السرد‭ ‬القصصي‭ ‬النسوي‭ ‬العربي.. الحاجة‭ ‬والاحتراف

توصف المرأة بأنها كائن ذو علاقة مفتوحة مع اللغة، إلا أن التأمل في الإنتاج النسائي الكتابي وحجمه ونوعيته يكشف أنها تهمة لا توازي حضورها في فعل الكتابة‭.‬ تمارس الكاتبة المرأة فعل الكتابة غالباً بصفته لجوءاً، وتسعى كاتبات كثيرات إلى أن يغدو ذلك اللجوء الكتابي الاضطراري احترافيّاً، يعي تقنية صياغة الكلمة وبناء النص‭.‬ ويشير تأمل المدونة القصصية النسوية إلى سؤال مشروع: متى تتلمس القصة القصيرة لدى الكاتبات طريق النجاح؟

الجديد  آراء عابد الجرماني [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(86)]

عند البحث عن إجابة سنجد وجهات نظر عدة، إذ يؤمن بعضهم بأن الأمر مرهون باقتراب القصة النسوية من عتبة النبوءة، وآخر يقول بجعل القارئ المتطلب حياً في ضمير النص النسوي، فإذا به يلاحقها في أثناء خوضها فن القص‭.‬ وربما سنجد من يقول: الكتابة فن حر، لا متطلبات له، القص كتابة، لجوء فقط!

لكن يمكن أن يتحول اللجوء إلى الكتابة إلى لجوء محترف؟

هل تتقصّد الكتابة القصية النسوية البوح بصوت نسائي أم أنها لا تكترث بجنس الصوت بقدر ما تكترث بالقص بوصفه فناً معبراً؟

متى تذهب القاصة نحو النص واعية نواظم القص وأدواته؟

يلحظ المتابع لفن كتابة القصة القصيرة أن نواظم كتابتها لا تميل إلى التغيير الكبير، مقارنة بالتغييرات التي أصابت نظرية الرواية أو الشعر، فالقصة القصيرة كانت بحسب إدغار ألان بو “حكاية قصيرة النفس تتجه من فورها إلى حدث من أحداث الحياة، يجري في زمان ومكان معينين، وتنهض به شخصيات، ويخضع لمبدأي التتابع والتحول، فالقصة لا تحتمل الاستطراد في السرد ولا الإسهاب في الحوار، ولا يتحقق لها التأثير الشامل إلا إذا توافرت فيها وحدة الفعل والزمان والمكان”، (مينو، ص 232، 2012)‭.‬

وعلى الرغم من شيوع هذه النواظم لكتابة القصة القصيرة بصفتها المبدئية إلا أنها لا تعد الوصفة السحرية في كتابة القصة الناجحة‭.‬ ومن خلال تَتَبّعَ الحركة الكتابية للقصة النسائية العربية، ودراسة بنية الكتابة القصصية نجد أنه لا بد من دراسةٍ تُقاطع بين خطوط بناء القصة النسوية، حيث أن بعض القاصات يعنين بالدال وأدوات التوصيل القصصي الجمالية‭.‬ وبعضهن يجعلن المدلول هدفهن‭.‬

كل ما سبق خطوط بناء نصي، تشكل أساساً في تباين وتنوع شكل المنتَج القصصي النسوي العربي، وهو ما أُلِحُّ على التعامل من خلاله في النقد السيميائي الذي يحوّل عناصر النص إلى خطاطة سردية، تتابع ما قد يرد في النص من ثنائيات تصبح في جوهرها علامات لا تلبث أن تتحول إلى مؤوّلات نصية يبثها القاص ويتلقاها كل من القارئ والناقد، ربما يعيد الكاتب ذاته اكتشافها مرة أخرى في عملية لا تنتهي من التأويل والتفسير (بيرس، 1986)‭.‬

إن منطلق هذه الدراسة للقصة العربية القصيرة المبني على جهة الإنتاج النسوية للقصة يحتم عليها جعل مرتكز التقاطع السردي لبناء الخطاطة السردية يعتمد على طرف المنتِج النصي: المرأة القاصة، ومقابلته بالعناصر الأخرى للبناء من دال ومدلول، “الدال وهو ما يتعلق بالجانب الفيزيائي من التعبير، والمدلول هو ما يحوّله السامع من صورة سمعية إلى معنى أو صورة، وهو ما يتعلق بالجانب النفسي والاجتماعي من التعبير” (مينو، ص140، 2012)‭.‬ لذا لا بد من قراءة أشكال علاقة المنتج النصي بكل عناصر القص وأثر هذه الأشكال على تشييد بناء قصصي فني، ومتى تتحول علاقة المنتِج بالنص القصصي إلى احتراف‭.‬

لدى القراءة الأولى لأيّ نص سردي يتبدى المعادل الموضوعي للنص ويظهر أيّ لاعب في البناء هو الأكثر تبدياً، أي أيّها كان بارزاً في عملية إنتاج النص من غيرها‭.‬ فبعض القصص ديدنها المدلول حتى يظهر أنه الشاغل والمحرّك الفعلي للكتابة القصصية، وأخرى ترنو نحو الدوال من لغة ورموز وعتبات نصية غالبا ما تتبدى في العنوان، والمحفزات والانزياحات النصية حتى يظن القارئ أن المنتِج كانت وجهته تقنية القص لا مدلوله‭.‬

المنتِج النصي‭/‬المدلول

بين طموح الواقعية وأحلام الشكلانية تأرجحت القصة، وكثيرات هنّ الكاتبات النسوة اللواتي اعتقدن أن كتاباتهن يجب أن تحمل قضية نسوية، وجعاً لا يستطيع قلم الرجل أن يكتبه أو يعبّر عنه، ما جعل أنظار النقد شاخصة نحو المدلول في السرد النسوي، لا سيما أنه بات هدفاً للكثيرات وأداتهن في الانتشار، لدرجة أن بات اسمهن مرتبطاً بالنسوية كما هو الحال عند ذكر اسم الكاتبات نوال السعداوي، غادة السمان، وأحلام مستغانمي، لكن أين تقع القصة النسوية ذات المدلول النسوي في حال الكتابة النسائية؟

تطرقُ بعض القاصات باب مدلول القص من خلال رؤية نسوية وأخريات يحاولن طرق باب المدلول فقط لتأثّرهن بالنزعة الواقعية، ولكن إلى أيّ مدى استطاعت القصة النسوية حمل المدلول بقالب فني قصصي؟ وهل استطاعت الكاتبات القاصات إجادة التعبير عن اهتمامات المرأة؟ ومتى انشغلن بالهمّ المشترك بين المرأة وشريكها الرجل؟

يعلم الناقد أن وقوع مدلول القص بالمباشرة، يجعل منه عبئاً سردياً ثقيلاً بصفته فناً أدبياً، فمن أكثر ما يمكن أن يهبط بمستوى القص الفني هو الانحياز للمباشرة في السرد‭.‬

والتزام القصة بالواقعية لا يعني تخلّيها عن الخاصية الفنية، حيث يعد الخطاب الصيغي المباشر هو العامل الأهم الذي يفارق بين الخطبة والمقالة من جهة وبين السرد الفني الواقعي من جهة أخرى، ولكن المدلول في الفن القصّيّ النسوي يتنوع ويتغير بحسب الرؤية الخاصة بكل قاصة تبعاً لنظرتها لفن القص ودوره‭.‬

الرجل أحد أيدي المجتمع

تخطيط: حسين جمعان

لا تعاني قصة “الصبية والأخطبوط” (اعتدال رافع، 1986) من عسر في الفهم بل قريبة من عقل القارئ، ويعلم المتابع لمسيرة القاصة الأدبية أن القص ديدن حياتها، ورئتها التي تتنفس بها، وبالنظر إلى نصوصها عامة يجد أنها امرأة هاجسها هو المدلول، مأزومة بالفكرة، تستمر بتأريقها إلى أن تخرج إلى الورق‭.‬

لا تغادر قصصها مدلولات تعانيها المرأة في المجتمع العربي، والغريم يتنوع بين أم وأب وأخ وجيران، تقيم الكاتبة في عنوان قصتها هذه “الصبية والأخطبوط” تضاداً بين الصبية والأخطبوط محيلة المدلول النصي إلى تضاد من نوع آخر طرفه الأول هو: الأنثى والطرف الآخر هو المجتمع بأيديه الأخطبوطية المتعددة‭.‬ وعلى الرغم من أن ذهن القارئ سيذهب إلى كون دلالة الأخطبوط تعود على زوج أم الصبية (الشخص الذي قام بفعل التحرش الجنسي) إلا أن القاصة لا تشتغل على الفعل الآني للتحرش بل تذهب إليه بصفته مدلولاً يتكاتف المجتمع بكل أطيافه ومفاهيمه على جعله مكرسا بشكله السري والمعقد‭.‬ والرجل ليس إلا طرفاً أو يداً من أيدي هذا المجتمع/الأخطبوط‭.‬

يظهر ذلك من خلال جعل القاصة من انتحار الصبيّة ثمناً تدفعه هي وحدها ولكن تحت أنظار المتفرجين على الحدث جميعاً‭.‬ فيصبح الموت ذنباً يتسبب به كلّ من مفهوم العار الاجتماعي والجاني زوج أمّها، ونظرة المجتمع لها هي ما دفعت الطفلة إلى الشعور بالقذارة والرغبة بالاغتسال من خلال الانتحار غرقاً في البحر! تقص القاصة قصة الصبية على لسان الراوي العارف الكلي (جينيت- 1998)، فهو لسان حال الطفلة الأنثى الذي يخبرنا بحلمها أن تصبح سمكة تسبح بمياه البحر المالح فتغتسل من كل ما يجعلها تشعر بالاتساخ، تخبرنا على لسان راوي القصة كيف أن ملوحة مياه البحر تكوي (حلمتيها وتتألم‭.‬ تجلس على صخرة تنقط ماء وملحاً‭.‬ تعصر ملابسها) كما تصف انتحارها ولحظة مفارقتها للحياة، وكيف أخذت بالذبول “يثقل عليها النعاس والهمّ‭.‬ تغفو وتحلم، إنها عروسة البحر، ملوّنة ومصقولة وجميلة، بلا نتوءات‭..‬ أو تجاويف‭.‬ تغوص‭.‬ رغبة ملحة تشدها إلى القاع، تهبط رويداً‭..‬ رويداً‭..‬ تأوي إلى كهف من اللؤلؤ والمرجان)‭.‬ إن لغة الراوي كليّة المعرفة تخلخل ثقة القارئ بحقيقة ما يجري لإيمانه بأن الشخصية التي في النص هي الأكثر دراية بما تشعر به، ولكن الحديث عن مقدار الثقة الذي يهبه الراوي الكلّي المعرفة للقارئ لا يلبث أن يصبح ثانوياً أمام المشهد القصّيّ المؤلم الذي تطرحه القاصة وأما المدلول المسكوت عنه!

يقرأ القارئ رافع في قصصها فيجدها لا تلعب كثيراً باللغة بل تركز على دورها التوصيلي، وتكشف عن مهارات تظهر مهاراتها باستيلاد الاستعارات، محاولة مجاراة رهبة المعنى وأهميته، وهو ما جعل قصص هذه الكاتبة قريبة من القارئ، فهي لا تبالغ بالوصف والتعقيد، ولا بامتحان حارات اللغة الضيقة بحثاً عن الغريب، بل تجيد لعبة التوصيل بلغة ممتلئة‭.‬

في قصة “رماد الروح” (انتصار السري، 2013)، تفكك القاصة مدلولات الجسد والروح، الزواج والحب، والرجل والمجتمع‭.‬ فهي من القاصات اللواتي يرين أن الكتابة ليست متنفّساً فحسب، بل أداة تغيير في المجتمع، فنجدها تخوض في نوازع المرأة وبوحها، وربما كان أكثر ما يشغلها مدلول الجسد في المجتمع الشرقي بصفته قضية أساسية من قضايا الجدل الديني والفكري‭.‬

تجعل في قصتها هذه المجتمعَ هو اللاعب الأهم في حياة المرأة، وذلك من خلال مونولوج تبوح به امرأة بشكل صريح أمام الرجل فتخبره كيف أن خيارها في زواجها منه ككل خيارات الزواج في المجتمع ليست خيارات مسؤولة، وأنها لم تشعر أثناء زواجها بأنها روح وجسد إلى أن التقت برجل آخر “ككل الزيجات كان زواجنا، لم أقبل، وكذلك لم أرفض، لكني أصررت على إكمال تعليمي الجامعي، في المنزل كان جسدك حاضراً وتجردن أنا مني، صرت آلة غسل وطبخ، و‭..‬ في أحد البنوك زُرعت، لأثبت أني ما زلت بعضي‭.‬ في جنبات البنك كان هو حاضراً روحاً”‭.‬ تصف كيف أن لقاءها بآخر أحبته جعل منها جسداً وروحاً وبات زوجها قيداً “قربه، نظراته، انشغاله بي، عمّده قلبي أول حبيب له‭.‬ عناقك كان قيدي، وقصائده حريتي، غرسني في ثنايا قصائد أحمد رامي، رسمني بريشة ليوناردو دافنشي، أطربني بالمواكب لجبران، فحلقت مع فيروز″، تغوص القاصة في أعماق صوت المرأة ومشاعرها في الحب واللاحب، يتعالق الصوت النسائي مع مدلول المجتمع، المتعاضد مع الوازع الديني والأخلاقي‭.‬ نسمع الصوت محاكياً حالة المرأة المعرفية بأن قرار زواجها هنا ليس إلا نتيجة لتربية الانسياق للمجتمع، الذي لم يتح لها اختبار إرادتها في اتخاذ القرار، وبالتالي فهي لم تصل إلى فعل المسؤولية التامة عن قرار زواجها‭.‬

إن إدراك المرأة لدور المجتمع في التحكم بحياتها الخاصة وتقريره مصيرها لم يدفعها للتخلص من شعورها بالذنب لكونها أحبّت رجلا آخر غير زوجها، بل استحضر مدلولاً آخر داخل القصة وهو مدلول الخيانة! حكم الخيانة الذي تطلقه هي على ذاتها قبل أن يطلقه المجتمع عليها، فالرقيب الاجتماعي يعيش في داخلها ويمنعها من حرية الخيار حتى عندما يتاح لها اتخاذه “صرت أكرهني كوني أخونك معه في مخيلتي، أنفر من قربك، أتلذذ لتنفسي عبق سيجارته‭.‬ همت به فتبعثرت فيك، تناثرت، تساقطت، بقايا امرأة‭..‬”‭.‬ أطراف الثنائيات التي تمكنها القاصة من مدلول قصتها العام من مثل: الوفاء/الخيانة، القيد/الحرية، الرجل/المرأة، المجتمع/الفرد، الجمود/الحركة، جعلت من نصها أكثر غنى على صعيد المدلولات وتكثيفها‭.

هل تتقصد الكتابة القصية النسوية البوح بصوت نسائي أم أنها لا تكترث بجنس الصوت بقدر ما تكترث بالقص بوصفه فنا معبرا؟ متى تذهب القاصة نحو النص واعية نواظم القص وأدواته

فكيف كان حال البناء اللغوي لهذه الموضوعات؟ هل واكبت انتصار السري خطى اللغة والموضوع بشكل متواز؟ نلحظ في قصصها غالبا بساطة اللغة واصطفاف مفرداتها بشكل قريب للّغة المحكية، للّغة الأكثر بساطة لتطغى قوة الفكرة على قصتها‭.‬ وهذه القوة والجرأة في الطرح هي ما يمنع القارئ من الشعور بأن اللغة تذهب فعليا للبساطة، إضافة إلى أن نواظم القص من مثل الشخوص ووحدة الموضوع والزمان والمكان عناصر موجودة فعلياً تتوازى بشكل عام مع الخطاطة السردية للقصة‭.‬

القص حياة

تنشغل ميسلون هادي بالمدلول في قصتها “أرجوحة مكي” (مجلة الجديد، العدد 5)، ولكنها لا تقف عند القص النسوي بصفته أداة للتعبير عن صوت نسوي بل تخرج من الصوت الخاص إلى الانشغال بجدوى الحياة!

تخطف القاصة خلفاً فترسم أرجوحة فوق برندة ورجلاً مسناً يتأرجح يراقب الحياة في الشارع، تسجل دينامية الحياة، وتطرح في الآن ذاته قضية عبثية الوجود ولا جدواها‭.‬ تبئّر لرؤيتها من خلال تشكيل صورة مكي الجالس فوق أرجوحته في برندته يراقب من الأعلى مرور المارة في الشارع، وعينه تنتظر أن تنشف صبة البيتون، قبل أن تدوسها قدم أحدهم فتشوه منظرها الصقيل! تلك المراقبة يرافقها سرد راوي القصة لأفكار مكي حول الحياة، وكيف أن الدنيا في عيني مكي إنما هي نهاية، وأن طريقة اهتمامه ومعاملته لفوارغ العلب والأكياس وحاويات القمامة إنما لأنها خير مثال للحياة الفانية، ولكن المفارقة تأتي من تناقض بين وصف الراوي لوجهة نظر مكي وحرصه في أثناء تأرجحه على أن تكون صبة البيتون في أسفل البناء ملساء! “هبّت الريح الباردة ومن بعدها هواء الشرق الحار‭..‬ وجف الإسمنت أخيراً‭..‬ دون أن يدوسه أحد‭..‬ لا الشحاذ ولا النجار ولا محصل الكهرباء‭..‬ القطة فقط كادت تدوسه وهي تركض، فصرخ بها مكي صرخة جبارة جعلتها ترجع على أعقابها خلف إطار السيارة المتوقفة قرب الرصيف‭..‬ الحمد لله استطاع منعها من أن تمشي عليه‭.‬ وجف الإسمنت دون مشاكل”‭.‬

تلك المفارقة تهب القصة حياة ما بعد النص، فالنص ينتهي بالقراءة ولا ينتهي بالتأويل! وهو ما تحدث عنه بيرس في مفهومه للسيميائية (بنكراد، 2012)‭.‬

لم تكتف القاصة بالتنظير لوجهة نظر مكي بل جعلت من نصها شارعاً ومارة وشخوصاً تملأ حياة مكي بدلاً من زوجة وأولاد موزعين في أرجاء العالم، فيشعر القارئ أنه يجلس إلى جانب مكي على أرجوحته في برندة بيته العالي يراقب المارة ويحاكم الحياة‭.‬ إن المدلول الذي تعنى به القاصة إنما هو ذلك المتناقض الراسخ فينا، المؤمن باللاجدوى والمراقب للأمل في آن معاً!

الرجل هو المسؤول

في موضع آخر وبين يدي قاصة أخرى يصبح صوت المرأة هو الأوحد في القصة، وهو ما يشغل بالها، فتبدو (ليلى العثمان، 1987) في قصة “لا خبر‭..‬ لا” أنها منغمسة كلياً بمدلول الزواج، دون استثمار دالة العنوان مفتاحاً دلالياً يلج به القارئ إلى مدلول النص‭.‬ تربط القاصة الزواج بمفاهيم تنتمي للمجتمع العربي في محاولة للمقاطعة بين فردية حالتي شخصيتين في حكايتي قصتها داخل سياقات متنوعة في المجتمع العربي مظهرة سلطة المجتمع على الأفراد‭.‬

تعرض القاصة حكايتي امرأتين في نص قصصي واحد رابطهما العنوان والصوت النسوي المتمرد على الزواج التقليدي المنساق للخيار الاجتماعي وليس الفردي الحر! في الحكاية الأولى تسمح القاصة لصوت الشخصية أن يتحدث ويعبّر عن ذاته‭.‬ لذا يرتفع صوت المرأة الرافض للزواج برجل يشبه والدها وزوج أختها، ذلك النمط من الزواج الشائع في الزيجات التقليدية وتقرر البحث عن حبيب مختلف “أريده… رجلاً من الأرض… يعشقها ويلتحم بترابها‭.‬ وينام على عشبها… وأنا على زنده… أغفو وأحلم… رجل واحد لامرأة واحدة وليس مثلك يا أبي تتنقل كعقرب الساعة من جسد إلى آخر تحرث، وتشبع، والأرض عطشى”‭.‬ تسير الحكاية ونعلم أنها خالفت أسرتها وأحبت رجلاً غريباً من دولة أخرى يرفضه المجتمع الكويتي زوجاً لابنته، فغادر الرجل الغريب يلوّح بكفته الحمراء المنقطة التي تحلم بالعودة إلى الوطن‭.‬

الحكاية الثانية تتحدث عن فشل الخيار الفردي بالارتباط من شاب اختارته امرأة ما بإرادتها، حيث ترى ذاتها رقماً بين أرقام عشيقاته مما دفعها للانتحار، لا نعرف حقيقة ما جرى مع المرأة وما هو حجم الألم الذي دفعها للانتحار لأن الكاتبة في هذه الحكاية استخدمت لغة الراوي كليّ المعرفة والذي أكسب النص قلة موثوقية في القص‭.‬ فالراوي يقص الحكاية بطريقة تقريرية مباشرة تصف الحدث من الخارج “أخطأت الطريق‭..‬ رغم النصيحة‭..‬ في المدينة المفتوحة، لكن الإرادة والعقل الذي بدأت به خطواتها الأولى وهي تهرب من مدينتها المغلقة كانت قد ذابت مع أكذوبة الحب التي عاشتها، وذات يوم وقد اتضح لها كل شيء وتعرّت لها جميع الحقائق وبرزت لها الأوهام مكشّرة الأنياب مسلولة الأظافر‭..‬ لم تحتمل الصدمة ووضعت حدا لحياتها”‭.‬

تقرر الكاتبة ليلى العثمان أن المرأة لن تتمكن من الخيار الزوجي الفردي ما دامت تعيش داخل مساحة الحرية التي يهبها ويحجبها المجتمع “اكتشفت أن الرجل في المدينة المفتوحة أيضاً يفكر بعصره، وعندما يريد الزواج يتزوج بفكر أبيه، بعقلية أجداده”‭.‬ فيأتي تقريرها هذا بمثابة تعليق نهائي على خبر لم يكتشفه القارئ بذاته، بل تلقاه من خلال صيغة مباشرة في الخطاب، وبلغة وصفية فنية ترفع من قيمة النص في الإرسال من حيث محاولتها إقامة حالة توازن بين خط اللغة وخط المعنى‭.‬

المرأة الظاعنة

تخطيط: حسين جمعان

في قصة “شفاعات” للقاصة المصرية أسماء ابراهيم (مجلة الجديد، العدد 5)، تواجه قارئها بالمتضادات الاجتماعية، تجاهر بما يجول في خاطرها من حب أو رغبات، لكنها تكرّس صورة نمطية للمرأة بكونها الطريدة وأن هناك رجلا شرقيا صياداً! تتنوع أدوات الصيد بحسب مهنة واهتمام الرجل الذي تعيش معه قصة حب، فمرة تستخدم مفردات لاعب كرة قدم وأخرى مفردات الشاعر‭.‬

ورغم أنها تدرك قانون الصيد ومجاهله، إلا أنها تطرح منذ بداية النص عتبة نصية توحي بعدم الاستقرار والوحدة، ومسابقتها للزمن “لم يُـسـفِـر أي ترحال عن حِـلٍ، مسير‭..‬ مسير بلا هدأة، كلهم رحلوا ووحدي ظعنت في سَـفَـرٍ مقيم‭..‬ أسابق عقارب ساعة أخاف تلدغني فأهرب منها حتى لا أَخـلُـف موعدًا”‭.‬ يظهر من النص أن غريمها في السباق هو الرجل! فهي تدنو منه وتخاف الدنوّ أكثر فتصبح الفريسة التي حذّرها المجتمع من أن تكونها، لذا تتساءل سؤال العارف هنا “أواصل السفر والصعود وأتشبث بأيّ نتوء‭..‬ أغافل نتوءات الروح وأتجاهل لماذا وعلامَ؟ ولمَ لم أُكمل طريقًـا إلى آخرها؟”، متضاداتها تحوم حول حمى المجتمع وحول الرجل فلا هي تدنو ولا هي تبتعد، تحب وتعشق وتقص الحب ولكن بأدوات صيد الرجل لها ذاتها، فالرجل هنا لاعب كرة قدم “اللعبة بيننا استمرت حوالي ثلاثة أشواط‭..‬ كنت شبكته العنيدة الحرون أحرس مرماي بحذر الأم على رضيع لم يذق غير حليبها بعد”‭.‬ تستخدم مفردات مستمدة من المعجم اللغوي للاعب الكرة فتضيف الجدة على لغة القصة من مثل الشوط والشبكة واللعبة والمرمى‭..‬ بينما في قصتها مع الرجل الشاعر فهي تهرب من الوقوع في شرك قصيدته “فأهرب من قصائده‭..‬ أهرول كظاعنة متأخرة عن ركبها تخشى القيل والاتهام‭..‬ أمدّ خطاي وأجري”‭.‬ إنها تهرب من كلا الرجلين اللذين صورتهما صيادين وهي الطريدة، لكن ما يظهره النص في مواضع مختلفة هو أنها لم يكن خوفها من الرجل حقيقة ولكنها تخشى القيل والاتهام‭.‬ وبالتالي فهي تخشى المجتمع، وتصر على عدم التغيير أو التمرد بل الاستمرار في دور حارس المرمى أو الظاعنة!

إن ما أضفى على النص صفة الثبات في ذهن القارئ هو اللعب على اللغة بصفتها محركاً نصياً قادرا على قولبة المعاني وتشكيلها بما يتوافق مع الشخوص والمعاني المقصودة‭.‬

المنتِج النصي‭/‬الدال

تتصف بعض القصص القصيرة بالشعرية، لكونها اعتنت بأدوات الكتابة ذاتها لأجل توصيل المعنى والتي يرى (تودوروف، يناير-مارس، 2009) أنها “لا تسعى إلى تسمية المعنى بل إلى معرفة القوانين العامة التي تنظم ولادة كل عمل”‭.‬

والدوال هي كل علامة دالة ضمن سياق دلالي مجاور يحيل إلى معنى أو مدلول فبإمكان التعامل مع أيّ من عناصر الكتابة على أنها دوال، كاللغة بوصفها خلية بنائية سردية تحمل كل أشكال التركيب اللغوي وهيئات الخطاب من لغة شعرية إلى لغة الحوار والمونولوج الداخلي والمحفزات السردية والانزياحات اللغوية، إضافة إلى الرمز والأيقونة، والعناوين بصفتها عتبات سردية دالة تحيل إلى نص، إضافة إلى تقنيات الكتابة‭.‬

اللغة هاجس

وفي ذلك المنحى يمكننا أن نستحضر عنصر اللغة في القصة القصيرة بصفته دالة سردية أساسية تقوم ببناء النص توصيلياً وجمالياً “ذلك أن الأدب يحول اللغة الاعتيادية ويشددها، وينحرف بصورة منظمة عن الكلام اليومي”، (إيغلتون، ص11، 1995)‭.‬

فكيف يتبدى عنصر اللغة في قصص القاصات العربيات عامة من ناحية الدلالة والجمال؟ وهل استطاعت القاصة بصفتها الأنثوية أن تكتب بلغة مغايرة للغة القاص الذكورية؟

في هذا المنحى يمكننا قراءة بعض الكتابات القصصية النسوية من حيث الإيغال في ملاحقة خط اللغة وتقليص خط المعنى، في ملاحقة الكلمات الغريبة والتعابير الأدبية بصفتها الهدف والأداة معاً، كما يمكننا أن نقرأ قصصاً كانت اللغة فيها فرساً رشيقة وحالة جمالية تؤدي معنى أدبياً في آن‭.‬

تشتغل القاصة المصرية (ميرال الطحاوي،2004) على لغة القصة، في قصتها “موسم صيد الغزلان” ، تستهلّها بأسطر قصيرة رمزية، تبدو كمفاتيح نصية للمعنى المكنون في داخل قصتها، فتقول:

“يا فاتنة العشب الأخضر

وفراشات الضوء

نامي داخل جرحك جحرك

باتي داخل عشك

هذا موسم صيد الغزلان”‭.‬

تستمر الكاتبة بالغوص في لغة ذاتية مطلقة، وتعابير أدبية تدور حول مشاعرها المنغمسة بشعور الوحدة، ممهّدة للبوح بحلم خجول، بشاب تجوب معه شوارع القاهرة، وتبدأ برسم ملامح الحلم عندما تجلس في القطار في الكرسي المقابل لشاب وسيم، فتبحر بسرد لغوي يتقصى كل مفردة تدنو من الشعر وحاملها هو القص “الوحيدة أنا كنجمة وتائهة كنتفة ريش، والقطار يتخبط بين شريطيه، ويتخبط الخلق داخله بشراسة غابة عامرة بالذئاب والفرائس، وحده كان مثلي شارداً يحتضن العمود المواجه وتبحر عيونه في المجهول، نظرة ثم سكون تام، نظرة ثم ابتسامة تتجول على وجهي مرات ومرات، نظرة ثالثة”‭.

كيف يتبدى عنصر اللغة في قصص القاصات العربيات عامة من ناحية الدلالة والجمال؟ وهل استطاعت القاصة بصفتها الأنثوية أن تكتب بلغة مغايرة للغة القاص الذكورية

تحاول أن لا تسلبها اللغة مساحة القص كله، فتغرس الحبكة بمغادرة الشاب لكرسيه وجلوس امرأة تعمل صاحبة بيت دعارة في القاهرة تتصيد الفتيات وتلاحقهن لتجذبهن للعمل لديها، فتبحث الكاتبة عن الشاب الذي لفت نظرها وأرادت التواصل معه، إلا أنه لا يعود للعربة وتشعر بالضيق من تلك المرأة، تمعن في إحكام الحبكة بأن تخبرنا بتعطل القطار، حيث تدعوها المرأة لمغادرة القطار وركوب وسيلة نقل أخرى توصلهما معاً إلى القاهرة لا سيما أن الليل اقترب‭.‬

تحاول الكاتبة أن تجعل من الحدث أكثر تشويقاً بأن يكون الشاب الذي كان حلمها الجميل إنما هو أداة المرأة لاصطياد الفتيات فتكمل قصتها بلغة عالية وجميلة “وعلى مسافة الرصيف أراه‭..‬ أكاد أنادي عليه‭..‬ أنت يا هذا‭..‬ ألم نتقاسم المقعد هذا الصباح؟ أنت أنت، لا ينظر إلىّ بل تتلاقى عيونهما معا في نظرة خاطفة لكنها تعكس نفس البريق‭..‬ هل يعرفهم‭..‬ يعرفون‭..‬ رمى الخيط أم نصب الشباك أم راقب من بعيد لحظة انقضاض الفريسة؟ أدفع كفها الممسكة برسغي بلطف‭..‬ أتظاهر بإصلاح ملابسي وأركض في كل الاتجاهات وغبار يتناثر في حلوقهم”‭.‬

نفكك النص إلى مكوناته الأساسية، من مبنى ودوال وحبكة، فنجد أن النص ينحو للبساطة في الحدث، وأن “دور الدال اللغة اعتنى بالجمالي وأهمل التوصيلي، مما أوقع المدلول في شرك العادي! وهو ما يعيدنا إلى ضرورة الربط بين التفكير والدال: حيث تجعل اللغة عملية توالد المعاني والقراءات التفسيرية عملية متقدمة تغني النصوص وتثير وجوه الاختلاف عند التعرض لأكثر من نص وأكثر من تجربة” (بنكراد، 2012)‭.‬

ولكن هل استطاع الدال/اللغة، بوظيفته الجمالية هنا أن يكون معبراً عن خصوصية جنس المنتِج النصي/المرأة؟ نلحظ لغة اللاوعي التي عبرت عن مكنون نفسي يخص حاجة الفتاة في التخلص من الوحدة والرغبة في شريك يؤنس وحدتها، والذي يصطدم بمحك الواقع فيثير في لاوعي الفتاة مشاعر أنثوية عميقة وتتنازعها رغبة إيجاد الشريك من جهة وحذر الوقوع في عالم الليل من جهة أخرى!

ميتاقص بصوت ذكوري

تبحث القاصة رغد السهيل في فم عابر سبيل سكران عن قصة لتكتب قصة “موت بالآجل” (مجلة الجديد العدد 5)‭.‬ تخرج في هذه القصة من جسد الأنثى وترتدي جسد رجل، تقود سيارته وتلتقط عابر سبيل ليقص قصته عليها فتكتبها‭.‬ لم تخف القاصة أمام القارئ أدوات قصها وطرقها في غرف الحكاية ومن أيّ فاه ستتكلم، تنحو رغد منحى حداثياً ثقافياً في إنتاج القصة القصيرة، لا تلجأ للكتابة بفعل التنفيس والتعبير فقط، بل تلجأ للكتابة باستعمالها أدوات قص احترافية، قرأت عنها في نظريات السرد فإذا بها تصارح القارئ بنيّتها في القص ومتاعب إيجاد الحكاية فتقول “يصعب على أساليب السرد الحديثة سرد قصته، التشظي هنا في القلب والقالب”‭.‬ ومخاطبة القارئ هذه هي ما تحدث عنه كل من أحمد خريس في كتابه (العوالم الميتاقصية في الرواية العربية 2001)، وهيثم حسين في حديثه عن بعض أطوار الشخصية الروائية في كتابه (الشخصية الروائية، مسبار الكشف والانطلاق، 2015)‭.‬ إلا أن انهماك الكاتبة بالإمساك على أدوات قص احترافي لم تنسها القص ذاته فهي ما زالت تسعى وراء الحدث لتفاجئنا كما يتفاجأ القاص الضمني للقصة بمجرى الحدث الذي يغير قصته: ليتخذ دور المتلقي حينما يعلم أن عابر السبيل باع كليته لحبيبته التي لن تعود‭.‬ “لقد منحتهم كِليتي اليمنى، وأخبرتني هي ووالدها أنهم سيدفعون لي المال عندما نصل بغداد، وعندما عدنا لم أر أحدا منهم‭..‬ أنا واثق أن هناك ظرفاً ما حال دون ذلك، عندما يدفعون لي المال المطلوب سأفتح مشروعي وأتزوجها وننجب بنين وبنات”‭.‬ فبعد أن يعرف القاص الضمني بحقيقة ما حصل مع عابر السبيل تفلت من يده خيوط القص، فقد كان قبل ذلك الكاتب الباحث عن قصة يدوّنها أمام عين القارئ ولكنه الآن مندهش بقصة عابر السبيل وتحوّل هو إلى متلقٍّ، فعملية تبادل الأدوار التي تقيمها القاصة بين الكاتب وشخصيته (عابر السبيل) عملية تجعل من القصة ترقى إلى الاحتراف في اللجوء إلى الكتابة القصية‭.‬

مبدأ باختين الحواري يكشف مغيبات

قصة “الرغبة من الباب الخلفي” رضوى فرغلي، (مجلة الجديد، العدد 5)، تبدو كما لو أنها نص قصير منتزع من نص سردي طويل، فالحدث مجتزأ، كما أن النهاية مفتوحة قابلة لإعمال الخيال‭.‬ قصة مضمونها قابل لأن يكون أطروحة أو مقالة‭.‬ تغيب عن القصة اللغة الشعرية والتكثيف، ولكنها تجعل من الحوار بين شخصيتين يجمعهما حدث في زمان ومكان محددين مجالا رحبا للغوص في مجاهل عوالم تكاد تكون غائبة عن ذهن القارئ، فتختزل الكاتبة من خلال خلية سردية حوارية بسيطة وجع فئة من الفتيات يُقِمْن في مؤسسة رعاية الجانحات وينظر إليهن بوصفهن عاهرات، فيقذفن بمئات الشتائم والإساءات‭.‬ تتجرأ الكاتبة وتكتب أنهن لسن مجردات من البراءة بل ربما هن مزيج غير مألوف، فتصفهن في إحدى حالاتهن “صرختْ كالأطفال حين رأت الطعام، أنهكت خدي الأيمن بالقبلات‭..‬ نادت على زميلاتها في الغرفة في سرية تامة، حتى لا تهجم علينا بقية فتيات المؤسسة‭.‬ تَشاركنا الأكل والعصير والضحكات الطفولية والنكات الإباحية‭.‬ تبرعت إحداهن بالرقص على أغنية ‘يا بنت السلطان’ لأحمد عدوية‭.‬ كانت لحظات ساحرة رغم خشونة الواقع‭.‬ فتيات تتفجر منهن الوقاحة والبراءة في آن”‭.‬

بالنظر للواقعية التي نادى بها النقاد الواقعيون فإن ما أدته هذه القصة هو فعليا هدف القص، ولكنها لم تتوقف عند الواقعية بل تعدتها نحو الجمالية في القص عندما أمعنت في الوصف والتفصيل ببعض المواقف، ولا سيما وصف مشاعر الفتاة التي تقوم بدراسة حالتها ورعايتها في المؤسسة “أفقتُ على ضحكتها الماكرة‭.‬ عيناها ذابلتان يسكنهما بريق أنثوي، وابتسامة شبقة تعلو شفتيها وهي تروي لي باستمتاع كبير عن أول قصة حب وقعت فيها كأنها تستعيد ذاتها التي توارت خلف جدار الرغبة‭.‬

ـ تعرفي يا أبله مش هتصدقي لو قلت لك عمري ما خليت زبون يبوسني في شفايفي، عارفة ليه؟ لأن ‘مُسعد’ بس اللي كنت بحب إنه يبوسني”‭.‬

تستلهم الكاتبة مبدأ باختين الحواري في التبئير لوجهة نظر الكاتب، (تودوروف، 1996) لمدلول غير مقبول في المجتمع العربي، مما يُتيح للجانحات الحديث والتعبير عن دواخلهن وعن مشاعر نقية موجودة في صدورهن لكنهن يخفينها، وهو ما تطلَّب من الكاتبة الابتكار في طريقة الطرح‭.‬ فكان أن ارتأت إظهار ذلك الطرح من خلال رسمها لإطار سردي يتحدث عن مشرفة تقوم بدراسة بحثية في مؤسسة رعاية الجانحات، فترصد حالة إحداهن، وهو ما سهّل قابلية إنصات الآخر لها، مبتعدةً عن إطار الطرح المباشر لقضايا الجانحات وعرض صوتهن المتمرد على المجتمع‭.‬

ربما يعود اتباع القاصة لطريقة الطرح غير المباشرة هذه إلى علم القاصة برغبة القارئ التجسس على مدلول النص وليس الوقوف بوصفه الجمهور المجبر على الإنصات‭.‬

إن هذا الأسلوب في طرح وجهة نظر الكاتب أو كما يدعى التبئير هو من الأساليب المهمة في ملامسة بعض القضايا الحساسة التي لا يتقبلها القارئ عادة أو التي تكون مخالفة للسائد من وجهات النظر المتعلقة بالقراء‭.‬

الواقع والرمز

يصبح الرمز في السرد أداة توصيل دلالية تتفجر في النص إلى مدلولات متوالدة، يمتد بالتوالد إلى خارج النص وما بعد القراءة‭.‬ سعاد خبية في “فاطمة التي عاشت” (مجلة الجديد، العدد 5)، تخط اسم فاطمة في العنوان، ليصبح الاسم (فاطمة) رمزاً بذاته، رمزاً تحمله وتصونه كل أيدي شخصيات القصة كما لو أنه الثورة السورية لأجل الحرية، ومطالب الحق ذاتها‭.‬ تضعنا القاصة أمام إمكانية اكتفاء الأدب بالواقع ليكون أدباً، فمن الواقع تنتج رمزاً بحجم خدّيجة عمرها لا يتجاوز الساعات اسمها فاطمة‭.‬

قصة ” فاطمة التي عاشت” نوع من القص الذي يدوّن الواقع! قصة تدوّن تاريخ مدينة وطفلة، تدوّن حكاية من حكايا وطنها، لا تحتاج في أثناء قصها للكثير من العمل على إيجاد المعاني المؤثرة والحدث الغريب‭.‬ فالواقع الذي تستند له القصة هو بذاته قصة تحمل كل مفردات القص المؤثر والمشوق، تتقن خبية اصطفاف مكعبات الزمن والحدث والمكان، وهي ابنة الحدث فتعرف بحدسها كل ما يمكن أن يعطي قصتها الواقعية المنطقية والتشويق المؤثر بالقارئ، تحاول الكاتبة جعل الرمز: فاطمة، الخدِّيجة الصغيرة، شخصية كاملة الأركان تبني عليها الحدث وتجعلها مركز اهتمام القارئ وسبب جذبه الحقيقي لإكمال عملية القراءة بفعل بناء آخر مرافق لا تنسى الكاتبة أن تجعله خلفية وموسيقى تصويرية وهو الأحداث المرافقة من مثل نزوح الناس من بيوتهم وقصفهم واقتلاعهم وإهانتهم على حواجز جيش النظام‭.‬ كل هذه الأحداث تمر مرافقة لحدث إنقاذ الرمز/فاطمة الخدّيجة، مما يجعل من القصة مشهداً سينمائياً سريعاً، فيه ضباب وغبار وقذائف ومشفى وأيد رحيمة وأصوات يائسة، تعايش الخدِّيجة كل الأحداث والأمكنة والمعارك في المدينة، تركض محمولة على أيدي الناس، لا شيء فيها يستطيع الحراك إلا عينين كعقيقتين!

ففي الوقت الذي تنتمي فيه القصة إلى قصص الواقعية البسيطة من جهة التقنية السردية فهي تبدو معقدة من جهة زحمة الأحداث والبناء المتراكم للشخوص والأمكنة إضافة إلى نسج الرمز عائشة ذات الأيام المعدودة وتحويلها إلى رمز للثورة تحاول كل حوامل القصة والواقع أن تبقيه على قيد الحياة‭.‬

العتبة النصية الدالة

لوحة: حسين جمعان

أولت دراسات النقد العناوين اهتماما كبيرا باعتبارها عتبة سردية مهمة تمنح النص طاقات مختلفة وربما توجّه مجرى الكتابة ذاته‭.‬ قصة “خطوتان للفرج” للقاصة لينا محمد (مجلة الجديد، العدد 5)، تنطلق من الواقع الذي يتيح لها قص الغريب، والإحساس بغير المألوف من المشاعر، ليقف المرء متسائلاً من الذي صنع النص جميلا القاصة أم الحدث الذي عاشته القاصة‭.‬

تبدأ القاصة عبورها باتجاه النص من خلال عتبة العنوان جاعلة منه قبلة نصّها وهويته التي تحافظ عليها حتى آخر كلمة‭.‬ تسمي خطوات العبور بين سوريا واللاسوريا بالموت البطيء، تستفيد من حسها الساخر أثناء عوالم الرعب، فتجعل من حركة طائرات الميغ التي تقصف الأراضي السورية حركات بهلوانية تحتفل بإبعاد السكان من البلاد أو بقصفهم، فتجعل أعداد الشهداء مجرد أرقام بعين المراقب، وتسخر من فعل الموت ذاته الذي يمكن أن يجعلها أحد هؤلاء الأرقام‭.‬ تلك الطريقة في السرد الساخر هي ما يخفف من ثقل الواقع وألمه في أخذ القارئ إلى عالم القص‭.‬

تقود سخرية التفكير بالحدث إلى الحديث عن حذائها الرياضي سوري الصناعة! فهو منقذها من الموت، ولكن عليها تحديد القاتل فتسأل السائق ممّن عليها أن تهرب، كيف تعرف أين عليها أن توجه حذاءها “اخترق الحجي دماغي: لا تخافين‭..‬ هذول ما بيوكلو بنات‭..‬ لو هُمّا خامّين كانن ذبحوش قبل ما يسألو عنش‭.‬ أدارَ محرك السيارة، وتابعنا طريقنا إلى المنفى‭.‬ وما زلت أفكر: تباً لهذا الهرب ولهذا الاختيار”‭.‬ إذن كان عليها أن تهرب من طائرات الميغ، لتلتحق بطابور من السوريين النازحين فتنسج جملاً تتمرد على كل السخرية التي في نصّها، تملؤها بشحنات من الألم تبقى هي الثابت في ذهن القارئ الراسخ عميقاً في وجدانه “في ذلك اليوم/عند الشيك، كان العشرات ينتظرون تبديل وطنٍ -ضُيِّقَ عليهم- بخيمة‭.‬ عشراتٌ، وقبلهم عبر آلافٌ، جمعوا على عجل ما استطاعوا من أحلام بـ(بقجة)، وتركوا ما تبقى من حطام لذاكرتهم وتفاصيل حياتهم ودماء، عشراتٌ ينتظرون‭..‬ وأنا منهُم”‭.‬

تعود إلى السخرية التي تستمر بالإلحاح على ذكرها من خلال حذائها السوري، كأن يسألها سائق التاكسي إن كانت سوريّة، فتنظر الراوية لحذائها السوري وتقول “نعم، كل تلك السخرية ستصبح وجعاً”، تقارن بين بلدها الأصلي والبلد المضيف، وتخلق المفارقات من خلال حوارات مع الآخرين، فترى بلدها بعين الآخرين (سيران) وحذاؤها السوري بعين مصلح الأحذية مجرد حذاء “تفحصه، كطبيب يحاول جاهداً إنعاشه: هاظ وضعو صعب، وما ظل مكان للدرزة، يعني اسمعي: إذا بدي أركب الظبان لازم أشيل ألف طبقة، كم ظبان راكب فوق بعض!! وحتى لو‭..‬!! ما هو النعلة مهترية، والكعب‭..‬ فش كعب‭.‬

للحظة، حسبته يتحدث عنّي، حيث كل ذكرى، كل جرح، وكل واقعة مدونة بأطرافه، كلُّ طبقةٍ توثّق لمرحَلة، لحالة‭.‬ كلُّ خيطٍ دُرزَ، له حكاية، هل يعرف أنّ هذهِ النّعلة اهترأتْ مِن كَثرةِ الجَري تفادياً للقَنصْ!”‭.‬

كما نلحظ أن القاصة تستمد لغة القص من لغة الواقع أحياناً فتجعل الحوارات باللغة المحكية، معبّرة عن خصوصية وجنسية المتحدث، وأنها تلجأ للغة الأدبية عندما يكون هدفها التحليل والتوصيف لا سيما في التعبير عن المشاعر وخصوصية ظرف النزوح السوري المعقد‭.‬

تختتم القاصة خطواتها بالتساؤل عن أيّ البلاد ستكون وجهتها التالية بعد أن عاشت أكثر من خمسمئة يوم في الأردن، ليتكوّن بذلك السؤال وقد فتحت بابا للقراءة الجديدة أو المكرورة للخطوات، وذلك يتوقف على شواغل الحدث القادم “خمسُمئة وعشرون يوماً، القهرُ يأكل من قلبي كما القط يأكل صغاره‭.‬ أبحث بين صور شهداء التعذيب عمّن انتظرتهم طويلاً، لأُنهي هذا الانتظار، وأجهد في إقناع نفسي بالعودة، أفكر، أتحمس، أقرر أخاف، أتراجع، وأقنع نفسي، ثانيةً، إني فعلتُ الصحيح‭..‬ وهربت‭.‬

وعندما يسألني أحدهم: ماذا بعد الأردن، تركيا‭..‬ أم أوروبا!”‭.‬ ذلك السؤال الذي يعود بالنص إلى دلالة العنوان بالخطو والنزوح، والاستياء من خيار النزوح كله تشتمه واضعة النهاية لقصتها‭.‬ وما بين عتبة البداية وعتبة النهاية تتلاعب بجملها وبمشاعر المتلقّي فمرة تضحكه وأخرى تؤلمه إلى حدّ الدمعة‭.‬

التشظي

تفكك رشا عباس عالمها القصي وتجعله متشظياً منذ العنوان “في المنزل وجدت كثيراً من الناس″ (مجلة الجديد العدد 5)‭.‬ حيث لا يكترث عنوان قصة عباس بمد جسور الدلالة إلى النص، فيظهر بكونه إحدى تشظيات النص وخطوة عبثية لا توصل لمدلول ثابت، فيبدو العنوان جملة سردية لا تحمل دلالة تتفجر داخل النص القصصي إلى مؤوّلات، بل ربما يتفجر خارج النص أي بعد القراءة حاثاً القارئ على البحث في البياض الدلالي عن مدلول ما‭.‬ لذا يسقط العنوان من القص بصفته عتبة دالة وتتشكل العتبة السردية في النص ذاته، فينتقل القارئ إلى حماقة الفعل الذي يحدث أمامه بقيام صديق الشخصية الراوية للقصة على حمل أخيها بينما هو نائم خلف مقود القيادة في السيارة، ووضعه على جنب الطريق وتركه هناك وحيداً في الليل والوحشة!

لا يظهر السبب المنطقي لتركه في الليل وحده مرميا على قارعة الطريق ولا السبب الذي يستتر وراء قبول الراوية الأخت بترك أخيها ملقى على ناصية الطريق ليلاً، ولا يتعرف القارئ السبب الذي أعاد الأخت للبحث عن أخيها في اليوم التالي‭.

يمكننا قراسة بعض الكتابات القصصية النسوية من حيث الإيغال في ملاحقة خط اللغة وتقليص خط المعنى، في ملاحقة الكلمات الغريبة والتعابير الأدبية بصفتها الهدف والأداة معا

وإن كانت الشخصية هي التي تحدّد كون النص ذي مبنى بحسب لوري لوتمان (بنكراد، 2003)، فنحن أمام شخصيات مغيبة عقلياً تظهر العبثية بحضورها حيث لا يظهر دورها في الربط بين الثيمات كما لو أنها تسير في نومها، لا تبرر أيّا من تصرفاتها أو تصرفات المحيطين بها‭.‬

تعود الشخصية الراوية في اليوم التالي لتطمئن على أخيها فتخبرنا أنها ذاهبة إلى مكان عمله، يظهر في القصة أن هناك جزءاً مفقوداً يربط بين المكان الذي ألقي بأخيها فيه وبين مكان عمله الذي تجده الراوية أنه قد تحول إلى سجن يحتجز أخاها وآخرين “في الصباح، كان ينبغي أن أذهب لأتفقده وأعرف ما جرى له‭.‬ كان من الواضح أين يجب أن أتوجه: سأهبط التلة المشمسة المرصوفة بحجر لأصل إلى مكان عمله‭.‬ بدا مكان العمل مختلفاً قليلاً، كان في قلبه فسحة تحوطها ستائر بيضاء بلاستيكية يجلس فيها الناس متلاصقين‭.‬ إنّي أراه بينهم هناك، شققت طريقي لأصل إلى المكان‭.‬ وصلت إليه‭.‬ كان جالساً بين الآخرين ولكن بلا ملابس سوى سروال داخلي قطني أبيض فقط يبدو عريضاً عليه كأنّه لشخص آخر”‭.‬

تتوالي أحداث ما ترويه لتخبرنا عن انزعاجها من كونها عادت للمنزل ووجدته مليئا بالناس، ولا تجد مكانا خاصا بها لتجلس به وتشرب فنجان قهوة منفردة، فالزوار قد انتشروا في بيتها، تغضب وتصرخ “ووجدت نفسي أصرخ وأشتم ورميت الفنجان على الأرض لينكسر وتركت الشرفة عائدة إلى الداخل وأنا أوبّخ نفسي قليلاً لأني تصرفت هكذا أمام الناس غير المذنبين فيما حدث لي ولأخي”‭.‬ ويمر حدث فقدها لأخيها في مكان الاحتجاز مروراً طبيعياً، وتنتهي القصة، وينتهي الحدث، واضعة القارئ أمام دهشة ما قرأ، وما لم يجد له أجوبة وما قد حاول رسمه في مخيلته من أحداث وصور متشظية تشبه الواقع في كثير من الأحيان لا سيما في أزمنة الحرب والضياع‭.‬

الانزياح

توجه مُزن مرشد “مجلة الجديد، العدد5) وجهة إبحار القارئ في نصها نحو عوالم السجن وذلك من خلال وضعها لعتبة سردية دالة في العنوان “سجن” فتتجه مدارك القارئ المعرفية مباشرة نحو مدلول الاعتقال‭.‬ إلا أن الكلمة تقوم بمثابة كلمة دالة على انزياح دلالي آخر لا يشبه المدلول الحقيقي للسجن، وهو انزياح يعود ليكشف جوانب جديدة في الرؤية التي تبئّر لها الكاتبة لمفهوم الحياة والولادة ذاتها‭.‬

المعتقلة هي أنثى والسجن خانق ومظلم، المعتقلة يائسة، لا ذكريات تخفف عنها وحشة السجن ولا هي إن بحثت في أمل في المستقبل وجدته‭.‬ وبذلك تضع القاصة كل معطيات السجن أمام عيني القارئ إلا أن هناك مفردة واحدة تشعر القارئ بالتشويش وأنه يفقد بوصلة قراءة المكان، وأن دلالة كلمة (سجن) ربما مزيّفة، وذلك عندما تصف جدران السجن بأنها طرية “ازداد تململها أكثر فأكثر، حاولت مدّ يديها ساقيها لكن المكان أضيق من محاولاتها، كلما تحركت اصطدمت بالجدران الطرية التي أصبحت كابوس حياتها”‭.‬ يستشعر القارئ هنا أن هناك انزياحاً في دلالة كلمة السجن وهو ما يعني انزياحاً في المدلول، وهو ما تكشفه النهاية المفارقة لكل معطيات الدالة اللغوية: السجن، لقد خرجت المعتقلة من رحم والدتها ميتة، لم تكن معتقلة بل جنيناً يائساً‭.‬

تحدثت الكاتبة بلسان حال جنين أنثى، لا ترى في المستقبل ما يشجّعها على القدوم إلى الحياة ولا في الماضي من ذكريات تبهجها فكان موتها حرية وانعتاقا! أرادت القاصة لمدلولها طابعاً مدهشاً فاختارت إحدى تقنيات الكتابة في الانزياح بالاعتماد على تحريك دالة (السجن) وتفجير طاقاتها الإبداعية إلى مؤوّلات تقارن بين الرحم والسجن، وبين جدوى الحرية والولادة‭.‬

تقوم غادة العبسي بعملية انزياح في عنوان قصتها “وحياة قلبي وأتراحه” (مجلة الجديد، العدد5)‭.‬ تعنون القاصة قصتها بعنوان أغنية سائدة تعبر عن الفرح والنجاح (وحياة قلبي وأفراحه) ثم تقوم بإزاحة كلمة (أفراحه) من العنوان وإبدالها بكلمة (أتراحه)، مما أدى إلى قفز في فضاء المدلول من الفرح إلى الحزن، وإحالة الأغنية التي تعبّر عن النجاح إلى قصة تعبّر عن الفشل‭.‬

تخرج القاصة إلى سطح حياة نصها ما تخفيه الحياة ذاتها من أمنيات غائرة في قلب الزوجة الثانية، فهي امرأة يعذّبها أن تكون زوجة مشروطة بعدم الإنجاب، لأن الزوج لديه أطفال من الزوجة الأولى، ويريد لعلاقتهما البقاء في إطار العاشق والعشيقة وليس الراغبة بالأبوة‭.‬ تترك لعقلها الحرية بالتفكير، تطلق سحابة من نشوة فرح بموت هذا الزوج، تستمتع بآخر حروف الحياة التي تسمعها من حلقه فهي لم تسمع منه في حياتها إلا كلمات النهي والأمر وشهقات رغبته بها، فتداخل بين الماضي الذي جمعها به وكيف وقعت بغرامه وشباك كلمات الغزل وبين رغبتها في التخلص من ذلك الماضي بالاغتسال “اغسلني الآن يا بحر مثل الفَرَس ‘إِكْوَاس’، يقع في غرامه ذلك الرجل الخبيث متأملًا قطراتك التي تداعب جلده الأبيض، اغسلني من نظرته الأولى وجوعه الأول ومن ملايين الخلايا تُساقِط عن جلدي كل صباح وتتركه برائحة تشبه الرحيل، لا تفلح في محوها أغلى العطور‭..‬! اغسل أذنيّ من كلماته الأولى صيادًا يهمس لي في أعماقك ‘أمانة يا بحر جَاش خِلي مَلَا منك؟ أبيض ظريف المعالم اختشى منك’‭..‬ ومن لومه عندما انقطعتُ عنك في اليوم التالي وعدتُ عند الغروب ‘كان خِلّك بيستناك استغيبَك يا جميل قطَع العشَم منك’‭..‬!”‭.‬

تتقصد القاصة إطالة حبل توصيف الزوجة الثانية لحالتها وذكرياتها وأحلامها كما لو أنها أمام وليمة اعتراف شهية لن تتح لها مرة أخرى، تبوح بغيرتها على الزوج، ورغبتها من التخلص من كونها مشاهِدة لبرنامج تلفزيوني فتقضم أظافرها غيظاً‭.‬

يشغل معظم المساحة السردية للقصة، القصُّ على مستوى المونولوج الداخلي، تنتقل القاصة بقصها إلى مستوى الحوار الخارجي عندما تقوم بربطه بثنائية: الحقيقة/الزيف، فتطلق دالة الحقيقة أحد طرفي الثنائية من خلال بثها لجملة سردية فيها صيغة مخاطبة قائلة “ثبّت أيها المصور عدستك على نهدين احتوتهما قبل دقائق حمالةُ صدر سوداء من نوعية الـ’pushup’، في محاولةٍ يائسة لرفع أشياءٍ كثيرة إلى ذروتها‭..‬ أحلام‭..‬ رغبات‭..‬ أعضاء مشلولة”‭.‬ لا تلبث هذه الجملة السردية أن تتحول إلى الحقيقة الأبرز في النص والتي تدفع القارئ لقراءة تدلالية جديدة على صعيد توالد المدلولات، وذلك عندما يكتشف القارئ أثناء كسر أفق توقعه أن كل ما سبق من كلام هو مجرد حلم يقظة (طرف الثنائية الآخر: الزيف) وأن زوجها يدخل بينما هي في مونولوجها الداخلي تحلم ليسألها إن كانت بخير، ولتسأله إن كان لم يمت “أجل حي‭..‬ هل هذا سؤال؟ ماذا حدث؟ أنا لا أذكر شيئاً على الإطلاق‭..‬ هل حدث مكروه؟”، تسأله ما الذي يذكره إذن فيجيب أنه يتذكر “البوش أب الأسود” أي حمالة الصدر التي تحدثت بها في أثناء مونولوجها السابق، فخاطبت بها المصور أن يثبت عدسته عليها‭.‬

إن تغيير القاصة لنمط الحدث من كونه فعلا حدث وانتهى إلى فعل متخيل في حلم يقظة، ومن ثمة إطلاقها دالة “البوش أب الأسود” على لسان الرجل الزوج، لم يكن إلا دوراناً يحيل إلى صوت الزوجة الثانية التي ترى علاقتها بالزوج منقوصة تنحرف نحو مفهوم إشباع الرغبات أكثر منها زوجية وأسرية وهو ما أرّقها ودفعها لأن تحلم بموت زوجها‭.‬

هناك من القاصات اللواتي لم يخصصن القصة بالصوت النسوي بل كانت القصة بالنسبة إليهن منبرا عاما للبوح، يمكن له أن يتحدث بصوت الرجل أو المرأة لا فرق، ولكن هذا النمط من القص لم يمكن الأكثر حضورا

من خلال ما سبق من نماذج قصّيّة يمكننا أن نوسع الرؤية النقدية للقصّ النسوي باعتباره صوتاً حاضراً، بعضه هجس بالصوت النسوي واعتبر أنه موظف لأجل خدمة قضايا المرأة وإحداث التغيير في واقعها من خلال إسماع القارئ همومها ومشاكلها‭.‬ فمنهن من جعلت المشكلة في الرجل وأخريات في المجتمع وبعضهن لا يفصل بين الرجل والمجتمع متناسيا أن المجتمع يتكون من الرجل والمرأة معاً‭.‬ وكانت النسوة اللواتي كرسن قصصهن لأجل البوح بالصوت النسوي متنوعات من حيث أدوات الطرح، فبعضهن من انغمسن بالمدلول طارقات أبواب موضوعات نسوية بحتة دون الاكتراث بتقنيات الكتابة مكتفيات بجدة الموضوع أو أهميته، وأخريات حاولن استخدام تقنيات الكتابة والاعتناء بالدوال المتعددة لإبعاد المباشرة عن نصوصهن ومجاراة متطلبات القراءة التأويلية أو التحفيزية‭.‬ وفي هذا الموضع بعضهن بالغ في الانشغال بأدوات التوصيل الدلالية دون الموازنة بحجم الانشغال ذاته في المدلول فجاء الطرح بسيطاً غير لافت‭.‬

في الطرف المقابل وجدنا أن هناك من القاصات اللواتي لم يخصصن القصة بالصوت النسوي بل كانت القصة بالنسبة إليهن منبراً عاماً للبوح، يمكن له أن يتحدث بصوت الرجل أو المرأة لا فرق، ولكن هذا النمط من القص لم يكن الأكثر حضوراً‭.‬

تكشف النماذج السابقة عن أن مستوى السرد القصصي النسوي لايزال في نماذج كثيرة منه يترنح في مرحلة اللجوء للكتابة، ولم يرق إلى اللجوء المحترف، كما لم يرق إلى تقنية الكتابة القصصية، واختزال العالم في مشهد سردي ينهض من عتبات الهواية والموهبة، إلى مراقي الاحتراف الذي يضع اهتمام القارئ هدفه‭.‬

غير أن نماذج أخرى استطاعت أن توازن بين دفتي الدال والمدلول، فأتقنت فن الكتابة بصفتها الفن الذي يعبّر وليس بصفتها فسحة التعبير فقط‭.‬

فالقاصون الذين يلهجون بكيفيات وطرق جذب القارئ وجعله يركض خلف النص ينجحون في ذلك غالباً من خلال الكثير من طرق الكتابة التي تعنى بالدال والمدلول في آن معاً، وربما لو استثمرت القاصات ما يُتّهمن به من تهمة الثروة الكلامية من خلال متابعة كل ما يصدر من نقد يخص السرد عامة والقص خاصة لطورن أدواتهن لتصبح قصصهن بحجم ما لديهن من بوح وما يخفين من مسكوت عنه.

المراجع‭:‬

• إيغلتون‭-‬ تيري، نظرية الأدب، تر‭:‬ ثائر ديب، منشورات وزارة الثقافة، دراسات نقدية عالمية 29، دمشق، 1995‭.‬

• بنكراد‭-‬ سعيد، سيمولوجية الشخصيات السردية، رواية الشراع والعاصفة لحنا مينة نموذجاً‭-‬ دار مجدلاوي، عمان، 2003‭.‬

• السيمياء مفاهيمها وتطبيقاتها، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 2012‭.‬

• بيرس‭-‬ تشارلز ساندرس، تضعيف العلامات، مدخل إلى السيميوطيقا، تر‭:‬ فريال جبوري غزول، إشراف‭:‬ سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد، دار إلياس العصرية، القاهرة، 1986‭.‬

• تودوروف‭-‬ تزفيتان، ميخائيل باختين‭:‬ المبدأ الحواري، تر‭:‬ فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1996‭.‬

• جينيت‭-‬ جيرار، خطاب الحكاية، تر‭:‬ محمد معتصم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998‭.‬

• حسين‭-‬ هيثم، الشخصية الروائية، مسبار الكشف والانطلاق، دار نون، الإمارات، 2015‭.‬

• خريس‭-‬ أحمد، العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، دار الفارابي ودار أزمنة، بيروت وعمان، 2001‭.‬

• رافع‭-‬ اعتدال، مجموعة ‭(‬امرأة من برج الحمل‭)‬، وزارة الثقافة، دمشق، 1986‭..‬

• السري‭-‬ انتصار، مجموعة ‭(‬المحرقة‭)‬، منشورات إبداعات يمانية، صنعاء، 2013‭.‬

• مينو‭-‬ محمد محي الدين ، معجم النقد الأدبي الحديث، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2012‭.‬

• الطحاوي‭-‬ ميرال، مجموعة ‭(‬ريم البراري المستحيلة‭)‬، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2004

• العثمان‭-‬ ليلى، مجموعة ‭(‬الحب له صور‭)‬، دار الشروق، القاهرة، 1987‭.‬

• مجلة عالم الفكر، تزفيتان تودوروف، تحولات الشعرية في الثقافة النقدية العربية الجديدة، مج 37، ع 3، يناير‭-‬مارس، الكويت، 2009‭.‬

• مجلة الجديد،‭(‬عدد خاص عن القصة القصيرة‭)‬، لندن، حزيران، العدد 5، 2015‭.‬


كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬من‭ ‬سوريا