحزم قاطع، أو بـ”إيمان أعمى”، كما سيقول إبّان مراجعة لاحقة؛ فإن مفهوم الأمة كان غائماً في ذهنه، ولعله لم يكن واثقاً إلا من أنَّ “إقحام الله في برنامج سياسي هو نوعٌ من الشعوذة” ‭(‬لويس عوض‭:‬ أوراق العمر “سنوات التكوين”، ص 508‭)‬، ومن أنَّ الفصل بين الدِّين والدَّولة، هو المدخل الوحيد لإشاعة الحرية والقضاء على التمييز وإقامة المساواة والعدل‭.‬

وتأسيساً على الإقرار بأنَّ “الأمة” هي المرجع الواقعي لشرعية الحكم ولجميع السلطات التي تكوِّنه، ذهب الدستور إلى اختيار نهج الديمقراطية، وإقرار المبادئ الأساسية التي تضمن لهذه “الأمة” أن تحكم نفسها عبر ممثلين تختارهم بنفسها من خلال انتخابات نزيهة يشرف عليها القضاء، وذلك إعمالاً لمبدأ “تداول السلطة“، وسعياً نحو ربط الممارسة الديمقراطية بالعدل الاجتماعي وبالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور الذي حدَّد، في مادته الأولى، صورة الدولة المصرية بأنها دولة ملكية ذات سيادة، حرة مستقلة، تحكمها حكومة نيابية‭.‬ وهكذا تم إقرار مبادئ الفصل بين السلطات الثلاث؛ واستقلال القضاء؛ وسيادة القانون؛ والمساواة بين المواطنين أمامه؛ وعدم التمييز بين المواطنين؛ وصيانة الحريات العامة والشخصية؛ وتداول السلطة‭.‬

فكيف بنى الدستور، في ضوء هذه المبادئ، هيكلية نظام الحكم الذي يفترض أنْ يعمل على إنفاذ ما تضمنه من مبادئ وحقوق وحريات؟

هيكلية نظام الحكم حسب دستور 1923

فيما يتصل بالهيكلية العامة لنظام الحكم، حدَّد الدستور ثلاث سلطات هي السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، ووضع المبادئ العامة لكل سلطة منها‭.‬

أولاً‭:‬

السلطة التشريعية‭:‬ نصت المادة الرابعة والعشرون على أنَّ الأمة هي مراقب الدولة، ممثلةً في نواب الأمة، حيث يتولَّى السلطة التشريعية مجلسا الشيوخ ‭(‬الشورى‭)‬ والنواب بالاشتراك مع الملك، وتوضح المادة الحادية والستون أنَّ النظام النيابي ‭(‬نواب الأمة‭)‬ المنصوص عليه هو النظام البرلماني الذي يجعل الوزارة مسؤولة بالتضامن أمام مجلس النواب‭.‬ وتحدد المادة الحادية والتسعون هوية النائب في كونه “نائباً عن الأمة كلها”، ولذا لا يجوز للناخبين أو للسلطة التي تعيّنه أن توكله بأمر على سبيل الإلزام، ولا يجوز، بحسب المادة التاسعة بعد المئة، مؤاخذته فيما يبدي من أفكار وآراء، كما لا يجوز، بحسب المادة الثانية عشرة بعد المئة، فصله إلا بقرار من المجلس التابع له‭.‬

ونظراً لأنَّ السلطة التشريعية هي الأمة ممثلة في نواب الأمة، ولأنَّ الأمة هي مصدر جميع السلطات، وهي مراقب الدولة، فإنَّ هذه السلطة تنقل مطالب الأمة، وتعبِّر عن أمانيها، وترعى الأصول الديمقراطية المرتبطة بضمان حقِّ الاختلاف وحرية التعبير، وتُراقب عمل السلطة التنفيذية ‭(‬أي الحكومة‭)‬، ولها حق استجواب الوزراء، وحق اتهامهم وإيقافهم عن العمل إلى أن يقضي “مجلس الأحكام المخصوصة” في أمرهم، كما أنَّ لهذه السلطة أنْ تسحب الثقة من الحكومة إن هي أخلّت بالأمانة الموكولة إليها، وذلك لأن شرعية الوزارة ومشروعية استمرارها مستمدة، أصلاً، من ثقة النواب بها، أي من ثقة الأمة ممثلةً في ثقة هؤلاء النواب‭.‬

ثانياً‭:‬

السلطة التنفيذية‭:‬ تتكون السلطة التنفيذية بحسب دستور 1923 من الملك والوزراء ‭(‬الملك ووزارته‭)‬، ومن جميع الهيئات والمؤسسات والأجهزة التابعة لأيّ وزارة من الوزارات؛ فالملك يمارس سلطته بوصفه رئيس الدولة، وقبل مباشرته هذه السلطة يحلف اليمين أمام البرلمان ‭(‬مجلسي الشيوخ “الشورى” والنواب‭)‬، وينص اليمين على الحلف بالله العظيم على احترام الدستور وقوانين الأمة المصرية‭.‬ والملك يتولَّى السلطة بواسطة الوزارة التي لا ينبغي لأيٍّ من أفراد الأسرة المالكة أن يكون عضواً فيها، وليس الملك مسؤولاً أمام أحد، وإنما الوزارة البرلمانية هي المسؤولة أمام مجلس النواب، لأنها تنفرد، دستورياً، بالسلطة الفعلية؛ فليس لتوقيع الملك على أيّ كتاب يخصُّ شأناً من شؤون الدولة أن يكون نافذاً إلا بعد توقيع رئيس الوزراء والوزير المختص، كما أنَّ أوامر الملك الشفوية التي يصدرها لأيّ وزير من الوزراء، لا تُخلي هذا الوزير، بأيّ حال من الأحوال، من المسؤولية، لأنَّ الوزراء هم المسؤولون في النهاية، ولأنَّ الوزارة مسؤولةٌ على نحو تضامني أمام مجلس النواب‭.‬ وبغية ضمان نزاهة السلطة التنفيذية، ممثلةً في الوزراء، حظر الدستور على الوزير ممارسة أيّ عمل تجاري أو مالي طوال مدة وزارته‭.‬

لوحة: هبة العقاد

ثالثاً‭:‬

السلطة القضائية‭:‬ انطلاقاً من مبدأ الفصل بين السلطات، أكد الدستور أنَّ القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وحظر على أيّ سلطة حكومية أن تتدخل في القضايا، معطياً السلطة القضائية ولاية المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ومؤكداً حصانة القضاة عبر حظر عزلهم أو نقلهم إلا وفقاً لشروط القانون‭.‬ ويؤكد الدستور أنَّ المصريين جميعاً سواء أمام القانون، وأنهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفيما عليهم من واجبات وتكاليف عامة، كما يؤكد أنَّ القانون مصانٌ، وأنه لا جريمة أو عقوبة إلا بناءً على قانون، وأنه لا يجوز القبض على شخص أو حبسه إلا وفق القانون، وأنَّه يجب أنْ يكون لكلِّ متهم بجناية من يدافع عنه‭.‬ وجليّ أنَّ مؤدى هذه المواد الدستورية يتركَّز في مبدأي المساواة وسيادة القانون اللذين يتوخيان تحقيق “العدالة”‭.‬

تلك هي المواد المتعلقة بالهيكلية العامة لنظام الحكم وما يحكمها من مبادئ وقيم استلهمها صائغو الدستور من الفلسفة الديمقراطية الليبرالية الأوروبية ، ومن غيرها من الفلسفات والعقائد التي حكمت اختيارات ممثلي القوى السياسية المتعارضة التي شاركت في صياغته، أو أثّرت على صائغيه وصياغته، أو أسهمت في مناقشته، وتعديله، وإقراره، وهي القوى التي مثلت النظريتين المتناقضتين اللتين حكمتا الفكر السياسي منذ نشأته في جميع الثقافات والحضارات الإنسانية؛ نظرية الحق الإلهي، ونظرية الحق الطبيعي‭.‬

ويبدو جليَّاً، الآن، أنَّ تجربة “لجنة الأشقياء”، وعلى نحو ما يلاحظ جابر عصفور عن تفحُّص عميق وصواب رأي، قد انطوت، سلباً وإيجاباً، على تناقضات مسار حركة التنوير المصرية الصاعد في ذلك الوقت، فـ”ضمَّت إلى جانب العلماني داعية الدولة المدنية ‭(‬من أفندية الاستنارة وشيوخها‭)‬ رجل الدين الأزهري التقليدي النقلي الذي ظل يفكر في الدولة الدينية التسلطية، وجمعت اللجنة بين أنصار الملكية المُقَيَّدة وأنصار الملكية المطلقة، ووصلت دعاة العدل الاجتماعي من ممثلي الجماهير بأبناء البيوتات الكبيرة من الصَّفوة، وجاورت بين المسلم والقبطي”‭.‬ ‭(‬أنظر‭:‬ د‭.‬ جابر عصفور‭:‬ دفاعاً عن التنوير، ص 72 – 73‭)‬‭.‬

فما هي، في هذا الضَّوء، الحريات والحقوق التي كفلها دستور العام 1923 للمواطن المصري؟

حقوق المواطن الدستورية وحرياته الأساسية

تأسياً على المبدأين المصانين؛ مبدأ المواطنة؛ ومبدأ عدم التمييز بين المواطنين بسبب الأصل أو اللغة أو الدين، وتمهيداً لإعمال مبدأ المشاركة السياسية، وتوضيحاً لآليات التحول المأمول إلى المجتمع المدني والدولة المدنية؛ كفل الدستور للمواطن المصري العديد من الحريات الأساسية التي تتجلَّى في صيانة الحرية الشخصية، واحترام حرمة المنازل، ومنع إفشاء أسرار الخطابات والتلغرافات والمواصلات التليفونية إلا في الحدود المبيّنة بالقانون‭.‬ والتي تتجلى، أيضاً، في كفالة الحريات العامة والخاصة، وذلك عبر إطلاق حرية الاعتقاد، وضمان الحرية الدينية، وكفالة حرية الرأي والصحافة، وصيانة حرية التعليم؛ حيث يُوجب الدستور على الدولة أن تمنع تقييد حرية أحد في الأمور الدينية، وأن تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، وأن تكفل حريّة الرأي والصحافة بما تتأسس عليه، أو تفضي إليه، هذه الحرية من حقوق تتصل بحق الاختلاف وحرية المعارضة القائمين على كفالة “حرية الرأي” و “حق كل إنسان في الإعراب عن فكره” سواء بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك من وسائل وطرق قانونية ملائمة، وضمان أنْ تكون الصحافة حرة في حدود القانون، بحيث تُحْظَرُ الرقابة على الصحف، ويُحظر إنذار الصحف، أو وقفها، أو إلغاؤها، بالطريق الإداري‭.‬

وفي هذا السياق، ضمن الدستور للمواطنين المصريين حقَّ الاجتماع في هدوء وسكينة؛ أي من دون أن يحضر البوليس اجتماعهم، ومن دون أن تكون بهم حاجة إلى إشعاره، كما أتاح لهم “حرية اللغة“، فلم يُسوِّغ تقييد حرية أيّ مواطن مصري في استعمال أيّ لغة أراد في المعاملات الخاصة أو التجارية، أو في الأمور الدينية، أو في الصحف والمطبوعات أياً كان نوعها، أو في الاجتماعات العامة؛ غير أنَّ الدستور قد نصَّ، بوضوح ساطع، على أنَّ “الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية“‭.‬

ويُوجب الدستور على الدولة أن تصون “حقَّ المعرفة” للمواطنين جميعاً بلا استثناء، وذلك بواسطة التدخل المالي للدولة التي لا تميز مدارسها بين الطلاب على أساس خارج مبدأ المواطنة، مع الاستمرار في تحديث التعليم وترسيخ طابعه المدني، وضمان إلزامية التعليم الأوّلي في مساواة تامة بين البنين والبنات، على أن يكون مجانياً في المكاتب العامة، وأن تكفل الدولة حرية إنشاء المدارس المدنية في إطار التعليم العام الذي ينبغي أن ينظم بموجب قانون‭.‬ أما بخصوص التعليم الذي شرعت الجامعة الأهلية في تقديمه منذ إنشائها في العام 1906، فقد نصَّ الدستور على عدم الحجر على الأفكار في التعليم العالي‭.‬

تلك هي، بإيجاز، أهمّ مكونات الدستور الناجم عن ميزان القوى الاجتماعي والفكري والسياسي، والذي يعكس درجة ميل مؤشر هذا الميزان نحو أيٍّ من كفتيه اللتين يحتل إحداهما أنصار نظرية الحق الإلهي، ويحتل الأخرى أنصار نظرية الحق الطبيعي، وهو الدستور الذي تحمس له لويس عوض، وآمن به “إيماناً أعمى” على اعتبار أنه هو وسيلة مصر الوحيدة لتحقيق هدفين رئيسين هما تقييد الملكية وكسر شوكة بطانتها التركية، وطرد الإنكليز من مصر، وذلك بقيام حكومة صلبة تعبر عن إرادة “الأمة”؛ فهل حقق إقرار الدستور، والشروع في إعماله في واقع الحياة السياسية المصرية، هذين الهدفين؟ وقبل ذلك، هل قاد هذا الدستور إلى تشكيل تلك الحكومة التي ستتولَّى تحقيقهما؟

ليس من مدخل للإجابة عن هذا السؤال المركب أصحُّ من تعرُّف مفهوم الحرية في هذا الدستور المفعم بالتناقضات، ومناقشته ونقده‭.‬

ولادة مبتسرة لحريات دستورية ناقصة

تكشف قراءتُنا لقراءة لويس عوض للأحداث التي أعقبت إقرار الدستور وإعماله، وقراءتنا موادَ الدستور نفسه، عن أنَّ مفهوم الحرية الذي حاول الدستور المصري ‭(‬دستور العام 1923‭)‬ تأصيله، ظلَّ مفهوماً ناقصاً مبتسراً، وليس ذلك بسبب تقصيره عن الوفاء بالحدِّ الأدنى لمتطلبات الديمقراطية الليبرالية فحسب، وإنما أيضاً، وقبل ذلك، بسبب ما انطوت عليه موادّه من تناقضات أبقت مؤشر الميزان متأرجحاً بين طائفة من المبادئ والاختيارات الفكرية والسياسية المتعارضة، والتي تتنازع مساحات الحضور؛ مع افتقاره إلى المبادئ والمضامين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كشفت الممارسة الفعلية عن أنَّ غيابها عنه، متضافراً مع عوامل داخلية وخارجية متنوِّعة، قد أغلق إمكانية قيام حكومة صلبة تعبّر عن إرادة “الأمة”، وتتولّى تحرير مصر من الاستعمار البريطاني، وتقييد الملكية وكسر شوكة بطانتها التركية، وترسيخ حضور المجتمع المدني، والدولة المدنية الحديثة‭.‬

ففي مقابل المواد التي تمهّد الطريق أما حضور المجتمع المدني والدولة المدنية عبر إعمال مبدأ فصل الدين عن الدولة، أبقى الدستور المصري ‭(‬دستور العام 1923‭)‬ على حضور المجتمع الديني في بنية الدولة، سواء من خلال النصِّ على أنَّ الإسلام هو دين الدولة، أو من خلال ربط المؤسسات الدينية برأس الدولة ‭(‬الملك‭)‬، أو من خلال إبقاء الملك مشرفاً على المعاهد الدينية والتعليم الديني، والأوقاف، وعلى المسائل الخاصة بالأديان المسموح بها في البلاد، ومسؤولاً مباشراً منفرداً بصلاحيات تعيين الرؤساء الدينيين بما في ذلك مشايخ الطرق الصوفية، مع الاحتفاظ له برئاسة السلطة التنفيذية، وإشراكه في السلطة التشريعية‭.‬

ولئن انطوت بعض المواد الدستورية على الأخذ بنظام “الملكية المقيدة”، فإنَّ مواد أخرى تضمنها الدستور نفسه تكشف حقيقة أنَّ هذا التقييد ظلَّ محدوداً، ولم يذهب إلى المدى الذي يحقق مبدأ كون الأمة مصدر جميع السلطات تحقيقاً تاماً وناجزاً؛ فالتنازع على السلطة ظلَّ قائماً بين الملك والأمة، أو على الأصح، بين الملك ممثلاً للإقطاع والأرستقراطية ومصالح المستعمرين وبين الرأسمالية الوطنية الوليدة من أبناء الطبقة المتوسطة، وذلك على نحو ما دللَّت الوقائع السياسية اللاحقة؛ فقد أشرك الدستور الملك في السلطة التشريعية، مع أنه اعتبره رأس السلطة التنفيذية، ثمَّ أخلاه من المسؤولية أمام البرلمان وكأنما هو ليس مسؤولاً إلا أمام الله، أو أمام نفسه، وتلك تناقضات مهمة، ظلت جاثمة إلى أنْ حركها الملك وأعوانه، بتأييد الإنكليز غالباً وبغير تأييدهم أحياناً، بحيث أثّرت على مجرى الأمور بعد وقت قريب جداً، وأفضت إلى انهيار أول حكومة وفدية دستورية بعد أقل من شهر على تشكيلها‭.‬ وقد يبدو مفيداً أن نُشير، هُنا، إلى أنَّ سعد زغلول قد شكَّل أول وزارة ديمقراطية شعبية في 28 كانون الثاني – يناير1924، وذلك عقب إجراء أول انتخابات نيابية دستورية جرت في مصر وحصل فيها الوفد على 195 مقعداً من أصل 214، وذلك في 12 كانون الثاني يناير 1924، وانهارت هذه الوزارة باستقالة سعد زغلول في 24 شباط ‭(‬فبراير‭)‬ 1924‭.‬ ‭(‬أنظر في ذلك‭:‬ لويس عوض‭:‬ أوراق العمر ‭(‬سنوات التكوين‭)‬، ص 140 – 142‭)‬‭.‬

ولعلَّ ما وقع من أحداث عقب إعلان الدستور يُذَكِّرنَا بمقولة موليير الشهيرة “إنَّ الفرد يحتضن منافسه ويعانقه لا لشيء إلا لكي يسهل عليه خنقه“‭(‬نقلاً عن‭:‬ هارولد لاسكي‭:‬ محنة الديمقراطية، سلسة اخترنا لك ‭(‬65‭)‬، لجنة اخترنا لك، القاهرة، د‭.‬ط، د‭.‬ت، ص 149‭)‬، فهذا هو ما فعله الملك فؤاد، بالضبط، حين أنعم على حزب الوفد المنهك واحتضنه، وكلَّفه بتشكيل أول حكومة دستورية، أو هو، بالضبط، ما فعله أصحاب نظرية الحق الإلهي حين تَقَبَّلوا، على مضض، مشاركة أصحاب نظرية الحق الطبيعي في وضع الدستور‭!‬

ولعلَّ المواد التي تؤسس استقلالية القضاء ونزاهته، تظلُّ عرضة لانعكاس مواد دستورية أخرى عليها، وذلك على نحو يضعف هذه الاستقلالية ويحول دون تحقق النزاهة، ولا سيما المواد التي تضع الملك فوق السلطات، أو تجعله رديفاً للأمة، أو تشركه في السلطة التشريعية، أو تلك التي تُدمج المحاكم الشرعية، أو المحاكم الدينية في النظام القضائي الذي تفترض الليبرالية أن يكون مدنياً، أو تلك التي تُبقي على تبعية المؤسسات والمعاهد الدينية لرعاية الملك مباشرةً، وهذه، كما نرى، تحمل مسحة من حق الملوك الإلهي‭.‬

وفوق ذلك، فإنَّ تجربة الديمقراطية الليبرالية في أيّ بلد من بلدان هذا العالم قد أكدت أنَّ “المساواة أمام القانون ليس لها معنى إلا إذا كان للمواطن ثروة يشتري بها هذه المساواة” ‭(‬هارولد لاسكي‭:‬ محنة الديمقراطية، ص 78‭)‬، كما أكدت أنَّ بقاء الملكية، مقيدة أو غير مقيدة، ليس له من مغزى أو دور إلَّا الاحتفاظ بروح لا تسود فيها المساواة، وهي الروح التي تبثها حقيقة راسخة في الفكر السياسي والقانوني مؤداها أنه لا يمكن للمساواة أمام القانون أن تُوجد إلا إذا انتفت الظروف التي تجعل الظلم أمراً مرغوباً فيه من قبل المستفيدين منه، وهي الظروف التي لا يمكن أن تنتفي إلا إذا انتفت إمكانية إخضاع تفسير القانون، وإنفاذه، لمصالح أصحاب القوى الاقتصادية المسيطرة‭!‬ وهل ثمة من طريق لضمان ذلك غير أن يتوافر كل إنسان على ثروة تمكنه من شراء العدالة‭!‬ ألا تقول الوقائع التي لم تكف عن التراكم إنَّ عدالة الأرض تستند إلى ازدواجية فاضحة في إعمال المعايير، فتُعمل قانونين وتُكيل بمكيالين، في آن معاً، أحدهما للفقراء والضعفاء والمستَعمرين، وثانيهما للأغنياء والأقوياء والمستعمِرين؟

أما بخصوص السلطة التشريعية، فمن الواضح أن إشراك الملك في إقرار القوانين والتشريعات يضعف من قدرة هذه السلطة على تمثيل الأمة، ونقل وجهة نظرها، والتعبير عن مصالحها، إلا إذا كان الولاء للملك هو في مركز منظومة القيم التي تعتنقها هذه “الأمة”، أو كان الملك ممثلاً شرعياً للأمة التي تتجسد فيه‭!‬ أو هو السيادة مجسدة في إرادة فرد، على اعتبار أنَّ السيادة لا يمكن أن تتجسد إلا في إرادة وأنَّ الإرادة فرديةٌ حكماً، كما يري هيغل‭!‬ أياً كان الأمر، فإنَّ الوقائع التاريخية قد تكفلت بإثبات حقيقة أنَّ الملك لم يكن ممثلاً للأمة أو حتى مجرد رمز عليها ‭(‬أنظر‭:‬ لويس عوض‭:‬ أوراق العمر “سنوات التكوين”، ص 148‭)‬، وذلك لأنَّ ما ظلَّ سائداً منذ الإطاحة بحكومة الوفد الدستورية حتى وفاة سعد زغلول، هي “حكومة يعيّنها الملك، وشعب يقوده من الشارع سعد زغلول” ‭(‬لويس عوض‭:‬ أقنعة الناصرية السبعة، دار القضايا، بيروت، الطبعة الأولى، 1976، نقلاً عن‭:‬ نسيم مجلي‭:‬ لويس عوض ومعاركه الأدبية، ص 377‭)‬‭.‬

ومهما يكن من أمر، فقد أدرك لويس عوض حقيقة أنَّ الإطاحة بحكومة الوفد لم تكن إلا مدخلاً للإطاحة بالنظام البرلماني الدستوري، وبالدستور الذي أصَّل، بدرجة أو بأخرى، حضور المجتمع المدني والدولة المدنية‭.‬ ولعله أدرك، ببصيرته النافذة ووطنيته العميقة، أنَّ سهولة الإطاحة بحكومة سعد زغلول، إنما تنبع من التناقضات الفادحة التي انطوى عليها الدستور نفسه، وقبل ذلك، من عدم نضوج المجتمع المصري المنشغل في معركة الاستقلال الوطني نضوجاً يؤهله للتوجه نحو فتح معركة الدفاع عن المكاسب السياسية الداخلية التي كاد أن يجني من خلالها بعض ثمار كفاحه الطويل على جبهة التنوير الفكري والتغيير الاجتماعي‭.‬

إقحام الله في برنامج سياسي هو نوعٌ من الشعوذة والفصل بين الدِّين والدَّولة، هو المدخل الوحيد لإشاعة الحرية والقضاء على التمييز

خمس دكتاتوريات برعاية الاستعمار

لعلَّ المراجعة الفكرية السياسية التي أجراها لويس عوض، في مرحلة لاحقة، لمسار حركة التنوير الفكري والاجتماعي المصرية وهي الحركة الملازمة لمسيرة الاستقلال، تكشف عن الأهداف والغايات التي كان، كشاب وطني مستنير، يتطلع إليها معلقاً أمر تحقيقها على الدستور، وعلى حزب الوفد، في ترابط لا ينفصم، وذلك على نحو يوضح أنَّ مفهومه للحرية، في هذه المرحلة، يكاد لا يفارق مفهومها في المذهب الليبرالي الذي نقله إلى مصر، بتأويلات وتكييفات وطرائق متنوِّعة، مفكرو الاستنارة العلمانيون الذين استلهموا منجزات مفكري عصر التنوير، ولا سيما منجزات مفكري الثورة الفرنسية وفي مقدّمتهم جان جاك روسو، صاحب نظرية العقد الاجتماعي‭.‬

يتتبع لويس عوض تلك الحقبة من تاريخ مصر منذ إعلان دستور 1923 حتى إعلان معاهدة 1936 وما بعدها بقليل، فيجد أنَّ الملكية المستبدة آناً بوحي الاستعمار، وآناً بوحي المصالح الأرستقراطية التي كانت الملكية تمثلها، أقامت خلال الثلاثة عشر عاماً خمس دكتاتوريات سافرة، وهذه الدكتاتوريات هي‭:‬ دكتاتورية أحمد زيور باشا في 1924-1925، ثمَّ دكتاتورية محمد محمود باشا في 1928-1929، ثمَّ دكتاتورية إسماعيل صدقي باشا التي تكررت عدة مرات من 1930-1935 ‭(‬عبدالفتاح يحي وتوفيق نسيم‭)‬، وكذلك عطلت الإرادة الملكية المتواطئة مع الأرستقراطية والاستعمار دستور 1923 ثم ألغته في العام 1930، كما عطَّلت البرلمان عدة مرات، بل وفرضت على سعد زغلول نفسه حكومة ائتلافية برئاسة عدلي يكن باشا ‭(‬1936‭)‬، ثم على مصطفي النحاس ائتلاف سنة 1937، وبالتالي لم يُباشر الوفد، وهو حزب الأغلبية، حقه الدستوري في حكم البلاد في عهد زغلول وفي عهد النحاس مجتمعين إلا نحو سنتين طوال عهد الملك فؤاد، ونحو أربع سنوات طوال عهد فاروق وهو ست عشرة سنة” ‭(‬أنظر في ذلك‭:‬ لويس عوض‭:‬ الحرية ونقد الحرية، ص 50 – 51‭)‬‭.‬

وهكذا نجدُ أنَّ حزبَ الوفد، وهو حزب الأغلبية، لم يُمارس حقه الدستوري في حكم البلاد في عهدي سعد زغلول والنَّحاس مجتمعين إلا نحو خمس سنوات، وهذا الأمر أغلق إمكانية إنفاذ الدستور، وأكد أنَّ فلسفة الديمقراطية الليبرالية التي يجسدها ذاهبة، بخطى متسارعة، نحو التصدع النهائي، وذلك بسبب المقاومة الشرسة التي وُوجهت بها من قبل تحالف الإقطاع والأرستقراطية، والرأسمالية المحلية والأجنبية، أو من قبل أنصار نظرية الحق الإلهي والملكية الوراثية المستبدة‭.‬

ويوضح لويس عوض أنه بعد العام 1930، وبسبب من تراكم القمع مع توالي الدكتاتوريات، “لم يعد الاحتجاج السياسي على الاستعمار كافياً عند بعض طبقات المجتمع المصري، ولم يعد الاحتجاج الدستوري على العرش كافياً‭.‬ وتحركت الرأسمالية الوطنية الوليدة لتقول كلمتها، تحركت بكل أجنحتها من بنك مصر إلى صغار التجار والمنتجين‭.‬ وكانت كلمتها بسيطة“ الاستقلال السياسي لا يكفي، لا بدَّ من الاستقلال الاقتصادي، بل الاستقلال السياسي لا معنى له فهو بغير الاستقلال الاقتصادي استعمار مقنَّع″ ‭(‬لويس عوض‭:‬ الحرية ونقد الحرية، ص 52‭)‬‭.‬

ويحلل لويس عوض انعكاسات أزمة 1930 العالمية على الاقتصاد المصري والسياسة المصرية، فيخلص إلى أنَّ “مجيء دكتاتورية إسماعيل صدقي لإنقاذ الرأسمالية المصرية والرأسمالية الأجنبية من آثار هذه الأزمة، بالتضافر مع توالي الدكتاتوريات واستمرارها في اتخاذ إجراءات معادية للديمقراطية ولدستور 1923، ثم إلغاء هذا الأخير بإصدار دستور 1930 الذي ألغى نظام الانتخاب العام المباشر لصالح الانتخاب على درجات، أو ما عرف بنظام التمثيل النسبي، قد أفضى، من بين ما أفضى إليه، إلى تصدّع الفلسفة الديمقراطية الليبرالية، وإلى بدء تشكُّك المثقفين، والسياسيين الوطنيين، والقواعد الشعبية، في سلامة الحكم الديمقراطي الليبرالي في مصر، فقد “كان واضحاً عند الكثيرين أنَّ تطور مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي خلال العشرين عاماً الفاصلة بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية قد جعل من نظام الحكم المتمثل ‭(‬نظرياً‭)‬ في دستور 1923 هيكلاً بالياً ينبغي تجديده أو ترميمه على أقل تقدير‭.‬ ومنهم من ذهب إلى أنَّ الدستور ثوب فضفاض ‭(‬الدستوريون والسعديون‭)‬ ومنهم من ذهب إلى أنَّ الدستور ثوب ضيق ‭(‬الوفديون‭)‬ ومنهم من ذهب إلى أنَّ الدستور خرقة مهلهلة ملفقة بحاجة إلى أسس جديدة أو إلى عقد اجتماعي جديد ‭(‬الإخوان والشيوعيون‭)‬” ‭(‬لويس عوض‭:‬ العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح، ص 9‭)‬‭.‬

وفي العام 1936 تأكد لويس عوض، مثل أغلب الوطنيين المصريين، أنَّ الديمقراطية الليبرالية قد أفلست تماماً، وذلك عقب إخفاق جميع محاولات إقامة حكم وفدي على أرضية دستور 1923، وتأكُّد استحالة إقامة حكومة برلمانية مستقرة تستطيع إدارة البلاد لسنوات على أسس محددة وواضحة، وإقدام الوفد بزعامة النحاس باشا على تشكيل جبهة عريضة جداً تضمّ معظم الأحزاب المصرية، بقصد توقيع معاهدة 1936 التي أفضت إلى تجميد الجهاد الوطني ضد الاحتلال البريطاني وتعطيل التحول الاجتماعي في مقابل مكاسب جزئية بسيطة، كإلغاء الامتيازات الأجنبية، أو إطلاق يد مصر في زيادة عدد الجيش إلى ما فوق أربعة عشر ألف مقاتل‭.‬

لوحة: ربيع كيوان

نحو اشتراكية ديمقراطية إنسانية النزعة

وإزاء تصدع الفلسفة الديمقراطية الليبرالية، وإفلاس النظام البرلماني الذي جاءت به، وبفعل تعمُّقه أثناء وجوده في إنكلترا في تفهم الفلسفة الماركسية، وفي مراجعتها ونقدها، وجنوحه، عقب ذلك، نحو الاشتراكية الديمقراطية المفعمة بالمذهب الإنسان ‭(‬Humanism‭)‬، لم يكن للويس عوض، الذي كان مع اندلاع الحرب العالمية الثانية قد حدَّد لنفسه موقفاً عاطفياً وفكرياً يتمثل في تأييد دول المحور والعالم الشيوعي ‭(‬الضمير الشيوعي‭)‬ في آن معاً، وذلك أملاً في القضاء على الفاشية وتخليص الشعوب من الاستعمار القديم، أن يرى من مخرج لهذا المأزق المصري الداخلي إلا المراهنة على الوفد، وذلك من خلال الأمل في أنْ “يتطور الوفد نفسه إلى حزب اشتراكي أو راديكالي على أقل تقدير كما تطورت الأحزاب الديمقراطية في الغرب عبر القرن التاسع عشر من الليبرالية إلى الراديكالية بل وإلى الاشتراكية المخفَّفة، أو كما تطورت الديمقراطية الأميركية من الرأسمالية المعربدة إلى النيوديل في الثلاثينات من القرن العشرين” ‭(‬المصدر السابق، ص 24‭)‬‭.‬

غير أنَّ هذا الأمل قد انطفأ حين تكشَّفت حقيقة تواطؤ الوفد مع الملك والفاشست المصريين في ارتكاب كارثة 4 شباط فبراير بقصد التوطئة لدخول الألمان، وهو الأمر الذي فتح أمام لويس عوض إمكان تصوُّر “تواصلهم سراً مع النازي لطعن الإنكليز من الخلف كما كان يقال يومئذٍ” ‭(‬المصدر نفسه، ص 24‭)‬‭.‬

ولكنَّ أمل لويس عوض في الوفد تجدد بعد الحرب مباشرةً، ولفترة قصيرة كان فيها الوفد في المعارضة، “فقد ظهر فيه جناحٌ تقدمي من الشباب المثقف، بقيادة محمد مندور والدكتور عزيز فهمي، يجنح بصورة واضحة إلى النظام الجمهوري، والراديكالية، ويدعو لهما جهاراً، بل ويؤلب القاعدة الوفدية على العناصر الرجعية السافرة في قيادات الوفد‭..‬” ‭(‬المصدر نفسه، ص 24‭)‬‭.‬

وكان لويس عوض يدعو باستمرار إلى تعميق التعاون بين الشيوعيين والطليعة الوفدية، وذلك “بأمل ‘تمصير’ الشيوعية المصرية وردها إلى الواقع المصري والتخفيف من غلوائها من ناحية، وبأمل إشاعة الوعي الاشتراكي بين الشباب الوفدي حتى تتحول راديكاليته الهلامية إلى اشتراكية واضحة المعالم” ‭(‬المصدر نفسه، ص 25‭)‬، وبأمل أن “تُمتص الشيوعية في الطليعة الوفدية بالأوسموز السياسي على اعتبار أنَّ الأقوى يبتلع الأضعف” ‭(‬المصدر نفسه، ص 25‭)‬، بحيث يخرج لمصر من هذا الامتصاص “تنظيم جديد اشتراكي الفكر الاجتماعي، ديمقراطي في الفكر السياسي، تنظيم يعمل على تحقيق ‘الاشتراكية الديمقراطية’ التي كنت أحلم بها” ‭(‬المصدر نفسه، ص 25‭)‬‭.‬

ونلاحظُ، هنا، أن لويس عوض يستند إلى قانون داروين في الانتقاء الطبيعي، أو “الصراع من أجل البقاء” الذي يشكل مع قوانين ميكانيكا نيوتن بشأن الفاعلية التلقائية أو الطبيعية في حركة الأجسام، القاعدة العلمية الأساسية للقانون الطبيعي الذي عمد الفكر الليبرالي إلى تطبيقه على حركة التاريخ البشري، وتاريخ المجتمعات‭.‬ ويبدو أنَّ لويس عوض لم يلتفت إلى تناقض فكرته هذه مع دعوته إلى الاشتراكية الديمقراطية ذات النزعة الإنسانية؛ فكيف يمكن لمن يأمل أنْ يبتلع الأقوياءُ الضعفاءَ أن يحمل لواء الدعوة إلى الاشتراكية الديمقراطية المفعمة بالنزعة الإنسانية، والتي تهدف إلى الحيلولة دون وقوع أيّ نوع من أنواع الابتلاع‭!‬ وتعمل على استئصال جذور ذلك الأمل البغيض‭!‬

مرةً أخرى يخذل الوفد، وربما بالتضافر مع مصادفات القدر هذه المرة، لويس عوض، فقد أثبتت الأيام خطأ تقديره، وذلك حين ثبت أنَّ “ميسرة الوفد كانت أضعف من ميمنته” ‭(‬المصدر نفسه، ص 25‭)‬‭.‬ وحين اختار القدر أنْ تخسر “الطليعة الوفدية بوفاة الدكتور عبدالعزيز فهمي قائداً بارزاً يتأجج بحب الحرية وتقديس حقوق الإنسان” ‭(‬المصدر نفسه، ص 25 – 26‭)‬، قائداً جعله “بغضه الأعمى السافر للملكية، مطلقة كانت أم مقيدة‭..‬ قوَّةً طليعيةً ضخمةً وسط شباب الوفد في تلك السنوات الحرجة من تاريخ مصر، سنوات الغليان العظيم بين نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام الثورة في 1952″ ‭(‬المصدر نفسه، ص 26‭)‬‭.‬

وبالرغم من كلِّ هذا الإخفاق والإحباط، ومن خيبة الأمل المتكررة، فإنَّ تقييم لويس عوض لمضمون مواد دستور 1923 يخلص إلى أنَّ ما حققه المسار التنويري الذاهب نحو تأكيد حضور المجتمع المدني والدولة المدنية بإصدار دستور 1923 ليس إلا “نصف انتصار”، كما يقول، وذلك لأنَّ أصحاب نظرية الحق الطبيعي الذين التفوا حول مبدأ أنَّ “الأمة هي مصدر جميع السلطات”، وُوجهوا بتصلب أصحاب نظرية الحق الإلهي الذين التفوا حول مبدأ أن الدستور هو “منحة من الملك” ‭(‬المصدر نفسه، ص 90‭)‬، وأصروا على تثبيت هذا النص في صدر الدستور، على نحو يبقي الأمر كله في يد الملك لأنه من “المفهوم ضمناً أنَّ واهب المنحة يستطيع أن يستردها ولا يعوقه عن ذلك إلا تقاليد الفروسية‭!‬” ‭(‬المصدر نفسه، ص 90‭)‬‭.‬ ولقد أثبتت الوقائع أنَّ الملكين فؤاد وفاروق ‭(‬الأب والابن‭)‬ لم يخلقا لتقاليد الفرسان، وأعرافهم‭!‬

ويبدو أنَّ لويس عوض يذهب، في تقييمه لنصوص الدستور ومسيرة إنفاذه، إلى رأي أبعد كثيراً من رأي مُعَلِّمه سلامة موسى الذي لم يذهب إلى ما هو أكثر من أنَّ هذا الدستور قد حمل “مسحة ‘حقوق الإنسان’ التي أعلنتها الثورة الفرنسية سنة 1789‭..‬ وألفاظاً وعبارات تنمُّ عن هذا الأصل” ‭(‬سلامة موسى‭:‬ حرية الفكر وأبطالها في التاريخ، ص 205‭)‬‭.‬

نخلص مما تقدم إلى أنَّ مفهوم الحرية الذي يستند إليه المذهب الليبرالي عموماً، أو الذي جسدته الولادة المبتسرة لدستور 1923، هو مفهوم ناقص ومخادع، وذلك لأنه يلحّ على الحرية الفردية المطلقة التي هي رديف “الحرية المعربدة، والتي هي، في وجه من وجوهها، ترادف الطغيان” ‭(‬لويس عوض‭:‬ مقالات وأحاديث، ص 29‭)‬‭.‬ والنص مقتبسٌ من حوار نبيل فرج مع لويس عوض، الذي نشر في مجلة “المجلة” في نيسان أبريل 1970 تحت عنوان “سنوات التكوين”، وذلك لأنَّ إتاحة مثل هذه الحرية لطائفة من الأفراد من دون اتخاذ أيّ تدابير تحول دون عدوانهم على حريات الآخرين، ومن دون إقامة أيّ شكل من أشكال الحرية الاجتماعية الجماعية والتضامن الاجتماعي الذي يكفل المحافظة على حياة المواطنين جميعاً، ويؤمّن حاجاتهم الأساسية، ويصون حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم، لن يفضي إلا إلى سلب حريات الأغلبية العظمى من أفراد الطبقات والفئات الاجتماعية الضعيفة، واغتصاب حقوقهم؛ وهو الأمر الذي أكدته التطبيقات العملية للديمقراطية الليبرالية، والمذهب الفردي، في البلدان الأوروبية التي طُبِّق فيها، وذلك إلى جانب ما أنتجته تلك التطبيقات من أخطار وأزمات.


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا