شيخ‭ ‬السيرة‭ ‬العلمية

قصرنا‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬هشام‭ ‬جعيط

الجديد  عماد الأحمد [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(64)]

لوحة: فادي يازجي
مقصرون في قراءة إسهامات هشام جعيط نحن مثل تقصيرنا في قراءة (أو إعادة قراءة) السيرة النبوية والمصادر الإسلامية نفسها ودراستها‭.‬ ربما يتفق معي جعيط نفسه في هذا من خلال إشارته في لقائه مع مجلة الجديد عندما يقول: “العرب منذ فترة لا يهتمون إلا بالحاضر وليس بالماضي وليس لديهم شغف بالتاريخ ولا بالعلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى كالسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا…” معاكساً كل الآراء التي قرّت منذ زمن في أذهان الجميع المؤمنين بتقريع النفس وضآلة العقل العربي “الماضوي” الذي “يعيش على ظهور الجمال” والذي يقتات على “الأيام الغابرة والأطلال الدارسة”‭.‬

تتميز كتابات هشام جعيط التاريخية والفكرية بالمنهج العلمي الرصين والتحقيق والدقة وتوخي المصادر ومساءلتها لدرجة تسمح لنا بأن نطلق على كتاباته المتعلقة بالسيرة اسم “السيرة” العلمية‭.‬ وهذا ما لا يتوفر كما أزعم في الكتب التي تدرس السيرة وفي الكتابات السائدة “المضادة للسيرة” إذا أمكن تسميتها بذلك في الثقافة العربية الإسلامية، والتي تنطلق من موقف أيديولوجي أو منهجي مسبق، ماركسي أو ظاهراتي أو إسلامي أصولي أو استشراقي كلاسيكي أو‭..‬

أجد نفسي أمام جعيط بمواجهة مؤرخ حقيقي قادر على تحييد موقعه الإيماني الذاتي ووضع الأمور في نصابها دون انبهار بالمصادر الإسلامية ودون التقليل من أهميتها، ودون انبهار بالمستشرقين ودون التقليل من أهميتهم، تقرأ بين السطور منهجاً علمياً صارماً قادراً بلغة سلسة على استنباط الأخبار من المصادر والابتعاد عن التلقي السلبي الإسلامي حيناً والاستشراقي الانتقائي حيناً آخر‭.‬

يوضح جعيط في مقدمة كتابه الهام للغاية “الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر” 1991 (دار الطليعة، بيروت) تموضعه المعرفي وهدفه الأعلى بجملة بسيطة تمثل ما وراء عمله الأكاديمي والمعرفي الطويل قائلاً “إن إحياء جانب من التاريخ الإسلامي في حقيقته وكثافته إنما هو جزء من مسيرتي الوجودية الطويلة”‭.‬ لا يختفي جعيط في كتاباته وراء أيّ أصابع أيديولوجية كاذبة، بل يرفع راية عالية تدل على المعنى الحقيقي وراء عمله والذي تلمسه في سطور أيّ كتاب من كتبه الغنية الرصينة‭.‬ وفي الكتاب نفسه يصف إحدى اللحظات الهامة في السيرة وفي التاريخ الإسلامي برمّته في كلمات لو قرأتها في أيّ كتاب لأيّ شخص آخر لشعرت بعداء أو محاولة هدم أو مشاكسة غير بريئة، أما عند جعيط فإنك على يقين دائماً بأن الله والمنهج التاريخي العلمي من وراء القصد، يقول جعيط عن لحظة اتخاذ النبي لقرار العودة إلى مكة والاعتماد على قريش “وبإظهار النبي بوادر عودة كثيفة إلى الوطن وروابط الدم، فإنه أفقد الرسالة الإسلامية هالة الصمود والصفاء، لكنّه منحها، من جراء ذلك الفعل بالذات، الشروط السياسية للنجاح في هذا العالم”‭.‬ جعيط غير متشنج حقاً وهو يكتب هذه السطور، ولذلك لا تتشنج كقارئ عندما تصادفها‭.‬

أما عن خضوع الجزيرة بأكملها للسلطة السياسية الإسلامية للمدينة يقول جعيط في سطر أشك أنني قرأت ما يشبهه من قبل سوى بأساليب ملتوية تقول ولا تقول، أو تستعدي وتحارب فقط “وهذا لا يعني أسلمة جميع القبائل بل يعني خضوعاً سياسياً يشبه المعجزة ولا يزال في الحقيقة بلا تفسير”‭.‬

ماذا لو قرأنا من قبل في بداية تكوّننا الفكري فقرة كهذه لهشام جعيط من الكتاب نفسه يقول فيها “هناك ثلاثة أوجه لعلي: علي الإيمان، علي الأسطورة، علي التاريخ‭.‬ والثلاثة هم ثمرة تطور تاريخي بعد وفاته، منعكس في الضمير الإسلامي، مع الفتنة ذاتها كأساس ومرجع‭..‬ وفي الوقت الذي كان يبنى فيه تاريخ واقعي صنعه خصومه- الأمويون- المتحمسون للحط من ذكراه، كان تاريخ عكسي، في مستوى الروح، يبنى في الهامش، ويدور حول ذكراه واستشهاد ابنه‭..‬”‭.‬

“وفي مواجهة الرافضة، اختاروا (العباسيين) الاعتراف بالخلفاء الأوائل، لا سيما أبي بكر وعمر، ورفضوا مفهوم إمارة روحية خاصة بأبناء عمومتهم والتي تنسف شرعيتهم‭..‬”‭.‬

كم من “المادية” الصرف وكم من الروحية الصرف وكم من الفهم العميق وكم من الحيادية وكم من العلم المجرد الصرف في فهم التاريخ وعجلته الدائرة على رقاب الحقائق، في هاتين الفقرتين المكثفتين‭.‬

ولا يمكن أن نعرّج على اسم هشام جعيط دون أن نذكر الزوابع (التي يقلل البعض من أهميتها) والتي انتشرت حوله فيما يتعلق باسم الرسول الحقيقي وعمره وسنّه عند الزواج واسم والده وإقراره التأثيرات المسيحية في الدين الإسلامي، والاتهام الصريح بتفضيل المنهج الوضعي ووضع “اعتقاداته بين قوسين” والتأثر العميق بالاستشراق الجديد (على الرغم من الاعتراف بأنه قد فنّد الكثير من السخافات التي طرحها الاستشراق الجديد) وأنه لا يخرج عن السياق النظري والمفهومي والمنهجي لما جاء في بحوث المستشرق الألماني تويودورنولدكه (1836/1930)‭.‬

كل هذا في كتابه “في السيرة النبوية- تاريخ الدعوة المحمدية في مكة” بجزأيه الأول والثاني، وغيرها من الانتقادات الشديدة التي أطلقها المشايخ في الندوات والخطب المسجلة التي تجاوزت النقد الموضوعي للكتاب لتلحق جعيط مع أشباهه من مدعي العلم والإيمان وهادمي الدين من الداخل من خلال بث الشك ببعض المسلّمات لضرب نصوص السيرة بأكملها والانتقال من الشك الجزئي ببعض التفاصيل التي لا تسندها الوثائق إلى الشك الكامل في ماهية الدعوة والدين بأكمله‭.‬

يصر جعيط على أنه “يتناول الحقائق الدينية بالوصف والتحليل بالبحث في التأثيرات والتطورات، ويضعها في لحظتها التاريخية من دون الالتزام بالمعطى الإيماني” على حد تعبيره في الكتاب نفسه‭.‬ ويضم قراء جعيط مؤرخهم إلى قائمة الحداثويين الذين يواصلون الدراسة النقدية من داخل السياق الإسلامي، ولا ينكرون استناده في تورخة النص القرآني إلى نولدكه وبلاشير اللذين ضمًّنَ تصنيفهما الكرونولوجي لسور القرآن في الكتاب نفسه وانطلق بعدها ليدرس المجتمع المكي وفق هذا التورخة التي “تعين كثيراً على فهم تطور المعاني التي أتت بها الدعوة وكذلك على فهم تطور فعاليات الدعوة ذاتها في مكة وكيف حصل تلقيها وقبولها”‭.‬

ولكنه يرد على بلاشير والنزعة العامة في الاستشراق التي ترى أن أفكاراً أساسية في القرآن لم تنبلج إلا شيئاً فشيئاً وكأن الظروف أملتها أو أن النبي لم يتفطن إليها من قبل، ليقول “رأيي أن القرآن لم يكشف إلا على مراحل عن المحتويات الأساسية للدعوة، فثمة استراتيجية للكشف عن المعنى كما استراتيجية للتنزيل عابه عليها الكافرون”‭.‬ ليتحدث عن لحظات الكشف تباعاً عن فكرة التوحيد، و”اللحظة المفصلية فيما بعد والتي تقوم على محو الآلهة من الدين وحتى من الوجود والتأكيد على وحدانية الله أو الرحمن كما يسميه القرآن في أواخر الفترة الأولى (سورة الرحمن) وطوال الثانية”‭.‬ ومفهوم الإشراك والشركة الذي تبناه الكتاب بالأخص في الفترة الثالثة‭.‬

وليقول قرب نهاية كتابه الثري الذي تابع فيه رفض ما يسمى بالخرافات التي لا سند لها في الواقع والتي تدخل كغيرها من الخرافات في أسطورة المؤسس في جميع نصوص السيرة المعتبرة، (من قصة مؤامرة قتل النبي وعقبة الحرب وبحث قريش عن النبي في طريق هجرته)،“هكذا ارتأينا تنظيم المادة التي لدينا، وتبدو هذه النظرة مقبولة تاريخياً، فهي تبتعد عن الأسطورية بقدر ما تبتعد عن خيالات بعض الباحثين الجدد”‭.‬

أما عن الكلمات المفتاحية التي ظهرت في حواره مع مجلة الجديد يمكننا أيضاً التدليل على بعض الجمل التي تلخص ببساطة شديدة منهج عمل الدكتور جعيط ورؤيته العميقة اعتباراً من إقراره بأن “التاريخ الإسلامي لم يدرسه المستشرقون” في عبارة تختلف أيضاً عن السائد لدينا من أن التاريخ الإسلامي لم يدرس حقاً إلا على أيدي كبار المستشرقين، رغم تحفظاتنا الشديدة على بعض ما جاؤوا به‭.‬ ليصل إلى القول الفصل في هذا الموضوع قائلاً “أعتقد أن حملة العرب ضد المستشرقين لا يكون لها أيّ معنى إذا لم يقم المسلمون أنفسهم بالكتابة التاريخية الصحيحة والجيدة”‭.‬ إضافة إلى تأكيده على أن خطابه ليس موجهاً للمغاربة فقط والعرب بل موجه للغربيين أيضاً فيما يخص كتبه الفكرية، وأنه حريص على أن يترجم كل ما يكتبه بالفرنسية إلى العربية وبالعكس‭.‬ وفيما يخص شؤون المؤرخين المحترفين وشجونهم يشير إلى مشكلة انقسام العالم العربي إلى أقطار وإلى انشغال كل مؤرخ بالتاريخ الوطني لبلده حتى القوميين منهم‭.‬ وبعين المؤرخ العتيق يتجاوز جعيط التفاصيل الكثيرة الراهنة والتجاذبات السياسية الحالية والمشاكل الضخمة التي يعيشها عالمنا العربي ليذهب إلى أس المشكلة الحقيقية “ما دمنا لم نحقق النهضة التي وقعت في اليابان أو في الصين، ما دمنا لا نمتلك عقلية تطورية تخص الإنتاج الصناعي وغير ذلك، فلا فائدة ترجى”‭.‬ ربما لا يتفق الكثير من المهتمين بالحاضر الراهن على هذا التأصيل للمشكلة ويذهبون إلى تحليل أثر هذا النظام أو ذلك، أو هذه العقيدة أو تلك، ويذهب بعضهم أيضاً إلى تحميل العقيدة الإسلامية نفسها، والعقل العربي نفسه، والنص الديني، أسباب التخلف‭.‬

وفي تحديده للمثقف ودوره يرى جعيط أن على المثقف أن يكون على النمط الذي كان موجوداً في القرن العشرين في أوروبا مثلاً وليس مثقفاً في العوام، كما ينبغي أن يتدخل في الشأن العام، إنما الأساس لكي يسمع أن تكون له أعمال معتبرة من الناس ومحترمة‭.‬ وفي عبارة مكثفة أيضاً لا يجيب إجابة كلاسيكية رداً على إشكالية وسائل إسماع المثقف لصوته معترفاً بقلة القراء العرب مقارنة بالغرب، ليقر كمثقف كبير يدرك حقيقة شعبه ولا يزدريه ولا يسخفه “إذا كان الكاتب جيدا فالناس يقرؤون له”‭.‬ متى كانت آخر مرة خاطبنا مثقف عربي كبير دون شكوى من صم آذاننا عن إبداعاته وعن دفننا رؤوسنا في الرمال لنتجنب منارات العلم التي يضيئها في دروبنا المظلمة!


كاتب من سوريا مقيم في إسطنبول